تمرّ الحركة الوطنية، وعلى رأسها حركة فتح، بلحظة دقيقة تتطلب الجمع بين الوفاء للأصل والقدرة على التجديد والتكيف مع تحولات الواقع الفلسطيني المعاصر. ففتح لم تكن مجرد إطار تنظيمي، بل تجربة نضالية متجذرة في سياق تاريخي خاص، ارتبطت فيه الفكرة بالهوية، والفعل بالنضال، واستمدت شرعيتها من تمثيلها للوعي الجمعي الفلسطيني في الداخل والخارج. وهذه الشرعية التاريخية لا تمثل مجرد شهادة على الماضي، بل رصيداً سياسياً وأخلاقياً يمكن توظيفه اليوم لاستعادة ثقة الجماهير، وهو ما يشكّل أولوية استراتيجية في هذه المرحلة.
إن استعادة ثقة الشعب الفلسطيني تمثل قاعدة القوة الحقيقية للحركة، لأنها تمكّنها من التعبئة الفاعلة عند الحاجة، على أسس وطنية واضحة قائمة على فهم الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. غير أن هذه الثقة لا تُستعاد بالشعارات، بل عبر قدرة الحركة على إنتاج سياسات ومفاهيم وثقافة وطنية موحدة تجاه القضايا المختلفة، بما يضمن وضوح الرؤية وتماسك المشروع الوطني، ويعيد للحركة دورها كقائدة للرأي الوطني.
في هذا الإطار، يشكّل إحياء الأصول الفكرية للحركة خطوة أساسية، إذ لم تكن هذه الأصول شعارات عابرة، بل روحاً تأسيسية قامت على استقلالية القرار الوطني، والانحياز للجماهير، وروح المبادرة الفاعلة. واستعادة هذه المبادئ لا تعني العودة إلى الماضي بصيغته الجامدة، بل استعادة البوصلة الفكرية التي توجه العمل في الحاضر، بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية والسياسية، والانقسام الداخلي، وصعود أجيال جديدة لم تعايش مرحلة التأسيس.
لكن، ورغم هذا الرصيد التاريخي، واجهت الحركة تحدياً بنيوياً تمثّل في عدم إدراكها الكامل لتحول السياق النضالي من الخارج إلى الداخل بعد اتفاق أوسلو. فقد انتقل مركز الثقل من العمل في الشتات إلى الفعل المباشر على أرض الوطن، وهو ما كان يستدعي إحداث تغيير جذري في البنية التنظيمية والفكرية للحركة، بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الجديدة.
هذا التحول لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل نقلة في طبيعة العمل الوطني ذاته؛ من حركة تحرر تعمل في فضاء خارجي مفتوح نسبياً، إلى حركة تعمل ضمن واقع مركّب يخضع لقيود الاحتلال، وتشابكات السلطة، وضغوط الحياة اليومية للمجتمع الفلسطيني. وكان يفترض أن يقود ذلك إلى إعادة تعريف الأدوات النضالية، وتطوير آليات العمل السياسي والتنظيمي بما يعزز الحضور الميداني، ويعيد ربط الحركة بالجمهور في تفاصيل حياته اليومية.
غير أن غياب هذا التحول بالعمق المطلوب أدى إلى فجوة بين البنية التقليدية للحركة ومتطلبات الواقع الجديد، ما انعكس على قدرتها في التعبئة والتأثير. ومن هنا، فإن أي عملية ترميم حقيقية اليوم لا يمكن أن تتجاوز هذه النقطة، بل يجب أن تنطلق منها، عبر إعادة بناء الحركة كإطار فاعل على الأرض، قادر على إدارة الصراع ضمن شروطه الراهنة، والتفاعل المباشر مع المجتمع، وتحويل وجوده داخل الوطن إلى مصدر قوة لا إلى عبء تنظيمي أو سياسي.
إن استيعاب هذا الدرس يمثل مدخلاً أساسياً لإعادة إنتاج الحركة، بحيث يصبح الفعل الميداني هو الأساس، وتُبنى عليه الهياكل التنظيمية والخطابات السياسية، بما يعيد التوازن بين التاريخ والحاضر، ويمنح الحركة القدرة على استعادة دورها القيادي في المشروع الوطني.
وفي خضم هذا التحول والتحديات المتراكمة، يبرز تساؤل شعبي لا يمكن تجاهله: أين حركة فتح اليوم في حياة الناس؟ إنني، ومعي شريحة واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني، لا نلتقي بفتح كما ينبغي، ولا نشعر بحضورها الفاعل في تفاصيل الواقع اليومي كما كان يُفترض لحركة بحجم تاريخها ودورها. هذا الغياب لا يعكس بالضرورة انعدام الوجود التنظيمي، بقدر ما يشير إلى تراجع في الحضور الميداني والتفاعل المباشر مع الجماهير، وهو ما يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بشكل العلاقة بين الحركة وقاعدتها الشعبية.
