عربي ودولي

الأحد 24 مايو 2026 1:19 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد ميداني جنوب لبنان: غارات إسرائيلية دامية وعمليات مكثفة لحزب الله

كثفت الطائرات الحربية الإسرائيلية غاراتها الجوية اليوم الأحد على مناطق واسعة في جنوب لبنان، حيث طال القصف بلدات في أقضية صور والنبطية وبنت جبيل. وأسفرت هذه الهجمات عن سقوط شهيد على الأقل وإصابة آخرين في بلدة البازورية، في حين استشهدت سيدة وأصيب شخصان في غارة ليلية استهدفت بلدة طورا، حيث جرت مراسم تشييع الضحايا وسط أجواء من الحزن والتوتر.

وفي قضاء النبطية، شنت المقاتلات الإسرائيلية غارة صباحية على بلدة زوطر الشرقية، تزامناً مع استهداف جوي آخر لبلدة كفرا في قضاء بنت جبيل. ولم ترد حتى اللحظة حصيلة نهائية دقيقة لعدد الضحايا في هذه المناطق، إلا أن الدمار المادي كان واسعاً في الأحياء السكنية المستهدفة، مما يعكس إصرار الاحتلال على توسيع دائرة الاستهداف الميداني.

على الصعيد السياسي، طالب النائب عن كتلة الوفاء للمقاومة حسين فضل الله الحكومة اللبنانية بضرورة مراجعة المسار التفاوضي الحالي. ودعا فضل الله إلى تعليق أي مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي إذا لم تؤدِ إلى اتفاق متكامل يضمن الوقف الفوري للعدوان وتأمين عودة النازحين إلى قراهم، مشدداً على أن المقاربة الجزئية لا تخدم المصلحة الوطنية اللبنانية.

وأشار فضل الله في تصريحاته إلى البعد الإقليمي للأزمة، موضحاً أن طهران تربط أي تفاهمات محتملة مع الولايات المتحدة بإنهاء الحرب في لبنان وبقية جبهات الإسناد. وتعكس هذه التصريحات ترابط الملفات الميدانية والسياسية في المنطقة، في ظل غياب أي بوادر حقيقية لتهدئة قريبة تنهي معاناة المدنيين على جانبي الحدود.

ميدانياً، أفادت مصادر صحفية في الجنوب بأن حزب الله نفذ عمليات نوعية استهدفت تحركات الجيش الإسرائيلي في المناطق الحدودية. وأعلن الحزب عن استهداف تجمع للجنود في المنطقة الواقعة بين البياضة والناقورة، وهي منطقة تشهد مواجهات متكررة أدت في وقت سابق إلى إجبار الاحتلال على إخلاء مراكز عملياتية تابعة له تحت ضغط الضربات.

وفي إطار الرد المستمر، أكد حزب الله في بيانات عسكرية استهداف تجمع لآليات الاحتلال في محيط نهر دير سريان للمرة الخامسة باستخدام القذائف المدفعية والصواريخ الموجهة. وتأتي هذه الضربات لتعطيل محاولات التمركز الإسرائيلي في النقاط الحساسة القريبة من مجرى النهر، مما يكبد القوات المهاجمة خسائر في العتاد والأرواح.

كما شملت عمليات المقاومة استهدافاً مباشراً لجنود الاحتلال في بلدة رشاف عبر رشقة صاروخية مركزة حققت إصابات مباشرة بحسب البلاغات العسكرية. وتستمر هذه العمليات المتبادلة في ظل تصعيد مفتوح يخشى المراقبون من تحوله إلى مواجهة شاملة، خاصة مع استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية التي لا تفرق بين أهداف عسكرية ومدنية.

عربي ودولي

الأحد 24 مايو 2026 1:19 مساءً - بتوقيت القدس

كشف بنود مذكرة تفاهم بين طهران وواشنطن: إنهاء شامل للحرب ورفع العقوبات النفطية

كشفت مصادر إعلامية إيرانية عن ملامح مذكرة تفاهم مقترحة بين طهران وواشنطن، تهدف إلى وضع حد للعمليات العسكرية على كافة الجبهات المشتعلة في المنطقة. وتتضمن المسودة بنوداً تتيح لإيران استئناف تصدير نفطها ومنتجاتها البتروكيماوية، مقابل التزامها بتهدئة التوترات الميدانية وضمان أمن الملاحة الدولية.

وتشير المذكرة المقترحة إلى جدول زمني محدد لتنفيذ الخطوات الأولى، حيث تم تخصيص فترة 30 يوماً لمعالجة القضايا المتعلقة بمضيق هرمز. ويهدف هذا البند إلى إعادة حركة الملاحة والسفن العابرة للمضيق إلى مستوياتها الطبيعية التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب في قطاع غزة وتوسع رقعة الصراع.

كما تضمنت المسودة فترة زمنية مدتها 60 يوماً مخصصة لإجراء محادثات معمقة حول الملف النووي الإيراني، وهو الملف الذي لا يزال يشكل نقطة خلاف جوهرية. وأوضحت المصادر أن طهران لم توافق حتى اللحظة على أي إجراءات تقييدية تخص برنامجها النووي ضمن هذه المرحلة الأولية من التفاهمات.

وبموجب المقترح، تلتزم الولايات المتحدة برفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية بشكل كامل خلال شهر واحد من توقيع المذكرة. وتترافق هذه الخطوة مع الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، مما يمنح الاقتصاد الإيراني متنفساً مالياً ضرورياً في المرحلة الأولى من الاتفاق.

وأكدت مصادر مطلعة أن الاتفاق المحتمل يسعى لإنهاء الحرب على كافة الجبهات، بما في ذلك الجبهة اللبنانية التي شهدت تصعيداً كبيراً في الآونة الأخيرة. كما يتطرق المقترح إلى إمكانية سحب القوات الأمريكية من بعض المناطق القريبة من الحدود الإيرانية كجزء من إجراءات بناء الثقة بين الطرفين.

وفيما يخص الملف النووي، شدد مصدر إيراني رفيع المستوى على أن طهران لم تتعهد بإخراج مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج البلاد. وأشار المصدر إلى أن القضايا النووية المعقدة سيتم ترحيلها إلى مراحل لاحقة من المفاوضات، ولن تكون جزءاً من الاتفاق المبدئي الجاري العمل عليه حالياً.

وتشير التقارير إلى أن إيران ترفض تعليق أنشطتها النووية لمدة طويلة كشرط مسبق، وتصر على أن مناقشة هذه التفاصيل مرتبطة بوفاء واشنطن بالتزاماتها الاقتصادية. ولا تزال هناك خلافات قائمة حول بندين أساسيين في مذكرة التفاهم، مما يتطلب جولات إضافية من النقاش عبر الوسطاء الدوليين.

من جانبها، نقلت مصادر دولية أن الولايات المتحدة وإيران باتتا على وشك التوقيع على اتفاق يمدد وقف إطلاق النار لمدة شهرين إضافيين. وخلال هذه الفترة، من المتوقع أن يتم فتح مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية دون فرض أي رسوم إضافية، مع التزام طهران بإزالة الألغام البحرية التي زرعتها.

وتتضمن الرؤية الأمريكية للاتفاق ضرورة حصول واشنطن على ضمانات إيرانية بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية تحت أي ظرف. كما تطالب الإدارة الأمريكية بجدول زمني واضح للتفاوض حول تعليق برنامج تخصيب اليورانيوم والتخلص من المخزونات الحساسة التي تراكمت لدى طهران خلال السنوات الماضية.

وتحدثت تقارير عن تقديم إيران تعهدات شفوية عبر وسطاء، تبدي فيها استعداداً لتقديم تنازلات معينة في ملف التخصيب مقابل حوافز اقتصادية ملموسة. وتنتظر الأوساط السياسية رداً رسمياً من البيت الأبيض حول هذه التفاصيل، في ظل صمت رسمي من الإدارة الأمريكية تجاه التسريبات الأخيرة.

إن نجاح هذه المذكرة يعتمد بشكل كبير على قدرة الطرفين على تجاوز انعدام الثقة المتبادل والالتزام بالجداول الزمنية المقترحة. ويرى مراقبون أن رفع العقوبات النفطية يمثل الورقة الرابحة التي تسعى طهران للحصول عليها، بينما يمثل أمن الملاحة في هرمز المطلب الملح للمجتمع الدولي.

وتشمل المسودة أيضاً بنوداً تتعلق بتعليق العقوبات على المشتقات النفطية طوال فترة سير المفاوضات، لضمان استمرارية العملية الدبلوماسية. ويهدف هذا الإجراء إلى منع انهيار التفاهمات في حال تعثرت المحادثات النووية في مراحلها الأولى، مما يوفر غطاءً اقتصادياً للجانب الإيراني.

وعلى الرغم من التفاؤل الحذر، تظل مسألة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة نقطة شائكة قد تعيق التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل. فبينما تطلب طهران انسحاباً واضحاً، ترى واشنطن أن وجودها ضروري لضمان تنفيذ بنود الاتفاق وحماية حلفائها في المنطقة من أي تهديدات محتملة.

ختاماً، تمثل هذه المذكرة المقترحة محاولة جادة لخفض التصعيد الإقليمي الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة خلال العام الماضي. وسيكون للأيام القادمة دور حاسم في تحديد ما إذا كانت هذه التفاهمات ستتحول إلى اتفاقية ملزمة تنهي حالة الصراع المستمرة بين واشنطن وطهران.

اسرائيليات

الأحد 24 مايو 2026 1:18 مساءً - بتوقيت القدس

تراجع نفوذ نتنياهو في واشنطن: ملامح اتفاق أمريكي إيراني تلوح في الأفق

أفادت مصادر إعلامية بوجود مؤشرات قوية على تراجع نسبي في قدرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على التأثير في مسار القرار الأمريكي تجاه الملف الإيراني. يأتي هذا التحول في وقت تتصاعد فيه الأنباء عن اقتراب واشنطن وطهران من بلورة تفاهمات جديدة بشأن البرنامج النووي الإيراني، تتجاوز الشروط السابقة التي كانت تفرضها تل أبيب.

وتشير المعطيات الراهنة إلى أن الاتفاق المرتقب قد لا يتضمن شرط نقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج الأراضي الإيرانية، وهو ما يمثل نقطة خلاف جوهرية مع الرؤية الإسرائيلية. هذا التوجه الأمريكي الجديد يعكس رغبة واشنطن في إيجاد صيغة سريعة لخفض التصعيد في المنطقة بعيداً عن الخيارات العسكرية الصفرية.

وذكرت مصادر مطلعة أن نتنياهو نقل مخاوفه بشكل مباشر إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، محذراً من تداعيات ربط الجبهة الإيرانية بالتطورات الميدانية في لبنان. ويرى رئيس الوزراء الإسرائيلي أن تأجيل حسم الملف النووي حالياً قد يؤدي إلى ترحيله لمرحلة زمنية أكثر تعقيداً، مما يمنح طهران فرصة لتعزيز مكانتها الإقليمية.

في سياق متصل، رصدت تقارير صحفية تحولاً ملموساً في طبيعة العلاقة الشخصية والسياسية بين نتنياهو وترمب خلال الأسابيع الأخيرة. فبعد أن كان نتنياهو يقدم نفسه كشريك أساسي في رسم الخطط الحربية ضد إيران، يبدو أن دوره قد انحسر ليصبح مجرد حليف يتم إطلاعه على النتائج لا المشاركة في صياغة المقدمات.

وتؤكد المصادر أن الإدارة الأمريكية باتت تتعامل مع الحكومة الإسرائيلية من منظور أمني بحت يتعلق بالمواجهة، بينما استبعدتها من دوائر التفاوض المباشرة الجارية مع الجانب الإيراني. هذا التهميش يعكس تبايناً في الأولويات، حيث تسعى واشنطن للتهدئة بينما تصر تل أبيب على استمرار سياسة الضغوط القصوى.

وكانت الحكومة الإسرائيلية تراهن على أن التصعيد العسكري الأخير سيجبر طهران على تقديم تنازلات جوهرية تمس جوهر برنامجها النووي. إلا أن الواقع السياسي أثبت أن واشنطن قررت الانتقال نحو مسار دبلوماسي أكثر مرونة، وهو ما وضع نتنياهو في موقف دفاعي أمام الرأي العام الإسرائيلي الذي وعده بتغيير جذري في ميزان القوى.

ويرى باحثون سياسيون أن الفجوة تتسع بين سقف التوقعات الإسرائيلي الذي يطالب بتفكيك كامل للبنية التحتية النووية الإيرانية، وبين التوجه الأمريكي الذي يكتفي بتقييد النشاط النووي وضمان عدم وصوله لمرحلة التسلح. هذا التباين يضعف من قدرة إسرائيل على فرض أجندتها في أي اتفاق دولي قادم.

وعلى الصعيد الداخلي، يواجه نتنياهو ضغوطاً متزايدة من خصومه السياسيين الذين قد يستغلون أي اتفاق أمريكي إيراني كدليل على فشل استراتيجيته الخارجية. فربط الرصيد السياسي لنتنياهو بنتائج المواجهة مع إيران يجعل من أي تسوية دبلوماسية لا تحقق أهدافه بمثابة تراجع سياسي قد يهز استقرار ائتلافه الحاكم.

ورغم هذا التراجع، لا يُتوقع أن يقف نتنياهو مكتوف الأيدي، حيث تشير التقديرات إلى احتمالية تفعيله لقنوات الضغط التقليدية داخل الكونغرس واللوبيات المؤيدة لإسرائيل في واشنطن. ويهدف هذا التحرك إلى عرقلة أي اتفاق لا يضمن المصالح الأمنية الإسرائيلية العليا، رغم اعتراف المحللين بتراجع فاعلية هذه الأدوات مقارنة بالسنوات الماضية.

يبقى المشهد الإقليمي مفتوحاً على كافة الاحتمالات، في ظل محاولات واشنطن الموازنة بين مصالحها الاستراتيجية الكبرى وبين هواجس حلفائها في المنطقة. ومع استمرار المباحثات السرية والعلنية، يظل السؤال قائماً حول قدرة نتنياهو على استعادة دوره كلاعب مؤثر في الملف الأكثر حساسية بالنسبة للأمن القومي الإسرائيلي.

فلسطين

الأحد 24 مايو 2026 12:47 مساءً - بتوقيت القدس

رحيل المفكر اللغوي خالد فهمي.. حارس الهوية وسادن لغة الضاد

فقدت الأوساط الأكاديمية والثقافية في مصر والعالم العربي، العالم اللغوي والمفكر الكبير الدكتور خالد فهمي، أستاذ اللغويات بجامعة المنوفية والخبير بمجمع اللغة العربية بالقاهرة. ويعد الراحل نموذجاً للمثقف العضوي الذي لم ينفصل يوماً عن قضايا أمته، بل ظل مرابطاً في محراب العلم مدافعاً عن لغة الضاد.

شغل الدكتور فهمي مناصب ثقافية رفيعة، كان أبرزها عمله مستشاراً ثقافياً لدار الكتب والوثائق القومية، حيث أدرك من خلالها قيمة المخطوط والوثيقة في حفظ الذاكرة الجمعية. وقد ترك الراحل بصمة واضحة في كل مؤسسة عمل بها، محولاً العمل الأكاديمي الروتيني إلى مشروع نهضوي لبناء الوعي.

تجسدت فلسفة الراحل في اعتبار اللغة العربية قضية أمن قومي بامتياز، وليست مجرد أداة للتواصل الفني أو الأدبي. وكان يرى أن الهزيمة الثقافية واللغوية تسبق دائماً الهزائم العسكرية والاقتصادية، مما جعله يكرس أبحاثه لربط البنية اللغوية بالسياق القيمي والاجتماعي للأمة.

وقف الدكتور خالد فهمي سداً منيعاً أمام محاولات التغريب الثقافي التي تستهدف تهميش اللغة العربية في المناهج التعليمية والحياة العامة. وحذر مراراً من أن استبدال اللسان العربي بلغات أجنبية في مراحل التنشئة الأولى يؤدي إلى تشويه وعي الأجيال وفصلهم عن جذورهم التاريخية.

آمن الفقيد بأن النهضة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا بتوطين المعرفة، وهو ما جعله من أكبر الداعمين لحركة الترجمة والتعريب. وكان يشدد على أن الأمة التي لا تنتج معرفتها بلغتها الخاصة تظل تابعة لغيرها، وتفقد قدرتها على الإبداع المستقل والمنافسة الحضارية.

أحدث رحيل فهمي صدمة واسعة في الأوساط الفكرية، حيث ضجت منصات التواصل الاجتماعي والمجلات الثقافية بمرثيات دافقة من زملائه وتلامذته. ووصفه الكثيرون بأنه 'عالم الثغور' الذي لم ينسحب إلى الأبراج العاجية، بل ظل قريباً من نبض الشارع وهموم الشباب الباحثين.

تميز الراحل بقدرة فائقة على تبسيط المعارف اللغوية المعقدة وجعلها في متناول الأجيال الجديدة دون إخلال بعمقها. وقد رثاه مجمع اللغة العربية والمؤسسات الفكرية كجسر فريد يربط بين التراث العربي الأصيل وبين مقتضيات المعاصرة والمنهجيات الحديثة.

ترك الدكتور خالد فهمي إرثاً علمياً ضخماً يتجاوز الستين كتاباً، تناولت قضايا التحقيق واللغويات وصناعة الوعي الحضاري. وكان يؤكد دائماً أن تحقيق التراث ليس ترفاً عقلياً، بل هو استدعاء لعناصر القوة والأصالة اللازمة لتأسيس نهضة الحاضر والمستقبل.

على الصعيد الإنساني، عُرف عن الراحل تواضعه الجم واحتفاؤه الكبير بتلامذته الذين كان يعاملهم كأصدقاء ومشاريع علماء. ولم يبخل يوماً بوقته أو مكتبته الشخصية على أي باحث، مؤمناً بأن زكاة العلم تكمن في بذله ونشره دون قيود بيروقراطية.

كان الدكتور فهمي يصدح برأيه العلمي والفكري بكل أدب وشجاعة، مترفعاً عن الصغائر والمناصب التي قد تقيد حريته. واتسمت مسيرته بالنزاهة الأخلاقية والثبات على المبادئ، مما جعله مرجعية أخلاقية وعلمية تحظى باحترام مختلف التيارات الفكرية.

