تحليل

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

انكسار شعار 'أمريكا أولاً': كيف ورطت الحرب مع إيران إدارة ترامب في مأزق الجغرافيا؟

مثّل صعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة ذروة التيار الشعبوي الذي تمحور حول شعار 'أمريكا أولاً'. هذا التوجه لم يكن مجرد دعاية، بل تعاقداً سياسياً لإنهاء استنزاف الموارد الأمريكية في صراعات خارجية لا تنتهي وإعادة التركيز على الاقتصاد الداخلي.

ومع ذلك، واجه هذا الخطاب اختباراً تاريخياً قاسياً مع اندلاع المواجهة العسكرية ضد إيران، مما كشف عن فجوة عميقة بين الوعود الانتخابية والواقع الجيوسياسي. لقد وجد الناخب الأمريكي نفسه أمام حرب لم يصوت لأجلها، بل صوت صراحة ضد تكرارها في منطقة الخليج.

تشير المعطيات الميدانية إلى أن الهجوم العسكري المباغت ضد طهران جاء بعد الانقلاب على مسار المفاوضات التي كانت قريبة من تسوية ثنائية. ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس استجابة لاعتبارات أمنية تخص حكومة نتنياهو أكثر من كونها مصلحة قومية أمريكية عليا.

لقد أحدث هذا التورط صدمة داخل قاعدة حركة 'ماكا' القومية، التي تؤمن بالانعزالية وترفض دور 'الشرطي العالمي'. هذا الجمهور لا يرى مصلحته في حروب بحرية معقدة، مما ينذر بشرخ داخلي بين ترامب وقاعدته التي بدأت تشعر بتنفيذ أجندات النخب التي كانت تعاديها.

يرى المفكر الأمريكي جيفري ساكس أن هذه المواجهة هي 'حرب أوهام'، بنيت على تقديرات خاطئة بإمكانية إخضاع طهران بالقوة العسكرية. ويبدو أن القرار لم يمر عبر القنوات المؤسساتية التقليدية، بل كان نتاج تفاهم شخصي مباشر بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب.

استثمر نتنياهو لسنوات في بناء سردية تعتبر إيران تهديداً وجودياً يتجاوز الملف النووي ليشمل نفوذها الإقليمي. ونجح في إقناع الإدارة الأمريكية بأن ضربات مركزة كفيلة بإسقاط النظام الإيراني أو دفعه للتراجع الجذري، وهو ما أثبت الواقع عدم صحته.

سقطت هذه المقاربة الأمنية أمام صمود الدولة الإيرانية، مما أدى إلى تكاليف جيوسياسية باهظة لم تكن في الحسبان. فقد ارتفعت أسعار الطاقة عالمياً واضطربت حركة الملاحة الدولية، مما وضع الاقتصاد العالمي في حالة من عدم الاستقرار الدائم.

برز مضيق هرمز كعنصر حسم استراتيجي في هذه المواجهة، حيث منحت الجغرافيا طهران قدرة على استنزاف الوجود البحري الأمريكي. وبدلاً من 'الصفقة السريعة' التي يفضلها ترامب، دخلت واشنطن في حرب استنزاف بطيئة ومكلفة تفتقر لأي أفق سياسي واضح.

وجدت الإدارة الأمريكية نفسها في حرج دولي وهي تستجدي دعم الحلفاء الأوروبيين لتأمين ممرات الملاحة، وهو ما يتعارض كلياً مع عقيدة الانعزالية. هذا التردد الدولي أظهر واشنطن معزولة نسبياً بسبب قرارات لم تُدرس تداعياتها الاستراتيجية بعناية كافية.

تتعالى الأصوات الفكرية في الغرب مؤكدة أن جذور التوتر في المنطقة لا تكمن في طهران بل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. وتعتبر هذه الأصوات أن إسرائيل تعمد إلى توسيع الصراعات الخارجية للهروب من استحقاقات السلام العادل وإقامة الدولة الفلسطينية.

إن محاولة إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر كسر 'العقدة الإيرانية' أثبتت فشلها في معالجة جوهر الأزمة. فغياب الحل العادل للقضية الفلسطينية يظل الوقود الحقيقي لكل الصراعات الإقليمية التي تمنح الأطراف المختلفة مبررات للحضور العسكري والأيديولوجي.

وضعت هذه الحرب 'الترامبية' في مأزق سياسي يصعب تبريره أمام القواعد الشعبية التي سئمت التدخلات الخارجية. لقد أثبتت الوقائع أن القوة العسكرية الفائقة لا يمكنها دائماً التغلب على حقائق الجغرافيا السياسية المعقدة في منطقة الشرق الأوسط.

تظهر الخلاصة أن الطريق نحو تهدئة المنطقة لا يمر عبر التصعيد العسكري مع القوى الإقليمية، بل عبر معالجة القضية المركزية في القدس ورام الله وغزة. إن إنهاء الاحتلال هو المفتاح الوحيد لإغلاق أبواب الصراع التي استنزفت القوى الدولية لسنوات طويلة.

في نهاية المطاف، كشفت الحرب عن محدودية الخطاب الشعبوي عندما يصطدم بالواقع، حيث بدت الجغرافيا أقوى من الشعارات. ويبقى السؤال قائماً حول قدرة النظام السياسي الأمريكي على استعادة توازنه بعيداً عن تأثير اللوبيات التي تدفع نحو حروب الوكالة.

دلالات

شارك برأيك

انكسار شعار 'أمريكا أولاً': كيف ورطت الحرب مع إيران إدارة ترامب في مأزق الجغرافيا؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.