شهدت قاعة «بيت الحكمة» التابعة لبلدية البيرة انعقاد ورشة عمل متخصصة بعنوان «الخط العربي في عصر الذكاء الاصطناعي»، نظمتها بلدية البيرة من خلال مؤسسة بيت الحكمة التابعة لها، وقدّمها مدير شركة «أقلمة» التنفيذي ومؤسسها الدكتور فائق عويس، بحضور نخبة من الخطاطين والمهتمين بالفنون البصرية والتقنيات الحديثة. عكست أجواء اللقاء اهتماماً حقيقياً بسؤال اللحظة: كيف يمكن لفن عريق أن يتفاعل مع تقنيات تتطور بوتيرة غير مسبوقة؟
افتتح الدكتور عويس الورشة بطرح الهواجس كما هي، دون تجميل أو تقليل من شأنها، فتساءل مع المشاركين عمّا إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح منافساً مباشراً للخطاط، أو حتى بديلاً عنه، واستحضر التحولات التي شهدها العالم في مجالات التصميم والطباعة، حين انتقلت الأدوات من اليد إلى الشاشة، ومن الشاشة إلى الخوارزمية، مؤكداً أن كل مرحلة أثارت مخاوف مشابهة قبل أن تتحول إلى فرصة.
عبّر بعض الخطاطين في بداية النقاش عن تخوفهم من أن تختزل التطبيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي سنوات التدريب والممارسة في بضعة أوامر مكتوبة، مستشعرين أن القيمة الجمالية للخط قد تُفرغ من بعدها الروحي إذا أصبحت النتيجة قابلة للتوليد الفوري، عكس هذا التوجس شعوراً مشروعاً بالقلق على هوية فن يرتبط بالذوق والمهارة والانضباط.
انتقل مسار الورشة تدريجياً من دائرة القلق إلى مساحة الفهم العملي، واستعرض الدكتور عويس مجموعة من الأدوات والتطبيقات الداعمة للخط العربي، وشرح آليات عملها وحدودها. عرض أمثلة حية جرى خلالها إدخال نصوص محددة وتحديد نوع الخط والأسلوب الفني، ثم مقارنة النتائج المتعددة التي تقترحها النماذج الذكية، مع مناقشة نقاط القوة والقصور في كل مخرج بصري.
ركّزت الجلسات التطبيقية على تمكين الخطاطين من استخدام هذه الأدوات بوصفها وسائل مساعدة لا بدائل إبداعية، فتدرّب المشاركين على صياغة «المطالبات» أو الأوامر الدقيقة التي تُوجه بها النماذج، موضحاً أن جودة النتيجة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوضوح الطلب، وحدّد أهمية ذكر المدرسة الخطية، ودرجة الانسياب، ونسب الحروف، والمساحات البيضاء، والسياق الفني للعمل، من أجل الوصول إلى نتائج عالية الجودة.
طبّق الخطاطون تدريبات عملية أعادوا خلالها صياغة الطلب أكثر من مرة، ولاحظوا كيف يؤثر تعديل مفردة واحدة في شكل الحروف أو توازن التكوين. اكتشفوا أن الذكاء الاصطناعي لا يبتكر بمعزل عن المستخدم، بل يستجيب للمعطيات التي يتلقاها، فأدركوا أن خبرتهم الفنية، لا الخوارزمية وحدها، هي التي تمنح العمل روحه النهائية.
ناقش المشاركون كذلك ظاهرة «هلوسة الذكاء الاصطناعي»، حين تقدّم بعض التطبيقات معلومات غير دقيقة عن تاريخ خط معيّن أو تنسب أسلوباً إلى مدرسة غير صحيحة. تعاملوا مع هذه الإشكالية بوصفها تحدياً معرفياً يتطلب وعياً نقدياً، لا سبباً للانسحاب من التجربة، وشدّد الدكتور عويس على أهمية التحقق والمراجعة، وعدم التسليم المطلق بما تنتجه النماذج.
اقترح الحضور آليات عملية للمساهمة في تطوير هذه النماذج، فدعوا إلى إنشاء قواعد بيانات موثوقة لأعمال خطية أصيلة، وتوثيق المدارس والأساليب وفق معايير دقيقة، وأبدوا استعدادهم لتقديم تغذية راجعة منهجية للتطبيقات، بما يساعد على تقليل الأخطاء وتحسين دقة المخرجات، وأكدوا أن تدريباً واعياً للتطبيقات، يستند إلى خبرة الخطاطين أنفسهم، كفيل بتجاوز كثير من حالات الهلوسة.
اختتمت الورشة بنقاش مفتوح أعاد صياغة العلاقة بين الفن والخط والتقنية. انتقل الحضور من سؤال «هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الخطاط؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: «كيف يمكن للخطاط أن يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع أفقه الإبداعي؟». عبّرت المداخلات الختامية عن قناعة متزايدة بأن هذه التقنيات، حين تُستخدم بوعي، تفتح آفاقاً جديدة للتجريب والتميز والتطور.
كرّست مخرجات الورشة رؤية متوازنة تعتبر الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة تعزز قدرات الخطاط ولا تنتقص من قيمته، وأكدت أن القرار الجمالي النهائي يظل بيد الفنان، وأن الريشة، حتى في عصر الخوارزميات، تحتفظ بمكانتها حين تمسك بها يد خبيرة. فتحت التجربة أمام الخطاطين أفقاً أوسع للإبداع، وجعلت من التقنية شريكاً في رحلة الفن، لا خصماً له.





شارك برأيك
الخط العربي والذكاء الاصطناعي: قراءة في تجربة عملية