رافق تصوير مسلسل 'منّاعة' للمخرج حسين المنباوي ضجة إعلامية واسعة، رفعت سقف التوقعات لعمل تقوده النجمة هند صبري. تدور أحداث المسلسل في كواليس 'القاهرة السفلى' خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث ازدهرت تجارة السموم في حي الباطنية الشهير.
يستند العمل إلى سيرة واقعية لنبوية عبد التواب، التي لُقبت بـ 'إمبراطورة الباطنية' وكانت من أبرز وجوه تجارة المخدرات في تلك الحقبة. تبدأ الحكاية بولادة البطلة 'غرام' في قلب الوكر، فوق الطاولة المخصصة لتقسيم البضاعة، لترسم قدرها المحتوم منذ اللحظة الأولى.
رغم الإمكانيات الإنتاجية وأداء هند صبري اللافت، يرى نقاد أن المسلسل وقع في فخ الإيقاع الرتيب الذي لم يواكب طبيعة الأحداث المتسارعة. فالقصة الجذابة تحتاج إلى بناء درامي متين يحولها من مجرد حكاية تُروى إلى تجربة بصرية حية ومشوقة.
تستهل الحلقة الأولى مشاهدها بتصوير دقيق لبيئة الباطنية، حيث يهرع الأب من عمله الشاق ليجد زوجته تضع مولودتها في ظروف قاسية. هذا المشهد الافتتاحي كان يهدف لترسيخ فكرة النشأة في بيئة إجرامية لا خيار فيها سوى الاستمرار في نهج العائلة.
تتزوج 'غرام' لاحقاً من أحد الموزعين الصغار، لكن حياتها تنقلب رأساً على عقب بعد مقتل زوجها في عملية أمنية فاشلة. تجد الأرملة الشابة نفسها وحيدة مع طفلين وحقيبة مليئة بالمخدرات، مما يضطرها لاتخاذ قرارات مصيرية للبقاء على قيد الحياة.
تنتقل البطلة للعيش في المدافن هرباً من الملاحقات الأمنية، وهناك تبدأ رحلة صعودها كتاجرة مستقلة بعد رفضها تسليم البضاعة لكبار المعلمين. وبمحض الصدفة، تجد زبونها الأول وتبدأ في تكوين فريقها الخاص والانتقال إلى طبقة اجتماعية أكثر ثراءً.
أحد أبرز المآخذ على السيناريو هو التوسع الأفقي للأحداث الذي استمر حتى الحلقة الثامنة دون حدوث ذروات درامية حقيقية. هذا البطء جعل الشخصيات تبدو ثابتة سيكولوجياً رغم التحولات الكبيرة التي طرأت على واقعها المادي والاجتماعي.
جاذبية القصة الحقيقية لا تكفي وحدها لتشييد معمار درامي ثقيل دون بناء متعدّد الطبقات والذروات.
استغرق تحول اسم البطلة من 'غرام' إلى 'منّاعة' ثماني حلقات كاملة، وهو وقت طويل في مسلسل يتكون من 15 حلقة فقط. ومع ذلك، ظلت انفعالات الشخصية وملابسها وطريقة تعبيرها دون تغيير جذري يعكس نفوذها الجديد في عالم الجريمة.
يعيد المسلسل إنتاج بعض الأنماط التقليدية لعالم المخدرات، مثل وجود التجار الكبار الذين يتخفون وراء أعمال خيرية أو علاقات سياسية. كما يبرز الطبقة الوسطى من الموزعين الذين يلتزمون بقوانين 'الكلمة' والأمانة المهنية القاسية فيما بينهم.
تظهر الدراما المصرية غالباً تجار المخدرات كأبناء طبقات فقيرة أصابوا ثراءً فاحشاً، وهو ما ينعكس على مظاهرهم المليئة بالحلي الذهبية. 'غرام' لم تخرج عن هذا الإطار، حيث تم تصويرها بملابس شعبية مزينة بالذهب تعبيراً عن مكانتها الجديدة.
في أحد أقوى مشاهد المسلسل، تظهر هند صبري أداءً باهراً وهي تنتقم لشقيقتها من زوجها الخائن بأسلوب يتسم بالعنف والغلظة. هذا المشهد عكس بوضوح تداخل شخصية الأخت المدافعة مع شخصية التاجرة التي تفرض سطوتها بالقوة في الشارع.
ومع ذلك، يظل بناء الشخصية 'رخوًا' في مواقف أخرى تتطلب حزماً أكبر، وهو ما يُعزى إلى ضعف السيناريو في ملاحقة تحولات البطلة. كان من الممكن استثمار التشوّش العاطفي لـ 'غرام' بشكل إبداعي يوضح الصراع بين إنسانيتها ومتطلبات مهنتها القاسية.
عند مقارنة 'منّاعة' بأعمال كلاسيكية مثل فيلم 'العار' (1982)، نجد فجوة في عمق التناول الأخلاقي والاجتماعي لعالم المخدرات. فيلم 'العار' نجح في تقديم منظومات أخلاقية متصادمة بين أفراد الأسرة الواحدة، مما خلق صراعاً درامياً لا يزال حياً.
المسلسل الذي كتبه عمرو الدالي يضم نخبة من النجوم مثل رياض الخولي وأحمد خالد صالح، لكنه ظل أسيراً للصور النمطية. ورغم الإخراج المتميز لحسين المنباوي، إلا أن العمل افتقد إلى 'الروح' التي تجعل من رحلة الصعود والسقوط ملحمة إنسانية متكاملة.





شارك برأيك
مسلسل 'منّاعة'.. حين يتعثر البناء الدرامي لقصة إمبراطورية الباطنية رغم حضور هند صبري