واشنطن – سعيد عريقات- 6/5/2026
تحليل إخباري
يكشف المأزق المتواصل في قطاع غزة، في ظل خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عن أزمة أعمق من مجرد خلاف تقني حول نزع سلاح "حماس". فمنذ طرح الخطة ذات النقاط العشرين في أيلول الماضي، كان واضحاً أن المقاربة الأميركية تقوم على فرض شروط أمنية أحادية، تتجاهل جذور الصراع السياسية، وتمنح إسرائيل هامشاً واسعاً لفرض وقائع ميدانية جديدة تحت غطاء "عملية سلام" متعثرة.
وبعد أشهر على بدء هدنة وُصفت بالهشة، تتبدى ملامح فشل تدريجي؛ إذ اصطدمت العملية السياسية بشرط نزع السلاح، الذي تحوّل إلى أداة تعطيل ممنهجة، أكثر منه مدخلاً للحل. وفي ظل غياب أي ضغط أميركي فعلي على إسرائيل، توسعت السيطرة العسكرية الإسرائيلية لتشمل نحو ثلثي القطاع، ما يعكس استخدام المفاوضات كغطاء لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي في غزة.
وتبدو الإدارة الأميركية، التي تُعلن رسمياً تمسكها بالمسار الدبلوماسي، عملياً منحازة لرؤية إسرائيل الأمنية، حيث اختزلت التسوية في مطلب "تفكيك حماس"، دون تقديم أي إطار سياسي متكامل يضمن إنهاء الاحتلال أو معالجة أسباب الصراع. حيث أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أكثر من مرة أن الاتفاق "يعتمد بالكامل" على نزع السلاح، وهو طرح يعكس تبنّي واشنطن للرواية الإسرائيلية، متجاهلاً اختلال ميزان القوى وغياب أي التزامات مقابلة من الجانب الإسرائيلي.
في المقابل، ترفض "حماس" التخلي عن سلاحها، ليس فقط كأداة عسكرية، بل كرافعة تفاوضية في ظل انعدام الثقة. وقد ربطت الحركة أي نقاش في هذا الملف بانسحاب إسرائيلي كامل من القطاع، وهو مطلب ترفضه إسرائيل بشكل قاطع، ما يكرّس حلقة مفرغة. غير أن تصوير هذا الرفض كعقبة وحيدة يتجاهل حقيقة أن إسرائيل نفسها لا تبدي أي استعداد لإنهاء احتلالها أو وقف عملياتها العسكرية، بل تواصل توسيع سيطرتها مستفيدة من الغطاء الأميركي.
اللافت أن الخطة الأميركية، التي انتقلت شكلياً إلى مرحلتها الثانية في كانون الثاني الماضي ، لم تحقق أي تقدم فعلي. فالحكومة التكنوقراطية المقترحة لم ترَ النور، ونزع السلاح لم يبدأ، وإعادة الإعمار بقيت وعوداً مؤجلة. هذا التعثر لا يعكس فقط تعقيد الملف، بل يكشف عن غياب إرادة سياسية حقيقية، خاصة من الجانب الأميركي، لدفع العملية نحو نتائج ملموسة.
في هذا السياق، تبدو إسرائيل المستفيد الأكبر من حالة الجمود، إذ تواصل إدارة الصراع وفق مصالحها، دون أن تتحمل كلفة سياسية أو قانونية تُذكر. أما واشنطن، فتمارس دور "الوسيط المنحاز"، الذي يكتفي بإصدار التصريحات، دون استخدام أدوات الضغط المتاحة لديه، ما يفرغ دوره من أي مصداقية.
في الوقت ذاته، تتفاقم الأوضاع الإنسانية في القطاع، حيث تستمر الغارات الإسرائيلية، وتبقى حياة المدنيين رهينة لتوازنات عسكرية هشة. ورغم الحديث عن هدنة، فإن أعداد الضحايا تؤكد أن العنف لم يتوقف فعلياً، بل تغيرت وتيرته وأشكاله.
ومع انشغال الإدارة الأميركية بملفات إقليمية أخرى، وعلى رأسها إيران، يتراجع ملف غزة إلى هامش الأولويات، ما يفتح المجال أمام مزيد من التدهور. تحذيرات الأمم المتحدة من احتمال انهيار الهدنة وعودة المواجهات الواسعة تعكس هشاشة الوضع، في ظل غياب أي أفق سياسي حقيقي.
المقاربة الأميركية في غزة تعكس خللاً بنيوياً في فهم طبيعة الصراع، إذ تُختزل الأزمة في بُعد أمني ضيق، بينما يتم تجاهل السياق السياسي والتاريخي للاحتلال. هذا الاختزال يخدم الرواية الإسرائيلية، التي تسعى إلى تصوير الصراع كمسألة "مكافحة إرهاب"، لا كقضية تحرر وطني. وبذلك، تتحول واشنطن من وسيط مفترض إلى طرف فعلي في الصراع، يعيد إنتاج موازين القوة القائمة، ويُسهم في إطالة أمد الأزمة بدلاً من حلها.
إسرائيل توظف شرط نزع السلاح كأداة استراتيجية لإدامة سيطرتها على غزة، وليس كخطوة نحو تسوية. فالإصرار على هذا الشرط قبل أي انسحاب يفرغ العملية السياسية من مضمونها، ويمنحها ذريعة للاستمرار في التوسع العسكري. في ظل غياب مساءلة دولية حقيقية، تتحول هذه السياسة إلى نموذج لإدارة الصراع بالقوة، حيث يُستخدم الأمن كغطاء لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي في القطاع.
الانحياز الأميركي لا يقتصر على الخطاب، بل يمتد إلى غياب أي ضغط فعلي على إسرائيل للالتزام بتعهدات متوازنة. فبينما تُمارس واشنطن ضغوطاً سياسية على الأطراف الفلسطينية، تكتفي تجاه إسرائيل بدور المراقب المشجع، ما يخلق اختلالاً فادحاً في العملية التفاوضية. هذا التباين يضعف ثقة الأطراف الأخرى بأي مبادرة أميركية، ويعزز القناعة بأن واشنطن غير قادرة—أو غير راغبة—في لعب دور الوسيط النزيه.
النتيجة النهائية لهذا المشهد هي تكريس حالة "اللا حل"، حيث يتحول الجمود إلى سياسة بحد ذاته. فبدلاً من التقدم نحو تسوية شاملة، يتم تثبيت واقع مجزأ، تُدار فيه الأزمات دون حلها. وفي ظل هذا النهج، يدفع المدنيون الفلسطينيون الثمن الأكبر، بينما تستفيد إسرائيل من غياب المساءلة، وتحتفظ الولايات المتحدة بدور شكلي لا يرقى إلى مستوى المسؤولية الدولية.





شارك برأيك
مأزق غزة في ظل خطة ترمب: هدنة هشة، وانسداد سياسي، وانحياز أميركي يكرّس الأمر الواقع