يستعد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للقيام بزيارة دولة إلى الولايات المتحدة في منتصف تشرين الثاني الحالي، في أول رحلة له إلى واشنطن منذ سبع سنوات، وسط ترقب واسع لأجندة الزيارة وما تحمله من رسائل سياسية واقتصادية. وبينما يروّج الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإمكانية تحقيق "اختراق كبير" في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل قبل نهاية العام، تبدو تلك التوقعات بعيدة عن الواقع، إذ تركز الرياض على أولويات دفاعية وإستراتيجية لا تتضمن في هذه المرحلة فتح العلاقات مع تل أبيب.
تشير مصادر أميركية وسعودية إلى أن الزيارة ستُتوَّج بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين، على غرار الاتفاق الأمني الذي أبرمته واشنطن مؤخرًا مع قطر. كما تسعى المملكة للحصول على مقاتلات "إف-35" المتطورة، إضافة إلى تعاون نووي مدني يمنحها وصولًا جزئيًا إلى التكنولوجيا الأميركية الحساسة. هذه الخطوات تعكس طموحًا سعوديًا لإعادة تعريف العلاقة مع واشنطن على أساس الشراكة الندية، لا التبعية الأمنية التي وسمت العلاقة لعقود.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يأتي في سياق إدراك سعودي بأن العالم لم يعد أحادي القطبية، وأن الاعتماد على المظلة الأميركية لم يعد ضمانة كافية للأمن الإقليمي. ومع ذلك، فإن واشنطن لا تزال تنظر إلى الرياض بعين المنفعة الاقتصادية، خاصة في مجالات الطاقة والاستثمار، دون تبني رؤية شاملة للتعامل مع التحولات العميقة التي تشهدها المملكة. هذا الفارق في النظرة يُعد أحد أسباب الفتور السياسي بين الطرفين خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يسعى ولي العهد إلى تجاوزه من خلال هذه الزيارة.
لكن الجانب الأكثر إثارة في الزيارة هو الجدل حول ملف التطبيع مع إسرائيل. فبينما يواصل ترمب الإيحاء بقرب اتفاق تاريخي، تؤكد مصادر سعودية أن التطبيع ليس مطروحًا على الطاولة في المدى القريب، خصوصًا بعد الحرب الإسرائيلية على غزة التي خلّفت عشرات آلاف من الضحايا وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الوعي العربي. في هذا السياق، تبدو محاولات واشنطن لدمج إسرائيل في المنطقة عبر "اتفاقيات إبراهيم" في حالة جمود، بعدما تبيّن أن تجاوز القضية الفلسطينية لم يكن سوى وهم دبلوماسي قصير العمر.
وفي تصريح له لصحيفة نيويورك تايمز الأحد، يقول المعلق السعودي علي الشهابي إن التطبيع دون خطوة إسرائيلية "كبيرة ولا رجعة فيها" نحو إقامة دولة فلسطينية بات أمرا غير واقعيا. ويضيف أن المملكة تنظر إلى التطبيع باعتباره ورقة ضغط سياسية لا يمكن التفريط بها دون مقابل حقيقي. هذا الموقف يعكس إدراكًا سعوديًا متأخرًا بأن سياسة الانفتاح غير المشروط على إسرائيل، كما حصل في دول خليجية أخرى، لم تحقق استقرارًا ولا مكاسب إستراتيجية تُذكر.
ومع ذلك، لا يخلو الموقف السعودي من تناقض. فبينما ترفض الرياض التطبيع العلني، تدعي مصادر إسرائيلية وأميركية أن المملكة تُبقي على قنوات اتصال أمنية واستخباراتية غير معلنة مع إسرائيل. ويرى محللون أن هذا الأسلوب المزدوج يمنح المملكة مرونة تكتيكية، لكنه في الوقت نفسه يعكس حذرًا مفرطًا يعيق دورها القيادي في المنطقة. فالموقف السعودي المعلن الداعم لحل الدولتين لا يُترجم بعد إلى مبادرة فعلية لإحياء المفاوضات أو كبح التوتر المتصاعد.
وعلى الصعيد الداخلي، تواجه القيادة السعودية تحديًا بين طموحاتها الإصلاحية المعلنة وممارساتها السياسية المقيدة. فـ"رؤية 2030" التي أطلقها ولي العهد تسعى لتحديث الاقتصاد وتحرير المجتمع من الاعتماد على النفط، لكنها ما تزال تصطدم بغياب الانفتاح السياسي الحقيقي. ويشير بعض النقاد إلى أن التركيز المكثف على التحولات الاقتصادية والتكنولوجية يأتي أحيانًا على حساب الحريات العامة والمساءلة السياسية، وهو ما قد يُضعف مناعة هذه الإصلاحات على المدى الطويل.
أما واشنطن، فهي الأخرى تتعامل مع ولي العهد السعودي ببراغماتية واضحة. فبعد أن وصفه الرئيس بايدن في حملته الانتخابية بـ"المنبوذ" على خلفية مقتل الصحفي جمال خاشقجي، عادت إدارته لتتعامل معه باعتباره شريكًا لا يمكن تجاهله في ملفات الطاقة والإقليم. ويكشف هذا التناقض عن أزمة أعمق في السياسة الخارجية الأميركية، التي تتأرجح بين خطاب القيم ومقتضيات المصالح، دون القدرة على صياغة مقاربة متسقة تجاه الحلفاء السلطويين في المنطقة.
وفي المنتدى الاستثماري الأخير الذي عقد في الرياض، ركزت جلسات النقاش على مشاريع الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، بينما غاب الحديث عن غزة أو إعادة إعمارها. هذا التجاهل، الذي لم يكن عفويًا، يعكس أولويات جديدة لدى القيادة السعودية تُقدّم التنمية الاقتصادية على الالتزامات السياسية التقليدية تجاه القضايا العربية. ومع ذلك، فإن الحذر السعودي من التورط في الملف الفلسطيني لا يلغي إدراكها أن استقرار المنطقة لا يمكن تحقيقه دون معالجة جذرية لهذا الصراع المزمن.
وتمثل زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن فصلًا جديدًا في العلاقة بين البلدين، لكنها أيضًا اختبار لقدرة الطرفين على التوفيق بين الطموح والمصلحة. فالسعودية تسعى لترسيخ موقعها كقوة صاعدة في عالم متغير، بينما تحاول واشنطن إعادة بناء نفوذها في الشرق الأوسط عبر صفقات دفاعية وتحالفات ظرفية. أما الحديث عن التطبيع، فيبقى في حدود التصريحات الانتخابية، مؤجلًا إلى أن تتغير معادلات القوة في إسرائيل أو تنضج تسوية سياسية عادلة للفلسطينيين. وحتى ذلك الحين، ستواصل المملكة السير في مسارها الخاص، متجنبة الاصطفافات الحادة، ومفضّلة لغة المصالح على الإملاءات.





شارك برأيك
زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن: طموحات إستراتيجية وتطبيع مؤجل