في إحدى مقولاته المركزية، اعتبر الراحل أن صناعة الوعي هي 'الجهاد الأكبر' في العصر الحديث لمواجهة محاولات التزييف. ورأى أن الأمة التي تفرط في كتابها ولغتها وتاريخها، إنما تسلم مفاتيح قلعتها لخصومها طواعية وبلا مقاومة تذكر.

أشار تلامذته في وداعه إلى أنه عاش حراً شريفاً ومات عزيزاً كريماً، دون أن يبيع علمه أو مروءته بعرض من الدنيا. وبث في نفوس جيل كامل روح العزة والفخر بالانتماء للهوية الإسلامية والعربية، محارباً بلا ضجيج في سبيل قضايا أمته.

إن غياب هذا العالم الموسوعي يضع مسؤولية جسيمة على عاتق الباحثين لمواصلة مشروعه في حماية الثغور الثقافية. فالأفكار التي غرسها تحتاج إلى رعاية مستمرة لتنمو وتواجه تحديات العولمة والتجريف الثقافي الذي يهدد المجتمعات العربية.

ختاماً، يبقى مشروع الدكتور خالد فهمي حياً في كتبه وتلامذته الذين تعلموا منه أن العلم رسالة وجهاد مستمر. ورحيله وإن كان خسارة فادحة، إلا أن الأثر الذي تركه سيظل منارة تهتدي بها الأجيال الطامحة لاستعادة السيادة الحضارية واللغوية.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 12:43 مساءً - بتوقيت القدس

مؤتمر فتح والأسئلة المؤجلة


شكّلت مؤتمرات حركة فتح، على امتداد مسيرتها التاريخية، محطة مركزية في الوعي السياسي الفلسطيني، بوصفها مؤتمرات الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، وانعكست خياراتها السياسية والتنظيمية بصورة مباشرة على مسار القضية الفلسطينية وعلى الواقع المعيشي والاجتماعي لشعبنا، فحين اتخذت فتح قرار الكفاح المسلح، تحوّل الفلسطينيون إلى حالة اشتباك وطني شاملة، وحين تبنّت خيار التسوية السياسية، منحها الشعب الفلسطيني تفويضًا سياسيًا لاختبار جدوى هذا المسار، وحين اندلعت انتفاضة الأقصى، التحمت الجماهير مجددا بخيارات الحركة النضالية. لذلك لم تكن فتح، بالنسبة للفلسطينيين، مجرد تنظيم سياسي، بل إطارا وطنيا جامعا عكست الجماهير عبره آمالها وإحباطاتها، وانتصاراتها وانتكاساتها. ومن هنا، فإن انعقاد مؤتمرها العام لا يمكن اختزاله في كونه شأنا تنظيميا  داخليا، ولا يمكن تحصينه من النقد أو التقييم أو القراءة السياسية العلنية من قبل الكتّاب والمحللين والرأي العام.

لقد أسدل المؤتمر الثامن لحركة فتح الستار على أعماله بانتخاب لجنة مركزية جديدة نصف أعضائها من الوجوه الجديدة، كما أفرز مجلسا ثوريا ضمّ 58 عضوا جديدا من أصل 81 عضوًا، عقب تساوي أصوات الحاصلين على المرتبة الثمانين.

 غير أنه، وباستثناء إعادة إنتاج الهيئات القيادية للحركة، يصعب استحضار مخرجات سياسية أو تنظيمية نوعية للمؤتمر الثامن، إذ غابت عن ساحاته الأربع أي نقاشات معمّقة تتعلق بالبنية التنظيمية أو الخيارات السياسية أو مراجعة التجربة الحركية بين المؤتمرين، كما لم تُطرح البرامج السياسية والوطنية والاقتصادية للحركة للنقاش أو التصويت، بذريعة ضيق الوقت الذي هيمن على أعمال المؤتمر منذ يومه الأول، ما حال دون فتح المجال أمام مداخلات الأعضاء أو مناقشة المقترحات والتعديلات أو إخضاع البرامج لإرادة المؤتمر العامة،  وقد جرى ذلك في ساعات متأخرة من الليل، وفي وقت زمني محدود لم يتجاوز ساعة ونصف، وبغياب لمؤتمري ساحة القاهرة الذين غادروا القاعة قبيل عرض مسودات البرامج.

كذلك خلا المؤتمر من عرض تفصيلي لتقارير المفوضيات، واكتُفي بعرض عام ومقتضب قدّمه نائب رئيس الحركة، دون نقاش فعلي أو مساءلة أو حتى طرح التقرير لنيل ثقة المؤتمر، خلافًا لما تقتضيه الأصول التنظيمية للمؤتمرات الحركية.

كان متوقعا من حركة فتح، بعد عقد كامل على مؤتمرها السابع، أن تفتح نقاشا جادا حول الأسئلة السياسية والتنظيمية الكبرى التي تواجه الحركة والمشروع الوطني الفلسطيني، إلا أن المشهد الانتخابي وهيمنة الحسابات الداخلية طغيا على كل ما عداهما، بما في ذلك الأبعاد الفكرية والسياسية والتنظيمية والوطنية للمؤتمر.

ثمة عشرة أسئلة مركزية قفز عنها المؤتمر الثامن، لكنها ما تزال قائمة بإلحاح، لأن تغييب الأسئلة لا يلغي وجودها، بل يؤجل انفجارها في لحظة سياسية أكثر تعقيدًا وضغطًا.

أول هذه الأسئلة هو سؤال المشروع الوطني الفلسطيني في ظل التحولات العميقة التي تعصف بالقضية الفلسطينية. وليس المقصود هنا مجرد البرنامج السياسي التقليدي للحركة، بل موقع فتح ضمن مشروع التحرر الوطني الفلسطيني، وخياراتها بعد الانهيار العملي لمسار التسوية السياسية على يد اليمين الإسرائيلي المتطرف، وكيفية حماية القدس من مشاريع التهويد والاقتلاع، وطبيعة العلاقة مع فلسطينيي الداخل والشتات الذين يشكلون أكثر من نصف الشعب الفلسطيني، إلا أن المؤتمر اكتفى بخطاب الرئيس الافتتاحي، دون أي نقاش سياسي لاحق حول هذه القضايا المفصلية.

أما السؤال الثاني، فهو سؤال المساءلة التنظيمية والسياسية للقيادة السابقة، إذ غاب كليا عن المؤتمر أي استعراض نقدي لأداء اللجنة المركزية أو المجلس الثوري أو المفوضيات المختلفة، باستثناء تقرير مكتوب قدّمته مفوضية العلاقات الدولية وأُضيف إلى حقيبة المؤتمر. وهو ما يعكس غياب إرادة التقييم والمحاسبة والمراجعة السياسية والتنظيمية، رغم أن المؤتمر السابع، على ما شابه من ملاحظات، شهد عرضا لتقارير المفوضيات ونقاشا نسبيا حول أدائها.

أما السؤال الثالث، فهو سؤال العلاقة بين الحركة والسلطة، وهو أحد أكثر الأسئلة إلحاحا داخل البنية الفتحاوية منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية. فقد عكس التمثيل داخل المؤتمر هيمنة البنية البيروقراطية المرتبطة بالسلطة، عبر الحضور الكثيف للموظفين المدنيين والعسكريين، على حساب قطاعات تاريخية شكّلت العمق المجتمعي والثقافي للحركة، بما في ذلك الأكاديميون والمثقفون والمفكرون والأدباء.

لقد كان مطلوبا من المؤتمر أن يفتح نقاشا صريحا حول حدود العلاقة بين الحركة والسلطة، وحول ما إذا كانت السلطة قد تحولت تدريجيا من أداة من أدوات المشروع الوطني إلى بديل عن الحركة نفسها، وما الذي فعلته البيروقراطية السلطوية بالبنية التحررية لفتح، وأين تقف حدود الفصل بين القرار الوطني ومتطلبات النظام السياسي والتزاماته وتعقيداته. إلا أن هذه الأسئلة الجوهرية أزيحت لصالح أسئلة انتخابية تتعلق بالتحالفات والأصوات وفرص المرشحين وموازين القوى الداخلية.

أما السؤال الرابع، فهو سؤال المقاومة واستراتيجية النضال الوطني. فعلى الرغم من أن المؤتمر السابع تحدث عن “المقاومة الشعبية بكافة أشكالها”، جاء البيان الختامي للمؤتمر الثامن ليؤكد تبني “المقاومة الشعبية السلمية” كخيار استراتيجي، دون نقاش فعلي داخل المؤتمر أو تصويت أو حتى تأطير نظري وسياسي لهذا التحول.

ولا يتعلق الأمر هنا بتأييد هذا الخيار أو رفضه، بل بطريقة اتخاذ القرار داخل الحركة، وبغياب النقاش الجاد حول مفهوم المقاومة السلمية  وأشكالها وعلاقتها بالعمل السياسي، فضلا عن غياب الأدوات والبرامج والبنية التعبوية القادرة على تحويل المقاومة الشعبية إلى استراتيجية فعلية وليست مجرد خطاب سياسي للاستهلاك الخارجي. وهو ما يجعل التساؤل حول انتقال فتح من موقع قيادة الاشتباك الوطني إلى موقع “إدارة التهدئة” سؤالا  مشروعا سياسيا وتنظيميا.

أما السؤال الخامس، فهو سؤال الديمقراطية الداخلية وآليات إنتاج القرار داخل الحركة. فرغم كل الخطابات التي سبقت المؤتمر حول أهمية النقد والمراجعة وتوسيع مساحات المشاركة الداخلية، تحوّل المؤتمر، عمليا، إلى ساحة لإعادة إنتاج النخب القيادية وتعظيم الحسابات الفردية والانتخابية.

وأصبح للكلمة وزنها الانتخابي أكثر من وزنها السياسي أو الفكري، وغابت الجرأة على طرح الأسئلة الكبرى خشية انعكاساتها على التحالفات وفرص الفوز، كما فشل المؤتمر في إحداث أي اختراق حقيقي في الثقافة التنظيمية التقليدية، ولم تُفتح مساحة جدية للاجتهادات الفكرية المختلفة أو للأصوات النقدية التي طالبت، مثلًا، بتحييد اللجنة التحضيرية للمؤتمرات المقبلة ومنع أعضائها من الترشح تفاديا لتضارب المصالح.

حتى المصادقة على رئاسة المؤتمر ولجنة الإشراف على الانتخابات جرت بصورة أقرب إلى التوافق الصامت منها إلى النقاش الديمقراطي، في مشهد بدا بعيدا عن الإرث التاريخي لحركة عُرفت تاريخيا بتعدد الآراء والمدارس والاجتهادات داخلها.

أما السؤال السادس، فهو سؤال الجيل الجديد ومستقبل القيادة داخل الحركة. فعلى الرغم من تأكيد السيد  الرئيس في افتتاح المؤتمر عن ضرورة تمكين الشباب، واقتراحه لاحقا  تخفيض سنوات العضوية المطلوبة للترشح لمنح فرص للشباب،  فإن التطبيق العملي كشف اصرارا على عدم تنفيذ مقترح الرئيس،  بعدما رُفض ترشح أحد الشباب للجنة المركزية بحجة عدم شمول القرار لها، رغم وضوح النص والتصويت العلني عليه.

وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول موقع الشباب داخل البنية القيادية للحركة، وحدود مشاركتهم الفعلية في صناعة القرار، بعيدا عن الخطاب الرمزي أو الاستخدام التعبوي لمفردات التجديد وضخ الدماء الجديدة.

أما السؤال السابع، فهو سؤال غزة والانقسام، الذي كان يفترض أن يحتل صدارة أعمال المؤتمر في ظل الحرب الكارثية على قطاع غزة والتحولات العميقة التي أنتجتها. إلا أن المؤتمر تجاهل عمليا أي نقاش جدي حول رؤية الحركة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بعد الحرب.

كما غابت الأسئلة المتعلقة بمستقبل غزة، وبكيفية مواجهة مشاريع الإدارة الدولية أو الإقليمية للقطاع، وبإعادة بناء الوعي الوطني الفلسطيني في ضوء حرب الإبادة الجماعية والتحولات التي أفرزتها،  وذابت هذه القضايا جميعها في زحمة الحسابات الانتخابية والصراعات الداخلية.

أما السؤال الثامن، فهو سؤال منظمة التحرير الفلسطينية ومستقبلها السياسي والتنظيمي،  فعلى الرغم من وجود مرسوم رئاسي لإجراء انتخابات المجلس الوطني، فإن المؤتمر لم يفتح أي نقاش جدي حول إصلاح المنظمة أو إعادة بنائها أو تطوير مؤسساتها أو استعادة دورها التمثيلي الجامع.

واكتفى البيان الختامي بشعارات عامة حول وحدانية التمثيل والسلاح والقرار، دون أي مراجعة سياسية حقيقية لأزمة النظام التمثيلي الفلسطيني أو لواقع المنظمة وتحدياتها.

أما السؤال التاسع، فهو السؤال الفكري، الغائب عن الحركة منذ سنوات طويلة. فباستثناء الجهود الفردية التي يبذلها المفكر بكر أبو بكر وبعض أعضاء لجنة التعبئة الفكرية، بدا المؤتمر خاليا تماما من أي نقاش فكري أو إنتاج نظري جديد،  وأصبحت الأسئلة الفكرية والفلسفية داخل أروقة المؤتمر تبدو وكأنها تنتمي إلى زمن آخر، في ظل هيمنة اللغة الانتخابية والحسابات التنظيمية الضيقة على المشهد العام.

أما السؤال العاشر، فهو سؤال التحولات الإقليمية والدولية، إذ غابت بالكامل أي مناقشة جدية لموقع القضية الفلسطينية في ظل التحولات الكبرى في النظام الدولي، وصعود اليمين العالمي، واتساع مسارات التطبيع العربي، والتحولات في بنية النظام الإقليمي، ومدى قدرة الأدوات السياسية والدبلوماسية التقليدية لفتح على الاستمرار في التأثير.

لقد كان متوقعا من مؤتمر فتح أن يناقش قضايا المجتمع الفلسطيني اليومية، من حقوق الأسرى والشهداء والجرحى، إلى العدالة الاجتماعية، وحقوق العمال، والفقر، والبطالة، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبيئة، والهجرة، والتعليم، والصحة النفسية، والشفافية، ومكافحة الفساد، وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والأمن الغذائي، وحماية الفضاء المدني، وغيرها من القضايا التي كان من شأنها أن تمنح المؤتمر مضمونا سياسيا ومجتمعيا يتجاوز مجرد إعادة إنتاج البنية القيادية.

ختامًا، لا أزال أدعو، كما فعلت في مقالات سابقة، إلى الاستفادة من تجربة مؤتمر الشبيبة الفتحاوية الأول، الذي عُقد في المكان ذاته قبل أقل من عام، وأنتج أربع عشرة ورقة سياسات ما تزال قادرة على تقديم مساهمات مهمة للنقاش السياسي والتنظيمي داخل الحركة، ولإعادة الاعتبار لفكرة المؤتمر بوصفه مساحة لإنتاج الرؤية، لا مجرد آلية لإعادة توزيع المواقع التنظيمية.


اسرائيليات

الأحد 24 مايو 2026 12:18 مساءً - بتوقيت القدس

قلق إسرائيلي من 'اتفاق سيئ' بين واشنطن وطهران وإقصاء تل أبيب من المفاوضات

تسيطر حالة من الترقب المشوب بالقلق الواسع على الأوساط الإسرائيلية، في ظل تواتر التقارير حول تقدم ملموس في المداولات الجارية بين واشنطن وطهران. وتخشى تل أبيب من التوصل إلى اتفاق تصفه بالسيئ، كونه قد يضحي بمصالحها الأمنية مقابل تهدئة مؤقتة في المنطقة.

وأفادت مصادر بأن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، أعرب خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن مخاوفه العميقة من الاقتراب من صفقة تؤجل البت في المشروع النووي الإيراني. ويرى نتنياهو أن طهران تتبع استراتيجية المماطلة لكسب الوقت دون تقديم تنازلات حقيقية.

وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل تنظر ببالغ الخطورة إلى بندين أساسيين في التفاهمات المقترحة؛ الأول يتعلق بتأجيل النقاش في جوهر الملف النووي لمدة 60 يوماً، مما يعني تجميد خيار الضربة العسكرية التي طالما لوح بها نتنياهو في الفترة القريبة القادمة.

أما البند الثاني الذي يثير حفيظة القيادة الإسرائيلية، فهو الربط المحتمل بين وقف إطلاق النار في إيران والجبهة اللبنانية. ويأتي هذا القلق بعد تأكيدات إسرائيلية متكررة بضرورة الفصل التام بين المسارين العسكريين لضمان إضعاف أذرع إيران بشكل مستقل.

وفي سياق التحركات الرسمية، من المقرر أن يعقد نتنياهو اجتماعاً للمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية 'الكابينيت' لبحث التبعات الاستراتيجية لهذا الاتفاق. ويهدف الاجتماع إلى تقييم الموقف الإسرائيلي في حال مضت إدارة ترامب قدماً في مسار التهدئة مع طهران.

من جانبه، وجه مستشار الأمن القومي الأسبق، يعقوب ناغل، انتقادات لاذعة للاتفاق المحتمل، واصفاً إياه بأنه يمنح النظام الإيراني 'قبلة حياة'. واعتبر ناغل أن إيران ستخرج من هذه المواجهة أكثر قوة، مستغلة المكر السياسي لحني الرأس حتى تمر العاصفة الحالية.

وحذر ناغل من أن حزب الله سيكون المستفيد الأكبر من هذا الانتعاش الإيراني، حيث سيحصل على دعم مادي ومعنوي يعيد ترميم قدراته. وأشار إلى أن استبعاد الخيار العسكري حالياً سيسمح لطهران بتعزيز مشروعها الصاروخي والنووي بعيداً عن الضغوط الدولية المباشرة.

بدوره، أبدى إيلي حولاتا، مستشار الأمن القومي السابق، قلقاً من تركيز ترامب على تأمين الملاحة في مضيق هرمز مقابل إرجاء ملف تخصيب اليورانيوم. وأكد حولاتا أن الاختبار الحقيقي يكمن في مدى تصميم واشنطن على فرض رقابة صارمة تمنع إيران من استغلال الأموال في التسلح.

