أقلام وأراء

الأربعاء 01 أبريل 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

لا ملوك في أمريكا: حيث يتمرد الشارع على صورة الإمبراطور


في لحظة تبدو فيها الولايات المتحدة وكأنها تعيد تعريف موقعها في العالم، وتخوض صراعات مفتوحة في أكثر من ساحة، يأتي المشهد الداخلي ليكشف عن أزمة لا تقل خطورة عن التحديات الخارجية ، فمع اقتراب الانتخابات النصفية، لم تعد المؤشرات السياسية مجرد أرقام في استطلاعات الرأي، بل تحولت إلى حركة احتجاجية واسعة تعكس خللًا بنيويًا في العلاقة بين السلطة والشارع، خاصة في ظل التراجع الملحوظ في شعبية الرئيس ترامب .
مظاهرات “لا ملوك” التي اجتاحت الولايات الأمريكية الخمسين ليست حدثًا عابرًا يمكن احتواؤه بخطاب سياسي أو وعود انتخابية، بل تمثل لحظة مفصلية في وعي الشارع الأمريكي، الذي بدأ يرى في السلطة التنفيذية ملامح تركّز مقلق للقوة، يتناقض مع الأسس التي قامت عليها الجمهورية الأمريكية، أكثر من ثلاثة آلاف فعالية، وملايين المشاركين، ليسوا مجرد أرقام، بل تعبير عن حالة سياسية تتجاوز الانقسام الحزبي التقليدي، لتلامس سؤال الشرعية ذاته.
ما يلفت في هذه الاحتجاجات ليس فقط حجمها، بل طبيعة خطابها، فالشعارات التي رُفعت، من قبيل “الحرب من أجل الأرباح” و”عندما يصبح الظلم قانونًا تصبح المقاومة واجبًا”، تكشف أن جوهر الغضب الشعبي لا ينحصر في قضايا داخلية كالتضخم أو الهجرة أو الرعاية الصحية، بل يمتد إلى نقد عميق لدور الولايات المتحدة في العالم، ولسياسة الحروب المفتوحة التي باتت تُقرأ على نطاق واسع باعتبارها أداة لتحقيق مصالح ضيقة لا تعكس إرادة الشعب.
هذا التحول في المزاج الشعبي يشير إلى بداية تصدع في “السردية الأمريكية” التقليدية، تلك التي لطالما قدمت نفسها باعتبارها نموذجًا للديمقراطية والحرية ، فحين يخرج ملايين الأمريكيين إلى الشوارع رافعين شعار “لا ملوك”، فإنهم لا يحتجون فقط على رئيس بعينه، بل يرفضون فكرة الحكم التي يرون أنها تنزلق نحو شخصنة السلطة وتغوّلها.
المثير في هذا الحراك أنه لم يبقَ حبيس الداخل الأمريكي، بل امتد إلى الخارج، حيث شهدت عواصم غربية، من بينها باريس، مظاهرات تضامنية عكست اتساع دائرة القلق من السياسات الأمريكية ، هذا الامتداد يعكس حقيقة أن صورة الولايات المتحدة لم تعد تُناقش فقط داخل حدودها، بل باتت محل مساءلة عالمية، خاصة في ظل ما يُنظر إليه كتناقض بين خطابها المعلن وممارساتها الفعلية.
سياسيًا، تأتي هذه الاحتجاجات في توقيت بالغ الحساسية ، فالانتخابات النصفية لا تُعد مجرد محطة تشريعية، بل غالبًا ما تشكل استفتاءً على أداء الرئيس وإدارته، وفي ظل هذا الزخم الشعبي، تبدو صناديق الاقتراع وكأنها ستُحمَّل بمعانٍ تتجاوز التنافس الحزبي، لتصبح تعبيرًا عن رغبة في إعادة التوازن إلى النظام السياسي، أو حتى تصحيحه.
لكن ما يجب التوقف عنده هو أن هذه اللحظة قد لا تكون مجرد موجة احتجاج عابرة، بل بداية لتحول أعمق في بنية السياسة الأمريكية، فحين يفقد الشارع ثقته في النخب الحاكمة، ويتحول إلى فاعل مباشر في الشأن السياسي، فإن ذلك يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين إعادة إنتاج النظام بشكل أكثر توازنًا، أو الانزلاق نحو مزيد من الاستقطاب والانقسام.
 ان ما يجري اليوم في الولايات المتحدة ليس مجرد احتجاج على سياسات أو قرارات، بل صراع على معنى الديمقراطية نفسها ، وبينما يرفع المتظاهرون شعار “لا ملوك”، فإنهم يذكرون العالم بأن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي ديمقراطية ليس خصومها الخارجيين، بل تحوّل السلطة داخلها إلى ما يشبه ما قامت أصلاً لمقاومته.
في وقت تختلط فيها أصوات الهتاف بصدى صناديق الاقتراع، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تقف أمام اختبار وجودي حقيقي، لا يتعلق فقط بمن يحكم، بل بكيفية الحكم نفسها ، فالدول لا تسقط حين تُهزم في الخارج، بل حين تتآكل شرعيتها في الداخل، وحين يفقد المواطن ثقته بأن صوته قادر على إحداث الفرق.
ما تكشفه مظاهرات “لا ملوك” ليس مجرد غضب عابر، بل إنذار سياسي صريح بأن العقد الاجتماعي الذي طالما قدّمته أمريكا كنموذج للعالم، بات مهددًا من داخله، وعندما يخرج الملايين ليقولوا إنهم لا يريدون “ملكًا” في نظام يُفترض أنه جمهوري، فإن الرسالة تتجاوز شخص الرئيس لتصيب جوهر النظام.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت هذه الاحتجاجات ستؤثر على نتائج الانتخابات، بل ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على استيعاب هذا الغضب دون أن تنزلق إلى مزيد من الانقسام، لأن التاريخ يخبرنا أن الديمقراطيات لا تنهار دفعة واحدة، بل تتآكل تدريجيًا… حتى يأتي يوم يكتشف فيه الجميع أن ما كان يُؤخذ كأمر مسلّم به، قد أصبح موضع شك.
وفي هذا السياق، قد لا تكون هتافات “لا ملوك” مجرد شعار احتجاجي، بل عنوانًا لمرحلة جديدة… عنوانها الأبرز أن الشارع الأمريكي بدأ يعيد تعريف حدود السلطة، وربما يعيد رسم ملامح الدولة نفسها.


دلالات

شارك برأيك

لا ملوك في أمريكا: حيث يتمرد الشارع على صورة الإمبراطور

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.