أقلام وأراء

الأحد 08 فبراير 2026 9:08 صباحًا - بتوقيت القدس

عندما اختفت اليابان عن مشهد الذكاء الاصطناعي





يتكرر سؤال لافت في النقاشات التقنية والإعلامية في السنوات الأخيرة: لماذا تبدو اليابان، بكل تاريخها العلمي والصناعي، بعيدة عن صدارة عالم الذكاء الاصطناعي؟ السؤال لا ينطلق من فراغ، فاليابان التي قادت ثورات إلكترونية وصناعية في القرن العشرين لا تظهر اليوم في واجهة سباق الذكاء الاصطناعي كما تفعل الولايات المتحدة أو الصين، غير أن هذا “الاختفاء” الظاهري يحمل في طياته أسباباً أعمق من مجرد ضعف تقني أو غياب للقدرات.
كانت اليابان من أوائل الدول التي استثمرت في الذكاء الاصطناعي منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين أطلقت مشاريع طموحة مثل “مشروع الجيل الخامس للحواسيب”، في ذلك الوقت، ركزت الأبحاث اليابانية على الذكاء الاصطناعي الرمزي القائم على القواعد والمنطق، وهو النهج السائد عالميًا آنذاك، لكن العالم لاحقاً انتقل بقوة إلى نماذج التعلم الآلي والتعلم العميق المعتمدة على البيانات الضخمة، وهو انتقال لم تواكبه اليابان بالسرعة نفسها، فوجدت نفسها خارج الموجة الأساسية التي أعادت تعريف الذكاء الاصطناعي.
أحد الأسباب الجوهرية يتمثل في طبيعة الاقتصاد الياباني. فالشركات اليابانية الكبرىكم هو معروف عنها هي شركات صناعية وهندسية، تركّز على التصنيع، الروبوتات، والسيارات، أكثر من تركيزها على البرمجيات والمنصات الرقمية. في المقابل، قادت شركات وادي السيليكون طفرة الذكاء الاصطناعي من بوابة البرمجيات، الإعلانات الرقمية، محركات البحث، وشبكات التواصل الاجتماعي، وهي مجالات تتيح كميات هائلة من البيانات، الوقود الحقيقي للذكاء الاصطناعي الحديث.
كما أن الثقافة المؤسسية اليابانية لعبت دوراً في هذا التراجع النسبي، فالنموذج الإداري المحافظ، الذي يقدّم الاستقرار والتدرج الوظيفي على المجازفة والابتكار السريع، لا ينسجم دائماً مع طبيعة الذكاء الاصطناعي التي تتطلب تجارب جريئة، فشلاً متكرراً، وقرارات سريعة, ففي الولايات المتحدة، يُنظر إلى الفشل كجزء من عملية الابتكار، بينما يُنظر إليه في اليابان غالباً كعبء مهني واجتماعي.
يضاف إلى ذلك تحدي الموارد البشرية، فاليابان تعاني من شيخوخة سكانية واضحة، ونقص في استقطاب الكفاءات الأجنبية، خاصة في مجالات علوم البيانات والتعلم العميق. اللغة اليابانية، وثقافة العمل المكثفة، وسياسات الهجرة الصارمة نسبياً، تجعل من الصعب منافسة بيئات أكثر انفتاحاً مثل الولايات المتحدة وكندا، حيث تتجمع أفضل العقول في الذكاء الاصطناعي.
ولا يمكن إغفال التأخر في التحول الرقمي الحكومي. فحتى وقت قريب، كانت اليابان تعتمد على الإجراءات الورقية والأنظمة التقليدية في كثير من مؤسساتها العامة. هذا التأخر حدّ من فرص استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية، الصحة، والتعليم، وهي مجالات أصبحت مختبرات حقيقية لتجارب الذكاء الاصطناعي في دول أخرى.
لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فاليابان لا تزال قوة كبرى في الروبوتات والذكاء الاصطناعي التطبيقي، خصوصاً في المصانع، الرعاية الصحية، والروبوتات المساعدة لكبار السن، المشكلة ليست في غياب الذكاء الاصطناعي، بل في كونه “غير مرئي إعلامياً”، لأنه مدمج في الصناعة أكثر من كونه حاضراً في تطبيقات استهلاكية واسعة الانتشار مثل روبوتات الدردشة أو منصات التواصل.
في السنوات الأخيرة، بدأت اليابان تدرك هذا الخلل، فأطلقت استراتيجيات وطنية جديدة للذكاء الاصطناعي، وبدأت بالاستثمار في الجامعات، الشركات الناشئة، والتعاون الدولي، غير أن اللحاق بالولايات المتحدة والصين يتطلب تغييراً أعمق، لا في السياسات فقط، بل في الثقافة، التعليم، ونظرة المجتمع للمخاطرة والابتكار.
اليابان لم تختفِ عن عالم الذكاء الاصطناعي، لكنها اختارت مسارًا مختلفًا، ركز على الآلة أكثر من الخوارزمية، وعلى المصنع أكثر من المنصة الرقمية، ومع تسارع التحولات العالمية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستنجح اليابان في إعادة تعريف دورها في عصر الذكاء الاصطناعي، أم ستظل قوة صامتة تعمل في الظل بينما يقود الآخرون المشهد؟

دلالات

شارك برأيك

عندما اختفت اليابان عن مشهد الذكاء الاصطناعي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.