في ظل تسارع التحولات الإقليمية وضيق الهوامش السياسية إلى حدودها الدنيا، يبرز النقاش مجدداً حول علاقة ضرورات الأنظمة بخيارات الشعوب كإطار تفسيري للواقع اللبناني المعقد. هذا الجدل لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح محكوماً بوقائع ميدانية ضاغطة يفرضها العدوان الإسرائيلي المستمر والعجز الدولي عن كبحه.
تجد الدولة اللبنانية نفسها اليوم أمام معادلة قاسية تتلخص في إدارة الخسائر بدلاً من صناعة الخيارات الاستراتيجية. هذا الواقع يفرض على كافة الأطراف مقاربات براغماتية تحاول تأجيل الانفجار الكبير، في ظل تآكل النفوذ السيادي تحت وطأة الأزمات العسكرية والاقتصادية المتلاحقة التي تعصف بالبلاد.
يقف الرئيس جوزيف عون في قلب هذا المشهد المعقد، محاولاً الموازنة بين متطلبات الموقع الرسمي وإكراهات الواقع الميداني. وتعتبر الرئاسة في هذه اللحظة الموقع الجامع رمزياً، والمطالب بالحفاظ على الحد الأدنى من تماسك المؤسسات الوطنية ومنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة لا يمتلك لبنان مقوماتها.
على المقلب الآخر، تتحرك الحكومة اللبنانية ضمن إطار تنفيذي يتسم بالهشاشة المفرطة نتيجة التوازنات الداخلية المعقدة والضغوط الخارجية. وقد تحولت السلطة التنفيذية إلى أداة لاحتواء التداعيات اليومية للأزمة، بدلاً من أن تكون فاعلاً حقيقياً في تغيير المسارات السياسية أو الاقتصادية المتعثرة.
يواجه حزب الله تضييقاً استراتيجياً من نوع مختلف، حيث يجد نفسه أمام بيئة إقليمية ودولية متحولة تؤثر على فاعلية معادلات الردع التقليدية. إن أي قرار يتخذه الحزب بات محكوماً بحسابات دقيقة تتجاوز البعد العسكري لتشمل الوجود الاجتماعي والبيئة الوطنية الأوسع التي لم تعد تحتمل كلفاً تدميرية إضافية.
يعيش المجتمع اللبناني حالة من الانكشاف المركب، حيث تتقاطع الهواجس الأمنية مع الانهيار المعيشي وفقدان الثقة بالمؤسسات العامة. ولم تعد 'خيارات الشعوب' تعبيراً عن قدرة فعلية على التغيير، بل تحولت إلى محاولة مستمرة للبقاء وتفادي السيناريوهات الأسوأ في ظل غياب الأفق السياسي.
يزداد المشهد تعقيداً مع استمرار العجز الدولي عن فرض قواعد اشتباك مستقرة أو لجم التصعيد العسكري الإسرائيلي. هذا الفشل الدولي يترك لبنان في موقع المتلقي للتداعيات، دون امتلاك أدوات حقيقية للتحكم في مسار الصراع أو الحصول على ضمانات أمنية تحمي سيادته المنهكة.
إن السلم الأهلي في هذه المرحلة ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل هو شرط بقاء الدولة والمجتمع معاً في وجه الانهيار الشامل.
إن الحالة الراهنة تعكس اختلالاً عميقاً في العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تفقد السياسة معناها كأداة للتطوير وتتحول إلى مجرد وسيلة لإدارة الأزمات. الجميع في لبنان اليوم محكوم بضرورات قاهرة، والخيارات المتاحة تضيق إلى درجة الاختناق السياسي والميداني.
رغم قسوة هذا الانسداد، تبرز مجموعة من الثوابت الوطنية التي لا تحتمل المساومة في هذه المرحلة الحرجة. ويأتي في مقدمة هذه الثوابت أن الصدام الداخلي لم يعد خياراً سياسياً مطروحاً للنقاش، بل هو خطر وجودي يهدد ما تبقى من كيان الدولة اللبنانية.
يُعتبر السلم الأهلي في هذه اللحظة التاريخية شرطاً أساسياً لبقاء المجتمع والدولة على حد سواء، وليس مجرد شعار سياسي عابر. إن الحفاظ على الاستقرار الداخلي يتطلب وعياً جماعياً بمخاطر الانجرار خلف الفتن التي قد تؤدي إلى انهيار شامل لا يستثني أحداً.
تبقى وحدة المؤسسة العسكرية هي الخط الأحمر الأخير الذي يمنع تفكك البلاد وضبط التوازنات الداخلية الهشة. فالدور المحوري الذي يؤديه الجيش اللبناني يمثل الضمانة الوحيدة لمنع الانزلاق نحو الفوضى الشاملة التي قد تنهي وجود الدولة ككيان سياسي موحد.
إن أي مساس بوحدة الجيش أو محاولة لجر البلاد نحو صدام داخلي لن تؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات كما يروج البعض. بل على العكس، فإن مثل هذه السيناريوهات ستقود إلى انهيار كامل لن يبقي فيه ما يمكن الدفاع عنه، سواء على مستوى السلطة أو المقاومة.
تفرض الخلاصة الحالية نفسها كتحذير وجودي يتجاوز التوصيات السياسية التقليدية، مؤكدة أن البقاء يتطلب حماية المؤسسات المتبقية. ففي حال الانهيار الشامل، لن تكون هناك دولة تُحكم ولا شعب يصمد ولا أرض تُحمى، مما يضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية.
في نهاية المطاف، يبقى الأمل معلقاً على قدرة اللبنانيين على تجاوز هذه المرحلة بظروف أحسن، مع التأكيد على ضرورة حماية لبنان وكافة الأقطار العربية من تداعيات الصراعات الكبرى التي تعيد رسم خارطة المنطقة على حساب استقرار الشعوب.





شارك برأيك
لبنان بين مطرقة ضرورات الأنظمة وسندان خيارات الشعوب المحدودة