عربي ودولي

الأربعاء 13 مايو 2026 4:58 مساءً - بتوقيت القدس

تصدع التحالف التاريخي: الرياض تتبنى سياسة 'الاستقلال الدفاعي' بعيداً عن واشنطن

تواجه العلاقة التاريخية بين واشنطن والرياض واحدة من أعنف الهزات الدبلوماسية في العقود الأخيرة، حيث تشير التقارير الواردة إلى تحول جذري في السياسة الخارجية السعودية نحو مزيد من الاستقلالية. هذا التحول بدأ يثير قلقاً واسعاً داخل إدارة الرئيس ترامب، التي بدأت تلمس رغبة سعودية واضحة في التحرر من القيود التقليدية للتحالف الدفاعي القديم.

وأعرب وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، عن استياء بلاده الشديد من الخطوات التي اتخذتها الرياض مؤخراً، لا سيما توقيع اتفاقيات دفاعية استراتيجية مع أوكرانيا. وتكمن المعضلة الأساسية بالنسبة لواشنطن في أن هذه الاتفاقيات أُبرمت بمعزل عن المشورة الأمريكية، رغم أن الولايات المتحدة كانت تاريخياً الضامن الأول لأمن المملكة.

في المقابل، جاء الرد السعودي على الانتقادات الأمريكية حازماً ودبلوماسياً في آن واحد، حيث أكدت الرياض أن واشنطن لم تنجح في توفير حماية كاملة للمملكة ضد التهديدات الإقليمية، وتحديداً الهجمات بالطائرات المسيرة. وبناءً على ذلك، رأت القيادة السعودية أن من حقها السيادي تعزيز قدراتها الدفاعية عبر التعاون مع أطراف تمتلك خبرة ميدانية في هذا النوع من الحروب.

وأوضح ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان أن بلاده ستواصل السير في طريق يحمي مصالحها الوطنية أولاً وأخيراً. هذا الموقف يعكس رغبة في تنويع مصادر السلاح ونقل التكنولوجيا العسكرية، بعيداً عن الارتهان للموافقات السياسية التي غالباً ما تفرضها الإدارة الأمريكية كشروط مسبقة لصفقات التسلح.

وتعود جذور الخلاف الحالي إلى تصريحات أدلى بها الرئيس الأمريكي في تجمع جماهيري نهاية مارس الماضي، وصفت بأنها خارجة عن الأعراف الدبلوماسية. تلك التصريحات التي طالبت القيادة السعودية بـ 'تحسين التصرف' قوبلت بتحركات سعودية عملية مست المصالح الأمريكية في قطاعات الجغرافيا والسياسة والاقتصاد.

وشهد شهر مارس 2026 محطة مفصلية حين زار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الرياض لتوقيع اتفاق تعاون عسكري ضخم. ويركز هذا التعاون على تكنولوجيا مكافحة الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة التي أثبتت فاعليتها في الميدان الأوكراني ضد الأسلحة الإيرانية الصنع.

وتسعى السعودية من خلال هذا الاتفاق إلى ضخ رؤوس أموال ضخمة في قطاع الصناعات الدفاعية الأوكرانية، مما يساهم في تطوير سريع لهذه الصناعة. هذا التوجه يحرم الشركات العسكرية الأمريكية من تدفقات مالية كانت تعتبرها مضمونة، ويوجهها بدلاً من ذلك نحو القارة الأوروبية.

وفي تطور ميداني لافت مطلع مايو الجاري، تصاعد التوتر بعد إطلاق واشنطن مهمة بحرية لحماية السفن في مضيق هرمز دون تنسيق مسبق مع الرياض. هذا التصرف دفع السعودية لاتخاذ إجراءات صارمة شملت إغلاق مجالها الجوي ومنع القوات الأمريكية من استخدام القواعد العسكرية فوق أراضيها.

وأدت هذه الخطوة السعودية إلى توقف المهمة الأمريكية بعد 36 ساعة فقط من انطلاقها، مما كشف عن حجم الفجوة في التنسيق الأمني بين البلدين. وترى مصادر أن الرياض تتوجس من أن تؤدي التحركات الأمريكية غير المدروسة إلى تعريض منشآتها النفطية لضربات انتقامية إقليمية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يحذر خبراء من أن غياب التنسيق في منطقة الخليج سيؤدي إلى حالة من عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية. هذا الارتباك يرفع بشكل مباشر أقساط التأمين على السفن التجارية، ويدفع أسعار النفط نحو مستويات قياسية قد تضر بالاقتصاد العالمي المتعثر.

كما تبرز مخاوف جدية بشأن مستقبل نظام 'البترودولار' الذي حكم التجارة العالمية لنحو نصف قرن. فالتوجه السعودي نحو الاستقلال الدفاعي والمالي قد يعني نهاية الاتفاق الضمني الذي يقضي ببيع النفط حصرياً بالدولار مقابل الحماية العسكرية الأمريكية، وهو ما يهدد مكانة العملة الأمريكية عالمياً.

وتمتد طموحات الرياض العسكرية لتشمل الرغبة في الانضمام لمشروع المقاتلة الأوروبية من الجيل السادس (GCAP). هذا الاهتمام يؤكد أن المملكة لم تعد تكتفي بشراء السلاح الجاهز، بل تسعى لتكون شريكاً في تطوير أحدث التقنيات الدفاعية العالمية بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.

وتشير القراءات السياسية إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية فشلت في استيعاب واقع العالم متعدد الأقطاب، حيث لم تعد العلاقات تُدار بالغطرسة بل بالمصالح المتبادلة. فالسعودية اليوم تبني شراكات قوية مع قوى دولية أخرى مثل الصين، وتطالب بمعاملتها كدولة ذات سيادة كاملة لا كمحمية.

وخلصت التقارير إلى أن هذا الشرخ قد لا يقتصر على العلاقة مع واشنطن، بل قد يمتد ليشمل تحالفات إقليمية أخرى. فالتمايز في المواقف بين الرياض وأبوظبي، التي لا تزال تصطف بشكل وثيق مع التوجهات الأمريكية، قد يؤدي إلى إعادة رسم خارطة التحالفات في منطقة الخليج العربي.

دلالات

شارك برأيك

تصدع التحالف التاريخي: الرياض تتبنى سياسة 'الاستقلال الدفاعي' بعيداً عن واشنطن

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.