تبذل العاصمة التركية أنقرة جهوداً دبلوماسية مكثفة في محاولة لاحتواء التصعيد العسكري المتزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وتدرك القيادة التركية أن مسار العودة إلى طاولة المفاوضات يواجه تحديات جسيمة، خاصة في ظل التطورات الميدانية العميقة التي شهدها الشهر الأول من المواجهات.
وتشير القراءات السياسية في أنقرة إلى أن سوابق التفاوض بين طهران وواشنطن، لا سيما في عهد الإدارة الأمريكية الحالية، لا تبعث على التفاؤل الكبير. فقد أثبتت التجارب السابقة أن العمليات العسكرية قد تستمر وتتفاقم حتى في ظل وجود مواعيد محددة لجولات تفاوضية، مما يجعل احتمال استمرار الحرب قائماً وبقوة.
لم يعد احتمال تورط تركيا في الصراع مجرد فرضية نظرية يتداولها المحللون، بل أصبح سيناريو مطروحاً بجدية على طاولة صناع القرار. وتتخوف أنقرة بشكل أساسي من عمليات "توريط" مقصودة تهدف إلى استدراجها للمواجهة، أكثر من خشيتها من التورط التلقائي الناتج عن تدحرج الأحداث الميدانية.
وقد عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته هاكان فيدان عن هذا القلق بشكل مباشر، محملين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المسؤولية الكاملة. ويرى المسؤولون الأتراك أن الحكومة الإسرائيلية تسعى لتحويل المنطقة إلى ساحة حرب شاملة سيدفع العالم أجمع ثمن تداعياتها الكارثية.
من جانبه، حذر سليمان صويلو، رئيس لجنة الداخلية في البرلمان التركي، من الاستفزازات الإسرائيلية المستمرة التي تهدف لإقحام بلاده في الصراع. وتأتي هذه التصريحات في وقت تزداد فيه الضغوط الإقليمية والدولية على أنقرة لتحديد موقفها من التطورات المتسارعة في الملف الإيراني.
وتبرز أربعة سيناريوهات رئيسية قد تؤدي لانخراط تركي غير مرغوب فيه، أولها الرد المباشر على استهداف الأراضي التركية. وقد سجلت المصادر سقوط ثلاثة صواريخ في مناطق حدودية، ورغم نفي طهران، إلا أن تقارير الناتو أشارت إلى استهداف قواعد عسكرية تضم قوات تابعة للحلف.
السيناريو الثاني يتعلق بتوسع رقعة الحرب إقليمياً لتشمل أطرافاً مثل اليونان وقبرص، وهو ما سيفرض على تركيا تحركاً لحماية مصالحها الحيوية. هذا التوسع قد يغير موازين القوى في شرق المتوسط ويجبر أنقرة على اتخاذ إجراءات دفاعية أو هجومية استباقية.
نتنياهو وحكومته يسعون باستفزازاتهم لإقحام تركيا في كرة النار هذه، وهو ما يهدد السلم الدولي بشكل مباشر.
أما السيناريو الثالث فيتمثل في التدخل لحماية الأمن القومي التركي في حال حدوث فوضى عارمة أو بوادر لتقسيم الأراضي الإيرانية. وتخشى أنقرة من إعادة تفعيل "الورقة الكردية" على حدودها، وهو ملف استنزفت فيه جهوداً كبيرة لإغلاقه في كل من سوريا والعراق.
ويتمثل السيناريو الرابع في احتمال انخراط حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الحرب، خاصة في حال إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي. ورغم عضوية تركيا في الحلف، إلا أنها حافظت تاريخياً على مسافة تمايز في مواقفها، كما ظهر جلياً في الأزمة الأوكرانية الروسية.
وفي إطار سعيها لتجنب هذه السيناريوهات، تبنت أنقرة خطاباً رسمياً يتسم بالحذر والحزم في آن واحد، مؤكدة على حقها في الدفاع عن شعبها وأراضيها. وقد لوحظ أن الخطاب التركي تجنب توجيه اتهامات مباشرة لطرف بعينه بخصوص الصواريخ الساقطة، مفضلاً الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة.
ميدانياً، عززت تركيا قدراتها الدفاعية عبر نشر بطاريات صواريخ إضافية تابعة للناتو، لا سيما في قاعدة إنجيرليك الجوية جنوب البلاد. وتهدف هذه الخطوة إلى تقليل احتمالات الاستهداف المباشر وتوجيه رسالة ردع واضحة لأي طرف يحاول المساس بالسيادة التركية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تنشط أنقرة في وساطة جماعية تضم دولاً مثل عمان وباكستان ومصر وقطر لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران. وتستغل تركيا موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المتوازنة مع الطرفين لتهيئة الظروف المناسبة للبدء في إجراءات بناء الثقة.
ورغم هذه الجهود، تظل الرئاسة التركية حذرة تجاه التقارير التي تتحدث عن تموضع قواتها داخل الأراضي الإيرانية في حالات الطوارئ، حيث سارعت لنفيها رسمياً. ومع ذلك، يبقى القلق التركي قائماً من أي تحول قد يؤدي إلى انهيار النظام المؤسسي في الجارة الشرقية.
ختاماً، تدرك أنقرة أن الضمانة الوحيدة لعدم الانجرار إلى أتون الحرب هي الوقف الفوري للأعمال العدائية ومنع تدحرج الصراع. ويتطلب هذا المسار عملاً دؤوباً وتنسيقاً عالي المستوى مع القوى الإقليمية والدولية لتفادي سيناريو الانفجار الشامل الذي يهدد استقرار المنطقة بأكملها.





شارك برأيك
سيناريوهات التورط والحياد: كيف تناور تركيا لتجنب الانزلاق في المواجهة الإقليمية؟