شهدت الساعات الثماني والأربعون الماضية غياباً لافتاً وغير معتاد لرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن منصات الإعلام والإطلالات المباشرة. هذا التواري فتح باب التأويلات على مصراعيه، خاصة في ظل الظروف الأمنية الحرجة والتهديدات المتبادلة التي تعيشها المنطقة بين تل أبيب وطهران.
وأفادت مصادر مطلعة بأن نتنياهو يقضي معظم وقته حالياً داخل 'القبو الحصين'، وهو المخبأ الذري التابع لوزارة الدفاع الإسرائيلية. وتأتي هذه الخطوة للإشراف المباشر على العمليات العسكرية المعقدة، وضمان استمرارية القيادة في حال حدوث تصعيد صاروخي واسع النطاق يستهدف مراكز الحكم.
ويرى مراقبون أن حجم التهديدات المتبادلة، خاصة بعد استهداف منشآت سرية تحت الأرض، فرض نوعاً من التنسيق اللحظي والمكثف مع القيادة الوسطى الأمريكية (CENTCOM). هذا التواصل الدائم جعل من الظهور العلني مسألة ثانوية أمام ضرورات الميدان التي تتطلب اتخاذ قرارات استراتيجية سريعة وحاسمة.
بالتوازي مع ذلك، يتزامن غياب نتنياهو مع حراك دبلوماسي مكثف يقوده وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في المنطقة. وترجح التقديرات أن رئيس الوزراء الإسرائيلي منخرط في مشاورات عبر خطوط ساخنة لتحديد قواعد الاشتباك المقبلة، بما يضمن مواءمة التحركات الميدانية مع التوجهات السياسية للإدارة الأمريكية الجديدة.
وعلى الصعيد الأمني، فرض جهاز الأمن العام (الشاباك) طوقاً مشدداً من السرية على تحركات نتنياهو ومكان تواجده الفعلي. وتأتي هذه الاحتياطات القصوى رداً على التهديدات الإيرانية الصريحة باستهداف 'رؤوس القيادة' الإسرائيلية، كجزء من الرد على عمليات الاغتيال التي طالت قيادات بارزة في وقت سابق.
الاختفاء هنا ليس سياسياً فحسب، بل هو إجراء وقائي لمنع أي تعقب لمكان تواجد رئيس الوزراء في ظل استخدام المسيرات الانتحارية.
ولا يقتصر الأمر على الجوانب العسكرية، بل يمتد ليشمل ضغوطاً داخلية متزايدة يواجهها نتنياهو في الشارع الإسرائيلي. فالمظاهرات المستمرة في تل أبيب، والمخاوف من انهيار سلاسل التوريد وأزمة الطاقة بعد التهديدات بإغلاق مضيق هرمز، تضع الحكومة في مأزق سياسي واقتصادي حرج.
وفي محاولة لتهدئة الشائعات التي انتشرت حول تدهور حالته الصحية أو تعرضه لمحاولة اغتيال، أصدر مكتب نتنياهو بياناً مقتضباً نفى فيه تلك الأنباء. وأكد المكتب أن رئيس الوزراء 'بخير' ويمارس مهامه كالمعتاد، دون تقديم تفاصيل إضافية حول أسباب احتجابه عن الجمهور.
ويعتقد محللون سياسيون أن هذا الصمت قد يكون 'هدوء ما قبل العاصفة'، حيث يسعى نتنياهو لتعضيد موقفه عبر تحقيق إنجاز عسكري أو سياسي ملموس قبل الظهور مجدداً. فالتواري في لحظات التصنيف الاستراتيجي للأهداف يعد جزءاً من تكتيكات إدارة الصراع النفسي والميداني مع الخصوم.
في نهاية المطاف، يبقى المشهد الإسرائيلي معلقاً بما ستسفر عنه اتصالات 'الغرف المغلقة' مع واشنطن وما ستؤول إليه الأوضاع على الجبهات المشتعلة. إن غياب نتنياهو، وإن كان مبرراً أمنياً، إلا أنه يعكس حجم القلق والارتباك الذي يسود دوائر صنع القرار في ظل المواجهة المفتوحة مع إيران.





شارك برأيك
بين المخبأ الذري وغرف العمليات: لغز اختفاء نتنياهو في ذروة التصعيد مع إيران