يحلّ اليوم العالمي لحرية الصحافة هذا العام في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع الإشادات الدولية بشجاعة العاملين في الميدان مع تراجع غير مسبوق في مؤشرات حرية الإعلام على مستوى العالم. وتكشف التقارير الدولية عن صورة قاتمة لواقع المهنة، تظهر اتساع رقعة التضييق حتى في الدول التي كانت تُصنف كمعاقل للديمقراطية.
في خضم هذه التحديات، أعلنت منظمة اليونسكو منح نقابة الصحفيين السودانيين جائزة 'غييرمو كانو' العالمية لحرية الصحافة، وهو تكريم يحمل دلالات عميقة تتجاوز الرمزية المهنية. ويأتي هذا الاعتراف الدولي في ظل ظروف استثنائية يمر بها السودان، حيث دفع الصحفيون أثماناً باهظة لنقل الحقيقة من قلب النزاع المستمر.
وتشير الإحصائيات الموثقة إلى فقدان 32 صحفياً لحياتهم منذ اندلاع الصراع في السودان عام 2023، فضلاً عن تعرض المئات لانتهاكات جسيمة. ورغم توقف مؤسسات إعلامية كاملة عن العمل، إلا أن الإصرار على أداء الرسالة ظل قائماً في واحدة من أخطر البيئات المهنية عالمياً.
إن منح الجائزة للصحفيين السودانيين يربط نضالهم بنضالات عالمية ممتدة ضد القمع وتكميم الأفواه، حيث تحمل الجائزة اسم الصحفي الكولومبي الذي اغتيل دفاعاً عن حرية التعبير. وهذا الربط يؤكد أن معركة الصحافة ليست شأناً محلياً، بل هي جزء من صراع كوني على امتلاك الحقيقة وحماية حق المعرفة.
وبالانتقال إلى المشهد العالمي، يظهر تقرير 'مراسلون بلا حدود' أن أكثر من نصف دول العالم باتت تُصنف ضمن المناطق 'الصعبة' أو 'الخطيرة للغاية' للعمل الصحفي. هذا التدهور لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكمات تشريعية وسياسية بدأت منذ مطلع الألفية تحت ذرائع الأمن القومي.
ويبرز المؤشر القانوني كأكثر المجالات تدهوراً هذا العام، حيث اتجهت العديد من الحكومات نحو سن قوانين تجرم العمل الصحفي المستقل بدلاً من توفير الحماية له. هذه التشريعات باتت تهدد جوهر المهنة وتقوض الدور الرقابي الذي يجب أن تمارسه الصحافة على السلطات المختلفة.
ومع التحول الرقمي المتسارع، اتخذت القيود أشكالاً تقنية جديدة، حيث تحولت قوانين الجرائم الإلكترونية إلى أدوات لملاحقة أصحاب الرأي والصحفيين. وفي الوقت ذاته، استغلت بعض الأنظمة الفوضى الرقمية لتبرير فرض مزيد من الرقابة المشددة على الفضاء السيبراني.
الإصرار على نقل الحقيقة وسط الدمار ليس مجرد ممارسة مهنية، بل فعل مقاومة في وجه محاولات إسكات الأصوات المستقلة.
ساهم انتشار الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة في تآكل الثقة الشعبية بوسائل الإعلام التقليدية والحديثة على حد سواء. هذا الواقع جعل الجمهور أكثر عرضة للتضليل، وأضعف من قدرة الصحافة المهنية على القيام بدورها الأساسي في التحقق والاستقصاء والتدقيق.
يجد الصحفي المعاصر نفسه محاصراً بين فكي كماشة؛ ضغوط السلطة السياسية من جهة، وفوضى المعلومات الرقمية من جهة أخرى. هذه المعركة غير المتكافئة على المصداقية تفرض تحديات وجودية على المؤسسات الإعلامية التي تحاول الحفاظ على استقلاليتها.
تتعمق الأزمة مع سعي الحكومات للسيطرة المباشرة أو غير المباشرة على الوسائل الإعلامية عبر الضغوط الاقتصادية والسياسية. وقد أدى هذا التوجه إلى تحويل بعض المنصات إلى أدوات دعائية، مما تسبب في تراجع دور الإعلام العمومي الذي يُفترض أن يكون صوتاً للمجتمع.
يطرح الواقع الحالي سؤالاً جوهرياً حول من يملك الحق في رواية الحقيقة في ظل محاولات السلطة للتحكم في السردية العامة. هل ستبقى الصحافة وسيطاً مستقلاً، أم ستنجح الضغوط في تحويلها إلى مجرد ناقل لرؤية أحادية الجانب تخدم مصالح ضيقة؟
إن تراجع حريات الإعلام ليس مجرد أزمة قطاعية تخص الصحفيين، بل هو تهديد مباشر للمجتمعات وحقها الأصيل في الوصول إلى معلومات دقيقة. غياب الصحافة الحرة يفتح الأبواب على مصراعيها لانتشار الدعاية الممنهجة ويقوض أسس المشاركة الديمقراطية السليمة.
التكريم الدولي للصحفيين في مناطق النزاع، مثل السودان، يذكر العالم بأن الحقيقة لا تزال تجد من يدافع عنها في أحلك الظروف. ومع ذلك، فإن هذا الدفاع الفردي والمؤسسي يحتاج إلى إسناد دولي حقيقي ومواقف صارمة تتجاوز حدود البيانات التضامنية.
في الختام، تظل حرية الصحافة ضمانة أساسية لسلامة المجتمعات واستقرارها، وليست مجرد امتياز فئوي للعاملين في المهنة. إن الوعي المجتمعي بأهمية الإعلام المستقل هو الحصن الأخير لحماية قدرة الناس على فهم العالم واتخاذ قراراتهم بناءً على حقائق لا أوهام.





شارك برأيك
في اليوم العالمي للصحافة: تكريم السودان يكشف قتامة المشهد الإعلامي العالمي