كشفت مصادر صحفية دولية عن تصاعد الدور الذي تلعبه باكستان كحلقة وصل رئيسية في قنوات التواصل غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران. وتعتمد هذه التحركات بشكل أساسي على نفوذ المؤسسة العسكرية بقيادة المشير عاصم منير، الذي بات المحرك الفعلي للدبلوماسية الباكستانية في هذا الملف الشائك.
وأوضحت التقارير أن دوافع إسلام آباد في قيادة هذه الوساطة تتجاوز الأبعاد الإنسانية، لتعكس شبكة معقدة من المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية. ويهدف الجيش الباكستاني من خلال هذه التحركات إلى تأمين استقرار إقليمي يحمي اقتصاد البلاد المنهك من تداعيات أي مواجهة محتملة في المنطقة.
وشهدت الأيام الأخيرة حراكاً مكثفاً، حيث غادر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إسلام آباد عقب تعثر جولة ثانية من المحادثات المقترحة مع الجانب الأمريكي. ومع ذلك، عاد عراقجي بعد 24 ساعة فقط لعقد لقاءات حاسمة لم تكن مع الحكومة المدنية، بل مع المشير عاصم منير شخصياً.
ويعكس هذا المشهد البنية الحقيقية للسلطة داخل باكستان، حيث يظل الجيش اللاعب المركزي في إدارة الدولة من وراء الكواليس منذ عقود. وتؤكد مصادر مطلعة أن المؤسسة العسكرية هي من تدير الملفات السيادية الكبرى، بينما تكتفي الحكومات المدنية المتعاقبة بدور التنفيذ السياسي المحدود.
وبرز اسم المشير عاصم منير كمحور أساسي في العلاقات الدولية لباكستان، حيث عقد لقاءات مباشرة مع شخصيات دولية وازنة، من بينهم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. وتأتي هذه التحركات في وقت يسعى فيه منير لتعزيز مكانة المؤسسة العسكرية عبر خطوات رمزية ومؤسسية غير مسبوقة في تاريخ البلاد.
وتواجه باكستان ضغوطاً اقتصادية خانقة تدفعها للبحث عن أي تهدئة إقليمية ممكنة، خاصة مع اعتمادها الكبير على واردات الطاقة عبر مضيق هرمز. وأدت الأزمة المالية إلى اتخاذ إجراءات تقشفية قاسية شملت تقليص أيام العمل وإغلاق مؤسسات تعليمية لتوفير النفقات وتجنب الانهيار الكامل.
ويعد ملف الطاقة أحد المحركات الرئيسية لتحركات إسلام آباد، لا سيما مشروع خط أنابيب الغاز الإيراني الباكستاني المتعثر بسبب العقوبات الأمريكية. وتطالب طهران بتعويضات مالية ضخمة تصل إلى 18 مليار دولار، مما يضع ضغوطاً هائلة على صانع القرار الباكستاني لإيجاد مخرج قانوني وسياسي.
واقع السلطة في البلاد لم يعد يخفي حقيقة أن القرار النهائي غالباً ما يكون بيد قائد الجيش، حتى وإن كانت الواجهة السياسية مدنية.
وتأمل دوائر صنع القرار في باكستان أن ينجح المشير منير في استثمار علاقاته مع واشنطن للحصول على استثناءات تسمح بإحياء مشاريع الطاقة الحيوية. ويرى خبراء أن هذا الدور يمنح إسلام آباد حضوراً دبلوماسياً يساهم في تحسين صورتها الدولية بعيداً عن الارتباط التقليدي بملفات الإرهاب.
وعلى الصعيد الإقليمي، وقعت باكستان اتفاقية دفاعية مع السعودية وُصفت بأنها تحالف عسكري غير معلن، مما أثار حفيظة بعض القوى الخليجية الأخرى. وظهرت بوادر توتر مالي عندما طالبت أبوظبي بسداد قرض بمليارات الدولارات، في خطوة فسرها مراقبون بأنها تعبير عن القلق من تقارب إسلام آباد مع الرياض وطهران.
وفي سياق متصل، أفادت مصادر بأن دونالد ترامب يبدي رغبة ملحة في التوصل إلى اتفاق سريع لإنهاء التوتر، بينما تتمسك طهران بضرورة رفع الحصار البحري. وتنسق باكستان في هذا الإطار مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا، بالإضافة إلى دول إقليمية كمصر وتركيا، لترجيح كفة الحلول التفاوضية.
وتراقب إسرائيل بقلق الدور الباكستاني المتنامي في المنطقة، حيث ترفض أي دور لإسلام آباد في صياغة التوازنات الإقليمية الجديدة. وتحاول تل أبيب ممارسة ضغوط على الإدارة الأمريكية للحد من تأثير الوساطة الباكستانية، خوفاً من انعكاساتها على أمنها القومي ومصالحها في الشرق الأوسط.
ورغم التوترات الحدودية التي شهدتها مناطق بلوشستان في يناير 2024، إلا أن الجانبين الباكستاني والإيراني نجحا في احتواء التصعيد سريعاً. ويعكس هذا التوازن الحذر رغبة الطرفين في تجنب الصدام المباشر والتركيز على المصالح الاقتصادية المشتركة، خاصة في ظل النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة.
وبدأت باكستان بالفعل في فتح مسارات تجارية جديدة مع طهران تشمل طرقاً لنقل البضائع من دول ثالثة مثل الصين، في محاولة لتخفيف الضغط الاقتصادي. وأثارت هذه الخطوات انتقادات في واشنطن ونيودلهي، حيث اعتبرت محاولة صريحة للالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة على النظام الإيراني.
ويبقى مستقبل الوساطة الباكستانية محفوفاً بالمخاطر والتحديات، في ظل معادلة دقيقة تجمع بين الطموح السياسي والاحتياجات الاقتصادية الملحة. وستحدد تطورات المشهد الدولي في الأشهر المقبلة مدى قدرة إسلام آباد على الاستمرار في لعب دور 'بيضة القبان' بين القوى المتصارعة في المنطقة.





شارك برأيك
كواليس الوساطة الباكستانية بين واشنطن وطهران: نفوذ العسكر وحسابات الاقتصاد