المناهج الفلسطينية ليست مجرد صفحات في كتاب، ولا رؤية تربوية يمكن تعديلها كلما تغيّرت شروط التمويل أو تبدّلت حسابات السياسة وموازين النفوذ في المنطقة. إنها منظومة متكاملة تشكّلت عبر توافق وطني، تعكس تجربة مجتمع كامل في تاريخه وثقافته وتطلعاته. تشبه شجرة الزيتون؛ جذورها راسخة في الأرض، وظلّها في الذاكرة، وحكايتها تمضي مع الريح التي تحمل اسم البلاد.
اليوم، تتصاعد محاولات تحويل إدارة التعليم في غزة إلى لجنة أو إطار إداري يُراد له إعادة صياغة المناهج، بأيدٍ فلسطينية، لكن بروح تتماشى مع ضغوط الاحتلال وادعاءاته حول “شيطنة التعليم الفلسطيني”. وكأن المشكلة ليست في الاحتلال الذي دمّر المؤسسات التعليمية من مدارس وجامعات وغيرها، وارتقى بسبب ذلك آلاف الشهداء من الطلبة والمعلمين، بل في الكتب التي يقرأها الأطفال.
القضية لم تعد مجرد نقاش تربوي حول تطوير المناهج، بل محاولة لإعادة تشكيل الوعي وتشويه حضور الذاكرة الجمعية. هناك من يريد تحريف الكلمات عن مواضعها وإعادة تقديم الرواية الفلسطينية بلغة محايدة تفرغها من سياقها التاريخي والإنساني. المفارقة أن هذه الضغوط تأتي بينما غزة تحتاج بشدة إلى إعادة إعمار مؤسساتها التعليمية—من مدارس وجامعات وغيرها—المدمرة بفعل همجية الاحتلال، ويُشترط على الفلسطينيين تعديل المناهج مقابل السماح بإعادة الإعمار، وكأن بناء الحجر مرهون بتغيير المعنى، وإزالة مفاهيم ترتبط بالحقوق والخصوصية الوطنية.
وهنا يفرض نفسه السؤال: هل من سبيل للخروج من هذا العبث؟
الإجابة واضحة إذا اعترفنا بالحقيقة: المشكلة ليست في المناهج الفلسطينية بما تتضمنه من كتب ووثائق تربوية، بل في المنهاج الواقعي الذي يفرضه الاحتلال على حياة الفلسطينيين كل يوم. الاعتداءات المستمرة، الإجراءات التعسفية، الحواجز والاقتحامات، مصادرة الأرض وهدم البيوت… كل هذا هو المنهاج الذي يعيشه الطفل قبل أن يفتح كتابه في الصف.
هناك بعد حاسم لفهم العبث الذي يطال المناهج الفلسطينية، وهو محاولة تفريغ التعليم من بعده الوطني والتحرري، وتحويله إلى أداة لتأهيل الفرد للوظائف العملية فقط. في هذا الإطار، يُنظر إلى المدرسة كفضاء اجتماعي لتمكين الأفراد من المهارات الأساسية، وأداء الأدوار المهنية والاجتماعية المحددة، وغرس قيم تتماشى مع النظام القائم، بينما تتراجع الأبعاد المعرفية والثقافية التي تمنح الطلاب القدرة على فهم الواقع وربط تعليمهم بتاريخهم وهويتهم. تكشف هذه الاختزالات النوايا الحقيقية لبعض الجهات الضاغطة، بما فيها الاحتلال والقوى الممولة دولياً، التي تسعى لتحويل التعليم إلى أداة وظيفية، بعيداً عن دوره في بناء وعي فلسطيني متكامل قادر على الفهم النقدي والتفاعل الواعي مع التاريخ والمجتمع.
فالطفل الذي يسير إلى مدرسته بين الحواجز ويشهد الجنود والمستوطنين في طريقه، ويتعلم معنى الخوف والصمود في الوقت نفسه، لا يحتاج إلى درس نظري ليعرف معنى الاحتلال. حياته اليومية هي الفصل الأول من المنهاج الواقعي الذي يفرضه الاحتلال.
والأدهى أن الاتهامات التي تُوجَّه إلى المناهج الفلسطينية تتجاهل ما كشفت عنه الدراسات الأكاديمية حول المناهج الإسرائيلية نفسها. أظهرت أبحاث أجرتها جهات إسرائيلية ودولية أن كثيراً من الكتب المدرسية الإسرائيلية تقوم على تشويه صورة الفلسطيني والعربي، وتقدمهما أحياناً بلا تاريخ أو حقوق سياسية. الخرائط الواردة في بعض تلك الكتب لا تشير إلى فلسطين أو حدودها، ومع ذلك يُصور التعليم الفلسطيني وكأنه المشكلة الأساسية.
إثارة هذه الحقيقة لا يعني الدفاع عن المناهج الفلسطينية فحسب، بل فتح نقاش عالمي حول الخطاب التربوي الذي يُنشَّأ عليه أطفال الاحتلال، والذي يقوم في كثير من الأحيان على الخوف من الفلسطيني وتشويهه. فالقضية لا تمس الفلسطينيين وحدهم، بل تمس مستقبل الأجيال في المنطقة، وتمس القيم الإنسانية التي يفترض أن يقوم عليها التعليم في أي مكان.
المناهج الفلسطينية ليست نصوصاً يمكن المساومة عليها، ولا صفحات لتعديلها لإرضاء من يريدون إعادة كتابة التاريخ. إنها جزء من سردية شعب عاش تاريخه بكل ما فيه من ألم وأمل، وهي الوسيلة التي يتعرف من خلالها الجيل الجديد إلى معنى المكان الذي يعيش فيه وإلى الكرامة التي دافع عنها من سبقوه.
قد يحاول البعض إعادة ترتيب الكلمات أو حذف بعضها، لكن الحكاية التي تعيش في ذاكرة الناس لا تُمحى بسهولة. فهذه البلاد، التي ما زالت تمشي على جراحها، تعرف أن التعليم ليس مجرد درس في كتاب، بل طريقة لحراسة المعنى، حتى لا تضيع فلسطين من كتب أطفالها كما حاول كثيرون أن يغيّبوها من الخرائط، فالتعليم ليس مجرد كتاب، بل حراسة للمعنى والذاكرة الوطنية.
أقلام وأراء
الأحد 15 مارس 2026 10:32 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
المناهج… حين يُراد تحريف الحكاية