رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات – 2/5/2026
في خطوة غير مسبوقة داخل جامعة أميركية، صوّت اتحاد الطلبة في جامعة “ذا نيو سكول” بمدينة نيويورك على وضع فرع منظمة “هيلل” الطلابية في حالة “عدم أهلية”، ما يعني حرمانه من التمويل والدعم اللوجستي والأنشطة المشتركة التي يقدمها الاتحاد الطلابي، وذلك على خلفية اتهامات تتعلق بدعم برامج مرتبطة بالجيش الإسرائيلي خلال الحرب المستمرة على قطاع غزة.
وجاء القرار، الذي أُقر بأغلبية الأصوات في الأول من أيار، بعد تحقيق مطوّل أجرته لجنة الامتثال التابعة لاتحاد الطلبة، خلص إلى أن “هيلل” خالفت مبادئ الجامعة التي تُلزم المنظمات الطلابية باحترام القانون الدولي والالتزام به.
وبحسب التقرير الذي استند إليه التصويت، فإن فرع “هيلل” في “ذا نيو سكول” وفرع “باروخ كولدج” المرتبط به، شاركا في الترويج لبرامج ترسل طلاباً إلى إسرائيل للعمل التطوعي في قواعد عسكرية وتقديم دعم لوجستي للجيش الإسرائيلي. ومن بين تلك البرامج: "هيلل أون بيس"، و"أونورد إسرائيل"، و"متطوعون من أجل إسرائيل".
ورأت اللجنة الطلابية أن هذه البرامج تمثل دعماً مباشراً لمؤسسة عسكرية متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة ضد الفلسطينيين في غزة، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الدولية للحرب الإسرائيلية وما خلّفته من دمار واسع وخسائر بشرية كبيرة.
كما أشار التقرير إلى وجود شراكات مالية مباشرة بملايين الدولارات بين “هيلل إنترناشونال” ووزارة الخارجية الإسرائيلية، قال إنها تهدف إلى “الترويج للدعاية المؤيدة للحرب” داخل الحرم الجامعي الأميركي.
ويُعد القرار تطوراً لافتاً في سياق الاحتجاجات الطلابية المتصاعدة داخل الجامعات الأميركية ضد الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث تحولت الجامعات خلال الأشهر الأخيرة إلى ساحات مواجهة سياسية وأخلاقية بين الطلاب المؤيدين للحقوق الفلسطينية والجماعات الداعمة لإسرائيل.
وتعتبر منظمة "هيلل إنترناشونال" تعد واحدة من أكبر الشبكات الطلابية اليهودية الصهيونية في الولايات المتحدة والعالم، وتنشط داخل مئات الجامعات عبر تقديم برامج ثقافية وسياسية ودينية للطلبة اليهود. إلا أن المنظمة تواجه منذ سنوات انتقادات متزايدة بسبب ارتباطها الوثيق بالمؤسسات الرسمية الإسرائيلية ودفاعها المستمر عن سياسات تل أبيب، بما في ذلك العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين. كما تتهمها حركات طلابية وحقوقية بالترويج للرواية الإسرائيلية داخل الجامعات الأميركية، وتمويل برامج زيارات وأنشطة تهدف إلى تعزيز الدعم السياسي والمعنوي لإسرائيل وتبرير سياساتها العدوانية ضد الفلسطينيين تاريخيا.
يشار إلى أن جامعة "ذا نيو سكول" تأسست عام 1919 بوصفها مؤسسة أكاديمية تقدمية تُعنى بحرية الفكر والبحث، وتضم عدة كليات بارزة، بينها "بارسونز" للتصميم، وكلية "يوجين لانغ" للفنون الحرة، وكلية الفنون الأدائية، إضافة إلى كلية الدراسات الاجتماعية.
ويأتي قرار اتحاد الطلبة في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة اتساعاً ملحوظاً في الانتقادات الشعبية لإسرائيل، لا سيما بين فئة الشباب والطلبة، الذين يعتبر كثير منهم أن الحرب على غزة كشفت حدود الخطاب الأميركي التقليدي حول حقوق الإنسان والديمقراطية.