وشدد حولاتا على ضرورة احتفاظ إسرائيل بحقها في التحرك المنفرد لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي تحت أي ظرف. ورغم اعترافه بتضرر القدرات الردعية والجوية الإيرانية مؤخراً، إلا أنه حذر من أن بقاء النظام الإيراني كمصدر تهديد يظل قائماً.

وفي الداخل الإسرائيلي، وصفت صحيفة 'معاريف' الأجواء العامة بالخيبة، مشيرة إلى أن إسرائيل باتت مستبعدة تماماً عن طاولة المفاوضات. ونقلت الصحيفة عن مصادر أمنية تحذيرها من أن التفاهمات الحالية تشبه 'برميل بارود' قد ينفجر في وجه إسرائيل لاحقاً.

من جهته، لفت المحلل العسكري رون بن يشاي إلى أن القلق مبرر تماماً طالما أن المداولات لا تضمن تفكيك البنية التحتية النووية. وأوضح أن هناك شكوكاً حول كيفية إدارة ترامب للمفاوضات، ومدى التزامه بالخطوط الحمراء التي وضعتها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

ورغم هذه الموجة من التشاؤم، دعا أريئيل ساندر، مدير الحزب الجمهوري الأمريكي في إسرائيل، إلى التريث وعدم إطلاق أحكام مسبقة. وزعم ساندر أن المعلومات المتوفرة لديه من جهات أمريكية تعكس صورة مغايرة لما يتم تداوله في وسائل الإعلام العبرية والعالمية.

وأشار ساندر إلى أن ترامب لن يقبل باتفاق يجعله يبدو ضعيفاً، مرجحاً أن يتضمن الاتفاق النهائي بنوداً تخدم المصالح الإسرائيلية بشكل غير معلن. وتزامنت هذه التصريحات مع تسريبات حول احتمال قبول إيران بنقل اليورانيوم المخصب إلى خارج أراضيها كبادرة حسن نية.

يبقى التحدي الأكبر أمام حكومة نتنياهو هو كيفية التعامل مع إدارة أمريكية حليفة تتبنى نهجاً 'براغماتياً' قد لا يتوافق مع سقف المطالب الإسرائيلية. وتستمر الأجهزة الاستخباراتية في رصد تفاصيل المفاوضات لضمان عدم تجاوز الخطوط التي قد تهدد التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة.

فلسطين

الأحد 24 مايو 2026 12:04 مساءً - بتوقيت القدس

شقيقتان من غزة تحصدان جائزة عالمية بابتكار لإعادة تدوير ركام الدمار

من قلب المعاناة والدمار الذي خلفته الحرب في قطاع غزة، برزت قصة نجاح ملهمة للشقيقتين تالا وفرح موسى، اللتين استطاعتا تحويل ركام منزلهما المقصوف إلى فرصة للإبداع. فقد نجح فريقهما المسمى 'بناء الأمل' في انتزاع المركز الأول بجائزة الأرض العالمية لعام 2026 على مستوى الشرق الأوسط، وهي مسابقة دولية مرموقة تعنى بالاستدامة وريادة الأعمال لطلاب المدارس والشباب.

ويعد هذا الإنجاز سابقة تاريخية، حيث أصبح فريق الشقيقتين النازحتين في مخيم النصيرات أول فريق فلسطيني يصل إلى هذا المستوى العالمي في تاريخ المسابقة. وقد جاء هذا الفوز بعد منافسة شرسة مع أكثر من 6000 فريق من مختلف دول العالم، مما يعكس قدرة العقل الفلسطيني على الابتكار حتى في أقسى الظروف المعيشية وتحت وطأة الحصار والعدوان المستمر.

تعتمد فكرة المشروع على ابتكار نظام غير مركزي وبسيط لإعادة تدوير مخلفات المنازل والمنشآت التعليمية التي دمرها الاحتلال. وأوضحت تالا موسى في تصريحات لمصادر صحفية أن الهدف الأساسي هو الاستفادة من الأنقاض المتراكمة في عملية إعادة إعمار القطاع، خاصة في ظل النقص الحاد في المواد الإنشائية الأساسية ومنع دخولها عبر المعابر المغلقة.

وحول الآلية التقنية للابتكار، تشرح تالا أن العملية تبدأ بجمع الركام من المواقع المدمرة ثم طحنه بدقة، لتضاف إليه بعد ذلك مكونات بيئية محلية متوفرة مثل الطين والزجاج والقش. هذه الخلطة المبتكرة تُصب في قوالب مخصصة وتُترك لتجف لمدة أسبوع كامل، لينتج عنها في النهاية حجر بناء جاهز للاستخدام في السواتر والجدران غير الحاملة للأوزان الثقيلة.

من جانبهما، أكدت الشقيقتان أن الدافع وراء هذا المشروع كان حجم الدمار الهائل الذي طال نحو 90% من منشآت غزة، مخلفاً ما يقارب 60 مليون طن من الركام وفقاً لتقديرات أممية. وأشارت فرح موسى إلى أن هذا الابتكار يمثل رداً عملياً على سياسات الاحتلال التي تعيق دخول الإسمنت ومواد البناء، مما يجعل من الركام نفسه مادة خام للبناء من جديد.

وعبرت الشقيقتان عن فخرهما بهذا التتويج العالمي، ووصفتا لحظة إعلان النتائج بأنها لحظة تاريخية لن تمحى من ذاكرتهما. وأكدتا أن الطموح لن يتوقف عند الجائزة، بل تسعيان لنقل هذه الخبرة إلى بقية الشباب في قطاع غزة من خلال تنظيم ورش عمل تدريبية تهدف إلى تعميم الفكرة وتمكين المواطنين من ترميم مساكنهم بشكل ذاتي ومؤقت.

يأتي هذا الابتكار في وقت يعاني فيه قطاع غزة من أزمات إنسانية وبيئية متلاحقة جراء استمرار الحرب التي خلفت عشرات آلاف الشهداء والجرحى. ويمثل مشروع 'بناء الأمل' بارقة أمل لآلاف العائلات المشردة، حيث يقدم حلولاً بيئية مستدامة تساهم في تخفيف حدة أزمة السكن وتدوير النفايات الصلبة الناتجة عن القصف الإسرائيلي الممنهج للأحياء السكنية.

عربي ودولي

الأحد 24 مايو 2026 11:47 صباحًا - بتوقيت القدس

واشنطن تعلن اقتراب اتفاق مع طهران لفتح مضيق هرمز وتخفيف العقوبات

تتسارع الخطى الدبلوماسية الدولية للتوصل إلى مسودة اتفاق نهائية بين الولايات المتحدة وإيران، تهدف إلى وضع حد لحالة التوتر العسكري في منطقة الشرق الأوسط. وأفادت مصادر رسمية بوجود تقدم ملموس في المحادثات الجارية، وسط تفاؤل حذر بإمكانية التوصل إلى تفاهمات تنهي الأزمات العالقة بين الطرفين.

وفي تصريحات أدلى بها من العاصمة الهندية نيودلهي، كشف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن احتمال صدور إعلان رسمي بشأن الاتفاق في وقت لاحق اليوم الأحد. وأشار روبيو إلى أن الساعات القليلة المقبلة قد تحمل أخباراً إيجابية للعالم، خاصة فيما يتعلق بسلامة الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي.

وأكدت مصادر دبلوماسية أن المفاوضات التي تجري برعاية باكستانية تركز بشكل أساسي على المسائل التقنية المرتبطة بالملف النووي الإيراني وتأمين الممرات المائية. وأوضح الجانب الأميركي أن أهدافه في هذه المرحلة كانت واضحة، وتتمحور حول ضمان حرية التجارة العالمية ووقف التهديدات البحرية.

واتهمت الإدارة الأميركية طهران بممارسة سلوكيات عدائية في المنطقة، شملت زرع الألغام البحرية واحتجاز السفن المدنية كرهائن سياسية. واعتبرت واشنطن أن أي اتفاق قادم يجب أن يضمن توقف هذه الممارسات بشكل كامل لضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية.

في المقابل، نقلت مصادر صحفية عن مسؤول إيراني رفيع المستوى تأكيده أن طهران لم توافق بعد على تسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب. وأوضح المصدر أن الملف النووي بتفاصيله المعقدة ليس جزءاً من الاتفاق المبدئي الجاري العمل عليه حالياً، بل سيتم ترحيله لمراحل لاحقة.

وشدد الجانب الإيراني على أن مسألة شحن مخزون اليورانيوم إلى خارج البلاد لم تحسم بعد، وأن المفاوضات الحالية تتركز على خفض التصعيد الميداني. ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس رغبة طهران في الاحتفاظ بأوراق ضغط قوية قبل الدخول في مفاوضات الاتفاق النهائي الشامل.

وتشير التقارير الواردة من واشنطن إلى أن الاتفاق المقترح سيسمح للسفن التجارية بالعبور بحرية عبر مضيق هرمز دون دفع أي رسوم مرور إضافية. كما يتضمن المقترح تمديداً لوقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، مما يمنح الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس وبناء الثقة المتبادلة.

وبموجب هذه التفاهمات، ستتمكن إيران من استئناف بيع نفطها في الأسواق العالمية بحرية أكبر، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. ويهدف هذا البند إلى تخفيف الضغوط المعيشية داخل إيران ومنع وقوع انهيار اقتصادي قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية واسعة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد صرح في وقت سابق بأنه جرى التفاوض على جزء كبير من مذكرة تفاهم تهدف لتحقيق السلام مع إيران. وأكد ترمب أن إدارته تسعى لتجنب التورط في صراعات عسكرية مفتوحة لا تحقق أهدافاً استراتيجية واضحة للولايات المتحدة.

ويرى محللون سياسيون أن الطرفين، الأميركي والإيراني، يبحثان حالياً عن مخارج سياسية تحفظ ماء الوجه وتجنبهما كلفة الحرب الباهظة. فواشنطن لا ترغب في استنزاف مواردها في انتشار عسكري طويل الأمد، بينما تسعى طهران لفك الحصار الاقتصادي الذي خنق ميزانيتها.

ويعتقد الخبراء أن استمرار الصراع دون أفق سياسي سيؤدي إلى تراجع صورة الولايات المتحدة كقوة قادرة على حسم النزاعات في المنطقة. وفي الوقت ذاته، تدرك إيران أن دمار الحرب قد يكلفها مئات المليارات من الدولارات لإعادة الإعمار، وهو ما لا تطيقه في ظل تجميد أصولها.

وتشير القراءات التحليلية إلى أن معظم البنود المطروحة في الاتفاق الحالي ليست جديدة تماماً، بل هي تكرار لنقاط نوقشت في الاتفاق النووي السابق. ويدور الجدل الأساسي الآن حول نسب التخصيب المسموح بها وآليات الرقابة الدولية على المنشآت النووية الإيرانية الحساسة.

ويسعى الرئيس ترمب لتسويق هذا الاتفاق كـ 'انتصار سياسي' كبير لإدارته، حتى لو كانت التعديلات على الاتفاق القديم محدودة وغير جوهرية. فإعادة تسيير الملاحة في مضيق هرمز وفتح قنوات الدبلوماسية يخدمان الأجندة الانتخابية والسياسية للبيت الأبيض في هذه المرحلة.

ورغم التفاؤل بقرب التوقيع، لا تزال هناك مخاوف من تعثر المفاوضات في اللحظات الأخيرة بسبب القضايا التقنية العالقة. ويبقى العالم في حالة ترقب بانتظار الإعلان الرسمي الذي قد يغير شكل التوازنات السياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط برمتها.

فلسطين

الأحد 24 مايو 2026 11:42 صباحًا - بتوقيت القدس

الحكومة تستعرض أبرز تدخلاتها التنموية والإصلاحية خلال الأسبوع الماضي

أصَدَر مركز الاتصال الحكومي تقريرًا يُبرز أهم التدخلات التنموية والإصلاحية التي نَفَّذَتها الحكومة الفلسطينية، خلال الأسبوع الماضي (17/05/2026– 23/05/2026)، وهي على النحو الآتي:

⭕ بحث رئيس الوزراء، د. محمد مصطفى، في مكتبه برام الله مع الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، نتائج التقرير المُحدَّث لتقييم الأضرار والاحتياجات في قطاع غزة، وسبل تعزيز التدخلات الإنسانية والتنموية، مؤكدًا جاهزية الحكومة للعمل مع الشركاء لضمان تنفيذ برامج التعافي وإعادة الإعمار. كما ناقش مع مؤسسة التمويل الدولية توسيع دعم القطاع الخاص الفلسطيني ومشاريع الطاقة المتجددة، ومع وفد رسمي ألماني آخر التطورات السياسية والاقتصادية والإنسانية، محذرًا من الوضع الكارثي في قطاع غزة، وداعيًا إلى تكثيف الجهود الدولية لإغاثة أبناء الشعب الفلسطيني.

⭕ واصلت وزارة الأشغال العامة والإسكان تنفيذ تدخلاتها في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ إذ تم طرح عطاء لبناء مدرسة ذكور باقة الشرقية الأساسية في محافظة طولكرم بتمويل من صندوق النقد العربي والبنك الإسلامي للتنمية، إضافة إلى إحالة عطاء تشطيب مبنى مدرسة بنات بيت دجن الثانوية في قرية بيت دجن بمحافظة نابلس، بتمويل من المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا بإدارة البنك الإسلامي للتنمية بصفته مديرًا لصندوق الأقصى، إلى جانب فتح عطاء إعادة تأهيل قاعة القادمين في استراحة أريحا بتمويل من البنك الدولي. وفي قطاع غزة، جرى تنفيذ مركز إيواء أرض عبدالعال بمساحة 3800 متر مربع لإيواء 41 أسرة في محافظتي الشمال وغزة، وبدء تنفيذ مركز إيواء أرض نصر في جباليا بسعة 135 وحدة إيواء على مساحة تقارب 11.5 دونم، مع العمل على استبدال الخيام المهترئة بوحدات "RHU" في مركز إيواء أرض شعث ضمن خطة تحسين أوضاع الإيواء. كما تواصلت أعمال حصر الأضرار، إضافة إلى جمع ونقل ومعالجة أكثر من 343 ألف طن من الركام ضمن مشاريع ممولة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق الياباني والصندوق النرويجي، ليرتفع إجمالي الركام الذي تمت معالجته بالشراكة مع الجهات المختلفة إلى أكثر من 680 ألف طن.

⭕ بدأت وزارة التربية والتعليم العالي أعمال توسعة مدرسة دير أبو ضعيف الثانوية للبنات في جنين بإضافة 4 غرف صفية وغرف إدارية وخدماتية بقيمة 500,000 دولار، وبدأت أعمال صيانة وتأهيل مدرستين في الخليل (الأقصى الأساسية للبنات وعبد الحي شاهين الأساسية للذكور) بقيمة 300,000 دولار، إضافة إلى إحالة عطاء تشطيب مدرسة بيت دجن الثانوية للبنات في نابلس بقيمة 800,000 دولار. وعلى صعيد البرامج التربوية، التقى الوزير نظيره البريطاني ونظما زيارة افتراضية لمدرسة بنات ياسر عمرو في الخليل القديمة، كما أطلقت الوزارة عددًا من المبادرات تشمل مسابقة "نقرأ ونتحرر"، وبرنامج تدريب دليل إجراءات العمل بالشراكة مع المدرسة الوطنية للإدارة، وأولمبياد "STEM" فلسطين 2026، وبرنامج الأمن السيبراني لمنسقي الاتصال، إلى جانب توقيع الخطة السنوية لقطاع التعليم مع اليونيسف 2026–2027، وإطلاق تطبيق "TIMSS 2027" في 25 مدرسة، واختتام المسابقة الوطنية للابتكار والروبوت في جامعة بوليتكنك فلسطين. وفي مجال التعليم العالي، أعلنت الوزارة عن منح دراسية في إيطاليا ومالطا وماليزيا، وترشيح طلبة للطب العالي في الأردن 2026–2027، واختتام مشاركة الوزير في منتدى التعليم العالمي بلندن، وعقد ورش حول الإطار الوطني للمؤهلات لتعزيز مواءمة التعليم مع سوق العمل، وتنفيذ تدريب الإسعاف الأولي والدعم النفسي في نابلس، وإطلاق مبادرة "حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي" بالشراكة وجامعة النجاح لتعزيز بيئة جامعية رقمية آمنة.

⭕ نفّذت وزارة التنمية الاجتماعية حزمة تدخلات ميدانية شاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة بالشراكة مع مؤسسات محلية ودولية، حيث استفادت 3,016 أُسرة في الضفة من طرود غذائية وغير غذائية وقسائم شرائية بقيمة 341,260 شيقل، فيما وزعت مديرية أريحا والأغوار 178 طردًا غذائيًا بقيمة 44,500 شيقل لصالح الأسر النازحة والمتضررة. وفي غزة، استفاد 15,693 مستفيدًا من مساعدات غذائية شملت مكملات ووجبات وطرودًا و7,000 ربطة خبز و100 كوب مياه، إضافة إلى 2,960 مستفيدًا من مساعدات غير غذائية تشمل طرودًا صحية وفرشات وحقائب مدرسية وقسائم كسوة. وفي مجال الحماية الاجتماعية، تم تنفيذ 148 تدخلًا لحماية المرأة في الضفة، فيما استفادت 5,877 مستفيدة في غزة من خدمات دعم نفسي واستشارات ومتابعة حالات العنف. وفي حماية الطفولة والأحداث، نُفّذ 215 تدخلًا للطفولة و68 للأحداث في الضفة، مع تنفيذ ورش توعوية في نابلس حول التنمر ومخاطر المخدرات، إلى جانب استفادة 80 طفلًا في غزة من تدخلات الحماية. وفي ملف الأيتام، استفاد 1,505 أيتام في الضفة و766 في غزة من طرود غذائية وبامبرز وأنشطة ترفيهية وتحديث بيانات. كما نُفّذ 70 تدخلًا للأشخاص ذوي الإعاقة في الضفة وتدخل واحد في غزة، إلى جانب لقاء في نابلس لبحث حقوق أطفال "متلازمة داون" وتعزيز الخدمات المقدمة لهم. ولدى كبار السن، نُفّذ 78 تدخلًا في الضفة وتدخلان في غزة، فيما قُدمت 189 خدمة تأمين صحي جديد وتجديد. كما نُفّذ 53 تدخلاً في ملف الحضانات شملت ورشة في بيت لحم بالتعاون مع الدفاع المدني لتعزيز الجاهزية للطوارئ، إضافة إلى 27 تدخلًا في مجال التمكين الاقتصادي، إلى جانب تدخلات مجتمعية وداعمة للجمعيات الخيرية في الضفة وغزة لتعزيز الحماية الاجتماعية للفئات الهشة.

