تحليل

الخميس 23 يوليو 2026 12:49 مساءً - بتوقيت القدس

الاتفاق النووي الأميركي السعودي… شراكة استراتيجية تفتح باب التخصيب وتثير تساؤلات حول سياسة واشنطن تجاه إيران

رسالة واشنطن

واشنطن – سعيد عريقات – 23/7/2026
تحليل إخباري
وقعت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية اتفاقًا نوويًا مدنيًا وصفه الجانبان بأنه محطة مفصلية في مسار العلاقات الاستراتيجية بينهما، إذ يفتح الباب أمام تطوير البرنامج النووي السلمي السعودي باستخدام التكنولوجيا الأميركية، مع احتمال تمكين المملكة مستقبلًا من تخصيب اليورانيوم ضمن أطر رقابية وضمانات تتعلق بالسلامة ومنع الانتشار النووي. وقالت وزارة الطاقة الأميركية إن الاتفاق سيعزز صادرات التكنولوجيا النووية الأميركية، ويوفر آلاف فرص العمل، ويخدم المصالح الاقتصادية والأمنية للبلدين، مؤكدة أن التعاون سيخضع لأعلى معايير السلامة والأمن النووي.
ويمتد الاتفاق ثلاثين عامًا، وتقدر قيمته بعشرات مليارات الدولارات، ويتيح للشركات الأميركية بناء وتشغيل منشآت نووية مدنية داخل المملكة، كما ينص على إجراء دراسة أميركية سعودية مشتركة لتقييم إمكانية تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي السعودية. وإذا وافقت واشنطن بعد انتهاء الدراسة، يمكن إنشاء منشأة أميركية لإنتاج الوقود النووي داخل المملكة، بينما ينص الاتفاق، في حال رفض الولايات المتحدة منح الرياض حق التخصيب، على عدم تنفيذ المشروع منفردة أو بالتعاون مع أي طرف أجنبي آخر لمدة عشر سنوات.
ومن المقرر أن يحال الاتفاق إلى الكونغرس الأميركي، حيث يتوقع أن يثير نقاشًا سياسيًا واسعًا بشأن الضمانات الرقابية وآليات التفتيش، رغم امتلاك الجمهوريين أغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما يمنح إدارة الرئيس دونالد ترمب فرصة كبيرة لتأمين الموافقة عليه.
ويحمل الاتفاق أهمية خاصة لأنه يمثل تحولًا في السياسة النووية الأميركية تجاه حلفائها في الشرق الأوسط. فعلى خلاف الاتفاق النووي الذي وقعته الولايات المتحدة مع دولة الإمارات عام 2009، والذي تضمن ما عرف بـ"لمعيار الذهبي" القائم على تخلي أبوظبي نهائيًا عن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي، يترك الاتفاق الجديد الباب مفتوحًا أمام السعودية لامتلاك هذه القدرة مستقبلًا بعد استكمال الدراسة المشتركة والحصول على الموافقة الأميركية، وهو ما يعد تغيرًا لافتًا في مقاربة واشنطن لبرامج الطاقة النووية في المنطقة.
ويثير هذا التحول اهتمامًا واسعًا لدى خبراء منع الانتشار النووي، إذ يرون أن القضية لا تتعلق ببناء المفاعلات النووية المدنية بقدر ما ترتبط بامتلاك دورة الوقود النووي، التي تمنح أي دولة خبرات وبنية تحتية يمكن تطويرها مستقبلًا إذا تغيرت البيئة الأمنية أو السياسية. وحتى في ظل الالتزام الكامل بالضمانات الدولية، فإن امتلاك تكنولوجيا التخصيب يظل من أكثر عناصر البرامج النووية حساسية، لما يحمله من أبعاد استراتيجية طويلة المدى.
ويكتسب الاتفاق بعدًا سياسيًا إضافيًا بسبب توقيت الإعلان عنه، إذ يأتي بينما تواصل الولايات المتحدة عملياتها العسكرية ضد إيران بحجة منعها من امتلاك قدرات لتخصيب اليورانيوم يمكن أن تقود إلى إنتاج سلاح نووي، في وقت تطلب فيه إدارة ترمب اعتمادات مالية إضافية من الكونغرس لتمويل الحملة العسكرية التي ارتفعت كلفتها بصورة كبيرة. ويثير هذا التزامن تساؤلات بشأن كيفية توفيق واشنطن بين رفضها امتلاك إيران قدرات تخصيب اليورانيوم، وبين موافقتها على اتفاق قد يسمح للسعودية مستقبلًا بامتلاك قدرات مشابهة، وإن كانت تحت إشراف وضمانات دولية.
