أكد المحلل السياسي الأمريكي ألكسندر لانجلويس أن القوة العسكرية التي حشدتها الولايات المتحدة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تنجح في تغيير موقف طهران التفاوضي. وجاء هذا الاستنتاج بعد مرور قرابة تسعة أسابيع على اندلاع المواجهات، وفشل الجولات الدبلوماسية الأخيرة التي كان من المفترض أن تجري في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.
ويرى لانجلويس، في تحليل نشرته مجلة 'ناشونال إنتريست' أن إلغاء الرئيس دونالد ترامب لرحلة مبعوثيه يعكس وصول المسار العسكري إلى طريق مسدود. وحذر المحلل من أن استمرار هذا النهج يرفع من احتمالات العودة الشاملة للقتال، مما يضاعف الأضرار المدنية والاقتصادية التي بدأت تظهر آثارها بوضوح على الساحة الدولية.
وتشير المعطيات إلى أن المحادثات غير المباشرة التي استمرت نحو 21 ساعة قبل انهيارها لم تكن تتسم بحسن النوايا الكافي لإنهاء الصراع. فبينما تدرك واشنطن أن استمرار الحرب يرفع أسعار الطاقة ويهدد موقف الإدارة أمام الناخبين، ترى طهران في هذه المواجهة صراعاً وجودياً لا يمكن التنازل فيه.
إن الطبيعة الوجودية للحرب بالنسبة لإيران تجعل من الصعب على الضغوط العسكرية التقليدية تحقيق أهدافها السياسية المنشودة. وقد وجد الرئيس ترامب نفسه أمام خيارات تصعيدية محدودة، تتراوح بين العمليات البرية الخطيرة أو توسيع حملات القصف التي قد تجلب اتهامات دولية بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
ويعكس قرار فرض الحصار على الموانئ الإيرانية محاولة من البيت الأبيض لإيجاد مسلك وسط يتجنب التورط في غزو بري واسع. ومع ذلك، فإن هذا الحصار يضع القوات الأمريكية في مواجهة مخاطر مستمرة دون ضمانات حقيقية بوقف الصادرات الإيرانية أو شل قدراتها اللوجستية في المنطقة.
وحذر المحلل من أن تحويل الصراع إلى حرب تستهدف المجتمع الإيراني بشكل مباشر قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً. فبدلاً من إضعاف النظام، قد تساهم هذه الاستراتيجية في تعزيز شرعيته الداخلية ودفع البلاد نحو تبني أسلوب حرب الاستنزاف الطويلة التي تبرع فيها طهران.
إن استراتيجية 'إفقار الإيرانيين' التي لوحت بها بعض الدوائر في واشنطن قد ترقى إلى مستوى العقاب الجماعي وجرائم الحرب. وهذا الإدراك هو ما دفع ترامب على الأرجح إلى تمديد وقف إطلاق النار في أبريل الماضي، خوفاً من تداعيات الحرب غير الشعبية على حظوظه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
إن الاعتماد المستمر على القوة الغاشمة، التي فشلت بالفعل في تحقيق النتيجة المرجوة، يصل إلى حد التخلي عن السيطرة على الصراع لصالح جهات فاعلة أخرى.
ورغم أن الحصار البحري يمثل عملاً عدائياً مؤلماً للاقتصاد الإيراني، إلا أنه فشل في تحقيق هدفه الاستراتيجي المتمثل في تأمين مضيق هرمز. ولا تزال التقارير تشير إلى قدرة 'أسطول الظل' الإيراني على تهريب النفط وإيصاله إلى الأسواق الآسيوية، وتحديداً الصين، متحدياً بذلك الإرادة الأمريكية.
ويعتقد مراقبون أن مراهنة إدارة ترامب على إضعاف العزيمة الإيرانية هي مراهنة على نتيجة غير محتملة في المدى المنظور. فمنذ بدء العمليات العسكرية، تمكنت إيران من تعزيز نفوذها عبر السيطرة الفعلية على ممرات عبور الطاقة الحيوية والأسمدة والبضائع الأساسية في المنطقة.
ولا تحتاج طهران بالضرورة إلى خوض مواجهات تقليدية كبرى للحفاظ على تفوقها في مضيق هرمز، بل يكفيها التهديد المستمر لتعطيل الملاحة. وقد تسبب هذا التكتيك في صدمة حقيقية لصناع القرار في واشنطن الذين لم يتوقعوا مثل هذه القدرة على الصمود والمناورة من الجانب الإيراني.
وتحاول الولايات المتحدة حالياً إقناع دول أخرى بالانضمام إلى تحالفات بحرية لمعالجة الأزمة التي ساهمت السياسات الأمريكية في خلقها. غير أن هذه المحاولات تعكس ضعف الثقة في قدرة واشنطن المنفردة على حسم الصراع، وتكشف عن رغبة في تحميل الآخرين تبعات قراراتها التصعيدية.
إن العقلية التي تدار بها الأزمة في البيت الأبيض هي السبب الرئيس وراء فشل محادثات إسلام آباد، ومن المتوقع فشل أي حوار مستقبلي ما لم يتغير هذا النهج. فإيران تدرك تماماً حجم النفوذ الذي اكتسبته ميدانياً، وبناءً عليه قامت بتشديد مواقفها التفاوضية بدلاً من تقديم التنازلات.
ويشير المحللون إلى أن العروض التي قدمتها طهران سابقاً بشأن برنامجها النووي لم تعد مطروحة على الطاولة في الوقت الراهن. ويمثل هذا التراجع انتكاسة جديدة للدبلوماسية الأمريكية، تشبه إلى حد كبير تداعيات الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي في عام 2018.
في نهاية المطاف، يبدو أن الولايات المتحدة قد انزلقت في مستنقع جديد في الشرق الأوسط كان بإمكانها تجنبه عبر مسارات أكثر حكمة. ويتعين على واشنطن الآن مراجعة حساباتها لتفادي صراع عسكري مباشر وشامل قد لا تحمد عقباه على استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي.





شارك برأيك
تحليل: لماذا أخفقت الآلة العسكرية الأمريكية في كسر الإرادة الإيرانية؟