⭕ تُواصل وزارة الزراعة تنفيذ حزمة تدخلات ميدانية وتنموية بالشراكة مع مؤسسات محلية ودولية، بالتوازي مع جهود مع الدفاع المدني لتعزيز الجاهزية الميدانية بخطة مشتركة لحماية الأراضي الزراعية والأحراج من الحرائق خلال فصل الصيف. فيما نفذ الوزير جولة ميدانية في محافظتي بيت لحم والخليل، تضمنت لقاءً مباشرًا مع مزارعين متضررين من اعتداءات الاحتلال وتوزيع أشتال زيتون ضمن برنامج الاستجابة العاجلة. وفي شمال رام الله، وزعت الوزارة 90 بالة قش (450 كيلو للبالة) لصالح مربي الثروة الحيوانية المتضررين، إلى جانب زيارة التجمع المهجر في المعرجات "عرب المليحات". كما نَفَّذَت الوزارة بالشراكة مع الفاو والاتحاد الأوروبي برنامجًا تدريبيًا لمربيات الثروة الحيوانية شمل 4 أنشطة في طولكرم والخليل وحلحول وجينصافوط بمشاركة 73 سيدة، إضافة إلى تدريب في بزاريا بمشاركة 15 مزارعة. وفي القدس، تم تأهيل مزارع العنب في بيت عنان وبدو وبيت إجزا وبيت دقو ضمن مشروع يستهدف 47 مزارعًا على مساحة 130 دونمًا، فيما نُفِّذَت في سلفيت تدريبات على تصنيع مراهم الزيت والصابون بمشاركة 15 مزارعة، إلى جانب تقييم 27 معصرة زيتون، وتدريب مماثل في دير جرير برام الله. كما دعمت الوزارة شركة "مونتنا" في دير الغصون بخط إنتاج ملوخية بقيمة 55 ألف شيكل بالشراكة مع الإغاثة الزراعية وأوكسفام وبدعم من (DGD)، ضمن مشروع تمكين النساء والشباب في سلسلة القيمة الزراعية. وفي غزة، وبإشراف لجنة الطوارئ الزراعية العليا، نفذت الإغاثة الزراعية مشروع تأهيل وتشغيل آبار زراعية وتركيب خطوط مياه في الشيخ عجلين بتمويل من منظمة أوكسفام لصالح 60 مزارعًا

⭕ أعلَنت سلطة المياه عن الانتهاء من حل مشكلة الصرف الصحي في منطقة مدينة حمد الناتجة عن الضرر الكبير في خط المياه الناقل، وذلك بتمويل من الحكومة الألمانية وتنفيذ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. كما وقَّعَت سلطة المياه مذكرة تفاهم مع الجامعة العربية الأمريكية لتعزيز الابتكار والبحث العلمي في قطاعي المياه والصرف الصحي، من خلال توجيه الدراسات الجامعية لمعالجة التحديات الوطنية، وتطوير المختبرات الجامعية لتصبح مراكز متخصصة لفحوصات المياه، إلى جانب تنفيذ برامج تدريب وتأهيل للكوادر الفنية والبحثية. وفي قطاع غزة، تم بالتعاون مع منظمة أطباء بلا حدود تركيب وتشغيل 15 محطة تحلية بقدرة إجمالية تبلغ 2538 مترًا مكعبًا يوميًا، لخدمة مخيمات النازحين وعدد من المرافق الصحية، مع استمرار التنسيق لإنشاء محطات إضافية في المناطق الأكثر احتياجًا.

⭕ ترأس وزير الداخلية اجتماع المجلس الأعلى للدفاع المدني لبحث الجاهزية الوطنية لمواجهة تحديات فصل الصيف وتعزيز التنسيق بين الجهات الشريكة، مؤكداً أهمية العمل بروح الفريق لحماية المواطنين وممتلكاتهم في ظل ظروف استثنائية تشمل مخاطر طبيعية واعتداءات على المُقدَّرات الوطنية، بما يتطلب رؤية شاملة تقوم على الجاهزية والاستجابة الفاعلة. وفي سياق العمل الميداني، نَفَّذَت الأجهزة الأمنية والمدنية مهام واسعة شملت في الشرطة القبض على 1149 مطلوبًا للعدالة بينهم 7 خطيرين، وتنفيذ 2598 مذكرة قضائية، و55 مهمة لمكافحة المخدرات، إضافة إلى متابعة 244 حادثة جنائية. فيما نَفَّذَ الدفاع المدني 339 مهمة إطفاء و93 مهمة إنقاذ، وأصدر 512 تصريحًا للمنشآت، وفحص ورخص 251 مصعدًا، ونَفَّذَ 870 جولة للسلامة العامة. كما باشرت الضابطة الجمركية 58 قضية تهرب ضريبي وجمركي ومراقبة للأسواق، وأتلفت 19.47 طنًا من البضائع غير الصالحة وغير المطابقة للمواصفات.

⭕ نَفَّذَت وزارة الاقتصاد الوطني 87 جولة تفتيشية أسفرت عن ضبط نصف طن وإتلاف 120 طنًا من المنتجات التالفة، وإحالة مخالف للنيابة بسبب التلاعب بالأسعار، إلى جانب تحرير 25 تعهدًا وإخطارًا قانونيًا، والتعامل مع 20 شكوى لحماية المستهلك وسحب 32 عينة للفحص المخبري. كما ناقشت اللجنة التوجيهية لمركز"تراثي" لتمكين المرأة والشباب سير تنفيذ المشروع ومراحل تشغيله واستدامته، فيما عقدت الوزارة وسلطة النقد دورة متخصصة حول التجارة الإلكترونية والدفع الإلكتروني. وسجلت الوزارة 75 شركة وقدَّمَت 886 خدمة في مجال الشركات، إلى جانب تسجيل 43 تاجرًا جديدًا وتقديم 44 خدمة في السجل التجاري، وإصدار 281 رخصة استيراد و15 بطاقة للتعامل بالتجارة الخارجية، إضافة إلى إصدار 38 شهادة منشأ وإنجاز 49 معاملة تجارية مع تركيا، وتسجيل 13 علامة تجارية وتقديم 92 خدمة في مجال الملكية الفكرية.

⭕ اجتمعت وزيرة الخارجية والمغتربين بممثلي البرازيل والمكسيك والأوروغواي وكندا وإسبانيا وألمانيا المعتمدين لدى دولة فلسطين لبحث نتائج ومضامين اجتماع "الدفاع عن الديمقراطية". وأدانت الوزارة اعتراض وخطف سفن "أسطول الصمود العالمي" واعتبرته جريمة حرب تستوجب عقوبات قانونية فورية وموقفًا دوليًا موحدًا، كما أدانت مصادقة الاحتلال على الاستيلاء على مقر الأونروا وعقارات فلسطينية في القدس وتحويلها لمنشآت عسكرية، معتبرة ذلك انتهاكًا خطيرًا وتصعيدًا استعماريًا يهدد منظومة القانون الدولي ويكرس التطهير العرقي. وأصدرت الوزارة بيانًا صحفيًا بمناسبة الذكرى الـ78 للنكبة بعنوان: "النكبة مأساة مستمرة، والإبادة أحد أشكالها".

⭕ بحث وزير شؤون القدس في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة، مع الأمين العام لجامعة الدول العربية، آخر التطورات في مدينة القدس وسبل تعزيز التحرك العربي لمواجهة التصعيد والإجراءات الإسرائيلية المتواصلة. كما شاركت الوزارة في ورشة متخصصة حول التبعات القانونية لمخطط (E1) واستهداف الخان الأحمر وآليات مواجهته، مؤكدة استمرار جهودها في دعم التجمعات البدوية الفلسطينية وتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية. وفي السياق، شارك وكيل الوزارة في مراسم الاستلام والتسليم للمجلس القروي الجديد في جبع والمجلس البلدي الجديد في الرام، مؤكدًا أولوية دعم الوزارة للهيئات المحلية في محافظة القدس.

⭕ أطلقت وزارة العمل برامج تدريب مهني حديثة في مخيم عايدة ببيت لحم في مجالات الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والتقنيات، ضمن توجه لربط التدريب باحتياجات سوق العمل. فيما زارت وزيرة العمل قرية الأطفال "SOS" في بيت لحم، للاطلاع على الخدمات المقدمة للأطفال فاقدي الرعاية وبحث تعزيز التعاون في مجالات الحماية والتدريب والتشغيل. وفي إطار دعم التشغيل، نَفَّذَ الصندوق الفلسطيني للتشغيل 378 عقد عمل ضمن مشروع "مسار نحو الصمود الاقتصادي"، وأجرى مقابلات وظيفية في قطاعات متعددة، إلى جانب تنفيذ مشاريع تشغيل مؤقت وإدارة نفايات صلبة وتعزيز برامج التماسك الاجتماعي، واستكمال تدريبات ومبادرات لدعم الخريجين في التعليم والصحة والصناعة وريادة الأعمال. كما نَفذت طواقم التفتيش 63 زيارة شملت استفادة 825 عاملاً، ومعالجة 15 شكوى وتقديم 20 استشارة قانونية واتخاذ إجراءات بحق منشآت مخالفة، فيما شملت أنشطة السلامة والصحة المهنية استهداف 5 منشآت و40 عاملاً، مع التزام مرتفع بمعايير الوقاية والاشتراطات، وتحقيق رسوم اعتماد بقيمة 750 ديناراً.

⭕ أطلقت وزارة النقل والمواصلات مبادرة "سلامتك بتهمنا" ودليل سلامة الحافلات المدرسية، ونَفَّذَت فعاليات توعوية بالشراكة مع رابطة خريجي كويكا وبدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي "KOICA"، بهدف تعزيز ثقافة السلامة المرورية والحد من الحوادث. وشاركت الوزارة في لقاءات مع شركات النقل والقطاع الخاص لتطوير خدمات النقل العام وتحسين الأنظمة والإجراءات، إلى جانب دعم التحول الرقمي عبر إطلاق خدمات إلكترونية جديدة بالتعاون مع مؤسسة المواصفات والمقاييس الفلسطينية، فيما واصلت تنفيذ برامج تدريبية متخصصة في إدارة السلامة المرورية وتأهيل مدربي السياقة، وتنفيذ جولات ميدانية للاطلاع على احتياجات المواطنين وتعزيز التواصل المباشر معهم. كما عالجت الوزارة 28 شكوى مقدمة من المواطنين، فيما سجلت دوائر السير خلال الأسبوع الماضي 594 تسجيلًا أوليًا للمركبات، و15 معاملة معدات هندسية، و1656 نقل ملكية مركبات، و455 رخصة تشغيل، و33 معاملة لشركات النقل، و665 رخصة لسائقين جدد، و26 رقمًا مميزًا، و928 لوحة مركبة، إضافة إلى 16541 حركة مركبات، و10873 حركة سائقين، و1366 فحصًا عمليًا، و1308 فحوص نظرية، و1248 معاملة تجديد أو إعادة تشغيل على المستحقات، و1066 تجديد رخصة سائقين على المستحقات.

⭕ أطلقت سلطة الطاقة والموارد الطبيعية مبادرة وطنية مشتركة لدعم المزارعين وتعزيز الاستدامة في القطاع الزراعي من خلال تزويدهم بأنظمة طاقة شمسية مُتنقلة مُزودة بالتخزين، وربط مديريات الزراعة بأنظمة طاقة متكاملة، بما يسهم في خفض الأعباء التشغيلية وتقليل فاتورة الكهرباء وإدماج الطاقة المتجددة في الآبار والمنشآت الزراعية الحيوية وتعزيز صمود المزارعين والتنمية الزراعية المستدامة. كما شاركت سلطة الطاقة في ختام برامج التوعية البيئية والصحية مع بلدية رام الله للعام 2025–2026، والتي شملت أنشطة ومحاضرات حول ترشيد استهلاك الطاقة والطاقة المتجددة، وتعزيز الثقافة البيئية بين الطلبة، وتكريم المدارس والنشطاء البيئيين بما يعزز مفاهيم الاستدامة والمسؤولية المجتمعية. كما جرى تنفيذ مشاريع طاقة شمسية بقدرة تقارب 500 كيلو اط ذروة في عدد من المباني الحكومية، بما أنتج أكثر من 196 ألف كيلوا واط/ ساعة سنويًا وأسهم في خفض فاتورة الكهرباء، إلى جانب التحضير لتركيب نظام بقدرة 450 كيلو واط على مستشفى أريحا الحكومي لتعزيز استقرار الطاقة في القطاع الصحي، مع استعراض برامج "الصندوق الدوّار" و"شمسي" للتوسع في الطاقة الشمسية ودعم التحول نحو الطاقة المستدامة والاستقلال الطاقي.

⭕ نسّقت الهيئة العامة للشؤون المدنية لصيانة وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه في محافظات سلفيت وبيت لحم والخليل، ومتابعة أعمال تمديد خطوط المياه لقرى غرب دورا، إلى جانب التنسيق لحصاد أراضٍ زراعية بمحاذاة المستوطنات. وفي محافظة الخليل، تابعت الهيئة قضية احتجاز مدير مدرسة امنيزل واثنين من المعلمين حتى الإفراج عنهم، كما نسقت لدخول طواقم شركة الاتصالات إلى المنطقة المغلقة بمدينة الخليل لتنفيذ أعمال خدماتية. وفي محافظة قلقيلية، نجحت الهيئة بعد متابعة مع الجانب الإسرائيلي في إعادة فتح بوابة جيوس – النبي إلياس المغلقة منذ شهر، إلى جانب تنفيذ سلسلة تنسيقات لدعم المزارعين خلف الجدار، شملت إدخال معدات وآليات وخطوط مياه وأغنام وعمال لصيانة الأراضي الزراعية والبيوت البلاستيكية.

⭕ أجرى وزير الصحة جولات ميدانية في محافظات جنين وطولكرم ونابلس شملت لقاء المحافظين وزيارة المشافي الحكومية لمتابعة الواقع الصحي والاحتياجات الطارئة وتعزيز استمرارية الخدمات الطبية. وعلى الصعيد الدولي، حذر الوزير خلال ندوة في جنيف على هامش جمعية الصحة العالمية من الانهيار الشامل للنظام الصحي الفلسطيني نتيجة استهداف المرافق الصحية في قطاع غزة والتحديات في الضفة الغربية والقدس، داعيًا إلى دعم عاجل ومستدام وتعزيز دور "أونروا" وحماية الطواقم الطبية، كما تَصدّر دعم فلسطين قرارات مجلس وزراء الصحة العرب في جنيف. وشاركت الوزارة في مؤتمر طب الأسنان التجميلي في عصر الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أهمية توظيف التقنيات الحديثة في التشخيص والعلاج، ونفذت تدريباً متقدماً للتعامل مع الإصابات الجماعية في مستشفيات الخليل وبيت جالا وأريحا بدعم من منظمة الصحة العالمية، إلى جانب مواصلة حملاتها التوعوية اليومية لتعزيز الوعي الصحي والوقاية لدى المواطنين.

⭕ أكد وزير الحكم المحلي، خلال مشاركته في المنتدى الحضري العالمي 13 بأذربيجان، التزام فلسطين بتنفيذ الأجندة الحضرية العالمية رغم انتهاكات الاحتلال وحرمان الفلسطينيين من الحق في السكن، كما بحث مع وزير التخطيط العمراني في أذربيجان تعزيز التعاون في مجالات التخطيط الحضري والتنمية المستدامة. وفي إطار تطوير الخدمات المحلية، تم إنجاز مشروع إنشاء مركز خدمات الجمهور في بلدة كوبر بمحافظة رام الله والبيرة بقيمة 44 ألف يورو، فيما تواصل طواقم الوزارة ومديريات الحكم المحلي متابعة إجراءات التسليم والاستلام في عدد من الهيئات المحلية بالمحافظات الشمالية، وفق الأصول القانونية بعد اعتماد نتائج الانتخابات المحلية، تمهيدًا لاستكمال العملية في باقي الهيئات المحلية خلال الأيام المقبلة.

⭕ استكملت وزارة شؤون المرأة المرحلة الأولى من مشروع الثقافة والصناعات الإبداعية ضمن محور التحول المجتمعي، عبر تنفيذ ورشات تدريبية وبناء قدرات استهدفت 36 كادرًا حكوميًا من المؤسسات الشريكة لتعزيز مفاهيم النوع الاجتماعي والتغيير المجتمعي وتوظيف الثقافة والصناعات الإبداعية في التنمية الشاملة ودعم الرواية الفلسطينية. كما عَقَدَت الوزارة لقاءات مع شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية "NDC" ومؤسسة أوكسفام وسلطة جودة البيئة لحشد الموارد لتنفيذ الاستراتيجية عبر القطاعية للنوع الاجتماعي وتطوير تدخلات بيئية تراعي قضايا النوع الاجتماعي، إلى جانب إعداد تدخلات للتمكين الاقتصادي بالتعاون مع التعاون الإنمائي الإسباني. وبحثت الوزيرة مع برنامج سواسية آليات تعزيز منظومة حماية المرأة وتطوير التشريعات والسياسات الوطنية ودعم المرصد الوطني لرصد العنف ضد المرأة والاستجابة لاحتياجات النساء والفتيات في ظل العدوان.

