تصاعدت حدة السجال الداخلي في إسرائيل مع دخول المواجهة العسكرية مع إيران شهرها الثاني، حيث بدأت تطفو على السطح أصوات مشككة في القدرة على حسم المعركة استراتيجياً. ويرى مراقبون أن حالة النشوة التي صاحبت الضربات الأولى بدأت تتراجع لصالح قلق متزايد حول مآلات الحرب وتكلفتها الاقتصادية والأمنية على المدى الطويل.
اعتبر الجنرال في الاحتياط غيورا آيلاند، مستشار الأمن القومي الأسبق أن إسرائيل والولايات المتحدة وقعتا في فخ التقديرات الخاطئة منذ انطلاق العمليات. وأوضح آيلاند أن الخطأ الأول يتمثل في الفجوة الواسعة بين الأهداف المعلنة للحرب والوسائل المتاحة لتحقيقها، مشبهاً الموقف بحملة نابليون الفاشلة على روسيا.
أشار آيلاند إلى أن الخطأ الثاني يكمن في الاستهانة بقدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز، حيث ساد اعتقاد ساذج بأن تدمير الأسطول التقليدي سيعجز طهران. وأكد أن لدى إيران ترسانة ضخمة من المسيرات والألغام البحرية والصواريخ التي يمكنها شل الحركة الملاحية العالمية وتفاقم الأزمات الدولية.
شدد المستشار الأسبق على أن التقدير الخاطئ الثالث هو الاعتماد الكلي على القوة الجوية دون الانخراط في حملة برية واسعة. وأوضح أن غياب العمل البري، وفشل محاولات تجنيد قوى إقليمية كالأكراد لهذا الغرض، جعل النتائج تقتصر على التدمير المادي دون إحداث تغيير في الوعي الاستراتيجي للقيادة الإيرانية.
أكدت مصادر أمنية أن إيران استعدت لهذه المواجهة على مدار أربعة عقود، حيث شيدت مدناً صاروخية وقواعد عسكرية محصنة في أعماق الأرض. هذا الاستعداد يجعل من الصعب القضاء على قدراتها العسكرية عبر الهجمات الجوية فقط، وهو ما يفسر استمرار المواجهة رغم كثافة النيران الإسرائيلية والأمريكية.
في سياق متصل، حذر آيلاند من الانجرار إلى جبهة لبنان دون رؤية واضحة للنهاية، معتبراً أن إسرائيل وقعت في مصيدة استنزاف في الشمال. وأشار إلى أن حزب الله، الذي يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة، لا يزال قادراً على وضع مناطق واسعة تحت النار رغم الضربات التي استهدفت قدراته الاستراتيجية.
على الجانب الآخر، يتبنى تساحي هنغبي، مستشار الأمن القومي المستقيل، رؤية أكثر تفاؤلاً تدعو إلى استمرار الضغط العسكري لتحطيم ميزان الرعب. ويعتقد هنغبي أن إصرار الولايات المتحدة على تحقيق حسم عسكري قد يجبر طهران في النهاية على تقديم تنازلات جوهرية لم تكن واردة قبل اندلاع الحرب.
النجاحات التكتيكية لا ترتقي لمكسب استراتيجي، والضربات الجوية لا تؤثر على قناعات العدو وقراراته السيادية.
من الناحية الاقتصادية، يرى الباحث بيني سبطي أن النظام الإيراني يواجه خطر الانهيار الوشيك بسبب تراجع مداخيل النفط واحتجاز الأموال في الخارج. وأوضح أن طهران تعاني من عجز في توفير الاحتياجات الأساسية والغذائية لمواطنيها، مما قد يؤدي إلى انفجار شعبي يطيح بالسلطة الحاكمة تحت وطأة الأزمة المعيشية.
رغم هذه التوقعات، يرى محللون أن المراهنة على سقوط النظام من الداخل قد تكون مقامرة غير مضمونة النتائج في الوقت الراهن. فالشعب الإيراني، بحسب بعض القراءات، قد يلتف حول قيادته في مواجهة التهديدات الخارجية، خاصة إذا لم تتوفر بدائل سياسية واضحة مدعومة دولياً.
تخشى أوساط إسرائيلية من تضرر العلاقات مع واشنطن في حال فشلت الحرب في تحقيق أهدافها المرجوة ضد البرنامج النووي والصاروخي. وتسود رواية في بعض الدوائر الأمريكية مفادها أن تل أبيب هي من استدرجت الولايات المتحدة إلى هذه المواجهة المباشرة والمكلفة.
تمتلك إسرائيل قوة ردع نووية تقدر بـ 80 إلى 400 رأس حربي، إلا أن هذه القوة تظل خارج حسابات المواجهة التقليدية الحالية. كما أن اقتصادها، الذي يبلغ ناتجه القومي 400 مليار دولار، بدأ يشعر بضغوط الحرب المستمرة على جبهات متعددة تشمل غزة ولبنان والضفة الغربية.
تعتبر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن إيران هي الرأس المدبر لخمس جبهات معادية تحيط بها، مما يجعل المواجهة معها معركة وجودية. ومع ذلك، فإن السيطرة الميدانية في الضفة الغربية عبر مئات الحواجز العسكرية تستهلك جزءاً كبيراً من مجهود الجيش وقوات الأمن.
يبقى التساؤل قائماً حول كيفية إنهاء هذه الحرب، حيث تصر إيران على أن أي مفاوضات مستقبلية يجب أن تقتصر على الملف النووي فقط. وترفض طهران إدراج برنامجها للصواريخ الباليستية أو نفوذها الإقليمي في أي اتفاق، وهو ما يتعارض كلياً مع المطالب الإسرائيلية والأمريكية.
في نهاية المطاف، يبدو أن المقياس الحقيقي للنجاح يكمن في النتائج الاستراتيجية لا في عدد الأهداف المدمرة. وإذا لم تنجح الضغوط العسكرية والاقتصادية في تغيير سلوك طهران، فإن المنطقة قد تظل عالقة في دوامة من الاستنزاف الطويل الذي لا يخدم استقرار أي من الأطراف.





شارك برأيك
مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق: ثلاثة أخطاء استراتيجية تمنع هزيمة إيران