تمر سوريا اليوم بمرحلة تاريخية فارقة تتأرجح بين نشوة التحرير وتحديات إعادة البناء، حيث يبرز التساؤل حول دور السوريين في الخارج تجاه وطنهم الذي بدأ ينفض غبار سنوات طويلة من الظلم. إن القيمة الحقيقية للانتماء تظهر في أوقات التحول، حيث يحتاج الوطن إلى تكاتف أبنائه بدلاً من الانشغال بتشويه صورته أمام المجتمعات الغربية.
لقد حققت الثورة السورية منجزات كبرى لا يمكن التغافل عنها، وعلى رأسها تطهير الأرض من قوى الاستبداد التي أذاقت الشعب الويلات لعقود. إن تحرير المعتقلين من زنازين الموت وتحطيم الفروع الأمنية التي كانت تمثل كابوساً لكل مواطن، يعد انتصاراً إنسانياً قبل أن يكون سياسياً، ويستحق الفخر والاعتزاز.
إن القضاء على منظومة حزب البعث وتولي شخصيات مشهود لها بالنزاهة والتواضع لمقاليد الأمور، يمثل 'فتحاً عظيماً' في مسيرة الدولة السورية الحديثة. هذا التحول الجذري يضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية للحفاظ على هذه المكتسبات، والعمل على تطويرها بروح وطنية مخلصة بعيداً عن المصالح الضيقة.
لا يعني الاحتفاء بالمنجزات أن الطريق نحو الدولة المنشودة خالٍ من العثرات أو أن التجربة قد بلغت حد الكمال المطلق. فكل عمل بشري يظل بحاجة مستمرة إلى التقويم والنصح الصادق، ولكن هناك فرق شاسع بين النقد البناء الذي ينبع من محب مجتهد، وبين القدح الجاحد الذي يمارسه المتفرجون من بعيد.
يُسجل التاريخ قصصاً عن أولئك الذين تركوا أهلهم يغرسون بذور الأمل في أرض قاسية، واختاروا العيش في بلاد غريبة هانئة، لكنهم بدلاً من حفظ الود، انخرطوا في ذم كفاح ذويهم. هؤلاء يغيب عنهم أن من يسيء لأصله أمام الغرباء، إنما يعلمهم كيف يحتقرونه، فمن لا وفاء له لمنبته لا يمكن الوثوق به في أي مكان.
إن مفهوم 'صون عتبة الوطن' يستند إلى قيم أخلاقية ودينية عميقة، تحث على الستر والوفاء في أوقات الشدة قبل الرخاء. فمن لا يصون كرامة بيته ووطنه بكلمة طيبة حين تشتد الأزمات، لا يستحق أن ينعم بظله حين تستقر الأمور وتزدهر البلاد، فالكلمة أمانة ومسؤولية كبرى.
يحذر الوجدان الجمعي والإسلامي من خصلة الجحود، مؤكداً على أن شكر الله يبدأ من شكر الناس والاعتراف بالمعروف. إن مكافأة التضحيات التي قُدمت على أرض الوطن يجب أن تكون بالدعاء والكلمة الطيبة والعمل المساند، لا بالطعن والتشهير الذي لا يخدم سوى أعداء الاستقرار.
من يَبصق في البئر التي شرب منها يوما، يُعلِّم الغرباء كيف يحتقرونه ويحتقرون أصله، ومن لا وفاء له لمنبته، لا أمان له في غربته.
شيم الكرام تقتضي ستر العيوب وإبراز المحاسن، خاصة في المحافل الدولية وأمام الأغراب الذين قد لا يفهمون خصوصية التجربة السورية. إن الشريف هو من يحمي ظهر أهله ويستر عورات وطنه في مرحلة التعافي، متمثلاً بالقيم التي تجعل من الانتماء عقيدة راسخة لا تتغير بتغير مستوى الرفاهية.
لقد قيل قديماً إن البلاد تظل عزيزة حتى وإن جارت على أبنائها، فكيف وهي اليوم تفتح ذراعيها لمستقبل جديد بعد سنوات من القهر؟ إن رهن الانتماء الوطني بالمكاسب المادية أو مستوى الرفاهية هو مسلك لا يليق بمن يحمل قضية عادلة، فالوطن يُبنى بالتضحيات والصبر.
تتجه الدعوة اليوم إلى كل من زل لسانه في بلاد الاغتراب بنقد هدام، بأن الوطن يناديهم ليكونوا عماراً لا معول هدم. إن سوريا في طورها الجديد تحتاج إلى تكامل الجهود بين رجال يبنون في الداخل بإخلاص، ورجال في الخارج يحمون هيبة بلدهم وصورتها أمام العالم.
بدلاً من أن تتحول أقلام وأصوات المغتربين إلى خناجر تطعن في خاصرة الوطن الجريح، يجب أن تكون منابر للكلمة الصادقة التي تنقل حقيقة المعاناة والأمل. إن الوفاء للمكان الذي شهد الصرخة الأولى هو اختبار حقيقي للمعدن الإنساني، والتاريخ لا يرحم من خذل أهله في لحظات التحول الكبرى.
إن التحرير ليس مجرد تغيير في الوجوه أو السلطة، بل هو بعث جديد للهوية السورية التي حاول النظام السابق طمسها لسنوات طويلة. هذا البعث يتطلب وعياً جمعياً يترفع عن الصغائر ويركز على الهدف الأسمى وهو بناء دولة العدل والقانون التي تتسع لجميع أبنائها دون استثناء.
يجب أن يدرك السوريون في كل مكان أن العالم يراقب تجربتهم، وأن قوتهم تكمن في وحدتهم وتماسك خطابهم الوطني. إن تشتت الكلمة وتبادل الاتهامات بين الداخل والخارج لا يضعف إلا الدولة الناشئة، ويمنح المتربصين بالثورة فرصة للتشكيك في قدرة الشعب على إدارة شؤونه.
ختاماً، تبقى سوريا هي المسك الذي يفوح عطره بوفاء أبنائها، وهي الأمانة التي يجب أن تُحمل بصدق واقتدار. إن الفرصة لا تزال قائمة لكل غيور ليعيد حساباته وينخرط في مشروع البناء الوطني، فالتاريخ سيفتح صفحاته بمداد من نور لكل من ساهم في إعلاء شأن وطنه وحفظ كرامته.





شارك برأيك
بين فخر التحرير وجحود المنافي: دعوة لصون عتبة الوطن السوري