ورغم أن المسؤولين الأميركيين يشددون على اختلاف الحالتين، باعتبار أن البرنامج السعودي سيخضع لرقابة أميركية ودولية صارمة، بينما تتهم واشنطن إيران بالسعي إلى توظيف برنامجها النووي لأغراض عسكرية، فإن هذا التفسير لا يمنع من بروز اتهامات بازدواجية المعايير، وهو خطاب من المتوقع أن تستثمره طهران سياسيًا ودبلوماسيًا خلال المرحلة المقبلة.
ولا يقتصر الجدل على إيران وحدها، إذ تنظر إسرائيل أيضًا إلى الاتفاق بحذر، خشية أن يؤدي منح السعودية إمكانية تخصيب اليورانيوم إلى كسر أحد المبادئ الأساسية التي قامت عليها سياسة منع الانتشار النووي في الشرق الأوسط، وأن يشجع دولًا أخرى في المنطقة على المطالبة بحقوق مماثلة. ويرى عدد من المسؤولين والخبراء الإسرائيليين السابقين أن الخطر لا يكمن في البرنامج السعودي الحالي، بل في البنية التحتية النووية التي قد تصبح متاحة مستقبلًا إذا تبدلت الظروف السياسية أو الأمنية.
ومن اللافت أن الاتفاق يخلو من أي إشارة إلى ربط التعاون النووي بقضية تطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية، خلافًا لما سعت إليه إدارات أميركية متعاقبة، والتي كانت تعتبر التعاون النووي جزءًا من حزمة أوسع تشمل تحقيق اختراق في ملف التطبيع. ويعكس غياب هذا الشرط تحولًا في أولويات السياسة الأميركية، التي باتت تبدو أكثر اهتمامًا بتعزيز شراكتها الاستراتيجية مع الرياض في مواجهة تنامي النفوذ الصيني والروسي، حتى دون إحراز تقدم في مسار العلاقات السعودية الإسرائيلية.
وفي المقابل، يحمل الاتفاق أبعادًا اقتصادية لا تقل أهمية عن أبعاده السياسية، إذ يمنح الشركات الأميركية فرصًا ضخمة في مجالات بناء المفاعلات النووية والهندسة والتكنولوجيا والتشغيل والصيانة والتدريب على مدى ثلاثة عقود، كما يعزز قدرة الولايات المتحدة على استعادة جزء من موقعها في سوق الطاقة النووية العالمية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا للدورين الروسي والصيني، خاصة في الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا.
ومن المرجح أن يشكل الكونغرس الأميركي ساحة الاختبار التالية للاتفاق، حيث يتوقع أن يتركز الجدل على الضمانات الرقابية وآليات التفتيش ومستقبل حق التخصيب، أكثر من مبدأ التعاون النووي نفسه. وإذا نجحت إدارة ترمب في تمرير الاتفاق، فإنه قد يؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات الأميركية السعودية، ويعيد رسم معادلات الأمن والطاقة في الخليج لعقود مقبلة، لكنه في الوقت ذاته سيبقى يواجه اختبارًا سياسيًا يتمثل في قدرة واشنطن على إقناع المجتمع الدولي بأن منح السعودية ما ترفض منحه لإيران لا يمثل تناقضًا في مبادئها، بل يعكس اختلافًا في طبيعة العلاقات والضمانات والالتزامات الدولية لكل من البلدين .

دلالات

شارك برأيك

الاتفاق النووي الأميركي السعودي… شراكة استراتيجية تفتح باب التخصيب وتثير تساؤلات حول سياسة واشنطن تجاه إيران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.