أقل الكلام
في الأخبار المتداولة، فإن "مجلس السلام" بصدد إعداد دراسةٍ لإطلاق عملةٍ رقميةٍ في قطاع غزة، وقد أوعز المجلس للبنك الدولي لتقديم رؤيته إزاءها، فيما تفيد الأنباء بأن البنك يدفع بأن يكون لسلطة النقد الفلسطينية حضور فاعل في كل مراحل التخطيط.
ليست المشكلة في "العملة الرقمية" بحد ذاتها، فالاقتصاد في القطاع يعمل بهذه الآلية اضطراراً منذ أكثر من عامين، في ضوء تآكل العملة الورقية وخروج السيولة المعدنية عن الخدمة، كما أن التوجه العالمي يسير نحو الرقمنة الشاملة. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في "النوايا والأهداف" المتوخاة من إطلاقها في قطاع غزة حصراً، ما يُكرّس "الانفصال الاقتصادي" بين شطري الوطن، ويُحوّل غزة إلى "جزيرة مالية" معزولة جغرافياً وسياسياً.
إن هذه العملة المقترحة ليست أداة للتنمية، بقدر ما هي "قيد رقمي"، ففي عالم الأرقام المشفرة، يمكن بضغطة زر واحدة تحويل المليارات الموعودة إلى أرقام وهمية على الشاشات، طالما أن إسرائيل هي من تتحكم فيها كما تتحكم في المقاصة، سيما أن القرار الأخير في هذه الرؤية يعود لها، إذ لن تقدم على أي خطوةٍ من شأنها أن تسهم في نقل الاقتصاد الوطني لمرحلة التعافي، وهي التي لم تتوقف يوماً عن الحفر تحت السلطة والتضييق عليها، خاصة في عام انتخاباتٍ يتبارى فيه اليمين على البطش بالشعب الفلسطيني وإفقاده الأمل.
هنا تنهض العديد من الأسئلة أمام اللجنة الإدارية التي ستضطلع بإدارة القطاع: ما هو موقفها إذا ما تقرر حصر العملة في غزة؟ وكيف ستتمكن من تقديم خدماتها للمنكوبين وهي لا تملك "مفتاح الخزنة"؟ فالتحكم بالمليارات وأوجه صرفها وتوقيت ضخها يقع بيد "مجلس السلام" وحده لا شريك له، ما يضع اللجنة والمواطن تحت رحمة "برمجة سياسية" مسبقة الدفع.
إن القبول بعملة تُصنع في مختبرات "السلام الاقتصادي" وأحلام "الريفييرا"، وبخطاب معماري لا يشبه غزة وتاريخها، بعيداً عن السيادة الوطنية، هو توقيع على صك تحويل غزة إلى "شركة خاصة" يديرها سماسرة الصفقات، فالهوية الوطنية لا يمكن مقايضتها بـ"رصيد رقمي" ممنوع من الصرف.






شارك برأيك
أبعد من عملة!