فلسطين

الثّلاثاء 17 مارس 2026 2:49 مساءً - بتوقيت القدس

80% بطالة وانهيار تاريخي.. كيف يواجه سكان غزة تكاليف الحياة اليومية؟

يواجه الفلسطينيون في قطاع غزة ضغوطاً معيشية هائلة تستنزف مدخراتهم المحدودة، في ظل عجز تام عن تعويض الدخل المفقود نتيجة الشلل الاقتصادي الكامل. ومع دخول حرب الإبادة عامها الثالث، يجد أكثر من مليوني إنسان أنفسهم في صراع يومي مرير لتأمين لقمة العيش وسط فجوة هائلة بين الأسعار المرتفعة والدخل شبه المنعدم.

وتشير بيانات سلطة النقد الفلسطينية إلى تراجع حاد في نصيب الفرد السنوي من الدخل، حيث هبط من 1257 دولاراً في عام 2022 ليصل إلى 161 دولاراً فقط في عام 2024. هذا الانهيار وضع سكان القطاع ضمن الفئات الأقل دخلاً على مستوى العالم، وفقاً لتقارير دولية رصدت التدهور الاقتصادي المتسارع في الأراضي المحتلة.

وأكد تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن حجم الاقتصاد في غزة انكمش ليصل إلى 13% فقط مما كان عليه قبل الحرب. ووصف التقرير هذا الوضع بأنه أحد أسوأ الانهيارات الاقتصادية المسجلة عالمياً في العقود الأخيرة، حيث محت الحرب سنوات طويلة من التنمية الاقتصادية في وقت قياسي.

ومع تجاوز معدلات البطالة حاجز الـ 80%، باتت الغالبية العظمى من السكان تحت خط الفقر المدقع، مما جعل توفير الاحتياجات الأساسية مهمة شبه مستحيلة. وتكشف لغة الأرقام أن العائلات لم تعد قادرة على موازنة مصروفاتها في ظل انعدام مصادر الدخل التقليدية وتدمير المنشآت الإنتاجية.

وفي تفصيل لاحتياجات الأسرة الغزية، أوضحت مصادر في وزارة الاقتصاد أن متوسط التكلفة اليومية لأسرة مكونة من 5 أفراد يبلغ نحو 91.5 شيكلاً (ما يعادل 29.1 دولاراً) دون احتساب الإيجار. وتتوزع هذه المصاريف بين الغذاء والاتصالات والتعليم والدواء، وهي مبالغ تفوق بكثير قدرة المواطن الذي فقد عمله.

ويمثل الغذاء العبء الأكبر على كاهل الأسر، حيث يستنزف نحو 41% من مجمل الاحتياجات الشهرية بتكلفة تقدر بـ 1410 شيكلات. وتأتي الإيجارات في المرتبة الثانية من حيث الأهمية، حيث تستهلك نحو 20% من الميزانية المفترضة، خاصة مع اضطرار الكثيرين لاستئجار أراضٍ لإقامة خيام أو السكن في أبنية متضررة.

وإلى جانب الغذاء والسكن، تبرز تكاليف الاتصالات والمواصلات والخدمات الأساسية كالغاز والكهرباء والمياه كأعباء إضافية ترهق كاهل المواطنين. وتقدر التكلفة الشهرية لهذه الخدمات بنحو 525 شيكلاً، وهي مبالغ تزداد صعوبة توفيرها في ظل الندرة الشديدة للسيولة النقدية في الأسواق المحلية.

ولم تتوقف المعاناة عند فقدان الدخل، بل امتدت لتشمل تآكل القوة الشرائية للعملة بنسبة وصلت إلى 66.7% نتيجة الاحتكار واستغلال ظروف الحرب. وبحسب دراسات اقتصادية، فإن القوة الحقيقية لكل 100 دولار يتسلمها المواطن لا تتجاوز فعلياً 33 دولاراً مقارنة بأسعار ما قبل الحرب.

وأوضحت مصادر اقتصادية أن القيمة الاسمية لما أنفقته الأسر الغزية خلال 25 شهراً من الحرب بلغت حوالي 1.8 مليار دولار. ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه السلع والخدمات بأسعار ما قبل الحرب لا تتجاوز 604.8 مليون دولار، مما يعكس حجم التضخم الهائل الذي ضرب القطاع.

ويعود هذا الانهيار الاقتصادي الشامل إلى التدمير الممنهج للبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، بالإضافة إلى القيود المشددة على حركة التجارة. كما ساهم تدمير المصانع والأراضي الزراعية في تجفيف منابع الرزق، مما أدى إلى توقف شبه كامل للأنشطة الاقتصادية والخدمية الحيوية.

وفي ظل هذا الواقع، اضطر السكان للبحث عن بدائل مبتكرة للبقاء، حيث تحولت المساعدات الإنسانية إلى المصدر الرئيسي للدخل لجميع السكان تقريباً. ويلجأ البعض لبيع جزء من حصصهم الغذائية لشراء احتياجات أخرى ضرورية، مما خلق سوقاً ثانوية محدودة تساعد في تدبير شؤونهم.

كما برز ما يعرف بـ 'اقتصاد البقاء'، حيث امتهن نازحون مهناً جديدة لم تكن شائعة، مثل إصلاح العملات التالفة وخياطة الملابس القديمة ونقل المياه يدوياً. هذه المهن البسيطة توفر حداً أدنى من الدخل اليومي الذي يساعد الأسر على الصمود في وجه المجاعة المحدقة والظروف القاسية.

وتلعب التحويلات النقدية عبر المحافظ الرقمية والمساعدات التي تقدمها المؤسسات الدولية دوراً حيوياً في توفير بعض السيولة. ويحصل بعض المواطنين على مبالغ مالية محدودة تساعدهم في تغطية جزء من المصاريف الطارئة، رغم الصعوبات الكبيرة في سحب هذه الأموال من الصرافات الآلية.

وإلى جانب ذلك، تظل المبادرات المجتمعية و'تكايا' الطعام صمام أمان للكثير من العائلات التي فقدت كل شيء، حيث توفر لها وجبات يومية مجانية. كما تشكل تحويلات المغتربين من الأقارب والمتضامنين في الخارج رافداً مهماً يدعم صمود العائلات في غزة، رغم غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة حول حجم هذه المبالغ.

دلالات

شارك برأيك

80% بطالة وانهيار تاريخي.. كيف يواجه سكان غزة تكاليف الحياة اليومية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.