ويشير اتساع رقعة الاحتجاجات داخل الجامعات الأميركية إلى تحوّل عميق في المزاج العام، خصوصاً بين الشباب الذين باتوا ينظرون إلى الدعم غير المشروط لإسرائيل باعتباره تواطؤاً مع العنف ضد الفلسطينيين. فبعد شهور من صور الدمار والقتل في غزة، لم تعد الرواية الرسمية الأميركية قادرة على إقناع قطاعات واسعة من الطلبة والأكاديميين. ويزداد الغضب حين تُستخدم أموال جامعية لدعم مؤسسات مرتبطة ببرامج تخدم الجيش الإسرائيلي. هذا التحول لا يعكس تعاطفاً عابراً مع الفلسطينيين، بل أزمة ثقة متفاقمة تجاه النخب السياسية والإعلامية التي تجاهلت حجم المعاناة تحت الاحتلال العسكري المستمر منذ عقود.
ولم يعد تزايد الانتقادات داخل الأوساط الأميركية لإسرائيل مقتصراً على النشطاء التقليديين أو جماعات حقوق الإنسان، بل امتد إلى طلاب وأساتذة وفنانين وحتى شخصيات يهودية تعارض سياسات الاحتلال. ويرى كثيرون أن الحكومات الأميركية المتعاقبة منحت إسرائيل حصانة سياسية شجعتها على الاستمرار في استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية. كما يشعر قطاع واسع من الأميركيين بالاستياء من محاولات إسكات الأصوات المنتقدة لإسرائيل عبر اتهامات جاهزة بمعاداة السامية. لذلك تبدو الجامعات اليوم ساحة مواجهة سياسية وأخلاقية تعكس انقساماً أميركياً متصاعداً حول حدود الدعم المقدم لتل أبيب في الداخل.
وتعكس قرارات الهيئات الطلابية في بعض الجامعات الأميركية شعوراً متنامياً بأن المؤسسات المؤيدة لإسرائيل تتجاهل مبادئ حقوق الإنسان حين يتعلق الأمر بالفلسطينيين. فالكثير من الطلبة يعتبرون أن استمرار الحرب على غزة، وما رافقها من قتل وتجويع ودمار واسع، كشف ازدواجية المعايير في الخطاب الغربي حول الحرية والديمقراطية. كما أن الدعم السياسي والإعلامي الأميركي لإسرائيل أثار استياءً متزايداً لدى شبان يرون أن بلادهم تنفق المليارات على الحروب الخارجية بينما تتفاقم الأزمات الاجتماعية داخلياً. ولهذا تتوسع حملات المقاطعة والاحتجاج داخل الجامعات بوصفها وسيلة ضغط أخلاقية وسياسية ضد الاحتلال الإسرائيلي في المرحلة الراهنة.
ويرى مراقبون أن الغضب المتصاعد داخل الجامعات الأميركية تجاه إسرائيل يعكس تغيراً جيلياً واضحاً في فهم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فبينما تبنت أجيال أميركية سابقة الرواية الإسرائيلية بوصفها حقيقة شبه مطلقة، بات الطلبة اليوم يعتمدون على وسائل إعلام مستقلة ومنصات رقمية تنقل صور الضحايا الفلسطينيين مباشرة من غزة والضفة الغربية. هذا التدفق اليومي للمشاهد الدموية جعل كثيرين يشككون في الخطاب السياسي الأميركي الداعم لإسرائيل بلا شروط. كما دفع قطاعات شبابية إلى اعتبار الدفاع عن الفلسطينيين قضية عدالة إنسانية، وليست مجرد موقف سياسي مرتبط بالشرق الأوسط وحده في الولايات المتحدة خلال السنوات.





شارك برأيك
اتحاد طلاب جامعة "ذا نيو سكول" يجمّد تمويل "هيلل" وسط تصاعد الغضب الأميركي من الحرب على غزة