كشف مقطع فيديو كرتوني ساخر، تم إعداده بتقنيات الذكاء الاصطناعي وعرضته قناة 'إل بي سي' اللبنانية، عن عمق الانقسام الحاد في الشارع اللبناني. الفيديو صوّر الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، وعناصر الحزب على هيئة 'عصافير غاضبة' مستوحاة من اللعبة الشهيرة، بينما ظهر جنود الاحتلال الإسرائيلي في صورة 'خنازير' يتبادلون القصف معهم.
أثار هذا المحتوى الإعلامي ردود فعل غاضبة في أوساط مناصري حزب الله، الذين شنوا حملة مضادة عبر منصات التواصل الاجتماعي. تضمنت الحملة نشر صور مفبركة ومسيئة للبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، حيث تم التلاعب بصوره ووضع رموز مهينة مكان رأسه، مما فاقم من حدة الاحتقان الطائفي والسياسي.
لم تقتصر حملة الإساءات الإلكترونية على المرجعيات الدينية المارونية فحسب، بل امتدت لتطال رموزاً وطنية ودينية أخرى في البلاد. فقد شملت الهجمات صوراً لقائد الجيش العماد جوزيف عون، ومفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، بالإضافة إلى رموز دينية وتاريخية مثل القديس شربل، مما عكس حالة من الانفلات الأخلاقي الرقمي.
تحرك القضاء اللبناني سريعاً لاحتواء الموقف، حيث اتخذ مدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج أولى إجراءاته القضائية منذ تعيينه. واستدعى الحاج رئيس مجلس إدارة قناة 'إل بي سي'، بيار الضاهر، للمثول أمام المباحث الجنائية للتحقيق في خلفيات الفيديو الساخر وتداعياته على السلم الأهلي.
بالتوازي مع ذلك، أصدر القاضي الحاج توجيهاته للنيابة العامة المختصة بفتح تحقيق موسع لكشف هوية الجهات والأفراد المسؤولين عن فبركة الصور المسيئة للبطريرك الراعي. وتهدف هذه الإجراءات إلى ملاحقة المحرضين قانونياً ومنع استمرار حملات التشويه التي تستهدف المقامات الروحية والوطنية في لبنان.
من جانبه، حذر البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي خلال عظة الأحد من خطورة ما تشهده مواقع التواصل الاجتماعي من 'حرب كلامية'. واعتبر الراعي أن هذه الممارسات لا تندرج تحت إطار حرية الرأي، بل هي استباحة للكرامات وانحدار في القيم يهدد النسيج الاجتماعي اللبناني.
بدوره، أدان رئيس مجلس النواب نبيه بري حملات التطاول على الرموز الدينية والوطنية، مؤكداً رفضه للإساءة مهما كان مصدرها أو الوسيلة المستخدمة. ودعا بري اللبنانيين إلى الوعي بمخاطر الانزلاق نحو الفتنة التي يسعى إليها العدو المشترك لضرب وحدة المسلمين والمسيحيين في البلاد.
ما يجري من حرب كلامية ليس حرية رأي، بل انحدار مقلق في سلم القيم واللغة واستباحة للكرامات لا يحق لأحد أن يمسّها.
رئيس الحكومة اللبنانية شدد أيضاً على ضرورة الترفع عن الإساءات الشخصية والتنمر والتخوين، مهما بلغ حجم الخلاف السياسي بين الأطراف. وأشار في تصريحاته إلى أن هذه السلوكيات تساهم في شحن النفوس وتأجيج العصبيات، مناشداً المواطنين بنبذ خطاب الكراهية حفاظاً على استقرار الوطن.
قائد الجيش العماد جوزيف عون دخل على خط الأزمة معتبراً أن التعرض لرؤساء الطوائف والمقامات الروحية عمل مدان ومرفوض جملة وتفصيلاً. وأكد عون أن القادة الروحيين يمثلون قيماً وطنية تتجاوز البعد الديني، وأن القوانين اللبنانية ستطبق بصرامة لمعاقبة كل من يمس بهذه الثوابت.
وفي سياق التهدئة، دعا حزب الله جمهوره وأنصاره إلى التنبه للمخططات التي تستهدف إثارة الفتنة بين اللبنانيين في هذه الظروف الحساسة. وحث الحزب مناصريه على الترفع عن الانجرار إلى لغة السباب والشتائم، انسجاماً مع القيم الأخلاقية والدينية التي ترفض الإساءة للآخرين.
شهدت الأوساط السياسية اتصالات مكثفة لاحتواء تداعيات الأزمة، حيث اتصل وليد جنبلاط بالمركز الكاثوليكي للإعلام مستنكراً التعرض للبطريرك. كما أجرى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع اتصالاً بالراعي، معتبراً أن هذه الحملات تستهدف المواقف الوطنية التاريخية للبطريركية المارونية.
الرابطة المارونية طالبت الأجهزة الأمنية والقضائية بعدم التهاون مع أي تجاوز يمس الرموز الدينية، مؤكدة أن السلم الأهلي خط أحمر. وحذرت الرابطة من أن ترك هذه الإساءات دون محاسبة سيفتح الباب أمام انزلاق الخطاب العام نحو صراعات طائفية لا يمكن السيطرة عليها.
على المستوى الشعبي، تصدرت أخبار الفيديو والصور المسيئة 'الترند' على منصات التواصل الاجتماعي في لبنان، وسط انقسام حاد في التعليقات. فبينما دافع البعض عن الفيديو بوصفه عملاً ساخراً، رأى آخرون فيه تحريضاً غير مقبول، فيما أجمعت أغلبية المرجعيات على رفض الإساءة للرموز الروحية.
تأتي هذه التطورات في وقت يمر فيه لبنان بظروف استثنائية تتطلب تضامناً وطنياً واسعاً لمواجهة التحديات الراهنة. ويرى مراقبون أن 'حرب الصور' الحالية تعكس هشاشة الوضع الداخلي وسهولة استخدام الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي في إشعال فتيل الأزمات الاجتماعية.





شارك برأيك
حرب 'الذكاء الاصطناعي' تشعل فتنة إلكترونية في لبنان: القضاء يتدخل بعد إساءات طالت رموزاً دينية وعسكرية