تتجه السلطات الإيرانية نحو خطوات تشريعية حاسمة لإقرار قانون رسمي يفرض رسوماً مالية على حركة السفن التجارية المارة بمضيق هرمز. وتأتي هذه التحركات في ظل استمرار التوترات الإقليمية والعمليات العسكرية التي تشهدها المنطقة، حيث تسعى طهران لتقنين السيادة على الممر المائي الحيوي.
ويعكف البرلمان الإيراني حالياً على إعداد مسودة قانون تنظم حركة العبور عبر المضيق، مع التركيز على فرض جبايات مالية حتى بعد استقرار الأوضاع السياسية. وتسمح طهران حالياً بعبور ما تصفها بـ 'السفن غير المعادية'، بينما تفرض قيوداً مشددة على السفن المرتبطة بأطراف تعتبرها خصوماً لها.
وفي سياق متصل، بدأت قوى اقتصادية كبرى مثل الصين والهند وباكستان في التكيف مع الواقع الجديد عبر اعتماد آليات تنسيق مباشرة مع الجانب الإيراني. وتهدف هذه التفاهمات إلى ضمان عبور سلس لناقلاتها وسفنها التجارية دون التعرض لتعقيدات إجرائية أو أمنية في الممر المائي.
وكشفت بيانات ملاحية حديثة صادرة عن شركة 'Kpler' المتخصصة في تتبع الشحنات، عن لجوء أطقم السفن لاستخدام نظام التعريف الآلي (AIS) لإرسال إشارات سياسية. وتتعمد أكثر من نصف السفن العابرة منذ شهر آذار/ مارس الماضي توضيح جنسية المالك أو الطاقم لإثبات الحياد والابتعاد عن أي ارتباط بدول معادية لإيران.
وتشير التقارير الواردة من طهران إلى أن الرسوم المرتقبة قد تصل إلى مستويات قياسية تبلغ مليوني دولار للسفينة الواحدة. ويعد هذا الرقم قفزة هائلة مقارنة بالعقود الماضية التي كان العبور فيها مجانياً، مما يثير مخاوف جدية لدى شركات الشحن العالمية حول جدوى المسارات البحرية الحالية.
وصرح محمد رضا رضائي كوجي، رئيس لجنة الإعمار في البرلمان الإيراني، بأن بلاده تعمل بجدية على مشروع القانون الذي يمنحها حق تحصيل الرسوم. وبرر كوجي هذا التوجه بأن إيران هي الجهة الأساسية التي توفر الأمن في المضيق، ومن حقها الحصول على مقابل مادي لقاء هذه الخدمات الأمنية واللوجستية.
ويبرز الجدل القانوني حول هذا التوجه في التمييز بين القنوات الصناعية والمضائق الطبيعية في القانون الدولي. فبينما تملك الدول سيادة كاملة على القنوات التي حفرتها مثل السويس وبنما، تظل المضائق الطبيعية ممرات مفتوحة بموجب اتفاقية قانون البحار التي تضمن حق 'المرور العابر'.
إيران توفر أمن المضيق، ومن الطبيعي أن تحصل على مقابل مادي لقاء هذه الخدمة في ظل ظروف التوتر الإقليمي.
وتستند طهران في موقفها إلى حقيقة قانونية تتمثل في توقيعها على اتفاقية قانون البحار عام 1982 دون المصادقة الرسمية عليها حتى الآن. هذا الوضع يمنح المشرعين الإيرانيين مساحة للتمسك بالتشريعات المحلية، ومنها قانون المناطق البحرية الصادر عام 1993 الذي يمنح الدولة صلاحيات تنظيمية واسعة.
في المقابل، يرى خبراء القانون الدولي أن قواعد 'المرور العابر' أصبحت جزءاً من العرف الدولي الملزم لجميع الدول بغض النظر عن المصادقة على الاتفاقيات. ويحذر هؤلاء من أن تحويل إجراءات السلامة الملاحية إلى مصدر دخل مادي قد يواجه طعوناً قانونية دولية واسعة النطاق في المحاكم المختصة.
وتزداد التعقيدات الجغرافية نظراً لأن مضيق هرمز ليس ممراً إيرانياً خالصاً، بل تتقاسمه السيادة مع سلطنة عُمان. وأي إجراءات أحادية الجانب لفرض رسوم قد تؤدي إلى تباينات ديبلوماسية مع مسقط، التي تلتزم بشكل كامل ببنود اتفاقية قانون البحار والمعايير الدولية للملاحة.
وتحاول إيران استلهام نموذج 'اتفاقية مونترو' التي تنظم العمل في مضيق البوسفور التركي، حيث نجحت أنقرة في رفع رسوم الخدمات دون المساس بحرية الملاحة. ومع ذلك، يظل الفارق الجوهري أن اتفاقية مونترو هي إطار قانوني خاص وفريد، بينما يخضع هرمز لنظام المرور العابر الأكثر صرامة دولياً.
وعلى صعيد التكاليف الاقتصادية، تسببت التوترات في هرمز وباب المندب في قفزة هائلة لأقساط تأمين مخاطر الحرب، حيث تجاوزت الزيادة في بعض الحالات 400%. هذه التكاليف الإضافية تضاف إلى الأعباء التي تتحملها شركات الشحن، مما ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع النهائية.
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن فرض هذه الرسوم قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية بنسبة تتراوح بين 5% و10%. ولا يعود هذا الارتفاع لنقص في الإمدادات النفطية، بل نتيجة التضخم الحاد في كلف النقل والتأمين والرسوم السيادية الجديدة التي تسعى طهران لفرضها.
ويعيد هذا المشهد للأذهان معضلات تاريخية مثل 'رسوم الصوت' التي فرضتها الدنمارك لقرون في مضائقها، قبل أن تنتهي بمعاهدة كوبنهاغن 1857. ويبدو أن العالم أمام مواجهة جديدة بين السيادة الوطنية للدول المشاطئة وبين مبدأ حرية الملاحة الدولية الذي استقر عليه المجتمع الدولي منذ عقود.





شارك برأيك
إيران تدرس فرض رسوم عبور بمليوني دولار في مضيق هرمز: ثغرات قانونية وتداعيات اقتصادية