أقلام وأراء

الإثنين 23 فبراير 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

نزع السلاح قبل إنقاذ الإنسان...كيف تحوّلت مأساة غزة إلى ملف أمني مشروط


ليس مهماً أن يموت الناس كل يوم،  ليس مهماً أن تقصف البيوت، وليس مهماً أن تتحول المدن إلى ركام، وأن يظل أطفال تحت الأنقاض ينتظرون معجزة لا تأتي، ليس مهماً أن تتفكك منظومة الصحة، أن تُقصف المدارس، أن يُترك الجرحى بلا دواء، والمرضى بلا أجهزة، والطلاب بلا كتب، والعائلات بلا سقف، كل ذلك، في الرواية السياسية السائدة، تفاصيل هامشية.
المهم شيء واحد فقط: نزع السلاح.
هكذا اختُزلت مأساة غزة، من مأساة إنسانية مكتملة الأركان إلى بند أمني واحد، من كارثة تاريخية إلى شرط تقني، من شعب يُباد ببطء إلى ملف يُدار على طاولة مفاوضات باردة، الإعمار مؤجل ومشروط، والانسحاب مؤجل ومشروط، ووقف النار مؤجل ومشروط، وحتى إدخال المساعدات مشروط، لكن نزع السلاح يجب أن يكون فورياً، كاملاً، غير قابل للنقاش.
في هذا المنطق المقلوب، لا يُسأل من دمّر، بل يُسأل من بقي حياً، لا يُحاسب من استخدم أقصى درجات القوة، بل يُطالب الضحية بأن تتجرد من أي قدرة  للدفاع عن نفس ، يُطلب من مدينة مُسحت أحياؤها، ومن شعب جُرّد من الماء والكهرباء والغذاء، أن يوقّع على وثيقة عجز دائم، وأن يسلّم بما تبقى له من قدرة، ولو كانت رمزية .
كأن المطلوب ليس فقط هزيمة غزة، بل إعادة تعريفها، تحويلها من قضية تحرر وحقوق إلى قضية “ضبط أمني”، من شعب يطالب برفع الحصار وإنهاء الاحتلال إلى مساحة منزوعة الإرادة، منزوعة المخالب، منزوعة حتى من حق الغضب.
هنا لا يصبح السلاح مجرد أداة عسكرية، بل رمزاً لفكرة أعمق: فكرة أن للشعب حقاً في أن يرفض وأن يقاوم من يعتدي عليه، ولذلك يُختزل كل شيء في نزعه، لأن نزع السلاح، في جوهره، ليس إجراءً أمنياً فقط، بل إعلاناً عن إعادة هندسة الوعي، وإعادة صياغة ميزان القوة بحيث يبقى طرف واحد مسلحاً حتى الأسنان، وطرف آخر عارياً ينتظر ان يموت بصمت .
المفارقة القاسية أن من يطالب اليوم بنزع السلاح يتحدث بلغة “الاستقرار”، بينما الاستقرار الحقيقي يبدأ بوقف القتل، ورفع الحصار، و إنهاء الاحتلال،  وضمان حياة كريمة، وإعمار ما دُمّر بلا شروط إذلال، أما أن يُطلب من الجائع أن يتخلى عن عصاه قبل أن يُمنح رغيفاً، ومن المحاصر أن يسلم آخر أوراقه قبل أن يُسمح له بالتنفس، فذلك ليس مسار سلام، بل تكريس دائم للخلل .
غزة اليوم لا تُختزل في سلاح، ولا تُختصر في بند أمني، هي شعب يُذبح على الهواء، ومدينة تُمحى من الخرائط، وذاكرة تُستهدف كما تُستهدف الأبنية، ومن يريد معالجة الجذر، فليبدأ بالعدالة قبل المطالبة بالتجريد، وبإنهاء أسباب العنف قبل مصادرة نتائجه، لأن نزع السلاح من شعب جُرّد من كل شيء، ليس حلاً، بل محاولة أخيرة لتجريده من حقه في أن يقول: لا.


دلالات

شارك برأيك

نزع السلاح قبل إنقاذ الإنسان...كيف تحوّلت مأساة غزة إلى ملف أمني مشروط

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.