عربي ودولي

السّبت 21 مارس 2026 1:03 صباحًا - بتوقيت القدس

تحول جذري في واشنطن: كيف كسر ترمب عقوداً من 'الاحتواء' ليعلن الحرب الشاملة على إيران؟

على مدار نصف قرن، استقرت العقيدة السياسية في واشنطن على اعتبار إيران العدو الأكبر، إلا أن التعامل مع هذا العداء ظل محكوماً بسقف 'الاحتواء' دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة. ومع وصول دونالد ترمب إلى ولايته الثانية، تبدلت هذه الاستراتيجية جذرياً، حيث مهد الخطاب المتشدد الطريق لجر الولايات المتحدة إلى أتون حرب شاملة لم يجرؤ أسلافه على خوضها.

أفادت مصادر بأن وزير الخارجية ماركو روبيو عبر عن رؤية النظام الأمريكي الراسخة تجاه طهران، معتبراً أن قرارات القيادة الإيرانية تنبع من أسس دينية أيديولوجية بحتة. هذا التصور جعل من فكرة التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مستدام أمراً شبه مستحيل في مخيلة صانع القرار الجديد، مما عزز التوجه نحو الخيار العسكري المباشر.

تاريخياً، غذت أحداث كبرى مثل أزمة الرهائن عام 1979 ودعم الجماعات المسلحة في المنطقة حالة العداء المستمر بين البلدين. ورغم هذا الإرث الثقيل، حافظ الرؤساء المتعاقبون من الحزبين الديمقراطي والجمهوري على سياسات العزلة الدبلوماسية والضغط الاقتصادي كبدائل عن الصدام المسلح الذي كانت مخاطره تعتبر جسيمة وغير مأمونة النتائج.

تشير التقارير إلى أن الإدارات السابقة استبعدت الخيارات العسكرية مراراً بعد دراسات استخباراتية معمقة حذرت من تداعيات إقليمية لا يمكن السيطرة عليها. إلا أن إدارة ترمب الحالية قررت كسر هذا التقليد، معتبرة أن سياسة 'الضغط الأقصى' التي بدأت في الولاية الأولى لم تكن كافية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الأمريكية.

في يونيو 2025، شنت القوات الأمريكية عدواناً استمر قرابة أسبوعين، استهدف بشكل مباشر منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية في محاولة لتقويض البرنامج النووي. هذا التصعيد العسكري جاء متزامناً مع جولات مفاوضات وُصفت بأنها غير جادة، حيث كانت واشنطن تراوغ في المسار الدبلوماسي بينما تحضر لضربة قاصمة.

تزايدت حدة التوتر مع حشد ترمب للقوات العسكرية في أعقاب الاحتجاجات الداخلية التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وقد أرسلت وعود البيت الأبيض بتقديم 'المساعدة' للمحتجين رسائل واضحة بأن الهدف النهائي لم يعد مجرد تعديل السلوك الإيراني، بل بات يتركز صراحة على تغيير النظام السياسي في طهران.

لم تكن التحركات الدبلوماسية التي قادها مبعوث ترمب، ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، سوى غطاء للمرحلة التي سبقت الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك. وبحسب مصادر مطلعة، فإن هذه التحركات لم تهدف فعلياً لتجنب الحرب، بل كانت جزءاً من استراتيجية تضليلية سبقت العمليات العسكرية الواسعة في فبراير 2026.

شكل تاريخ 28 فبراير 2026 نقطة تحول تاريخية، حيث نُفذت ضربات جوية وعمليات استهدفت المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار القادة العسكريين والسياسيين. هذا الاغتيال الجماعي للقيادة الإيرانية وضع حداً لعقود من 'الحروب بالوكالة' ونقل الصراع إلى مواجهة مباشرة فوق الأراضي الإيرانية لأول مرة.

بالعودة إلى الولاية الأولى لترمب، نجد أنه كان قد بدأ بالفعل في تقويض الحلول الدبلوماسية عبر الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2015. ورغم معارضة مستشاريه حينها، أصر ترمب على وصف الاتفاق بأنه 'الأسوأ في التاريخ'، مما مهد الطريق لإنهاء أي فرصة للتعايش السلمي أو التفاهم التقني حول الملف النووي.

اغتيال قاسم سليماني في عام 2020 كان بمثابة اختبار للخطوط الحمراء، لكنه ظل محصوراً في الأراضي العراقية ولم يتجاوزها إلى الداخل الإيراني. في ذلك الوقت، كان ترمب لا يزال يلتزم بجزء من سياسة الردع التقليدية، مفضلاً عدم الانجرار إلى حرب شاملة قد تؤثر على طموحاته السياسية والاقتصادية.

حتى في عهد الرئيس جو بايدن، استمرت محاولات العودة إلى الاتفاق النووي دون جدوى، حيث اصطدمت الرغبة الدبلوماسية بقيود داخلية في واشنطن وتشدد في طهران. هذا الفشل الدبلوماسي المتراكم استغله ترمب في حملته الانتخابية ليروج لفكرة أن القوة العسكرية هي السبيل الوحيد لإنهاء 'التهديد الإيراني'.

يرى محللون أن قرار ترمب بشن الحرب سيخلف عواقب عالمية وخيمة تتجاوز فترة رئاسته بكثير، خاصة مع انهيار هيكل الدولة في إيران. إن التحول من 'دولة عقلانية وإن كانت خطيرة' بحسب تقييمات الاستخبارات السابقة، إلى هدف للتدمير الشامل، يضع المنطقة أمام مستقبل مجهول.

السياسة الداخلية الأمريكية لعبت دوراً محورياً في هذا التصعيد، حيث كان الديمقراطيون يخشون الظهور بمظهر الضعف أمام إيران حتى أثناء تأييدهم للاتفاق النووي. هذا التنافس على 'التشدد' داخل واشنطن قلص مساحة المناورة الدبلوماسية وأعطى شرعية للخيارات الأكثر تطرفاً التي تبناها ترمب في ولايته الثانية.

ختاماً، فإن ما يحدث اليوم يمثل تجسيداً لرؤية ترمب التي تقوم على تدمير القواعد القديمة للسياسة الخارجية الأمريكية. فبدلاً من الاحتواء الذي مارسه أسلافه، اختار ترمب المواجهة التي قد تعيد تشكيل خارطة الشرق الأوسط، ولكن بتكلفة إنسانية وسياسية قد لا تستطيع القوى الدولية تحملها.

دلالات

شارك برأيك

تحول جذري في واشنطن: كيف كسر ترمب عقوداً من 'الاحتواء' ليعلن الحرب الشاملة على إيران؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.