⭕ زار وزير الثقافة إلى جانب وزير السياحة ومندوب فلسطين لدى اليونسكو بلدتي سبسطية وسنجل، وأكدا أهمية تدويل قضية سبسطية وصون الرواية الفلسطينية ودعم الأهالي في مواجهة اعتداءات المستوطنين. كما شارك وزير الثقافة في إحياء الذكرى الـ40 للراحلة خولة عمايرة، وافتتح معرضًا فنيًا للفنان يوسف كتلو في دورا، إلى جانب افتتاح مؤتمر أدب الأسرى وإشهار كتاب للمشرف التربوي محمد الشراونة، وبحث التعاون الثقافي الإعلامي مع مؤسسة الشبكة الفلسطينية لتطوير الإعلام، وزيارة الفنان التشكيلي سليمان منصور للاطمئنان على صحته. ونظمت الوزارة فعاليات ثقافية وتوعوية متنوعة، شملت ورشًا وأنشطة حول النكبة والرواية الفلسطينية في سلفيت، وفعاليات ضمن أسبوع القراءة في قلقيلية، وأنشطة توعوية حول التدريب المهني في بيت لحم، وإحياء الذكرى الـ78 للنكبة في طوباس والأغوار الشمالية، إلى جانب رعاية اليوم الثقافي الفلسطيني في السموع، والمشاركة في مبادرات مجتمعية وتعليمية بالخليل، وإطلاق رواية "الفراديس الملغومة" ضمن مشروع "ثقافة من أجل الجميع".

⭕ نفذت طواقم سلطة جودة البيئة 24 جولة تفتيش على المنشآت الصناعية، وتابعت 5 شكاوى بيئية بينها شكوى تتعلق بمكب نفايات عشوائي، كما منحت 8 موافقات لمشاريع صناعية وزراعية وموافقة لمحطة بث خلوي، وأصدرت 5 تصاريح لاستيراد مواد كيميائية. وفي إطار تطوير العمل البيئي، ناقش رئيس سلطة جودة البيئة م. زغلول سمحان مع المدراء العامين والمكاتب الفرعية مستجدات التحول الرقمي والتعاون البيئي الدولي وتعزيز العمل في مجال التنوع الحيوي، فيما عُقدت ورشة متخصصة ضمن برنامج التوأمة الأوروبي لتطوير آليات منح الموافقات البيئية والرقابة والتفتيش على المشاريع. كما أكدت السلطة، في بيان بمناسبة اليوم الدولي للتنوع الحيوي، أن حماية التنوع الحيوي والموارد الطبيعية في فلسطين تمثل أولوية وطنية في مواجهة الاستهداف الممنهج للبيئة الفلسطينية.

⭕ نَفَّذَت وزارة السياحة والآثار أكثر من 29 جولة ميدانية استهدفت 41 موقعًا تراثيًا وسياحيًا، ورصدت 10 اعتداءات على مواقع التراث الثقافي، إلى جانب معاينة 40 قطعة أثرية مضبوطة. كما استقبلت 163 طلب تصريح بناء، أنجز منها 112 تصريحًا بنسبة قاربت 90%. وفي إطار حماية المواقع التاريخية، أكد الوزير خلال زيارة إلى سبسطية مواصلة العمل على إدراجها على قائمة التراث العالمي لليونسكو، فيما افتتحت الوزارة معرض "رحلة في الذاكرة" في البيرة ونفذت أنشطة لترميم وحماية موقع قلعة البرج بالخليل. كما نَظَّمَت برامج ومسارات للسياحة الداخلية في مختلف المحافظات، واستقبلت الخليل أكثر من 73 حافلة سياحية من فلسطينيي الداخل خلال يوم واحد، بالتوازي مع تكثيف الجولات الرقابية على المنشآت السياحية والمواقع الأثرية.


عربي ودولي

الأحد 24 مايو 2026 10:47 صباحًا - بتوقيت القدس

مناورات عسكرية أمريكية فوق كراكاس بحضور قائد القيادة الجنوبية

شهدت العاصمة الفنزويلية كراكاس، يوم السبت، تدريبات عسكرية مكثفة أجراها الجيش الأمريكي، في خطوة تعد الأولى من نوعها منذ العملية العسكرية الواسعة التي وقعت في مطلع يناير الماضي. وتأتي هذه المناورات بعد أشهر قليلة من الإطاحة بالرئيس السابق نيكولاس مادورو واعتقاله رفقة زوجته سيليا فلوريس، مما يمثل تحولاً جذرياً في التواجد العسكري الأمريكي بالمنطقة.

وأفادت مصادر رسمية بأن الحكومة الحالية في كراكاس منحت موافقتها الكاملة على هذه التدريبات الجوية، واصفة إياها بأنها جزء من بروتوكولات عمليات الإجلاء الطبي والتعامل مع الكوارث المحتملة. وتهدف هذه الخطوة بحسب الرواية الرسمية إلى رفع كفاءة الاستجابة لحالات الطوارئ في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد.

وشاركت في المناورات طائرتان من طراز "MV-22 أوسبري" المتطورة، حيث نفذتا عمليات هبوط وإقلاع بالقرب من مقر السفارة الأمريكية في قلب العاصمة. وبالتزامن مع النشاط الجوي، رصدت تحركات بحرية أمريكية في المياه الإقليمية الفنزويلية المطلة على البحر الكاريبي، لتعزيز السيطرة الأمنية وتأمين المسارات الحيوية.

وفي تطور بارز، وصل قائد القيادة الجنوبية الأمريكية، فرنسيس دونوفان، إلى كراكاس على متن إحدى طائرات الأوسبري للإشراف المباشر على سير العمليات. وعقد دونوفان، المسؤول عن النشاط العسكري الأمريكي في أمريكا اللاتينية، اجتماعات رفيعة المستوى مع مسؤولين في الحكومة المؤقتة لبحث التنسيق الأمني المشترك.

من جانبها، أصدرت السفارة الأمريكية بياناً أكدت فيه استمرار العمل وفق خطة الرئيس دونالد ترمب المكونة من ثلاث مراحل، والتي تهدف بشكل أساسي إلى استعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي في فنزويلا. وأشار البيان إلى أن هذه التحركات العسكرية تخدم الأهداف الاستراتيجية الرامية لضمان أمن المنطقة وحماية المصالح المشتركة.

وعلى الصعيد السياسي، تواصل إدارة واشنطن تقديم الدعم الكامل لحكومة ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس السابقة التي تقود المرحلة الحالية. وقد اتخذت رودريغيز خطوات ملموسة لتعزيز التعاون الاقتصادي عبر فتح قطاعي النفط والتعدين أمام الشركات والاستثمارات الأمريكية الكبرى، في محاولة لإنعاش الاقتصاد المتهالك.

وفي سياق إجراءات بناء الثقة، أعلنت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة يوم الجمعة عن الإفراج عن دفعة جديدة تضم 500 سجين سياسي، مما يرفع حصيلة المفرج عنهم مؤخراً. وتأتي هذه الخطوة استكمالاً لسياسة العفو التي تنتهجها السلطات الجديدة لإنهاء ملف الاعتقالات السياسية التي طبعت الحقبة الماضية.

وكانت رودريغيز قد وقعت قانون عفو شامل في التاسع عشر من فبراير الماضي، بضغط مباشر من الولايات المتحدة التي قادت العملية الأمنية ضد مادورو. ويهدف هذا القانون إلى تصفية القضايا القانونية المرتبطة بالاحتجاجات السابقة وفتح صفحة جديدة في المشهد السياسي الفنزويلي المأزوم.

وتشير الأرقام الرسمية الصادرة عن الحكومة المؤقتة إلى أن نحو 8,740 شخصاً استفادوا من قانون العفو الجديد، من بينهم 314 كانوا يقبعون خلف القضبان. أما بقية المشمولين بالقرار، فقد كانوا يخضعون لتدابير مراقبة قضائية مشددة أو إقامة جبرية نتيجة اتهامات تتعلق بالتظاهر والنشاط السياسي المعارض.

ورغم هذه الانفراجة، لا تزال المنظمات الحقوقية تبدي قلقها إزاء ملف المعتقلين، حيث تقدر منظمة "فورو بينال" غير الحكومية بقاء أكثر من 450 شخصاً في السجون لأسباب سياسية. وتطالب هذه المنظمات بضرورة تسريع وتيرة الإفراج عن كافة المحتجزين لضمان نجاح المسار الديمقراطي الجديد في البلاد.

اسرائيليات

الأحد 24 مايو 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

انتحار جندي إسرائيلي شارك في الحرب على قطاع غزة

أفادت مصادر إعلامية، اليوم السبت، بانتحار أحد جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي الذين شاركوا في العمليات العسكرية المستمرة بقطاع غزة. وذكرت المصادر أن الجندي، الذي يُدعى أليكس ميلر ويبلغ من العمر 23 عاماً، أقدم على إنهاء حياته مساء أمس الجمعة في أعقاب تدهور حالته النفسية.

وأوضحت التقارير أن ميلر كان يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بشكل حاد، وهو ما عزته المصادر إلى الفظائع والعمليات التي شارك فيها خلال حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال على القطاع. وتأتي هذه الحادثة لتسلط الضوء مجدداً على الأزمات النفسية العميقة التي تلاحق الجنود العائدين من جبهات القتال.

في سياق متصل، أشارت المصادر إلى أن جيش الاحتلال يسجل حالياً مستويات انتحار غير مسبوقة في صفوف عناصره، خاصة خلال العامين الماضيين. وتربط التقارير العبرية بين هذا الارتفاع الملحوظ وبين التأثيرات النفسية المدمرة للمعارك في غزة، حيث يواجه عدد كبير من الجنود صعوبات بالغة في الاندماج مجدداً أو تجاوز المشاهد التي عايشوها.

عربي ودولي

الأحد 24 مايو 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

كواليس الاتفاق النووي المرتقب: شروط أمريكية صارمة ومصير الأموال المجمدة

أفادت مصادر إعلامية دولية نقلاً عن مسؤولين أمريكيين بوجود تقدم في صياغة مسودة اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، حيث أبدت طهران موافقتها على التنازل عن مخزونها من اليورانيوم المخصب. ويأتي هذا التطور في إطار المساعي التي تقودها إدارة الرئيس ترامب للتوصل إلى صيغة تضمن كبح الطموحات النووية الإيرانية مقابل تفاهمات اقتصادية وسياسية محددة.

وبحسب التفاصيل المسربة، فإن المقترح الحالي يلزم الجانب الإيراني بالتخلص من اليورانيوم عالي التخصيب، إلا أن الأطراف لم تصل بعد إلى اتفاق نهائي بشأن الآلية التقنية لتنفيذ هذه الخطوة. وقد تقرر ترحيل النقاش حول الكيفية والجداول الزمنية لعملية التخلص من المخزون إلى جولات محادثات مستقبلية، لضمان عدم تعثر التفاهمات الأولية في الوقت الراهن.

وتشترط الإدارة الأمريكية ضرورة صدور إعلان رسمي وعلني من قبل الحكومة الإيرانية يؤكد التزامها الكامل بالتخلي عن قدراتها في مجال التخصيب العالي. وتعتبر واشنطن أن هذا البيان يمثل ضمانة أساسية لتمرير الاتفاق داخلياً، خاصة في ظل التحديات التي قد يواجهها المشروع من قبل المعارضة الجمهورية داخل أروقة الكونغرس التي تطالب بضمانات أمنية مشددة.

وفيما يتعلق بالجانب المالي، أوضحت المصادر أن أي اتفاق نهائي سيفتح الباب أمام الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية التي كانت مجمدة في المصارف الخارجية لسنوات طويلة. ومع ذلك، شدد المسؤولون على أن طهران لن تتمكن من استعادة السيولة الكاملة أو الوصول إلى الجزء الأكبر من تلك الأموال إلا بعد التوقيع النهائي والبدء الفعلي في تنفيذ بنود الاتفاق النووي الشامل.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:22 صباحًا - بتوقيت القدس

أول رتبة تنظيمية.. رئيس جمهورية!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

دون تدرُّجٍ في الصعود أوتسلسلٍ في المهام والمسؤوليات، صعد ترمب إلى سدة الحكم، حتى استوى على عرش الدولة العظمى متخفّفاً من أي إرثٍ تاريخيّ أو تدرّجٍ مؤسسيّ، بينما طُويت ملفاتٌ بعضُها ظاهرٌ وآخرُ باطن، وأُزيحت عقباتٌ لفتح الطريق أمام تصعيده الملتبس، مسكوناً بنزعةٍ ترمي لتفكيك المنظومة القانونية الدولية، وإحلال الفوضى محل القوانين والمواثيق وحقوق الإنسان التي حكمت العالم عقوداً خلت.
تُناقض أفعاله أقواله، ومُهَلُهُ تعكس تردده. فإنْ تحدّثَ عن الدبلوماسية، فاعلم أنّ الطائرات الشبحيّة تُحلق فوق أهدافها، وأن حاملات الطائرات تمخر عباب البحر، وتستعد لتلقيم مدافعها للقيام بحملةٍ جديدةٍ من التدمير في الهضبة الفارسية الشاسعة.
الساعات المقبلة حاسمة، تُحبَس فيها الأنفاس، ترقباً للوجهة التي سيذهب إليها الرجل المتقلب وجهُهُ في سماوات الأزمات العالمية، فإذا لم ينجح الوسطاء بإبعاد شبح الحرب عبر التوصل  إلى إعلان نوايا يحفظ ماء وجهه، فإنه سيكون أمام خيارٍ اضطراريّ لتوجيه ضرباتٍ محدودةٍ لمواقع إيرانيةٍ منتقاة، دون توقّع التداعيات  التي قد تخرج عن السيطرة في منطقةٍ تعاني سيولةً زائدة.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة في نتائج مؤتمر حركة فتح


الحلقة الأولى


شكل إنعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، محطة سياسية هامة، لها ما بعدها، امتداداً لما قبلها، وخلافاً لما بعدها، حيث تتكيف حركة فتح مع المعطيات السياسية المستجدة التي تفرض نفسها ليس فقط على الحركة، بل وعلى مجمل قوى وفصائل وأحزاب الحركة الوطنية الفلسطينة .


في بيانها الختامي جراء إنعقاد المؤتمر في رام الله وملحقاته في بيروت والقاهرة، خلال الفترة ما بين 14 إلى 16 أيار مايو الجاري 2026، تضمن قضايا عديدة عالجها المؤتمر أو التوقف عندها، أو لمسها في معطياته، كدليل على اليقظة والإدراك ومواصلة الطريق، الذي بادرت له حركة فتح منذ إنطلاقتها في الأول من كانون الثاني عام 1965.


وقد قيمت حركة فتح الوضع السائد في فلسطين كما يلي:
"أكد المؤتمر أن الاحتلال الإسرائيلي يفرض على شعبنا تحديات وجودية جراء استمرار حصار القدس العاصمة وتهويدها، وتدنيس المقدسات الإسلامية والمسيحية، واستمرار حرب الإبادة الجماعية في غزة، واحتلال القسم الأكبر من قطاعنا الحبيب، ومنع تدفق المساعدات والتنصل من وقف العدوان وتعطيل التعافي وإعادة الإعمار، وكذلك الأمر الاستمرار في احتلال مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وتهجير سكانها واستشراء الاستيطان وارتفاع وتيرة الإرهاب المنظم لقطعان المستوطنين بحماية جيش الاحتلال ومشاركته، إضافة إلى التنكيل بأسرانا البواسل ومنع الزيارات واستشهاد العديد منهم جراء التعذيب والإهمال الطبي المتعمد، وسن قانون الإعدام العنصري بحقهم، ومنع عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) والاستيلاء على مقريها في القدس وغزة وتدميرهما، والاستمرار في قرصنة أموالنا ونشر مئات الحواجز والبوابات عند مداخل مدننا وقرانا ومخيماتنا".


وأكدت الحركة على أن "استمرار حكومة الاحتلال في محاولة الحسم العسكري وفرض التهجير على شعبنا، فإن المؤتمر يؤكد إصرار حركة فتح على قيادة شعبها لمقاومة الاحتلال وإجراءاته وعدوانه، وتوجيه نضالنا الوطني دوماً نحو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض دولة فلسطين وتجسيد استقلالها على الأرض المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، استناداً إلى حقنا التاريخي والقانوني في أرضنا وتنفيذاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة".


وحول القدس، تعرضت حركة فتح إلى ما تواجهه من تبعات ومحاولات تهويد، وأكدت تمسكها "بالوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة" الإسلامية والمسيحية لدى القدس، وسائر فلسطين.
كما توجهت حركة فتح في بيانها الختامي "بالتقدير والاحترام إلى الأشقاء كافة وخاصة صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، وجمهورية مصر العربية بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي لموقفهما الرافض لتهجير شعبنا، والتقدير موصول للأشقاء في المملكة العربية السعودية وجمهورية الجزائر الديمقراطية الشعبية لدعمهما المستمر لشعبنا في المحافل كافة، والتقدير موصول للدول والشعوب الإسلامية كافة، وللجهد الذي بذلته المملكة العربية السعودية وفرنسا الذي نتج عنه إعلان نيويورك الذي له أكبر الأثر في الاعترافات الدولية الأخيرة بدولة فلسطين".
فتح في مؤتمرها ونتاجه وخلاصاته، سيكون له الأثر السياسي الذي يحتاج للتدقيق والمتابعة، وخاصة حول نتائجه التنظيمية في انتخابات لجنتها المركزية ومجلسها الثوري، اللذان سيقودان العمل نحو المستقبل.


