لا يمكن قراءة المسودة الدستورية المطروحة اليوم بمعزل عن اللحظة الفلسطينية الأخطر منذ النكبة، فالنقاش الدستوري لا يجري في فراغ سياسي، بل في سياق حرب إبادة مفتوحة على غزة، وواقع متسارع من الضم الفعلي للضفة الغربية، وتوسيع غير مسبوق للاستيطان، وسياسات تهجير وتطهير صامتة تقضم الأرض والإنسان معًا، في ظل هذا المشهد، لا يعود السؤال الدستوري سؤال تنظيم سلطة أو توزيع صلاحيات، بل يتحول إلى سؤال وجودي: عن الشعب، وعن الأرض، وعن إمكانية الدولة من أساسها.
الدستور، في أي تجربة تاريخية، يُكتب في لحظة استقرار نسبي، أو بعد حسم سياسي، أو عقب تسوية كبرى، أما أن يُطرح دستور في زمن الإبادة، بينما تُسحق غزة، وتُبتلع الضفة، ويُعاد تعريف الجغرافيا بالقوة، فذلك يفرض قراءة مختلفة تمامًا، نحن لسنا أمام خلاف إداري أو أزمة حكم فقط، بل أمام حرب وجود تستهدف الشعب الفلسطيني برمته، وتسعى إلى تصفية قضيته، لا إلى تعديل شكل نظامه السياسي، في هذا السياق، يصبح النقاش حول الدستور، إن لم يُربط بهذه الحقيقة، نقاشًا منفصلًا عن الواقع، وربما متناقضًا معه.
المفارقة القاسية أن الفلسطينيين يُطلب منهم التفكير في دستور لدولة تتآكل شروط قيامها يومًا بعد يوم، فإسرائيل عبر حربها على غزة، وإجراءاتها المتسارعة في الضفة الغربية، لا تترك مجالًا فعليًا لأي كيان فلسطيني قابل للحياة، الضم لم يعد مشروعًا نظريًا، بل ممارسة يومية، والاستيطان لم يعد ورقة تفاوض، بل أداة حسم، والتهجير لم يعد استثناءً، بل سياسة مُقنَّعة ، في ظل هذا الواقع، يبدو الحديث عن دستور دولة فلسطينية دون مواجهة هذه الوقائع، وكأنه كتابة عقد لمنزل يُهدم أثناء التوقيع.
الخطر هنا لا يكمن فقط في توقيت المسودة، بل في احتمال أن تتحول إلى أداة تطبيع مع واقع التصفية ، فالدستورإذا كُتب بمعزل عن معركة الوجود، قد يكرّس تصورًا لدولة منزوعة السيادة، محدودة الجغرافيا، ومفصولة عن شعبها، ومتكيفة مع شروط الاحتلال لا مع حق التحرر، أي دستور لا ينطلق من أن الصراع اليوم هو صراع على البقاء، وعلى الأرض، وعلى الحق في تقرير المصير، سيكون دستورًا منسجمًا مع الأمر الواقع، لا مع العدالة التاريخية.
ثم إن الإشكالية الشرعية تزداد عمقًا في هذا السياق. فغياب مجلس تشريعي منتخب، وتعطل الحياة الديمقراطية، والانقسام السياسي، كلها عوامل تجعل أي عملية دستورية عرضة للطعن، لكن الأخطر أن تُستبدل الشرعية الشعبية بمنطق الضرورة، أو بمنطق “إدارة الأزمة” في لحظة إبادة، الدساتير لا تُكتب تحت القصف، ولا تُنتج شرعية في ظل غياب الإرادة الحرة، ولا يمكن أن تكون بديلا عن وحدة وطنية مفقودة.
كما أن تجاهل الفلسطينيين في الشتات، في لحظة تُعاد فيها إنتاج النكبة بأشكال جديدة، يجعل أي مسودة دستورية ناقصة أخلاقيًا وسياسيًا، كيف يمكن الحديث عن عقد اجتماعي فلسطيني بينما ملايين اللاجئين يُعاد تثبيت اقتلاعهم بالقوة، ويُستبعدون مرة أخرى من تعريف الشعب، ومن تقرير المصير، ومن صياغة المستقبل؟ في زمن الإبادة، يصبح حضور الشتات في أي تصور دستوري ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية.
المسألة إذن ليست رفض الدستور من حيث المبدأ، بل رفض فصله عن معركة الوجود، فالدستور لا يمكن أن يكون بديلا عن المشروع الوطني، ولا غطاءً لإدارة سلطة محدودة تحت الاحتلال، ولا أداة لتكييف الواقع المفروض بالقوة، ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم هو إعادة تعريف الأولويات: وحدة الشعب قبل شكل النظام، مقاومة التصفية قبل هندسة المؤسسات، وحماية الحق في الوجود قبل النقاش في نصوص الحكم.
قد يأتي يوم يكون فيه الدستور تتويجًا لمسار تحرري جامع، يعكس وحدة الفلسطينيين في الداخل والشتات، ويؤسس لدولة حقيقية لا كيان هش، أما اليوم، في ظل حرب الإبادة، والضم، والتهجير، فإن أي دستور لا ينطلق من أن ما يجري هو حرب على الوجود الفلسطيني نفسه، سيكون نصًا قانونيًا خارج الزمن، وربما شاهدًا صامتًا على لحظة تاريخية كان المطلوب فيها ما هو أعمق من النصوص: الدفاع عن الشعب، وعن الأرض، وعن الحق في البقاء.
أقلام وأراء
الخميس 12 فبراير 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
الدستور في زمن الإبادة: حين تصبح الأسئلة وجودية لا إجرائية