تتجلى في الأزمات العالمية الراهنة حقائق سياسية تعيد صياغة فهم العلاقات الدولية، خاصة تلك المرتبطة بالتعامل مع القوى الاستكبارية. يظهر بوضوح أن الرهان على تغيير العقيدة السياسية للطرف الآخر غالباً ما يصطدم بواقع الاستعلاء الذي تمارسه الدوائر الصهيونية والأمريكية تجاه حلفائها، وهو ما يبرز في الخطاب المعلن الذي يتجاوز حدود اللباقة الدبلوماسية المتعارف عليها.
لقد كشفت التطورات الأخيرة، خاصة في ظل الحرب على غزة والتوترات مع إيران أن الولايات المتحدة باتت تقدم للعالم قيادة تفتقر للدبلوماسية التقليدية. ما كان يُهمس به في الغرف السرية أصبح يُعلن بلا مقدمات، حيث يجري التعامل مع الحلفاء بمنطق الاستنزاف المالي والتبعية المطلقة، دون اعتبار للمكانة السياسية أو السيادية لتلك الدول.
وفي سياق التطبيع العربي، يبدو أن قادة الكيان الصهيوني لا يجدون حرجاً في إبداء الاشمئزاز تجاه الأطراف التي قدمت تنازلات كبرى. إن علاقة الاستعلاء التي يمارسها بنيامين نتنياهو وفريقه تجاه دول مثل المغرب والإمارات تجاوزت التصورات، حيث يتم التعامل مع هذه الدول كأدوات وظيفية لخدمة مصالح الاحتلال فقط دون تقديم أي احترام متبادل.
ويبرز هذا الجحود في تصريحات مستشاري نتنياهو الذين استخدموا أوصافاً مهينة بحق شعوب عربية فتحت أرضها وموانئها للتعاون العسكري. ورغم هذا الانفتاح، لم يتردد نتنياهو في الظهور مراراً حاملاً خرائط تتجاهل السيادة الوطنية لتلك الدول، مما يؤكد أن التحالفات القائمة على التبعية لا تضمن اعترافاً بالحقوق التاريخية أو الجغرافية.
زمن الانبهار بالغرب وتصديق أسطوانات الديمقراطية والحريات يجب أن يتوقف للأبد بعد أن داس القادة الحاليون على الدبلوماسية.
أما على الصعيد الأمريكي، فقد انحدر الخطاب السياسي إلى مستويات غير مسبوقة من الإهانة الموجهة للحلفاء في الخليج وأوروبا على حد سواء. يتم اختزال الدول الخليجية في مواردها النفطية والمالية فقط، بينما يُنظر للأوروبيين كأتباع لا يملكون قرارهم السيادي، وهو ما يعكس عقلية الهيمنة التي لا تقيم وزناً إلا للمصالح المادية المباشرة.
إن المشهد الحالي يفرض ضرورة التوقف عن جلد الذات والتحرر من أسطوانة الديمقراطية والحريات التي يروج لها الغرب بينما يمارس عكسها تماماً. لقد نسفت الإدارة الأمريكية الحالية المنطقة الرمادية، وداس قادتها على الأعراف الدولية، ليظهر الوجه الحقيقي لسياسات تقوم على العدوان الممزوج بالوقاحة السياسية تجاه الصديق والعدو.
تاريخياً، لم تختلف الإدارات الأمريكية المتعاقبة ولا قادة الاحتلال في نهجهم العدواني لحماية مصالحهم المرتبطة بالثروات والسيطرة. إلا أن المرحلة الحالية أضافت بعداً جديداً يتمثل في التباهي بهذا العدوان وإهانة الحلفاء علناً، مما يستوجب وعياً جديداً يرفض التبعية ويعيد الاعتبار للكرامة الوطنية والسيادة في مواجهة هذا الصلف الدولي.





شارك برأيك
سياسة الاستعلاء: كيف يتعامل الاحتلال وواشنطن مع حلفاء التطبيع؟