فلسطين

الأحد 24 مايو 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

التنكيل بنشطاء الأسطول.. سياسة ردع جديدة لتسويق "القوة والحسم"

عبد الله الزغاري: ما تعرض له نشطاء الأسطول جزء محدود من الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية يومياً
حلمي الأعرج: هذا السلوك يُعبّر عن سادية علنية غير مسبوقة تتحدى الإنسانية والرأي العام وترتقي لجريمة حرب تستدعي الملاحقة والمساءلة دولياً
د. حسين الديك: طريقة التعامل مع المتضامنين وما رافقها تشكّل ضربة لصورة إسرائيل وتكشف نزعة إقصائية لا تميز بين الفلسطينيين والأجانب
ياسر مناع: هذه الممارسات تختصر طبيعة ما تمر به إسرائيل في أعقاب حربها على غزة لتكشف صورة دولةٍ تعتمد على منطق القوة والعنف
نزار نزال: البُعدان الإعلامي والسيكولوجي حاضران في المشهد إذ تدرك إسرائيل أهمية الصورة لدى الرأي العام العالمي لتسويق "القوة والحسم"
د. تمارا حداد: ما جرى مع نشطاء "أسطول الصمود" يكشف سعي إسرائيل لترسيخ معادلة جديدة قائمة على "الردع النفسي والإعلامي" للمتضامنين


رام الله - خاص بـ"القدس"-

تتواصل تداعيات واقعة التنكيل بنشطاء "أسطول الصمود" المتضامنين مع قطاع غزة، عقب اعتراض سفنهم قبل أيام، في أعالي البحار واحتجازهم من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، في مشهدٍ وُثق بحضور وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، ما أعاد تسليط الضوء على طبيعة السياسة الإسرائيلية تجاه المتضامنين الدوليين مع قطاع غزة، وعلى الدوافع الكامنة وراء هذا السلوك الذي يربطه مراقبون بمحاولة فرض معادلة ردع جديدة تتجاوز البعد الأمني إلى البعدين الإعلامي والسياسي.
ويوضح مسؤولون وحقوقيون ومختصون وكتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن هذا السلوك الإسرائيلي يقوم على رسائل متعددة الاتجاهات، أبرزها ردع أي محاولات مستقبلية لكسر الحصار المفروض على غزة، وتعزيز الخطاب الداخلي الإسرائيلي القائم على إظهار القوة والتشدد، إلى جانب توظيف مشاهد الإذلال كأداة تأثير في الرأي العام، في سياق صراع متصاعد على الصورة والرواية أمام المجتمع الدولي.
وبحسب المسؤولين والحقوقيين والمختصين والكتاب والمحللين وأساتذة الجامعات، فقد أسهمت هذه المشاهد التي نشرها بن غفير على حسابه في "إكس"، في توسيع موجة الانتقادات الرسمية والشعبية لإسرائيل، ودفعت عدداً من الدول إلى اتخاذ مواقف احتجاجية شملت استدعاء سفراء، إلى جانب تنامي الضغوط داخل الأوساط الحقوقية والأكاديمية.
ويؤكدون أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تتمثل في تعزيز حملات التضامن مع الفلسطينيين، وتوسيع نطاق المقاطعة والضغط السياسي، فضلاً عن فتح الباب أمام مسارات قانونية محتملة على المستوى الدولي، بما يعمّق عزلة إسرائيل ويزيد من كلفة ممارساتها السياسية والأمنية.



تحدي القيم الإنسانية والأخلاقية والقانونية


يوضح رئيس نادي الأسير عبد الله الزغاري أن ما تعرض له نشطاء "أسطول الصمود" من اعتقال وسيطرة على سفنهم في أعالي البحار، ثم التنكيل بهم بحضور ومشاركة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، يعكس طبيعة السياسات التي تنتهجها منظومة الاحتلال الإسرائيلي تجاه كل من يساند القضية الفلسطينية أو يسعى لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، معتبراً أن ما جرى يمثل استكمالاً لتحدي الاحتلال لكل القيم الإنسانية والأخلاقية والقانونية.
ويرى الزغاري أن استهداف المتضامنين الدوليين لا يمكن قراءته باعتباره سلوكاً فردياً أو تجاوزاً معزولاً، بل يأتي في إطار نهج سياسي تتبناه حكومة يمينية متطرفة تسعى إلى كسر إرادة كل من يرفع صوته تضامناً مع الفلسطينيين أو يطالب بوقف الحرب على غزة. ويعتبر الزغاري أن حضور بن غفير والإشراف المباشر على مشاهد الإذلال والتنكيل بالمتضامنين يحمل دلالات سياسية واضحة، ويعكس مستوى الانحطاط الذي وصلت إليه المنظومة الإسرائيلية في تعاملها مع الأصوات المناصرة للحقوق الفلسطينية.

جزء محدود مما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون

ويؤكد الزغاري أن ما تعرض له نشطاء "أسطول الصمود" لا يمثل سوى جزء محدود من الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية بشكل يومي، مشيراً إلى أن المعتقلين يعيشون ظروفاً مأساوية، تشمل الاعتداءات الجسدية، والضرب المبرح، والصعق بالكهرباء، وسياسات التجويع، والحرمان من العلاج، إلى جانب العزل الانفرادي والعنف الجنسي والانتهاكات المستمرة بحق الأسرى.
ويلفت الزغاري إلى أن هذه السياسات أسفرت عن استشهاد أكثر من 100 معتقل فلسطيني خلال ما يزيد على عامين ونصف، معتبراً أن غياب إجراءات دولية فعلية شجع الاحتلال على مواصلة سياساته بحق المعتقلين، ومنحه مساحة أوسع لتحدي القوانين الدولية والمنظومة الحقوقية العالمية دون محاسبة حقيقية.

إصدار البيانات لم يعد كافياً

ويعتقد الزغاري أن موجة الاحتجاجات على ما قام به بن غفير تعبّر عن موقف أخلاقي مهم ورفض متزايد للممارسات الإسرائيلية، إلا أنها لا ترقى إلى مستوى الفعل السياسي المطلوب. ويشدد الزغاري على أن الاكتفاء باستدعاء السفراء الإسرائيليين أو إصدار بيانات الإدانة لم يعد كافياً، داعياً الدول التي تؤمن بالقانون الدولي والعدالة وحقوق الإنسان إلى اتخاذ خطوات عملية على الأرض، تشمل سحب السفراء، ووقف العلاقات التجارية والعسكرية، وفرض أشكال مختلفة من المقاطعة والضغط السياسي.
ويؤكد الزغاري أن استمرار الاكتفاء بالرفض اللفظي سيبقي المواقف الدولية "حبراً على ورق"، وسيمنح الاحتلال مزيداً من القدرة على مواصلة سياساته تجاه الفلسطينيين والمتضامنين معهم، وكذلك الأسرى الذين يواجهون أحد أكثر أشكال المعاناة قسوة داخل المعتقلات الإسرائيلية، في ظل صمت دولي لا يزال دون مستوى المسؤولية المطلوبة.

خرق للقانون الدولي وقانون البحار

يعتبر مدير عام مركز الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية "حريات" حلمي الأعرج أن ما تعرض له نشطاء "أسطول الصمود" المتضامن مع قطاع غزة من احتجاز وتنكيل على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وبحضور وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، يشكل انتهاكاً مركباً للقانون الدولي، يبدأ من "عملية قرصنة" في أعالي البحار، وصولاً إلى الاحتجاز التعسفي والمعاملة القاسية والحاطة بالكرامة التي تعرض لها المتضامنون بعد السيطرة على سفنهم.
ويوضح الأعرج أن اعتراض السفن في المياه الدولية واختطاف النشطاء الذين كانوا في مهمة تضامنية لكسر الحصار عن قطاع غزة يمثل، من وجهة نظر قانونية، خرقاً صارخاً للقانون الدولي وقانون البحار، مشيراً إلى أن قوات الاحتلال الإسرائيلي لم تكتفِ باحتجازهم، بل أخضعتهم لمعاملة مهينة اتسمت بالقسوة والإذلال، من خلال تقييدهم بطريقة مؤلمة ونشر صور جماعية لهم وهم مكبلون، أيديهم إلى الخلف ورؤوسهم محنية، في مشاهد تحمل مؤشرات واضحة على تعمد الإيذاء النفسي والجسدي.

تعذيب ممنهج كجريمة حرب لا تسقط بالتقادم

ويشير الأعرج إلى أن هذا السلوك يرقى، وفق قراءته الحقوقية، إلى مستوى التعذيب الممنهج الذي يصنف كجريمة حرب لا تسقط بالتقادم، موضحاً أن من تعرضوا لهذه الانتهاكات يمتلكون الحق القانوني في ملاحقة المسؤولين عنها أمام القضاء الدولي.
ويشدد الأعرج على أن هذا السلوك يعبر عن سادية علنية غير مسبوقة تتحدى الإنسانية والرأي العام، وترتقي بفعل التعذيب إلى جريمة حرب تستدعي الملاحقة والمساءلة أمام القضاء الدولي.

عنجهية وسادية لدى منظومة الاحتلال

ويعتبر الأعرج أن ما جرى يعكس "عنجهية وسادية" لدى منظومة الاحتلال، وعدم اكتراث بالقانون الدولي الإنساني أو بحقوق الإنسان أو حتى بمواقف الدول التي يحمل النشطاء جنسياتها، خصوصاً الدول الأوروبية.
ويشير الأعرج إلى أن توثيق مشاهد التنكيل ونشرها علناً، بما في ذلك ظهور بن غفير حاملاً العلم الإسرائيلي خلال "حفلة الإذلال" التي جرت على وقع النشيد الرسمي الإسرائيلي، ثم نشره مقاطع مصورة عبر منصة "إكس" مرفقة بعبارة "أهلاً بكم في إسرائيل"، عن عقلية قائمة على تحدي المجتمع الدولي والرأي العام العالمي، وإرسال رسالة مباشرة لكل المتضامنين مع الفلسطينيين مفادها بأن أي محاولة لكسر الحصار ستواجه بالإهانة والقمع.

تسليط الضوء عما يجري للأسرى الفلسطينيين

ويرى الأعرج أن ما تعرض له النشطاء الأجانب يسلط الضوء على حجم الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية بشكل يومي، متسائلاً: إذا كان هذا هو مصير متضامنين يحملون جنسيات دول كبرى وقادرة على التأثير، فكيف تبدو معاناة الأسرى الفلسطينيين داخل المعتقلات؟
وفي تعليقه على ردود الفعل الدولية، يصف الأعرج بيانات الإدانة واستدعاء بعض الدول للسفراء الإسرائيليين، كما حدث في عدد من الدول الغربية، بأنها خطوة مهمة لكنها غير كافية، محذراً من أن غياب إجراءات رادعة سيشجع إسرائيل على تكرار هذه الممارسات. ويدعو الأعرج إلى مواقف أكثر حزماً تشمل إجراءات ضغط حقيقية تكفل حماية المواطنين الأجانب وحقوق الإنسان، وتضع حداً للسلوك السادي والتطاول المستمر على كرامة البشر والقانون الدولي.

خسارة استراتيجية متراكمة لإسرائيل

يوضح أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي والعلاقات الدولية د.حسين الديك أن ما جرى بحق نشطاء "أسطول الصمود" يشكل، في جوهره، خسارة استراتيجية متراكمة لإسرائيل على المستويات القريبة والمتوسطة والبعيدة، مشيراً إلى أن المشاهد التي نُشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً تلك التي ظهر فيها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، تعكس عقلاً فاشياً وسلوكاً سادياً في التعامل مع متضامنين مدنيين عزل.
ويشير الديك إلى أن طريقة التعامل مع النشطاء، وما رافقها من نشر وتوثيق لمشاهد الإذلال، لا تقتصر تداعياتها على البعد الإنساني أو الحقوقي، بل تمتد لتشكّل ضربة لصورة إسرائيل الدولية، وتكشف عن نزعة إقصائية لا تميز بين الفلسطينيين والمتضامنين الأجانب، حتى وإن كانوا من دول غربية حليفة.

تفجير ردود فعل دولية غاضبة

ويلفت الديك إلى أن انتشار هذه الفيديوهات على نطاق واسع عالمياً فجّر ردود فعل شعبية ورسمية، تمثلت في استدعاء سفراء إسرائيل في عدد من الدول الأوروبية، من بينها بلجيكا والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا، إلى جانب مواقف احتجاجية برزت أيضاً في الأوساط السياسية الأوروبية.
ويرى الديك أن هذه التطورات تعكس انفجاراً دبلوماسياً في علاقات إسرائيل الخارجية، خصوصاً مع أوروبا الغربية وكندا، التي شكلت تاريخياً ركائز أساسية في دعمها السياسي والدبلوماسي منذ عام 1948.
ويعتبر الديك أن ما يجري اليوم يمثل تحولاً تدريجياً في المزاج السياسي الأوروبي، يضع إسرائيل أمام مرحلة جديدة من إعادة تعريف موقعها في النظام الدولي، بعد أن كانت تقدّم نفسها كـ"واحة ديمقراطية ليبرالية" في الشرق الأوسط.
ويبيّن الديك أن هذه الممارسات تعزز صورة دولة تمارس العنف والتمييز العنصري ضد ناشطين مدنيين غير مسلحين، بعضهم يحمل جنسيات أوروبية، ما يعني أن الاعتداءات تمتد لتطال دولهم أيضاً.
ويعتبر الديك أن محاولات وزارة الخارجية الإسرائيلية وقيادات إسرائيل السياسية لاحتواء تداعيات الأزمة لن تحقق نتائج ملموسة، في ظل تصاعد الغضب الدولي واتساع رقعة الانتقادات.

أزمة الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي

ويشير الديك إلى أن ما يجري يعكس عمق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي حول طبيعة الدولة وهويتها، بين تيار يميني ديني قومي يسعى لتحويل إسرائيل إلى دولة ثيوقراطية قائمة على التمييز والفصل، يقوده إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وبين تيارات أخرى ما زالت تتمسك بالنموذج العلماني الليبرالي الذي أسسه ديفيد بن غوريون.
ويؤكد الديك أن التطورات الأخيرة قد تدفع نحو مواقف دولية أكثر تصعيداً من مجرد الإدانة أو استدعاء السفراء، لتشمل احتمالات قانونية أوسع، مثل مذكرات توقيف دولية، ورفع قضايا أمام المحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، مستندة إلى جنسيات المتضررين الأوروبية، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة ضغط دولي غير مسبوقة على إسرائيل، تتجاوز بكثير حدود الإجراءات الرمزية التقليدية.

القمع كرسالة سياسية علنية ومقصودة

يؤكد الكاتب والباحث المختص بالشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن مشاهد التنكيل التي تعرض لها نشطاء "أسطول الصمود" بحضور وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير تعكس تحولًا متسارعًا داخل المؤسسة الإسرائيلية، يتمثل في الانتقال من استخدام القمع باعتباره إجراءً أمنيًا إلى توظيفه بوصفه رسالة سياسية علنية ومقصودة، تستهدف الداخل الإسرائيلي والخارج في آنٍ معًا.
ويوضح مناع أن حضور بن غفير خلال عمليات التنكيل لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا أو إجراءً عابرًا، بل حمل دلالات سياسية واضحة، إذ منح المشهد طابعًا "استعراضيًا وانتقاميًا" يهدف إلى مخاطبة الأوساط اليمينية المتطرفة داخل إسرائيل، عبر إيصال رسالة مفادها بأن أي محاولة للتضامن مع قطاع غزة أو كسر الحصار ستُواجه بالإذلال والعقاب، وليس بمجرد الاحتجاز أو الإجراءات الأمنية التقليدية.

اعتماد إسرائيل منطق القوة والعنف

ويشير مناع إلى أن هذه الممارسات تختصر، بصورة مكثفة، طبيعة المرحلة التي تمر بها إسرائيل في أعقاب الحرب على غزة، والتي باتت تكشف بشكل أكثر وضوحًا عن صورة دولة تعتمد منطق القوة والعنف في التعامل مع المدنيين والمتضامنين، وتسعى إلى ملاحقة كل من يحاول فضح الانتهاكات أو تحدي الحصار المفروض على القطاع.
ويرى مناع أن موجة الاحتجاجات العالمية المتصاعدة ضد إسرائيل تعبّر عن اتساع الفجوة بين الرواية الإسرائيلية الرسمية وما يراه العالم مباشرة عبر الصور والمشاهد القادمة من غزة، مؤكدًا أن التعامل مع نشطاء "أسطول الصمود" لم يكن سبب الغضب العالمي الوحيد، بل أضاف حلقة جديدة إلى مشهد متراكم من القتل والتجويع والحصار والدمار.
ويشير مناع إلى أن ذلك ينعكس في تآكل صورة إسرائيل أخلاقيًا وسياسيًا، وتصاعد الضغوط على الحكومات الغربية، واتساع حملات المقاطعة والاحتجاج داخل الجامعات والنقابات والشارع الدولي.

ترسيخ رسائل إسرائيلية داخلية وخارجية

يرى الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع نزار نزال أن مشاهد التنكيل التي تعرض لها نشطاء "أسطول الصمود" على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، بحضور وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، تعكس أبعاداً سياسية وإعلامية متعددة، تتجاوز التعامل الأمني المباشر مع متضامنين مدنيين، لتكشف عن رسائل داخلية وخارجية تسعى الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى ترسيخها، لكنها اصطدمت بتداعيات عكسية قد تعمّق عزلة إسرائيل وتزيد الضغوط الدولية عليها.
ويشير نزال إلى أن قراءة المشهد تبدأ من البعد الداخلي الإسرائيلي، حيث يسعى بن غفير إلى تكريس صورته أمام جمهوره اليميني المتشدد باعتباره الشخصية الأكثر قدرة على فرض ما يريد وإظهار الحزم داخل السجون الإسرائيلية وخارجها، في ظل التنافس القائم داخل المعسكر اليميني.

بن غفير يحاول تعزيز صورته في اليمين

ويرى نزال أن الظهور العلني لإيتمار بن غفير ودعمه لمثل هذه المشاهد لا ينفصل عن محاولات تعزيز مكانته كأحد رموز اليمين المتطرف، خاصة مع التحولات التي طرأت على طبيعة الخطاب والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والأسرى.

رسالة ردع إسرائيلية بعدم السماح لكسر الحصار عن غزة

وعلى المستوى الفلسطيني والعربي والدولي، يلفت نزال إلى أن التعامل العنيف مع نشطاء يحملون طابعاً تضامنياً وإنسانياً يهدف إلى توجيه رسالة ردع واضحة مفادها بأن إسرائيل لن تسمح بأي محاولة لكسر الحصار أو تحدي سياساتها، حتى وإن كان ذلك في إطار رمزي أو إعلامي.
ويعتقد نزال أن هذه السياسات قد تأتي بنتائج عكسية، إذ إن النشطاء تحولوا، بفعل مشاهد التنكيل، إلى قضية إنسانية وإعلامية تستقطب تعاطفاً دولياً متزايداً، بما يفاقم الانتقادات الموجهة لإسرائيل.

