كشفت السلطات القضائية في مالي عن تطورات خطيرة تتعلق بالاختراقات الأمنية داخل المؤسسة العسكرية، حيث أعلن المدعي العام في المحكمة العسكرية بالعاصمة باماكو عن تورط ضباط في الجيش بالتعاون مع الجماعات المسلحة. وأوضح البيان أن التحقيقات الجارية أثبتت وجود أدلة دامغة تدين عسكريين حاليين وآخرين تم فصلهم مؤخراً، مشيراً إلى أنهم قدموا تسهيلات لوجستية ومعلوماتية للمسلحين الذين نفذوا أكبر سلسلة هجمات تشهدها البلاد منذ أكثر من عقد.
ولم تقتصر الاتهامات على الجانب العسكري فحسب، بل امتدت لتشمل الطبقة السياسية المعارضة في الخارج، حيث أكد البيان تورط سياسيين ماليين بارزين يعيشون في المنفى في عمليات التنسيق والتخطيط لهذه الهجمات. وتهدف هذه التحركات، وفقاً للمصادر الرسمية، إلى زعزعة استقرار الدولة وتسهيل تنفيذ عمليات عنيفة ومنسقة تستهدف تقويض سلطة المجلس العسكري الحاكم في باماكو.
ميدانياً، أعلن الفيلق الإفريقي التابع لروسيا، بالتعاون مع وحدات من الجيش المالي، عن تنفيذ عملية عسكرية نوعية استهدفت معسكراً للمسلحين بالقرب من الحدود الموريتانية. وأفادت مصادر بأن العملية أسفرت عن تدمير تجمع يضم نحو مئتي مسلح، كانوا يستخدمون أسطولاً مكوناً من 150 دراجة نارية وثلاث شاحنات مجهزة بصواريخ ورشاشات ثقيلة لشن هجماتهم الخاطفة.
وفي سياق متصل، نجحت القوات الروسية في تأمين وصول قافلة ضخمة من صهاريج الوقود إلى العاصمة باماكو، في خطوة تهدف إلى كسر الحصار الذي تفرضه المجموعات المسلحة. وأكد الجانب الروسي أن القافلة عبرت المسارات الحيوية دون أي اعتراض، مما يدحض مزاعم المسلحين بشأن قدرتهم على عزل العاصمة مالياً واقتصادياً، ويعزز من صمود خطوط الإمداد الحيوية للدولة.
وتواجه العاصمة المالية باماكو ضغوطاً متزايدة منذ يناير الماضي، بعدما تحول الحصار الاقتصادي الذي فرضه المسلحون إلى حصار بري وعسكري خانق. وقد تمكنت المجموعات المسلحة من بسط نفوذها على مواقع استراتيجية شملت مدن كيدال وجاو في الشمال، وصولاً إلى مدينة سفاري في الوسط، مما جعل معاقل المجلس العسكري في باماكو وكاتين تحت تهديد مباشر.
التحقيقات وجدت أدلة قوية بشأن تواطؤ بعض العسكريين في الهجمات، منهم ضباط حاليون ومفصولون في الآونة الأخيرة.
من جانبها، صعدت جماعة 'نصرة الإسلام والمسلمين' من خطابها السياسي، داعية كافة أطياف المجتمع المالي من أحزاب وقوى دينية وزعماء تقليديين إلى التوحد ضد السلطة القائمة. وطالبت الجماعة بالإطاحة بالمجلس العسكري الذي يقود البلاد منذ عام 2020، داعية إلى تأسيس ما وصفته بـ 'مالي الجديدة' عبر مرحلة انتقالية شاملة تنهي الحكم العسكري الحالي.
ورغم هذه التحديات، خرج قائد الجيش أسيمي غويتا بتصريحات أكد فيها إحكام سيطرته على مفاصل الدولة، معترفاً في الوقت ذاته بخطورة المرحلة الراهنة التي تمر بها البلاد. وأشار غويتا إلى أن الهجمات الأخيرة تمت بتنسيق عالٍ بين التنظيمات المسلحة وممثلي 'جبهة تحرير أزواد'، مما يتطلب استنفاراً كاملاً للقوات المسلحة لمواجهة هذا التحالف.
وفي إطار التضامن الإقليمي بين الأنظمة العسكرية في منطقة الساحل، سارعت كل من النيجر وبوركينا فاسو إلى تقديم الدعم العسكري المباشر لحليفتهما مالي. وأعلنت حكومة نيامي أن القوة المشتركة للدول الثلاث شنت غارات جوية مكثفة استهدفت معاقل المسلحين في مناطق الشمال المالي، في محاولة لتخفيف الضغط العسكري عن الجيش المالي واستعادة المبادرة الميدانية.
وعلى الصعيد الدولي، جدد الكرملين تمسكه بدعم السلطات الحاكمة في باماكو عبر الفيلق الإفريقي، رافضاً كافة الضغوط الرامية لسحب قواته من المنطقة. ويرى مراقبون أن الوجود الروسي بات يشكل ركيزة أساسية في استراتيجية المجلس العسكري للبقاء في السلطة ومواجهة التهديدات المتنامية من الجماعات المسلحة والحركات الانفصالية.
في المقابل، وجهت جبهة تحرير أزواد تحذيراً شديد اللهجة إلى دولتي الجوار، النيجر وبوركينا فاسو، مطالبة إياهما بالابتعاد عن الصراع الداخلي في مالي. وشدد المتحدث باسم الجبهة على أن الوضع الميداني بات خارجاً عن السيطرة، متوقعاً سقوط النظام العسكري في باماكو في وقت قريب، ومعتبراً أن التدخلات الخارجية لن تزيد الأزمة إلا تعقيداً.





شارك برأيك
تصعيد عسكري في مالي: اتهامات لضباط بالتواطؤ وتدخل جوي من النيجر وبوركينا فاسو