عاد شهر رمضان من جديد، لا كضيف كريم تُضاء له الشرفات وتُفرش له الموائد، بل كعابرٍ حزين يمشي فوق الركام ويتوقف عند أبواب الخيام، يعود مثقلاً بأسماءٍ غابت، وببيوتٍ لم تعد موجودة، وبعائلاتٍ تفرّقت بين نزوحٍ وفقدٍ وانتظار، ليس هذا رمضان الذي اعتادته المدينة، لكنه رمضان الذي فُرض عليها، كما فُرض عليها الخراب.
كان رمضان الشهر الكريم في غزة موسماً للحياة رغم الحصار، حيث كانت الأزقة تضيق بالناس قبيل الإفطار، وتتعالى أصوات الأمهات وهنّ يجهزن ما تيسّر من طعام، وتُمدّ موائد الإفطار الجماعي على طول الشوارع، كأنها إعلان جماعي بأن هذه المدينة تعرف كيف تنتصر على القهر بالتكافل والمحبة، كانت الفوانيس تتدلّى من الشرفات، والزينة تلوّن العتمة، ويجوب المسحراتي الحارات منادياً بأسماء الأطفال الذين ينتظرونه بشغف.
اليوم، تغيّر المشهد، حيث لا شرفات تُعلّق عليها الفوانيس، ولا جدران تحتضن الزينة، المكان خيام مؤقتة، أرض موحلة، وسماء مفتوحة على برد الليل وقلق الغد، كثيرون يقيمون في الشوارع بلا مأوى، يفترشون الإسفلت ويلتحفون السماء، موائد الإفطار لم تعد تمتد في الحارات، بل انكمشت إلى صحنٍ متواضع داخل خيمة بالكاد تتسع لأصحابها، حتى رائحة الطعام صارت ممزوجة برائحة الدخان والركام.
في كل خيمة قصة. في كل عائلة مقعد فارغ على مائدة الإفطار، هناك مفقودون لا يُعرف لهم أثر، وأسماء تُذكر في الدعاء كل ليلة على أمل أن يعودوا، وهناك شهداء رحلوا تاركين وراءهم صوراً معلّقة في الذاكرة بدل الجدران، دموع وذكريات لأحبة رحلوا كان لهم مكان وسط العائلة، كان مصدرا للحب والفرح في جلسات رمضان.
ومع ذلك، لا ينطفئ الضوء كلياً، الأطفال، بضحكات خجولة وكلمات أكبر من أعمارهم، يحاولون أن يصنعوا فرحتهم بأبسط الوسائل، يرسمون هلالاً على قطعة كرتون، يعلّقون خيطاً ملوّناً بين عمودين، ويقتسمون تمرة كما لو كانت عيد .
صغار يسألون عن الفوانيس التي كانت تملأ الشوارع، وعن ليالي التراويح في المساجد التي لم تعد قائمة، لكنهم يصرّون على أن يقولوا: جاء رمضان.
هنا، يصبح الصيام أكثر من امتناع عن الطعام والشراب، بل تدريباً يومياً على الصبر في وجه الفقد، وتمسكاً بالكرامة في زمن الإذلال، يصبح تذكيراً بأن الإنسان يمكن أن يُحاصر في المكان، لكنه لا يُحاصر في المعنى، غزة اليوم تصوم عن الفرح، لكنّها لا تصوم عن الأمل، تُحرم من أبسط مظاهر الاحتفال، لكنها لا تُحرم من روح الشهر.
رمضان في غزة ليس موسماً للترف الروحي، بل اختبار وجود، هو شهر يأتي إلى شعب يخوض معركة البقاء، يحاول أن يحفظ ما تبقى من بيته وهويته وذاكرته، وفي كل خيمة تُرفع أكفّ بالدعاء، وفي كل قلبٍ مثقلٍ بالحزن مساحة صغيرة للنور، ربما لم تعد هناك فوانيس تُضيء الشوارع، لكن هناك إيمان يرفض أن ينطفئ.
وهكذا، يعود رمضان من جديد، حزيناً لكنه شاهداً، شاهداً على مدينةٍ صامدة تحت الخيام، وعلى شعبٍ تعلّم أن يصنع من الألم معنى، ومن الفقد قوة، ومن الركام بداية، وفي زمنٍ تتكاثر فيه صور الموت، تبقى غزة تقول، بصوتٍ خافت لكنه ثابت: ما زلنا هنا، وما زال فينا متّسعٌ للحياة.
أقلام وأراء
الإثنين 16 فبراير 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
رمضان تحت الخيام… حيث يصوم المكان عن الفرح