تشهد الأوساط السياسية والأمنية في تل أبيب حالة من الترقب المشوب بالقلق الشديد، على خلفية الأنباء الواردة من واشنطن حول تقدم ملموس في المفاوضات مع طهران. وتأتي هذه المخاوف في ظل توجه الإدارة الأمريكية نحو إبرام اتفاق ينهي حالة الحرب، وهو ما تراه إسرائيل تراجعاً عن أهداف الضغط القصوى التي كانت تأمل في استمرارها حتى انهيار النظام الإيراني.
ورغم محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طمأنة الشارع الإسرائيلي بالتأكيد على وجود تنسيق دائم مع الرئيس دونالد ترامب، إلا أن التسريبات تشير إلى فجوة عميقة بين أهداف الحرب المعلنة والنتائج المتوقعة. ويرى مسؤولون إسرائيليون أن أي اتفاق لا يضمن تفكيكاً كاملاً للقدرات النووية والصاروخية سيكون بمثابة هزيمة استراتيجية لتل أبيب.
وأفادت مصادر بأن عدداً من الوزراء في حكومة الاحتلال عبروا عن عدم رضاهم عن المسودة المتداولة للاتفاق، معتبرين أنها لا تختلف جوهرياً عن اتفاق عام 2015. ويكمن جوهر الاعتراض في أن الاتفاق المقترح يحد من تخصيب اليورانيوم لفترة زمنية محددة بـ 15 عاماً فقط، مما يترك الباب مفتوحاً أمام طهران للعودة إلى طموحاتها النووية مستقبلاً.
من جانبه، حاول عضو الكنيست موشيه سعدة، المقرب من نتنياهو، التخفيف من حدة هذه المخاوف بالإشارة إلى أن إسرائيل لن تكون ملزمة بأي اتفاق يكبّل يدها. وأوضح في تصريحات إذاعية أن المناورات السياسية الحالية تهدف لتجنب الظهور بمظهر المعرقل للجهود الأمريكية، بينما تستمر العمليات العسكرية في الميدان لفرض واقع جديد.
وفي سياق متصل، نقلت تقارير إعلامية عن مسؤولين أمنيين وصفهم للاتفاق بأنه 'طوق نجاة' للنظام الإيراني الذي كان يعاني من حصار خانق وضغوط داخلية متزايدة. ويرى هؤلاء أن رفع العقوبات وتحرير المليارات المجمدة سيمكّن طهران من إعادة تسليح أذرعها في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن.
وتشير التقديرات الاستخباراتية إلى أن إيران تمتلك حالياً مخزوناً ضخماً من اليورانيوم المخصب يصل إلى 11 طناً، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً لأي اتفاق رقابي. وتخشى إسرائيل من أن تكون أجزاء من هذا المخزون قد نُقلت إلى منشآت سرية تحت الأرض لم تطلها الضربات الجوية الأخيرة، مما يجعل تدميرها أمراً معقداً للغاية.
وعلى الصعيد العسكري، يسود اعتقاد في تل أبيب بأن الاتفاق سيؤدي حتماً إلى تقييد حرية عمل الجيش الإسرائيلي في الجبهة الشمالية. ويحذر قادة عسكريون سابقون من أن واشنطن قد تضغط لفرض وقف إطلاق نار شامل يمنع إسرائيل من استكمال عملياتها الرامية لتدمير البنية التحتية لحزب الله في جنوب لبنان.
هذا الاتفاق كارثي بالنسبة لإسرائيل، إنه يكرس حكم رجال الدين في إيران ويمنحهم طوق نجاة بينما كانوا يقتربون من الانهيار.
وفي واشنطن، يبدو أن الدوافع الاقتصادية والسياسية الداخلية تلعب دوراً حاسماً في تسريع وتيرة المفاوضات، خاصة مع انخفاض شعبية ترامب وتذمر الناخبين من ارتفاع أسعار الوقود. وقد انعكست أنباء المفاوضات فوراً على الأسواق العالمية، حيث سجلت أسعار النفط تراجعاً بنسبة تجاوزت 10%، مما منح الإدارة الأمريكية حافزاً إضافياً للمضي قدماً.
كما يواجه البيت الأبيض ضغوطاً تشريعية، حيث يلزم القانون الأمريكي الإدارة بالحصول على موافقة البرلمان للاستمرار في أي نزاع عسكري بعد مرور 60 يوماً على انخراط الجنود. هذا القيد الزمني يدفع واشنطن نحو البحث عن مخرج ديبلوماسي ينهي 'حرب الغضب الملحمي' كما وصفها بعض المسؤولين الأمريكيين، معتبرين أنها حققت أهدافها الأولية.
بالمقابل، تشترط طهران للقبول بالاتفاق رفعاً كاملاً للعقوبات الاقتصادية وفك الحصار البحري، بالإضافة إلى استعادة الوصول إلى أموالها المجمدة في الخارج. وتعتبر هذه الشروط خطاً أحمر بالنسبة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي ترى فيها وسيلة لتعزيز نفوذ إيران الإقليمي وتمويل عمليات عسكرية جديدة ضد المصالح الإسرائيلية.
وتشير تقارير 'مصادر' إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بآلاف الصواريخ الباليستية الجاهزة للإطلاق من منشآت محصنة تحت الأرض، رغم الضربات التي تعرضت لها. هذا الواقع يعزز الشكوك الإسرائيلية في جدوى أي اتفاق لا يتضمن بنداً صريحاً لتدمير هذه المنظومات الصاروخية التي تهدد العمق الإسرائيلي بشكل مباشر.
وفيما يتعلق بالأذرع الإقليمية، ترى تل أبيب أن حزب الله والحوثيين لا يزالون يمتلكون قدرات هجومية فتاكة، بما في ذلك الطائرات المسيرة المتطورة. وتخشى إسرائيل أن يؤدي الاتفاق إلى شرعنة وجود هذه القوى كجزء من ترتيبات إقليمية جديدة، بدلاً من إضعافها وتقويض قدراتها كما كان مخططاً له في بداية المواجهة.
ويرى المحلل العسكري غيورا آيلاند أن أي اتفاق في الوقت الراهن هو 'خيار سيء' لإسرائيل التي كانت تراهن على انهيار النظام الإيراني من الداخل تحت وطأة الحصار. وأكد آيلاند أن التراجع الأمريكي عن خيار الحسم العسكري يمنح طهران فرصة ذهبية لإعادة ترتيب أوراقها السياسية والاقتصادية والعسكرية بعيداً عن ضغوط الحرب.
ختاماً، تبقى العلاقة بين واشنطن وتل أبيب أمام اختبار حقيقي في ظل تباين المصالح الواضح تجاه الملف الإيراني. فبينما تسعى واشنطن لتهدئة الجبهات وتأمين تدفق النفط، تصر إسرائيل على أن الأمن المستدام لا يتحقق إلا بإنهاء التهديد الوجودي الذي يمثله المشروع النووي الإيراني بشكل نهائي وشامل.





شارك برأيك
قلق في تل أبيب من 'طوق نجاة' أمريكي لطهران: مخاوف من اتفاق ينهي الحرب ويبقي القدرات النووية