أقلام وأراء

الخميس 19 مارس 2026 2:33 مساءً - بتوقيت القدس

في نقد تقديس التنظيمات: هل تحولت الأحزاب إلى أصنام حديثة؟

تتوقف القراءة الفكرية المعاصرة طويلاً أمام التساؤل الاستنكاري الذي وجهه النبي إبراهيم عليه السلام لقومه: 'أفتعبدون ما تنحتون؟'. هذا السؤال لا يقتصر على سياقه التاريخي المرتبط بعبادة الأصنام، بل يمتد ليشمل سلوكاً بشرياً متجذراً يتمثل في صناعة كيانات وهياكل ثم منحها قدسية تجعلها فوق مستوى المساءلة أو النقد.

إن التحول الذي يطرأ على التنظيمات السياسية والحزبية يحولها من مجرد وسيلة لتحقيق غاية فكرية أو وطنية إلى غاية بحد ذاتها. وفي هذه اللحظة، تبدأ الهياكل التنظيمية في ممارسة سلطة مطلقة على صانعيها، حيث يتماهى الأعضاء مع الكيان لدرجة تمنعهم من رؤية عيوبه أو مراجعة قراراته المصيرية.

تبدأ لحظة الوعي الحقيقية داخل أي تنظيم بسؤال بسيط، تماماً كما فعل إبراهيم عليه السلام حين سأل الأصنام: 'ألا تأكلون؟ ما لكم لا تنطقون؟'. هذا التساؤل يهدف إلى كشف العجز الكامن خلف المظاهر الصلبة، وهو ما تراه التنظيمات المغلقة تهديداً وجودياً يفوق في خطورته الخصومة السياسية الخارجية.

يشير الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره إلى مفارقة عجيبة، وهي أن المادة الخام قبل أن تشكلها يد الإنسان لم تكن موضوعاً للتعظيم. لكن بمجرد أن يتدخل البشر بنحتها وتشكيلها، يمنحونها صفات تجعلهم يخضعون لها، وهو ما يحدث تماماً عند كتابة اللوائح الحزبية ورسم الشعارات التي تتحول لاحقاً إلى قيود.

في علم الاجتماع السياسي، صاغ الألماني روبرت ميشيلز ما يعرف بـ 'القانون الحديدي للأوليغارشية'. وتتلخص هذه النظرية في أن التنظيمات، مهما كانت ديمقراطية في نشأتها، تميل حتماً إلى إنتاج نخب قيادية تسيطر على مفاصل القرار وتعمل على إعادة إنتاج سلطتها بعيداً عن القواعد الشعبية.

يؤكد ميشيلز بعبارته الشهيرة 'من يقول تنظيماً يقول أوليغارشية' أن الحفاظ على الهيكل التنظيمي يصبح هو الهدف الأسمى للقيادات. وفي سبيل هذا البقاء، قد يتم التضحية بالمبادئ الأصلية التي تأسس من أجلها التنظيم، مما يخلق فجوة عميقة بين الشعارات المرفوعة والممارسات الواقعية على الأرض.

عندما تعجز التنظيمات عن الرد على الأسئلة النقدية بالحجة والمنطق، فإنها تلجأ غالباً إلى أسلوب 'العقاب بدل الإجابة'. وهذا ما تجسد في رد فعل قوم إبراهيم حين قالوا: 'ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم'، وهو سلوك يتكرر في التنظيمات التي تقمع الأصوات المعارضة داخلها بدلاً من محاورتها.

يرى علم النفس الاجتماعي أن الطاعة العمياء للسلطة التنظيمية قد تدفع الأفراد لارتكاب أفعال تتناقض مع قناعاتهم الشخصية. فالفرد داخل الماكينة التنظيمية يشعر أنه مجرد أداة لتنفيذ إرادة عليا، مما يرفع عنه عبء المسؤولية الأخلاقية الفردية ويجعله جزءاً من منظومة طاعة صماء.

لا تقتصر هذه الظاهرة على تيار سياسي دون غيره، بل هي آفة تصيب التنظيمات العقائدية والبراغماتية على حد سواء. ففي اللحظة التي يختلط فيها الولاء للفكرة بالولاء المطلق للهيكل، يفقد العضو قيمته كفاعل سياسي ويتحول إلى 'برغي' في آلة تعمل وفق منطقها الخاص بعيداً عن المراجعة.

على الجانب الآخر، تبرز مشكلة التنظيمات التي تفتقر إلى رابط فكري أو أخلاقي متين، حيث يتحول الانتماء فيها إلى مجرد تبادل مصالح مؤقتة. هذه الكيانات، رغم عدم تقديسها لذاتها، تظل هشّة وتتفكك بسرعة أمام أول أزمة حقيقية لغياب الروح المشتركة التي تجمع أعضاءها.

إن العلاقة الصحية بين الفرد والتنظيم يجب أن تقوم على ثنائية 'الالتزام والنقد'. فالالتزام يضمن وحدة العمل وتحقيق الأهداف، بينما يحمي النقد التنظيم من الانزلاق نحو التقديس أو التحول إلى سلطة مغلقة تخنق المبادرة الفردية وتقتل روح الإبداع السياسي.

يجب التأكيد على أن التنظيم في جوهره هو وسيلة لخدمة القضية وليس كياناً فوقها، وهو عمل بشري يعتريه النقص والخطأ. لذا فإن المراجعة الدورية للهياكل واللوائح ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة لضمان عدم تحول 'الأداة' إلى 'صنم' يستعبد صانعيه.

بالنظر إلى الواقع السياسي المعاصر، نجد العديد من النماذج التي ينطبق عليها تساؤل إبراهيم عليه السلام حول عبادة ما نحتته الأيدي. فكم من تنظيم اليوم يطالب أعضاءه بالولاء المطلق على حساب الحقيقة، وكم من هيكل صار سجناً لأصحابه بدلاً من أن يكون فضاءً لحريتهم؟

ختاماً، تبقى العبرة من القصص القرآني هي التنبيه الدائم لليقظة الفكرية وعدم الانقياد خلف الكيانات المصمتة. فالتنظيم الناجح هو الذي يظل مرناً وقابلاً للتطوير، مؤمناً بأن قيمته تستمد من مدى خدمته للإنسان، لا من مدى خضوع الإنسان لهياكله الجامدة.

دلالات

شارك برأيك

في نقد تقديس التنظيمات: هل تحولت الأحزاب إلى أصنام حديثة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.