زمن لا يعرف البطء أو التقاعس أو التردد هو زمن الخوارزميات التي قادت نحو ولادة الذكاء الاصطناعي الذي تجاوز في سرعة تطوره كل التقنيات التي عرفها الإنسان. كيف لا وهو العالم الذي تقوده البيانات، ويتسابق اللاعبون القائمون واللاعبون الجدد، وما بينهما في سوق متعطش لتطبيقات لا حصر لها؟
فمن يظن في عالم اليوم بأنه يستطيع الوقوف على الحياد، أو أن يمنّي النفس بما أنجزه دونما تطوير، فسرعان ما سيجد نفسه خارج المشهد غدًا إن لم يشمر عن ساعديه ويسابق عقارب الساعة سعياً لتطوير ما أنجزه وتحديثه وتهذيبه. فبدون التطوير الفوري لتطبيقات الذكاء الاصطناعي سيجد المطورون انفسهم أمام معادلة صعبة سيتقهقرون معها وسيخسرون القمة إن هم وصلوها أصلًا.
أحد التطبيقات الرئيسية والذي ذاع سيطه هذه الأيام مثلاً خرج إلى النور عام 2022 بعد مخاض عسير وأعوام من الاستعداد أثار معها جدلاً واسعاً، قد أطلق مؤخراً تحديثه الثامن، بمعدل تحديثين في كل عام أي تحديث كل ستة أشهر، وهو ما يدلل على ضراوة التنافس العالمي وصعوبة الحفاظ على الوجود على قمة التكنولوجيا.
وعليه فإن الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفًا تقنيًا، ولا مبادرةً تجريبيًةً أو بحثاً أكاديمياً في مختبرات جامعة هنا أو مختبر هناك، بل بات يشكل أساساً واضحاً لبنية تحتية للاقتصاد المعاصر، ومحركًا ديناميكياً لتطور مسارات علمية متعددة.
وبذلك استطاعت هذه التكنولوجيا وفي زمن قياسي منذ إقلاعها أن تصبح مؤشرًا حاسمًا على تنافسية الشركات والجيوش والدول. فالشركات التي تقوم بإنتاج تطبيقات الذكاء الاصطناعي إنما تقف أمام امتحان يومي: فإما أن تتطوّر، أو تتقهر أمام تقدم المنافسين . فالتطبيق الذي لا يتطور، وتتطور معه خوارزمياته بكفاءة أعلى ومخرجات أكثر نجاعة، إنما سيتحول وبسرعة فلكية إلى عبء على أصحابه بدل أن يكون رافعة.
إن عالم المنافسة في الذكاء الاصطناعي إنما يتحرك بلا رحمة فإما أن يكون أبطاله عنواناً للبقاء، أو مشروعاً حتمياً للفشل، خاصة مع ظهور تطبيقات أكثر تقدمًا، وحلولٍ أكثر ذكاءً، وميّزات أكثر تكاملًا. وعليه فإن من اعتاد على استخدام تطبيقات أكثر دقة وذات نتائج عالية لن يقبل بالعودة إلى الوراء بل ستزداد شهيته المصرة على البحث عما هو أفضل فأفضل. وبذلك فإن الركون إلى النجاح السابق دونما تغيير؛ سيعني الإنضمام إلى ماضٍ جميل ويصبح مبتور الحضور والقدرة.
هنا لا بد من التأكيد على أن التطوير في عالم الذكاء الاصطناعي لا يعني مجرد إضافة ميّزات شكلية، بل يعني فعلياً النظر العميق في جوهر المنتج وتطويره بغرض الوصول إلى دقة النتيجة النهائية سواء كانت صوتاً أو صورةً او نصاً أو عملية جراحية أو حتى منظومة عسكرية.
لكن جمالية هذا العالم وسرعة تطوره الصاروخي منذ أن انطلق إلى منصة الانتاج، لا تعني ابداً بأنه يمتلك أخلاقيات مطلقة، أو حتى مدونة سلوك واضحة، أو ضوابط محددة لا في عالم الاستخدام، ولا التوظيف ولا حتى في مصداقية التعامل مع أمن البيانات. أمر مقلق ومثير لا شك ، خاصة وان صاحب الحاجة لن توقفهم القيم، ولن تحكمهم المبادئ، ولن تهذبهم الإنسانيات. لذلك نحن وفي عالم الذكاء الاصطناعي إنما نقف أمام عالم متأرجح من حيث نبل التطبيقات وبشاعتها، وجمالية الأهداف وقبحها.
لذلك وأمام إصرار البشرية على قدرة تطبيقات الذكاء الاصطناعي على التكيّف مع احتياجات المستخدمين المتغيرة، فإن على البشر أن يعرفوا في ذات الوقت بأن ليس كل ما انتجه وينتجه الذكاء الاصطناعي يرتبط بسمو الهدف ومنفعة البشر، بل أن كثيراً من تطبيقاته ستوظف لخدمة جشع البعض وطمعهم اللامحدود.
لكن هذا الأمر لا يعني مطلقاً التوقف عن الاستثمار في الكفاءات البشرية، لأن الخوارزميات لا تتقدم إلا بعقول مبدعة تقف خلفها، يرفدها تطور العلوم على تعددها. أمر لا بد وأن يستفز فينا الحرص على عدم الاعتماد الكلي على شراء التقنيات أو الخدمات فحسب، بل يجب السعي لبناء المعرفة المحلية في هذا المجال، وتشجيع ثقافة الابتكار دونما الخشية من المخاطر أوالتحديات.
ولأننا في عالمنا العربي إنما نسعى للحاق بركب الدول المتقدمة، فإن جهدنا لا بد وأن يكون مضاعفاً بحيث ننتقل من موقع المستهلك للتقنية إلى موقع المنتج والمطوّر، لندرك بأن التأخر في مواكبة الحداثة سيعمق من تهاوينا المعرفي لنكون مع هكذا حال من التوابع المنقادين نحو ما يلقى علينا من نتاجات المطّورين.
وعليه فإن الرسالة اليوم واضحة لا محالة، ففي عالم شهدنا فيه ما شهدناه من تطور ماراثوني للذكاء الاصطناعي من ناحية، وتوظيف صعب للتكنولوجيا في الرصد والاستهداف الذي قادته منظومة السلاح التي آلمت شعبنا من ناحية أخرى، فإن الوقوف و المراوحة في عالم الذكاء الاصطناعي يجب أن لا يكون أمراً مقبولاً فلسطينياً. فالتكنولوجيا لم تنتظر أحدا في سباق الانترنت، وأجيال الاتصالات، والحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة وغيرهم الكثير، وعليه لا يمكن لنا أن نقف موقف المتفرج خاصة إذا ما أردنا التطور والحضور. فخصومنا لا يرحمون وأسواق العالم لا ترحم، والمستقبل يُكتب اليوم لا غدًا.
وعليه فمن أراد القمة، سهر الليالي وتبنى الذكاء الاصطناعي لا كمشروع مؤقت، بل كنهج دائم، ورحلة لا تنتهي. فالبقاء اليوم حتماً للأسرع، والأدق، والأكثر قدرة على التعلم والانتاج. للحديث بقية!
[email protected]
أقلام وأراء
الأحد 15 فبراير 2026 9:24 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
توقف وستخسر!