واشنطن – سعيد عريقات – 5/5/2026
تحليل إخباري
في وقتٍ تنشغل فيه أنظار العالم بالحرب الدائرة وتداعياتها الإقليمية، تتصاعد في الضفة الغربية موجة عنفٍ متنامية يقودها المستوطنون ، مستفيدين من حالة الانشغال الدولي وتراجع مستويات المتابعة والضغط السياسي. هذا الواقع شكّل جوهر تحليل إخباري نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية يوم الاثنين، 4 أيار 2026 ، مسلطًا الضوء على تحولات مقلقة في طبيعة العنف وحدّته، وعلى البيئة السياسية والأمنية التي تتيح له التمدد دون رادع فعّال.
يبرز التقرير مشاهد إنسانية قاسية تعكس عمق المأساة اليومية للفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث تحولت الاعتداءات من حوادث متفرقة إلى نمط شبه يومي من الهجمات المنظمة. ففي بلدة "قصرة"، قُتل الشاب أمير عودة، بينما تعرّض والده للطعن والضرب المبرح، في حادثة تختصر طبيعة العنف الجديد الذي لم يعد يقتصر على الترهيب بل تجاوز ذلك إلى القتل المباشر. ويؤكد شهود عيان أن المستوطنين باتوا مسلحين بشكل دائم، ما غيّر موازين المواجهة، وجعل السكان المحليين عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم.
ولا تقتصر هذه الاعتداءات على القتل، بل تمتد إلى أشكال متعددة من الانتهاكات، بما في ذلك الاعتداءات الجسدية والجنسية، وإحراق الممتلكات، وسرقة الأراضي والمواشي. في غور الأردن، تعرضت عائلة كاملة لاعتداء وحشي، فيما قُتل شبان آخرون أثناء محاولتهم حماية ممتلكاتهم. هذه الحوادث، وفق بيانات الأمم المتحدة، أدت خلال أقل من شهرين إلى مقتل 13 فلسطينيًا، وإصابة المئات، وتهجير مئات آخرين من منازلهم.
اللافت في هذا السياق أن تصاعد العنف يتزامن مع انشغال دولي بالحرب، ما يطرح تساؤلات حول العلاقة بين السياق الإقليمي والفراغ الرقابي الذي تستغله مجموعات المستوطنين. خبراء يرون أن هذه الجماعات تعتبر اللحظة الراهنة فرصة لتكثيف هجماتها بهدف فرض وقائع جديدة على الأرض، تتمثل في تفريغ مناطق فلسطينية وإحلال مستوطنين مكانها، ضمن مشروع طويل الأمد لإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية.
في المقابل، يواجه أداء الأجهزة الإسرائيلية، سواء الشرطة أو الجيش، انتقادات حادة. فعلى الرغم من الإعلان عن فتح تحقيقات في بعض الحوادث، تشير الأرقام إلى أن الغالبية الساحقة من هذه القضايا تُغلق دون توجيه اتهامات. كما أن الجنود، الذين يُفترض أنهم مسؤولون عن حماية المدنيين، غالبًا ما يتأخرون في التدخل أو يكتفون بالمراقبة، بل إن بعض التقارير تتحدث عن حالات تعاطف أو حتى مشاركة في الاعتداءات.
تتداخل هذه الإخفاقات الأمنية مع سياق سياسي أوسع، حيث تتهم أطراف داخل إسرائيل الحكومة اليمينية بالتقليل من شأن الظاهرة أو التغاضي عنها. ويعزز هذا الاتهام تصريحات بعض المسؤولين الذين شككوا في حجم العنف، رغم الأدلة الميدانية المتزايدة. كما أن السياسات الحكومية، مثل زيادة الدعم الأمني للمستوطنات، تُفسَّر من قبل منتقدين على أنها تمنح غطاءً غير مباشر لهذه الممارسات.
في هذا المناخ، باتت بعض الجماعات المتطرفة أكثر جرأة في التعبير عن أهدافها، بما في ذلك الدعوة العلنية إلى طرد الفلسطينيين من أراضيهم. هذا الخطاب، الذي كان يُتداول سابقًا في دوائر ضيقة، أصبح أكثر حضورًا في الفضاء العام، ما يعكس تحوّلًا في المزاج العام داخل بعض الأوساط الاستيطانية.
يكشف هذا التصاعد في عنف المستوطنين عن خلل بنيوي في منظومة المساءلة، حيث تتحول القوانين إلى أدوات انتقائية بدل أن تكون رادعًا شاملًا. غياب المحاسبة لا يقتصر على التقصير الإداري، بل يعكس إرادة سياسية غير مكتملة في مواجهة الظاهرة. ومع تكرار إغلاق الملفات دون اتهام، تتكرس ثقافة الإفلات من العقاب، ما يشجع على مزيد من التصعيد. في هذا السياق، يصبح العنف ليس انحرافًا عن القاعدة، بل امتدادًا لها، ضمن بيئة تسمح بتطبيع الاعتداءات وتحويلها إلى سلوك اعتيادي لا يثير ردعًا فعليًا.
ويفضي التذرع الدولي بالحروب الكبرى إلى فراغ رقابي خطير تستغله إسرائيل لتكريس واقع استيطاني عنيف في الضفة الغربية، حيث يمارس المستوطنون اعتداءاتهم المنظمة بحق الفلسطينيين تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال. هذه الممارسات لا تمثل حوادث معزولة، بل تعكس بنية ممنهجة من العنف والإفلات من العقاب، تجعل من الاستيطان الإسرائيلي حالة فريدة في عالمنا المعاصر. وفي ظل غياب ردع دولي حقيقي، تتحول هذه الجرائم إلى أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة، وفرض وقائع تقوض أي أفق لحل سياسي عادل.
يطرح تصاعد خطاب المستوطنين المتطرفين تساؤلات عميقة حول التحولات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، ومدى تقبّله أو رفضه لهذه التوجهات. فحين ينتقل خطاب الإقصاء من الهامش إلى العلن، ويُقابل بصمت أو تبرير، فإن ذلك يشير إلى تغير في المعايير الأخلاقية والسياسية. هذا التحول لا يؤثر فقط على الفلسطينيين، بل ينعكس أيضًا على بنية الدولة الإسرائيلية وصورتها الدولية. وفي ظل هذا المناخ، يصبح من الصعب الفصل بين أفعال الأفراد وسياسات الدولة، ما يعقّد أي محاولة للمساءلة أو الإصلاح.
منذ تسعينات القرن الماضي، دأبت إسرائيل على تضخيم الخطر الإيراني وتقديمه كتهديد وجودي داهم، في مسعى لصرف أنظار المجتمع الدولي عن سياساتها على الأرض في الضفة الغربية المحتلة. هذا الخطاب الأمني لم يكن مجرد تقدير استراتيجي، بل تحول إلى أداة سياسية لتبرير التوسع الاستيطاني وتسريع مصادرة الأراضي، بالتوازي مع تصعيد منسوب العنف ضد الفلسطينيين لدفعهم نحو النزوح القسري. وبينما ينشغل العالم بمتابعة التوتر مع إيران، تتواصل عمليات فرض الوقائع الميدانية بعيدًا عن المساءلة، بما يعمّق اختلال ميزان العدالة ويقوّض أي إمكانية لسلام قائم على الحقوق.





شارك برأيك
تحت ستار الحرب على إيران: إجرام المستوطنين يتمدّد بلا حساب في الضفة الغربية