صورة "القوة والحسم"

ويؤكد نزال أن البعد الإعلامي والسيكولوجي حاضر بقوة في المشهد، إذ تدرك إسرائيل أهمية الصورة في معركة الرأي العام العالمي، الأمر الذي يفسر حضور بن غفير في سياقات من هذا النوع بهدف تسويق صورة "القوة والحسم".
غير أن المشاهد القاسية، وفق نزال، خصوصاً تلك التي تتضمن إهانات أو تعنيفاً، تضع إسرائيل في مواجهة اتهامات متزايدة بانتهاك حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية، بما يسرّع من تآكل صورتها، لا سيما لدى قطاعات شبابية ونقابية وأكاديمية غربية.
ويشير نزال إلى أن هذه التطورات قد تؤدي إلى اتساع حملات المقاطعة وتصاعد الضغوط الشعبية الأوروبية والغربية، فضلاً عن تعزيز الحراك العالمي المؤيد للفلسطينيين، وفتح المجال أمام مزيد من الدعاوى القانونية في المحافل الدولية، بما في ذلك أمام المحكمة الجنائية الدولية.
ورغم ذلك، يرى نزال أن الحكومة الإسرائيلية تراهن على أن موجات الاحتجاج الشعبي في دول العالم، على الرغم من اتساعها، لن تتحول سريعاً إلى عقوبات سياسية فعلية من القوى الكبرى، وهو ما يدفعها للاستمرار في نهجها المتشدد.

أبعاد سياسية واضحة

ترى الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد أن مشاهد التنكيل التي تعرض لها نشطاء "أسطول الصمود" على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وبحضور وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، لم تُحدث فقط موجة غضب دولية بسبب طبيعة العنف المستخدم ضد متضامنين مدنيين، بل كشفت أيضاً عن رسائل سياسية وأمنية تسعى الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى تمريرها في سياق تعاملها مع أي تحرك دولي متضامن مع الفلسطينيين أو يسعى لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة.
وبحسب حداد، فإن وجود بن غفير في مشهد التنكيل لم يكن إجراءً بروتوكولياً أو حضوراً عابراً، وإنما حمل أبعاداً سياسية واضحة، إذ سعى إلى إظهار التشدد وتعزيز صورته أمام قاعدته اليمينية المتطرفة، خاصة في ظل الحسابات السياسية الداخلية والاستعدادات المرتبطة بالمنافسة الانتخابية المقبلة داخل إسرائيل.
وتؤكد حداد أن هذه الخطوة جاءت في إطار محاولات بن غفير ترسيخ نفوذه داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، عبر التفاخر العلني بسياسات القوة والتشدد، إلى جانب شخصيات يمينية أخرى مثل وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

معادلة الردع النفسي والإعلامي للمتضامنين

وتوضح حداد أن ما جرى مع نشطاء "أسطول الصمود" يكشف عن سعي إسرائيلي لترسيخ معادلة جديدة قائمة على "الردع النفسي والإعلامي" للمتضامنين، تهدف إلى توجيه رسالة مباشرة للحركات التضامنية الدولية بأن أي محاولة للوصول إلى غزة أو كسر الحصار ستكون ذات كلفة مرتفعة، سواء من خلال الاحتجاز أو التنكيل أو التشهير الإعلامي.

مرحلة التفاخر بالانتهاكات

وتعتبر حداد أن هذا التحول يعكس انتقال الخطاب الإسرائيلي الرسمي من مرحلة تبرير الانتهاكات إلى مرحلة التفاخر بها بشكل علني.
وتشير حداد إلى أن هذه الممارسات تعبّر في المقابل عن قلق إسرائيلي متزايد من تنامي التضامن الشعبي العالمي مع الفلسطينيين، خاصة في ظل تصاعد حملات المقاطعة، والاحتجاجات في الجامعات الغربية، وتنامي الانتقادات للحكومة الإسرائيلية داخل المجتمعات الأوروبية والأمريكية.
وتلفت حداد إلى أن ردود الفعل الدولية، سواء عبر المظاهرات أو الإدانات الصادرة عن مؤسسات حقوقية وسياسية، عكست تحولاً ملحوظاً في المزاج الدولي، حيث لم تعد الرواية الإسرائيلية تحظى بالقبول نفسه الذي كانت تتمتع به سابقاً في عدد من العواصم الغربية.

إسرائيل أمام ضغط أخلاقي وسياسي متزايد

وترى حداد أن هذه التطورات تضع إسرائيل أمام ضغط أخلاقي وسياسي متزايد، خاصة مع تصاعد الانتقادات لشخصيات مثل بن غفير، التي بدأت تُقدَّم في الإعلام الدولي بوصفها رمزاً للتطرف والعنصرية داخل الحكومة الإسرائيلية، ما قد ينعكس سلباً على علاقات إسرائيل السياسية والاقتصادية مع بعض الدول الغربية، ويفتح الباب أمام مطالبات بمراجعة التعاون معها أو فرض عقوبات عليها.
وتعتقد حداد أن حادثة "أسطول الصمود" تجاوزت كونها مواجهة ميدانية محدودة، وتحولت إلى معركة على صورة إسرائيل في العالم، مرجحة أن تؤدي هذه المشاهد إلى نتائج عكسية بالنسبة للحكومة الإسرائيلية، من خلال توسيع دائرة التعاطف مع الفلسطينيين، ومنح الحركات التضامنية زخماً أكبر، خصوصاً بين فئات الشباب والجامعات ومنظمات حقوق الإنسان، بما قد يدفع إلى تكرار تجارب مشابهة لكسر الحصار مستقبلاً، حتى من دول كانت تُصنّف تقليدياً ضمن الدوائر الصديقة لإسرائيل.

عربي ودولي

الأحد 24 مايو 2026 10:17 صباحًا - بتوقيت القدس

هجوم روسي عنيف يهز كييف وسط تحذيرات من استخدام صاروخ 'أوريشنيك' الفرط صوتي

استفاقت العاصمة الأوكرانية كييف فجر اليوم الأحد على وقع انفجارات عنيفة جراء هجوم عسكري روسي مكثف استخدمت فيه الصواريخ والطائرات المسيرة الانتحارية. وأكدت مصادر محلية أن القصف استهدف أحياء سكنية ومنشآت تعليمية، مما أدى إلى سقوط ضحية واحدة على الأقل وإصابة العشرات بجروح متفاوتة الخطورة.

وأوضح فيتالي كليتشكو، رئيس بلدية كييف أن فرق الإنقاذ تتعامل مع وضع مأساوي في منطقة شيفتشينكو بوسط المدينة، حيث تعرض مبنى سكني مكون من تسعة طوابق لضربة مباشرة. وأشار كليتشكو إلى أن النيران اندلعت في عدة مواقع، بينما تبذل طواقم الإطفاء جهوداً مضنية للسيطرة على الحرائق ومنع تمددها للمباني المجاورة.

وفي تطور ميداني لافت، حوصر عدد من المدنيين داخل ملجأ تابع لإحدى المدارس بعد أن أدى الركام الناتج عن القصف إلى إغلاق المداخل بشكل كامل. وتعمل فرق الطوارئ حالياً على إزالة الحطام لفتح ممرات آمنة وإخراج العالقين الذين لجأوا للمكان هرباً من القصف الجوي الذي وصفه مسؤولون محليون بالمروع.

من جانبها، أفادت الإدارة العسكرية في كييف بأن حصيلة المصابين الأولية تجاوزت العشرين شخصاً، في حين أشارت تقديرات طبية لاحقة إلى وصول عدد الجرحى لنحو 40 شخصاً. وأكدت مصادر ميدانية أن بعض الحالات المصابة وصفت بالحرجة، مما قد يرفع عدد الوفيات خلال الساعات القليلة القادمة مع استمرار عمليات البحث تحت الأنقاض.

وسبق الهجوم تحذيرات جدية أطلقها سلاح الجو الأوكراني بشأن احتمال لجوء موسكو لاستخدام صاروخ 'أوريشنيك' الفرط صوتي والمتوسط المدى. ويأتي هذا القصف المكثف بعد رصد تحركات عسكرية روسية توحي بالتحضير لضربة مركبة تستهدف البنية التحتية والمراكز الحيوية في قلب العاصمة الأوكرانية.

وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد نبه في وقت سابق من وجود بوادر لتحضيرات روسية لشن هجمات غير تقليدية باستخدام أنواع جديدة من الأسلحة. وتزامنت هذه التحذيرات مع تنبيهات مماثلة أصدرتها السفارة الأمريكية في كييف، دعت فيها رعاياها لتوخي الحذر الشديد من هجوم جوي ضخم محتمل.

وفي سياق متصل، لجأ آلاف السكان إلى محطات المترو التي تحولت إلى ملاجئ مؤقتة تحت الأرض للاحتماء من الموجات المتتالية للصواريخ والمسيرات. ووصف شهود عيان الحالة في العاصمة بأنها تعيش ليلة من أصعب الليالي منذ بدء النزاع، حيث لم تتوقف صافرات الإنذار عن الدوي في مختلف أرجاء المدينة.

ويربط مراقبون هذا التصعيد بتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي توعد بالرد بقوة على هجوم أوكراني استهدف كلية مهنية في منطقة لوغانسك. وكان الهجوم الذي استهدف لوغانسك، الخاضعة للسيطرة الروسية، قد أسفر عن مقتل 18 شخصاً، وهو ما اعتبرته موسكو تجاوزاً للخطوط الحمراء يستوجب رداً عسكرياً رادعاً.

ويعد صاروخ 'أوريشنيك' الروسي أحد أكثر الأسلحة إثارة للقلق لدى الدوائر العسكرية الغربية، نظراً لقدرته على حمل رؤوس نووية وسرعته التي تفوق سرعة الصوت بعشر مرات. ورغم أن روسيا استخدمت هذا الطراز مرتين سابقاً دون رؤوس نووية، إلا أن التلويح به مجدداً يرفع منسوب التوتر في القارة الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتستمر العمليات العسكرية الروسية في الضغط على الدفاعات الجوية الأوكرانية عبر تنويع الأسلحة المستخدمة ما بين صواريخ كروز وباليستية وطائرات 'شاهد' المسيرة. وفي ظل هذا المشهد المعقد، تواصل كييف مطالبتها للمجتمع الدولي بتزويدها بأنظمة دفاع جوي أكثر تطوراً لمواجهة التهديدات الصاروخية الروسية المتصاعدة.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:17 صباحًا - بتوقيت القدس

الدولة الواحدة.. خيار الوجود المشترك على أرضٍ باركها الله للعالَمنَ


منذ أن تفتَّحت عيناي على الحياة، وأنا أستمع إلى رواية أبي عن فلسطين قبل النكبة؛ فلسطين التي عاش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود في حالةٍ من التعايش والأمن الاجتماعي، قبل أن يفرض الانتداب البريطاني واقعًا جديدًا فتح الباب أمام المشروع الصهيوني والهجرة المنظمة من أوروبا. كان أبي يقول بحسرة: "كنَّا نعيش معًا، وفجأة انهار كلُّ شيء، وصِرْنا لاجئين".
ومع النكبة وما تبعها من احتلالٍ وحروب، تشكَّل الوعي الفلسطيني بين خطابٍ قوميٍّ تحرُّري رفع شعار الكفاح الوطني، وخطابٍ إسلامي رأى في فلسطين قضيةً مركزيةً للأمة الإسلامية. وبعد هزيمة عام 1967، تصاعد الشعور بالإحباط، وبدأت التيارات الإسلامية، المتأثرة بأفكار الوحدة الإسلامية والثورة الإيرانية بقيادة الإمام الخميني، تنظر إلى القضية الفلسطينية بوصفها قضيةً دينيةً وأخلاقيةً إلى جانب بعدها الوطني.
ومع مرور الوقت، أخذ الصراع طابعًا صفريًّا؛ "إمَّا نحن وإمَّا هم"، فتمدَّد التطرُّف على الجانبين. فكما ظهرت تيارات فلسطينية وإسلامية رأت أن الصراع وجوديٌّ لا يقبل الشراكة، تمدَّد أيضًا التطرُّف الصهيوني داخل المجتمع الإسرائيلي، خصوصًا في أوساط المستوطنين والتيارات الدينية القومية التي تبنَّت فكرة "إسرائيل الكبرى"، وسعت إلى تهجير الفلسطينيين وإقصائهم.
وبعد إفشال اتفاقية أوسلو على يد بنيامين نتنياهو وتحالفات اليمين المتطرّف، دخل الفلسطينيون مرحلةً من الانسداد السياسي والتهديد الوجودي. ثم جاءت حرب غزة الأخيرة، بما حملته من قتلٍ ودمارٍ وتجويع، لتكشف حجم المأساة الإنسانية، وتؤكد أن استمرار الاحتلال والاستيطان لا يمكن أن يقود إلى سلامٍ حقيقي.
ومن وجهة نظري، فإن المشكلة بين المسلمين واليهود في فلسطين لم تكن يومًا دينيةً في أصلها، بل سياسيةً واستعمارية. فاليهود عاشوا قرونًا طويلةً في ظل الحضارة الإسلامية، وكان بينهم وبين المسلمين والمسيحيين تعايشٌ واستقرارٌ نسبي. كما أن الأديان الثلاثة تعود، من حيث الامتداد الإيماني، إلى نبي الله إبراهيم عليه السلام، وقد حسم القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله تعالى:
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾.
ولهذا، فإن توظيف الدين لتبرير الاحتلال والاستيطان يبقى قراءةً سياسيةً منحازة، لا تمثل حتى جميع اليهود. وقد برزت خلال السنوات الأخيرة أصواتٌ يهوديةٌ وحاخاميةٌ رافضةٌ للحرب والدعوات العنصرية، من بينها الحاخام يسرائيل دافيد فايس من جماعة "ناطوري كارتا"، إلى جانب شخصيات فكرية مثل نعوم تشومسكي، ونورمان فنكلستاين، وإيلان بابيه، ونعومي كلاين، الذين انتقدوا الاحتلال وسياسات الإبادة، ودعوا إلى العدالة والعيش المشترك.
كما لعبت منظمات يهودية داعمة لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، مثل "الصوت اليهودي من أجل السلام" و"الشبكة اليهودية من أجل فلسطين"، دورًا مهمًّا في تحريك المظاهرات العالمية المناهضة للحرب، وأسهمت في إحداث تحوُّلٍ ملحوظ داخل الرأي العام الغربي، الذي بات أكثر تفهمًا للمظلومية الفلسطينية وأكثر انتقادًا لسياسات الاحتلال والتطهير العرقي.
وفي هذا السياق، يبرز ما طرحه المؤرخ الإسرائيلي عمر بارتوف في كتابه "إسرائيل: ما الخطأ الذي جرى؟"، حيث يرى أن استمرار المشروع الصهيوني بصيغته الإقصائية يقود إلى كارثةٍ أخلاقيةٍ وسياسية على الشعبين، ويطرح تصوراتٍ تقوم على الشراكة السياسية والعيش المشترك ضمن صيغةٍ فيدرالية أو كونفدرالية.
ولعلَّ ما يدفعني اليوم لإعادة طرح فكرة "الدولة الواحدة ثنائية القومية" أن هذه الرؤية ليست جديدة بالنسبة لي؛ ففي عام 1998 وضعتُ الخطوط العريضة لكتاب باللغة الإنجليزية بعنوان: One State Solution… A Matter of Time، تناولتُ فيه إمكانية التعايش بين الفلسطينيين واليهود ضمن دولةٍ واحدة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والشراكة السياسية، لكنني أرجأت نشره بسبب طبيعة المناخ السياسي آنذاك وهيمنة خطاب الصراع الصفري.
واليوم، وبعد كلِّ ما شهدناه من حروبٍ ومجازر وانسدادٍ سياسي، أعتقد أن فكرة "الدولة الواحدة" لم تعد مجرد حلمٍ طوباوي، بل قد تصبح خيارًا واقعيًّا، خاصةً مع التحولات المتسارعة في الرأي العام العالمي، وازدياد الأصوات اليهودية والغربية المطالبة بإنهاء الاحتلال والتعايش بين الشعبين.
إنَّ مستقبل هذه الأرض التي باركها الله للعالمين لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء والكراهية، بل على العدالة والمصالحة والاعتراف المتبادل، حتى يتمكن الفلسطيني واليهودي من العيش معًا في وطنٍ يتسع للكرامة الإنسانية والسلام.
ختامًا، قد تبدو مثل هذه الأفكار ثقيلةً في زمنٍ ينزف فيه الدم الفلسطيني بغزارةٍ تحت وطأة التطرّف اليميني الصهيوني، لكنني أراها بدايةً لنهاية المشروع الإقصائي، وبدايةً لمسارٍ جديدٍ يقوم على دولةٍ واحدةٍ لكلِّ مواطنيها، تُعيد إلى فلسطين معناها التاريخي بوصفها أرضَ التعايش والتسامح ووطنَ الأنبياء والرسالات.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:16 صباحًا - بتوقيت القدس