إن هذه الفجوة بين الحركة والمجتمع تُعد مؤشراً خطيراً، لأنها تمس جوهر الشرعية التي استمدتها فتح تاريخياً من تمثيلها للناس والتصاقها بهم. وعليه، فإن ترميم هذه العلاقة يجب أن يكون في صلب أي عملية إصلاح، من خلال إعادة بناء قنوات التواصل الحقيقية، وتعزيز الحضور الميداني، والانخراط في هموم الناس اليومية، بحيث تعود الحركة لتكون جزءاً حياً من نسيج المجتمع، لا مجرد إطار تنظيمي منفصل عنه.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاستفادة من تجارب الحركات التحررية العالمية، التي أظهرت أن نجاح أي حركة لا يرتبط فقط بتاريخها، بل بقدرتها المستمرة على التكيف والتجدد. فقد أثبتت هذه التجارب أن وضوح الهدف يشكل البوصلة الأساسية لأي مشروع وطني، وأن العلاقة العضوية مع الشعب هي مصدر الشرعية الحقيقي. كما بيّنت أن المرونة في الأدوات، والقدرة على التحول بين أشكال النضال المختلفة، تمثل شرطاً أساسياً للاستمرار في ظل المتغيرات.
كذلك، أظهرت تلك التجارب أن بناء المؤسسات يتقدم على الشخصنة، وأن الاستثمار في الكوادر والتكوين المستمر هو الضامن لاستدامة الفعل الوطني. كما أن إدارة العلاقة مع السلطة، أو الفصل بينها وبين الحركة، يعد عاملاً حاسماً في الحفاظ على الاستقلالية والقدرة على المبادرة. ولا يقل عن ذلك أهمية القدرة على إدارة الخلافات الداخلية ضمن أطر تنظيمية صحية، تحول دون تحولها إلى انقسامات مدمرة.
إن استحضار هذه الدروس لا يأتي بهدف الاستنساخ، بل لاستخلاص ما يتناسب مع الحالة الفلسطينية، وتوظيفه في عملية إعادة البناء، بما يعزز قدرة الحركة على استعادة دورها التاريخي بروح جديدة وأدوات أكثر فاعلية.
ويتكامل مع ذلك إعادة تأصيل مفهوم الالتزام، بوصفه ركناً أساسياً في البناء الداخلي للحركة. فالالتزام لا يعني الطاعة الشكلية أو الولاء الشخصي، بل الانتماء الفكري والأخلاقي للمشروع الوطني، بحيث يصبح العضو شريكاً حقيقياً في الفعل، يوازن بين حقه في النقد وواجبه في العمل. وهذا يعيد الاعتبار لفكرة أن الولاء للفكرة يتقدم على الولاء للأشخاص أو المواقع.
ولا يمكن تحقيق هذا التحول دون ترميم داخلي شامل للحركة، يتجاوز إعادة الهيكلة التنظيمية إلى تطوير آليات اتخاذ القرار، وتعزيز المشاركة القاعدية، وتمكين الشباب من الانخراط الفعلي في العمل السياسي والفكري. كما يتطلب اعتماد نماذج حزبية ديمقراطية حديثة تقوم على بناء الكوادر تدريجياً وفق معايير الجدارة والالتزام، بعيداً عن المحاصصات أو التزكيات الشكلية التي أضعفت مصداقية الحركة في مراحل سابقة. ويرتبط ذلك بمنهج تدريبي تراكمي يجمع بين الوعي التاريخي والممارسة العملية، بما يمكّن القيادات الجديدة من فهم الواقع وإنتاج حلول مبتكرة.
وفي السياق ذاته، يبرز الفصل بين الحركة والسلطة الفلسطينية كخيار استراتيجي ضروري، يضمن استقلالية القرار التنظيمي والفكري للحركة، ويتيح لها المشاركة في الحكم دون أن تفقد دورها كإطار وطني رقابي وموجّه. فهذا الفصل يعيد للحركة وظيفتها الأساسية في إنتاج المبادئ والسياسات الوطنية بعيداً عن ضغوط السلطة التنفيذية.
إن إعادة إنتاج الحركة بصورة متجددة تعني تحويل خبرتها التاريخية إلى أدوات عملية قادرة على التعامل مع التحديات الراهنة، من خلال صياغة خطاب سياسي حديث يجمع بين العمق التاريخي والاستجابة لمتغيرات العصر، وتطوير أدوات تنظيمية قادرة على إدارة الأزمات والانقسامات بكفاءة. كما تعني إعادة تعريف الهوية التنظيمية بحيث تقوم على الجمع بين الوفاء للأصل ومرونة التكيف، مع ترسيخ الالتزام الفكري والوطني كأساس للعضوية والترقية.
في النهاية، تعتمد فاعلية حركة فتح واستمرارها على قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الشرعية التاريخية والتجديد الداخلي. فالأولى تمنحها المصداقية والامتداد الوطني، بينما يمنحها الثاني القدرة على التأقلم والاستمرار. إن هذا التوازن هو ما يحول الحركة من مجرد إرث تاريخي إلى قوة حية قادرة على قيادة المشروع الوطني، واستعادة ثقة الشعب، وجعل الجماهير شريكاً فعلياً في صناعة المستقبل، دون أن تفقد الحركة ذاكرتها أو تتوقف عن التطور في مواجهة تحديات العصر.





شارك برأيك
ترميم الحركة الوطنية وإعادة إنتاجها: بين الشرعية التاريخية وواقع اليوم – فتح نموذجاً (2026)