أفادت مصادر وتقارير دولية بأن إيران، رغم تجريدها من أجزاء واسعة من دفاعاتها الجوية والصاروخية، لا تزال تحتفظ بقدرة عالية على إرسال صواريخ وطائرات مسيرة تخلّف أضراراً بالغة. وتأتي هذه المعطيات لتناقض التصورات التي حاولت تصوير طهران كخصم ضعيف دُمرت قدراته العسكرية بالكامل جراء القصف الأمريكي والإسرائيلي المكثف خلال الأسابيع الأخيرة.
وتشير البيانات الصادرة عن مصادر عسكرية إلى أن عدد الهجمات التي شنتها إيران انخفض بنحو 90% منذ الأيام الأولى للحرب، بينما يؤكد الجيش الإسرائيلي اعتراضه لغالبية منصات الإطلاق. ومع ذلك، فإن سلسلة الهجمات الأخيرة على إسرائيل ودول الخليج تُعد دليلاً على أن طهران تمتلك ما يكفي من السلاح لزعزعة استقرار المنطقة وإلحاق خسائر فادحة بأعدائها.
وشهدت نهاية الأسبوع الماضي تصعيداً ملحوظاً، حيث شنت إيران غارة جوية على قاعدة عسكرية أمريكية في السعودية، أسفرت عن إصابة نحو عشرين جندياً. كما طالت الهجمات مرافق حيوية في المنطقة، شملت ميناءً في عُمان ومطار الكويت الدولي، بالإضافة إلى استهداف مصنع للألمنيوم في العاصمة الإماراتية أبو ظبي بصواريخ وطائرات مسيرة.
وفي الداخل الإسرائيلي، يواجه الملايين حالة من الشلل العام والخوف الدائم مع اضطرارهم للجوء إلى الملاجئ يومياً للاحتماء من النيران الإيرانية. وقد سجلت الجهات الطبية إصابة سبعة أشخاص في وسط إسرائيل جراء وابل صاروخي، فيما قُتل شخص في تل أبيب إثر انفجار قنبلة صغيرة ناتجة عن صاروخ مزود برأس حربي عنقودي.
ويرى خبراء أمنيون أن الحملة العسكرية ضد إيران، وإن كانت فعالة في استهداف القيادات وتدمير سلاح الجو والبحرية، إلا أنها لم تنجح في تحييد التهديد الصاروخي. فالمعيار الحقيقي للنجاح من وجهة نظر طهران هو استمرار قدرتها على الوصول إلى أهداف حساسة في العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
وتشير تقديرات لمسؤولين أمريكيين إلى أن إيران ربما لا تزال تمتلك آلافاً من طائرات 'شاهد' المسيرة ومئات الصواريخ الباليستية الجاهزة للإطلاق. ورغم الضربات التي استهدفت منشآتها على مدار شهر كامل، إلا أن غياب المعلومات الاستخباراتية الدقيقة يجعل من الصعب الجزم بحجم الترسانة المتبقية لدى الحرس الثوري.
ويلفت محللون عسكريون الانتباه إلى أن انخفاض معدلات الإطلاق لا يعني بالضرورة تدمير القدرات، بل قد يكون ناتجاً عن عملية إعادة تموضع تكتيكي. ويبدو أن القوات الإيرانية تعمل على دمج معلومات استخباراتية جديدة لتحسين دقة الاستهداف، وهو ما يفسر زيادة فاعلية الضربات رغم قلة عددها مقارنة ببداية الصراع.
المعيار الأساسي لنجاح إيران هو قدرتها على مواصلة إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة على إسرائيل والقواعد الأمريكية ودول الخليج، ونعلم أنها لا تزال قادرة على ذلك.
وتؤكد الباحثة كيلي غريكو أن معدل إصابة إيران للأهداف تضاعف أكثر من مرتين منذ منتصف شهر مارس، مما يشير إلى خصم يتكيف ويتعلم من الميدان. وتضيف أن التركيز على النسبة المئوية لانخفاض الهجمات قد يخفي حقيقة تحول النهج الإيراني نحو ضربات أكثر نوعية وتأثيراً في العمق الاستراتيجي للخصوم.
ولم تقتصر الهجمات على الأهداف التقليدية، بل شملت محاولات لضرب مواقع بالغة الحساسية، مثل سقوط صاروخ بالقرب من مفاعل ديمونا النووي في صحراء النقب. هذه الضربة الرمزية، التي وقعت على بعد 16 كيلومتراً فقط من المنشأة المحصنة، أثارت قلقاً كبيراً بشأن قدرة الأنظمة الدفاعية على توفير حماية كاملة للمواقع الاستراتيجية.
كما برزت ثغرة واضحة في الدفاعات الجوية الإسرائيلية تتمثل في استخدام إيران لصواريخ باليستية برؤوس عنقودية تنفجر فوق سطح الأرض. هذه التقنية تنثر عشرات القنابل الصغيرة على مساحات واسعة، مما يجعل اعتراضها بالكامل أمراً معقداً ومكلفاً للغاية، خاصة وأن صواريخ 'آرو 3' المخصصة لذلك باهظة الثمن ونادرة.
وتشير التقارير إلى أن إيران استغلت الفترات الماضية لإعادة بناء قدراتها بسرعة فاقت التوقعات الإسرائيلية، حيث أثبتت قدرتها على إطلاق ما بين 20 إلى 30 صاروخاً يومياً. وتتنوع هذه الصواريخ بين تلك التي تعمل بالوقود السائل والصواريخ الضخمة التي تخرج من مخابئ تحت الأرض تُعرف بـ 'المدن الصاروخية'.
ويعتقد محللون أن الحفاظ على وتيرة الهجمات يشير إلى وجود قواعد صواريخ سرية وأنفاق لم تنجح أجهزة الاستخبارات الغربية في رصدها أو تدميرها حتى الآن. هذا الوجود الخفي يمنح طهران القدرة على المناورة والاستمرار في تهديد الملاحة الجوية والبحرية في ممرات مائية حيوية ومنشآت طاقة دولية.
وفي سياق متصل، يرى المحلل فرزان ثابت أن إيران باتت تهدد أهدافاً أكثر بعداً ولفتت الأنظار بضربات وصلت إلى مناطق لم تكن متوقعة في السابق. هذا التطور في المدى والدقة يعزز من الموقف التفاوضي والعسكري لإيران، ويضع ضغوطاً إضافية على أنظمة الدفاع الجوي الإقليمية والدولية التي تحاول احتواء الموقف.
ختاماً، يبدو أن الصراع الحالي كشف عن قدرة عالية على الصمود لدى المنظومة الصاروخية الإيرانية رغم القصف الجوي المركز. ومع استمرار التهديدات من جبهات حليفة مثل الحوثيين، تظل المنطقة أمام مشهد أمني معقد يتجاوز مجرد حسابات الأرقام والنسب المئوية للضربات الجوية المنفذة.





شارك برأيك
رغم الضربات المكثفة.. تقارير تكشف قدرة إيران على مواصلة الهجمات بفاعلية أكبر