عربي ودولي

الإثنين 23 مارس 2026 9:12 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب يمدد مهلة ضرب منشآت الطاقة الإيرانية خمسة أيام: تهدئة تكتيكية أم تصعيد مؤجل؟

واشنطن - سعيد عريقات


شهدت الأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران منعطفًا لافتًا مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد المهلة التي منحها لطهران لمدة خمسة أيام إضافية قبل تنفيذ تهديده بضرب محطات الطاقة والبنية التحتية الحيوية، وذلك في حال استمرار عرقلة الملاحة في مضيق هرمز. هذا التطور، الذي ترافق مع حديث ترمب عن "محادثات جيدة ومثمرة" بين الطرفين، يعكس مزيجًا معقدًا من التصعيد العسكري والرسائل السياسية المتضاربة، في وقت يقف فيه العالم على حافة أزمة اقتصادية محتملة.

اللافت أن الإعلان الأميركي لم يقابله رد رسمي مباشر من طهران، ما فتح الباب أمام تفسيرات متعددة حول طبيعة الاتصالات التي أشار إليها ترمب. ففي حين نفت وكالة "فارس" المقربة من الحرس الثوري وجود أي مفاوضات، سواء مباشرة أو غير مباشرة، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية عبر وسائل إعلام رسمية أن لا محادثات جرت مع واشنطن. هذا التناقض بين الروايتين يعكس فجوة عميقة في الثقة، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هناك قنوات خلفية غير معلنة، أم أن الحديث الأميركي يندرج ضمن إطار الضغط السياسي.

في موازاة ذلك، برزت تحركات إقليمية ودولية لاحتواء الأزمة، حيث أشير إلى أدوار لكل من سلطنة عمان وتركيا ومصر وباكستان في جهود الوساطة. وقد أكد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي أن بلاده تعمل بشكل مكثف لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لخطورة استمرار إغلاق هذا الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال.

وكان ترمب قد صعّد موقفه الأحد بإعلانه مهلة 48 ساعة قبل استهداف البنية التحتية الإيرانية، وهو ما قوبل بتهديد إيراني مباشر باستهداف منشآت حيوية في المنطقة، تشمل محطات كهرباء تزود قواعد أميركية، ومرافق تحلية مياه في دول الخليج، إضافة إلى تكثيف الهجمات على إسرائيل. غير أن تراجع الرئيس الأميركي عن تنفيذ تهديده الفوري، وتمديد المهلة، فُسر في طهران على أنه نتيجة مباشرة للردع الإيراني، حيث تحدثت وسائل إعلام رسمية عن "تراجع" أميركي بعد تحذيرات حازمة.

ميدانيًا، أدى التصعيد إلى تعطيل فعلي لحركة الملاحة في مضيق هرمز، ما أثار مخاوف من أزمة اقتصادية عالمية، انعكست سريعًا على الأسواق المالية التي شهدت تراجعًا حادًا قبل أن تعاود التعافي جزئيًا عقب إعلان التمديد. كما شهدت المنطقة استمرارًا للعمليات العسكرية، حيث اعترضت الدفاعات الجوية الإماراتية هجمات إيرانية جديدة، بينما واصلت الطائرات الأميركية والإسرائيلية ضرب أهداف داخل إيران.

ورغم حديث ترمب عن إمكانية التوصل إلى "حل كامل ونهائي"، لا تزال ملامح هذا الحل غير واضحة، خصوصًا في ظل التباين الكبير في الأهداف. فالإدارة الأميركية سبق أن أعلنت أن هدفها يشمل تغيير النظام، في حين تطرح طهران شروطًا تعتبرها واشنطن غير واقعية، مثل إنهاء الوجود العسكري الأميركي في الخليج ودفع تعويضات ضخمة.

في سياق متصل، يرى محللون أن إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية وحدها قد تكون مهمة شديدة التعقيد، نظرًا لقدرات إيران على تعطيل الملاحة بوسائل غير تقليدية، إضافة إلى الغموض المحيط بمخزونها من اليورانيوم المخصب. هذا الواقع يجعل من أي تصعيد عسكري مخاطرة مفتوحة على احتمالات غير محسوبة.

على الأرض، استمرت الضربات المتبادلة، حيث أصابت صواريخ إيرانية جنوب إسرائيل متسببة بإصابة أكثر من مئة شخص، في واحدة من أعنف الهجمات منذ بداية الحرب، ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى التعهد بالرد "على جميع الجبهات". في المقابل، شددت طهران على أنها ستدمر "بشكل لا رجعة فيه" بنى تحتية حيوية في المنطقة إذا نفذت واشنطن تهديداتها، بما في ذلك أنظمة المياه والطاقة.

ووفق تقديرات أولية، أسفرت الحرب التي اندلعت في شباط الماضي عن مقتل أكثر من ألفي شخص، معظمهم داخل إيران، ما يعكس حجم الخسائر البشرية الكبيرة ويزيد من تعقيد أي مسار نحو التهدئة.

ولا يمكن قراءة تمديد المهلة الأميركية بمعزل عن حسابات أوسع تتجاوز الميدان العسكري المباشر. فهو لا يعكس بالضرورة تحولًا نحو التهدئة بقدر ما يشير إلى إعادة تموضع تكتيكي، إذ تدرك واشنطن أن أي ضربة واسعة للبنية التحتية الإيرانية قد تفتح الباب أمام ردود إقليمية يصعب احتواؤها، خاصة في ظل تهديدات طهران باستهداف منشآت حيوية في الخليج. من هنا، يبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى كسب الوقت، سواء لتعزيز الضغط الدبلوماسي أو لإعادة ترتيب خياراتها، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

في المقابل، تواصل إيران اعتماد إستراتيجية "الردع المركب"، التي تمزج بين التصعيد العسكري المدروس والخطاب السياسي الحاد. فإصرارها على نفي وجود مفاوضات، بالتوازي مع التلويح بضرب بنى تحتية إقليمية، يهدف إلى ترسيخ صورة الصمود وعدم الخضوع للضغوط. غير أن هذه المقاربة تنطوي على مخاطر كبيرة، إذ إن أي خطأ في التقدير قد يقود إلى تصعيد غير محسوب، في بيئة إقليمية شديدة التعقيد والتوتر.

أما العامل الاقتصادي، فيبقى الأكثر حساسية وتأثيرًا في مسار الأزمة. فتعطيل مضيق هرمز، ولو جزئيًا، كفيل بإحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما ظهر بالفعل في التذبذب الحاد الذي شهدته الأسواق قبل أن تستقر نسبيًا. وهذا يعني أن استمرار التصعيد لن يبقى محصورًا في نطاقه الإقليمي، بل قد يتحول إلى أزمة دولية أوسع، ما يزيد الضغوط على جميع الأطراف للبحث عن مخرج سياسي، مهما كانت كلفته.

دلالات

شارك برأيك

ترمب يمدد مهلة ضرب منشآت الطاقة الإيرانية خمسة أيام: تهدئة تكتيكية أم تصعيد مؤجل؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.