يستقبل العالم الإسلامي عيد الفطر المبارك لهذا العام مثقلاً بأوجاع الحروب المستمرة، حيث تتمازج تكبيرات العيد مع دوي الانفجارات في مشهد يعكس قسوة الواقع الإقليمي. فمن قطاع غزة الذي يواجه حرب إبادة متواصلة، إلى لبنان الذي يئن تحت وطأة الاعتداءات، تبدو فرحة العيد عاجزة عن تجاوز خرائط الدمار والنزوح التي رسمتها آلة الحرب.
وفي قلب هذا المشهد المتأزم، تبرز المواجهة مع إيران كواحدة من أكثر المحطات خطورة في مسار التصعيد الحالي بالشرق الأوسط. إن ما تتعرض له طهران من استهداف مباشر يتجاوز في أبعاده السجالات السياسية، ليشكل عدواناً يمس بمبادئ السيادة الوطنية وقواعد القانون الدولي التي تنظم العلاقات بين الدول.
وعلى الرغم من إقرار المجتمع الدولي بحق إيران المشروع في الدفاع عن أمنها ووحدة أراضيها، إلا أن هذا الحق لا يجب أن يتخذ ذريعة لتوسيع دائرة الصراع. إن نقل المواجهة إلى فضاءات جديدة، وتحديداً نحو دول الخليج العربي، يمثل خطأً استراتيجياً فادحاً قد يقوض الرصيد السياسي لإيران في الوجدان العربي والإقليمي.
لقد أثبتت دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وقطر وسلطنة عمان والكويت، قدرة فائقة على ضبط النفس والتعامل بمسؤولية مع التهديدات الراهنة. حيث فضلت هذه الدول الرهان على الدبلوماسية والحلول السياسية بدلاً من الانجرار إلى ردود فعل متسرعة قد تزيد المشهد تعقيداً وتكلفة.
إن أمن الخليج العربي جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة ككل، وأي تهديد له سينعكس سلبًا على الجميع بما في ذلك إيران نفسها.
إن هذا النهج الخليجي المتزن يعكس وعياً عميقاً بأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يُبنى عبر فوهات المدافع أو منطق الصواريخ العابرة للحدود. فبناء التوازنات الدقيقة القائمة على الحوار والاحترام المتبادل هو السبيل الوحيد لضمان أمن مستدام يحمي الشعوب من ويلات الحروب المفتوحة.
في المقابل، تبرز مخاوف جدية من أن أي تفوق عسكري للولايات المتحدة وإسرائيل في هذه المواجهة قد يؤدي إلى تكريس هيمنة أحادية الجانب. مثل هذا السيناريو لن يضعف طرفاً إقليمياً فحسب، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة من عدم الاستقرار وإعادة إنتاج الصراعات بصور أكثر تعقيداً وخطورة.
ومع اليقين بأن الحروب مهما طالت ستضع أوزارها في نهاية المطاف، فإن استحقاق ما بعد الصراع يفرض نفسه كضرورة ملحة لا تقبل التأجيل. ستبقى الجغرافيا تفرض على العرب وإيران علاقة الجوار، مما يتطلب صياغة رؤية استراتيجية جديدة تنهي التدخل في الشؤون الداخلية وتحترم سيادة الدول.
ختاماً، يظل العيد فرصة لاستحضار قيم السلام وتغليب صوت العقل على ضجيج السلاح الذي ينهك مقدرات الأمة. إن أعظم هدية يمكن تقديمها للشعوب في هذه الأيام المباركة هي مسار حقيقي ينهي دوامة العنف ويعيد للإنسان حقه الأصيل في العيش بكرامة وأمن بعيداً عن ظلال النيران.





شارك برأيك
عيد الفطر في مهب الأزمات: توازنات الردع ومخاطر الانزلاق نحو المواجهة الإقليمية