نستحضر هنا تجربة الماضي، حيث أظهرت عصبة الأمم عجزها عن أداء الدور الذي أنشئت من أجله، ويبرز السؤال حول مستقبل النظام القانوني الدولي: هل ما زالت قواعد القانون الدولي قادرة على أداء دورها في حفظ السلم والأمن الدوليين، أم أننا إزاء حالة من التآكل التدريجي للنظام القانوني الدولي، تتراجع فيها سلطة القانون لصالح موازين القوى والمصالح الاستراتيجية للدول، بما قد يرمي في نهاية المطاف إلى إضعاف منظمة الأمم المتحدة، على نحو يذكر بالتجربة التاريخية لانهيار عصبة الأمم.
في الحقيقة تتزايد أهمية هذا التساؤل في ظل النزاعات والصراعات التي يشهدها النظام الدولي، والتي ألقت بظلالها على فاعلية القواعد القانونية الدولية وعلى قدرة الأمم المتحدة في الحفاظ على فعاليتها. لما سبق، وبعد حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة يجد النظام الدولي نفسه مرة أخرى أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرة قواعد القانون الدولي على ضبط سلوك الدول لمنع تحول العلاقات الدولية إلى سيادة القوة على القانون.
فمنذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، سعى المجتمع الدولي إلى إرساء نظام قانوني يقوم على مبادئ واضحة تتعلق باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ناهيك عن حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، والذي يمتد ليشمل مجرد التهديد باستعمال القوة (إلا في حالات محددة نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها الدفاع الشرعي عن النفس أو بناءً على تفويض صادر عن مجلس الأمن).
غير أن الواقع الدولي يكشف فجوة واضحة بين النصوص القانونية والممارسات السياسية للدول (الحرب الروسية-الأوكرانية، الإسرائيلي الأمريكية-الإيراني، الأمريكية-الفنزويلية). انطلاقاً من ذلك نجد أن التطورات المرتبطة بالحرب على إيران تعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مدى احترام قواعد القانون الدولي، وحول قدرة النظام الدولي على فرض هذه القواعد في مواجهة حسابات المصالح والتوازنات الجيوسياسية. فالقانون الدولي، رغم ما يتضمنه يظل في كثير من الأحيان تابع للإرادة السياسية للدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تمتلك أدوات التأثير في بنية النظام الدولي وآليات اتخاذ القرار فيه. ومن هذا المنطلق، فإن الحرب على إيران لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد عملية عسكرية محدودة أو مواجهة إقليمية سريعة، بل هي مؤشر على تفاقم الأزمة الأساسية والتي تتعلق بمدى فاعلية النظام القانوني الدولي نفسه وقدرته على الصمود. فكلما تم تجاوز القواعد التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة دون مساءلة حقيقية، كلما تآكلت هيبة القانون الدولي، وتراجعت الثقة بقدرته على تنظيم العلاقات بين الدول على أساس إحقاق الشرعية والعدالة.
في هذا إطار نجد أن الدور المفترض أن تضطلع به الأمم المتحدة وأجهزتها في حفظ السلم والأمن الدوليين مرتبط في ميثاقها الذي منح مجلس الأمن صلاحيات واسعة للتدخل من أجل منع النزاعات المسلحة أو احتوائها كونه يشكل الذراع التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة ويتمتع بصلاحيات أوسع من الجمعية العامة لوقف الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. إلا أن التجربة العملية كثيراً ما أظهرت أن فعالية المجلس تتأثر بالتوازنات السياسية بين الدول دائمة العضوية "حق الفيتو"، الأمر الذي يؤدي في الغالب إلى شلل في قدرته على اتخاذ قرارات حاسمة تحقق الهدف الأساسي من إنشائها. وفيما يتعلق بالإجابة على السؤال الذي بدأنا به، فالإجابة لا تتعلق بالحرب على إيران وحدها، بل تمس جوهر النظام الدولي ومستقبل الشرعية الدولية.
حيث سيتعين على المجتمع الدولي اعادة النظر في كيفية تفسير القانون الدولي وتطبيقه إذا ما أريد لهذا القانون أن يبقى ذا صلة في القرن الحادي والعشرين. فإما أن ينجح المجتمع الدولي في إعادة الاعتبار لقواعد الشرعية الدولية وتعزيز دور منظمة الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن، وإما أن يستمر تآكل هذه القواعد مما قد يؤدي على المدى البعيد إلى انسحاب الدول من منظمة الأمم المتحدة، كما حصل مع عصبة الأمم، مما يؤدي إلى انهيارها.





شارك برأيك
حظر القوة وتقويض النظام الدولي