وجهة نظر... المؤتمر الثامن لحركة "فتح".. بين إرث التاريخ وتحديات الغد

انتهى المؤتمر الثامن لحركة فتح، لكن الأسئلة الكبرى التي يحملها الفلسطينيون في الوطن والشتات لم تنتهِ بعد.
لقد كان هذا المؤتمر أكثر من مجرد استحقاق تنظيمي داخلي لحركة سياسية عريقة، بل شكّل محطة وطنية مفصلية جاءت في واحدة من أخطر اللحظات التي يمر بها المشروع الوطني الفلسطيني منذ عقود طويلة، في ظل حرب مدمرة على غزة، وانسداد الأفق السياسي، وتراجع اقتصادي غير مسبوق، وانقسامات أرهقت المجتمع الفلسطيني وأضعفت ثقته بكثير من مؤسساته وقياداته.
انعقد المؤتمر بين رام الله وغزة والقاهرة وبيروت، في مشهد استثنائي يعكس طبيعة الحالة الفلسطينية نفسها؛ شعب موزع بين الوطن واللجوء والشتات، لكنه ما زال يحاول أن يحافظ على وحدته الوطنية وهويته السياسية رغم كل ما مرّ عليه من نكبات وحروب ومؤامرات ومحاولات اقتلاع.
ورغم كل ما يمكن أن يُقال عن الظروف المعقدة التي أحاطت بالمؤتمر، فإن مجرد انعقاده بهذا الشكل يُعتبر رسالة سياسية وتنظيمية بأن حركة فتح ما زالت قادرة على الحفاظ على حضورها التاريخي، وعلى استيعاب تناقضاتها الداخلية، وعلى إعادة إنتاج ذاتها في أصعب الظروف.
لقد أُدير المؤتمر بحرفية وخبرة سياسية وتنظيمية واضحة من قبل المناضل الفتحاوي الكبير صخر خلوصي بسيسو “أبو خلوصي”، عضو اللجنة المركزية الأسبق، الرجل الذي ينتمي إلى الجيل الذي عاش البدايات الأولى للحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة، وتشكل وعيه السياسي والنضالي في القاهرة من خلال اتحاد طلبة فلسطين، إلى جانب رفاق المرحلة الأولى الذين أسسوا الاتحاد العام لطلبة فلسطين في العالم.
انتهى المؤتمر… وفاز من فاز بعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وخسر آخرون المنافسة، بينما بقي عدد كبير من أبناء الحركة خارج الهيئة العامة أو خارج دوائر التأثير التنظيمي، لأسباب مختلفة قد يتفق البعض معها أو يختلفون حولها.
لكن في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الأهم أن حركة فتح لم تكن يومًا مجرد انتخابات أو مواقع أو مقاعد تنظيمية. فتح كانت — وما زالت — فكرة وطنية كبيرة، وحركة تحرر وطني حملت حلم الفلسطينيين لعقود طويلة، وقدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى والمناضلين في سبيل بقاء القضية الفلسطينية حيّة في وجدان العالم.
لقد أثبتت حركة فتح عبر تاريخها الطويل أنها ليست مرتبطة بأشخاص مهما كانت رمزيتهم أو مكانتهم الوطنية، بل هي حالة وطنية متجددة استطاعت أن تستمر رغم كل العواصف التي مرّت بها القضية الفلسطينية.
فقد رحل من الرعيل المؤسس قادة كبار صنعوا تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، واغتيل آخرون على طريق النضال الطويل، ودخلت الحركة في محطات صعبة من الانقسام والحصار والاستهداف السياسي والأمني، ومع ذلك بقيت فتح حاضرة في وجدان الفلسطينيين، واستمرت تتحمل مسؤولية المشروع الوطني الفلسطيني في أصعب الظروف وأشدها قسوة.
وعلى مدار العقود الماضية، دخل إلى الحركة أجيال جديدة، وخرج منها آخرون طوعًا أو نتيجة خلافات سياسية أو تنظيمية أو حتى شخصية، فيما تم استبعاد بعض الكفاءات والقيادات بسبب تباينات في وجهات النظر والاجتهادات المختلفة.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُدركها الحركة اليوم، أن المرحلة القادمة تتطلب عقلية استيعاب واحتواء أكثر من أي وقت مضى، لأن قوة فتح التاريخية كانت دائمًا في قدرتها على جمع التناقضات الوطنية تحت سقف واحد، وليس في إقصاء أبنائها أو خسارة كوادرها وخبراتها المتراكمة.
وكان الافتراض الوطني والأخلاقي قبل انعقاد المؤتمر أن تُبذل جهود أكبر لتحقيق مصالحة فتحاوية داخلية شاملة، تفتح الباب أمام مشاركة أوسع لكل أبناء الحركة، بحيث يشعر كل فتحاوي بأنه شريك حقيقي في صناعة القرار وفي تحمل مسؤولية المرحلة المقبلة، لا مجرد متفرج على المشهد.
وأقول ذلك أيضًا من موقعي الشخصي، فأنا كنت ممن تفاجأوا بعدم وجود اسمهم ضمن الهيئة العامة للمؤتمر، رغم تاريخ طويل من الانتماء والعمل الوطني والمهني في خدمة فلسطين ومؤسساتها.
لكنني لم أتعامل مع الأمر بردة فعل شخصية، ولم أنظر إليه من زاوية المكاسب أو المواقع، لأن قناعتي كانت وما زالت أن حركة فتح أكبر من أي فرد، وأن المشروع الوطني الفلسطيني يستحق منا جميعًا أن نرتقي فوق الاعتبارات الشخصية والتنظيمية الضيقة.
وخلال المرحلة التي سبقت انعقاد المؤتمر، عملت مع أطراف عديدة، وبهدوء ومسؤولية، لمحاولة رأب الصدع والتنسيق بين جهات مختلفة داخل الحركة، انطلاقًا من موقعي المحايد، ومن قناعة راسخة بأنه ليست لي مصلحة شخصية إلا أن تبقى فتح قوية وموحدة وقادرة على حمل المشروع الوطني الفلسطيني بكل طاقتها التاريخية والتنظيمية والشعبية.
لقد كنت وما زلت أؤمن أن داخل الحالة الفتحاوية طاقات وطنية هائلة، وكفاءات سياسية ومهنية وتنظيمية كبيرة، بعضها موجود خارج الإطار الرسمي للحركة اليوم، لكنها ما زالت تحمل الراية الفتحاوية الوطنية بإخلاص ومسؤولية، وتملك القدرة على العطاء وتحمل المسؤولية في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ شعبنا الفلسطيني.
ومن هنا، فإن أحد أهم استحقاقات المرحلة القادمة يتمثل في إعادة توسيع المظلة الفتحاوية لتستوعب الجميع، والاستفادة من كل الطاقات والخبرات الوطنية، لأن قوة فتح الحقيقية لم تكن يومًا في الإقصاء، بل في قدرتها التاريخية على احتضان التنوع الوطني الفلسطيني تحت راية واحدة وهدف وطني واحد.
إن الفلسطيني اليوم لا يسأل من فاز بعضوية اللجنة المركزية، بل يسأل: كيف سنوقف نزيف الدم في غزة؟ وكيف سنعيد بناء ما دمرته الحرب؟ وكيف سنحافظ على القدس؟ وكيف سنحمي المشروع الوطني من الانهيار؟ وكيف سنمنع ضياع الجيل الفلسطيني الجديد بين الإحباط والهجرة واليأس؟ وكيف يمكن استعادة ثقة المواطن الفلسطيني بمؤسساته الوطنية والسياسية؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية التي تنتظر الإجابة.
إن المستقبل الفلسطيني لن يُبنى بالعواطف وحدها، ولا بالشعارات وحدها، ولا بالماضي وحده مهما كان مجيدًا وعظيمًا.
الماضي يمنحنا الشرعية التاريخية، والحاضر يفرض علينا مواجهة الحقيقة كما هي، أما المستقبل… فيحتاج إلى شجاعة القرار، وصدق المراجعة، وإرادة التغيير.
وفي النهاية، سيبقى السؤال الحقيقي الذي سيحكم على نجاح المؤتمر ونتائجه ليس من نجح ومن خسر… بل: هل استطاعت فتح أن تفتح باب الأمل مجددًا أمام الفلسطينيين؟ وهل ستكون المرحلة القادمة بداية استعادة المشروع الوطني الفلسطيني، أم مجرد محطة أخرى في طريق الأزمات الطويل؟
وحدها الأيام القادمة ستجيب.
عزام عبد الكريم الشوا
غزة – رام الله – فلسطين


أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس

من الاستقرار إلى الهشاشة: الرواتب المفقودة كجرح نفسي اجتماعي


لا يكشف انقطاع الرواتب أو تقليصها عن أزمة مالية وحسب، بل يكشف عن واحدة من أشد الأزمات النفسية الاجتماعية في السياق الفلسطيني، لأنها تضرب شريحة تُشكّل إحدى ركائز الاستقرار داخل المجتمع الفلسطيني: موظف الخدمة المدنية.
باتت الرواتب المنقوصة والمتأخرة حالةً مزمنة لا استثناءً عارضًا؛ إذ يتقاضى الموظفون منذ سنوات نسباً متفاوتة من رواتبهم. وفي يناير 2026، أعلنت وزارة المالية صرف 2000 شيكل فقط لكل موظف، في مؤشر على تدهور متصاعد، وقد تحوّل خبر موعد صرف الرواتب إلى "خبر عاجل" يتابعه المجتمع بقلق يومي، وهو بحد ذاته دلالة رمزية بالغة على عمق الأزمة.
يرى باندورا في نظريته حول الفاعلية الذاتية أن الإنسان يحتاج، لكي يحتفظ بصحة نفسية متوازنة، إلى إحساس عميق بأن جهوده تُنتج نتائج ملموسة، وأن ما يبذله من طاقة ووقت لهما قيمة حقيقية في العالم من حوله. الموظف الذي يذهب يوميًا إلى عمله، ثم لا يجد في النهاية ما يُغطي به احتياجات أسرته، يعيش كسرًا تدريجيًا لهذه الفاعلية.
ليس الأمر مجرد ضائقة مالية؛ بل هو تفكيك منهجي لمعادلة "الجهد = النتيجة" التي تُشكّل عماد الدافعية الإنسانية، وحين تتكرر هذه التجربة شهرًا بعد شهر وسنةً بعد أخرى، ينتقل الموظف من حالة الإحباط العابرة إلى ما يُعرف بـ "العجز المهني المكتسب"، وهي حالة يتوقف فيها عن الاستثمار الوجداني في عمله، ويفقد الدافعية الجوهرية لأداء مهامه، لأن العقل قد بنى يقينًا راسخًا بأن الجهد لن يُجدي.
على الصعيد الأُسري، يشكل انقطاع الرواتب الزلزال الذي يُهدد التوازن الداخلي، حيث يتخطى أثر انقطاع الراتب حدود الفرد ليضرب الأسرة في صميم بنيتها، فالراتب ليس دخلًا فحسب، بل هو ضمان يومي لإحساس الوالدَيْن بقدرتهما على الحماية والإعالة والدعم، كما أنه في الثقافة الفلسطينية رمز يرتبط بالمكانة الاجتماعية، وعامل ضبط للدور الوالدي في الأسرة، تدني الدخل ليس مجرد غياب دخل؛ هو تفكيك منهجي للهوية المهنية والدور الاجتماعي للإنسان، حين يقف الإنسان لا يجد ما يُطعم به أبناءه، يجري في أعماقه تآكل تدريجي لإحساسه بالكفاءة والقدرة والكرامة. وما يزيد الأمر تعقيداً، الأرقام حول العمالة غير المنظمة، وهي مرادف للهشاشة والتذبذب التي تحرم الإنسان من الشعور بالاستقرار والتخطيط للمستقبل، فكيف يحلم إنسان لا يعرف إن كان سيعمل غدًا؟ كيف يُربّي أبناءه على التفاؤل في ظل مستقبل محاصر بالاحتلال والسياج والحاجز والشك وعدم اليقين؟
حين يعود الأب أو الأم من الوزارة أو المدرسة أو المستشفى برواتب منقوصة أو معدومة، تبدأ سلسلة من التحولات النفسية داخل الفضاء الأسري، حيث تتصاعد التوترات بين الزوجين حول توزيع الموارد الشحيحة، ويتآكل هامش التسامح والتفاهم، ويتضخم الإحساس بالتهديد، وقد رصدت أبحاث الضغوط الاقتصادية وانعكاسها على الديناميكيات الأسرية أن الضغط المالي المزمن يُضاعف معدلات النزاعات الزوجية، ويخفض جودة التواصل العاطفي، ويُضعف المشاركة الوالدية الفعّالة في تربية الأطفال.
أما الأطفال، وهم الأشد تأثرًا، فإنهم يقرأون المشهد بدقة، لأنهم ليسوا متلقين سلبيين؛ فهم يلاحظون القلق والعجز والانكسار في وجوه والديهم. وتُشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين يشهدون ضغطًا ماليًّا حادًّا في أسرهم يُطوّرون مستويات أعلى من القلق، ويُعانون من تراجع في التحصيل الأكاديمي، ومن نمو صورة ذات أقل ثقةً وكفاءةً. ويزيد من مخاطر ذلك أن الطفل لا يملك الأدوات المعرفية لمعالجة ما يراه، ولأن ما يتشكّل في الطفولة المبكرة يُشكّل قاعدة للشخصية المستقبلية، فإن أحد الآثار الأعمق قد يتمثل فيما يُعرف بـ "اضطراب التعلق"؛ فحين يُحطم الوالد نفسيًا أمام عيني طفله، يُصاب نظام التعلق الأساسي بجرح قد يترك آثاره طوال الحياة. فالطفل الذي لا يجد ملجأً آمنًا، وتنهار أمامه صورة القدوة حينما يراها عاجزة، قد يُطوّر استراتيجيات تعلق مضطربة تنعكس على علاقاته الاجتماعية وثقته بالآخر وقدرته على بناء روابط صحية لاحقًا. فالأسرة هي أولى دوائر الحماية النفسية للفرد في أي مجتمع، وهي المستودع الأول للانتماء والأمان. وفي السياق الفلسطيني الحالي، تتعرض البنية الأسرية لضغوط تتراكم حتى تكاد تلغي وظيفتها الأساسية المتمثلة في الحماية.
لا يقف الأثر عند حدود الفرد وأسرته، بل يمتد إلى الأثر المجتمعي، حيث يشكل موظفو الخدمة المدنية مع عائلاتهم شريحة اجتماعية واسعة تربط قطاعات حيوية بالمجتمع: المعلم والأستاذ الجامعي والطبيب والمهندس ورجل الأمن، وحين تُصاب هذه الشريحة بالإحباط المزمن وتتراجع دافعيتها، يتراجع معها جودة الخدمات العامة بشكل تراكمي يصعب قياسه على المدى القريب لكنه يُثقل كاهل المجتمع على المدى البعيد.
ويُفضي انقطاع الراتب أيضًا إلى تآكل الثقة المؤسساتية، حيث يتسرب خطاب اليأس من المؤسسات وينتشر في النسيج الاجتماعي، ويُغذّي ما يعرف بـ "العجز المكتسب على المستوى الجمعي"، فالشعور بأن النظام لا يستطيع، وأن الجهد الفردي لن يُحدث فارقًا، يعد من أخطر الحالات النفسية الجماعية وأشدها ضررًا على مسارات التعافي والتغيير في المجتمعات.
يطرح السياق الفلسطيني الحالي إشكاليةً نفسية عميقة: كيف نستمر في تبني هوية متماسكة في ظل واقع يُهدد استمرارية الوجود ذاته؟
يشير إريكسون إلى "التشتت الهوياتي" بوصفه حالة تنشأ حين يفشل الإنسان في بناء روابط متسقة بين ماضيه وحاضره ومستقبله. وفي السياق الفلسطيني، وتحت واقع استعماري ممتد، يعيش المواطن نوعًا من هذا التشتت: ماضيه مُهجَّر، وحاضره مُقيَّد، ومستقبله مُعلَّق على حواجز ووعود وتسويات لا يملك فيها إرادته.
غير أن الصورة لا تخلو من بُعد آخر هام، هو الصمود الفلسطيني، الذي وثّقته الدراسات بوصفه ظاهرة نفسية-اجتماعية استثنائية تشكّلت في مواجهة واقع طويل من القهر والاقتلاع، حيث رصدت أبحاث الهوية الجماعية كيف يطور الفلسطيني "الصمود الاجتماعي" كمنظومة دفاع جماعية، قائمة على التفاعل اليومي، والتمسك بالأرض والذاكرة، لإنتاج هوية مقاومة للمحو والإزالة والتهجير.
الصمود لا يعني غياب الألم؛ هو قدرة على الاستمرار رغم الألم، ولا يعني الصحة النفسية المطلقة؛ فكثيرون ممن يبدون صامدين يحملون في أعماقهم جراحًا لم تُعالَج، وحري بنا أن نميز بين الصمود الإيجابي (الذي يقوم على المعنى والترابط والانتماء)، والصمود الدفاعي (الذي يقوم على القمع العاطفي والإنكار). كما لا بد من الإشارة إلى "اغتراب المستقبل"، الذي يتشكل حين يفقد الإنسان قدرته على تخيّل مستقبله، وحين يفقد إحدى أهم الدعائم النفسية وهو الأمل.
الصمود في السياق الفلسطيني هو نتاج لمنظومة متكاملةـ، تعكس عمق الانتماء للأرض والمكان، وقوة الترابط الأسري والمجتمعي، والايمان بالحق، والإيمان الديني الذي يُضفي معنى على المعاناة، والذاكرة الجمعية التي تربط الحاضر بتاريخ طويل من التحديات والنضال والبقاء.
وتتشكل درجة الصمود بناء على عوامل قابلة للبناء والتعزيز، ومن أهمها: القدرة على إشباع الحاجات البيولوجية والنفسية، ووجود شبكة دعم اجتماعي، والشعور بالفاعلية الفردية والجمعية، وامتلاك سرديات قادرة على استيعاب المعاناة وتجاوزها، وفي الحالة الفلسطينية، تُشكّل هذه العوامل وقوداً حقيقياً يحول دون الانهيار التام في مواجهة ضغوط وصفتها التقارير الدولية بأنها "غير مسبوقة".
يرى علماء علم نفس الصدمة بأن التعافي ممكن، لكنه يحتاج وقتًا وأمانًا وموارد، فالإنسان لا يتعافى في وسط الحريق؛ بل حين تنطفئ النار. وما يُميّز الجرح الفلسطيني أن نيرانه لم تنطفئ بعد، وأن ما يحدث في ظلها من صمود وتماسك واستمرار هو، في حد ذاته، شهادة على شخصية لا تُكسر.
الصمود لا يعني غياب الألم، ولا يعني غياب الحاجة للشفاء، بل هو توصيف لأزمة إنسانية غير مسبوقة تحتاج إلى استجابات جادة وعاجلة، محلية وإقليمية ودولية، لإنقاذ شعب يرزح تحت الاحتلال والحصار منذ عقود، غير أن حصاره الحالي قد يكون الأخطر والأكثر تأثيراً على الإنسان والمجتمع والقضية.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤتمر "فتح": بقاء القديم السياسي على قدمه


 انتهى المؤتمر الثامن لحركة فتح وسط اهتمام واسع، ليس فقط لأنه مؤتمر الحركة الأكبر في الساحة الفلسطينية، بل لأنه انعقد في لحظة استثنائية تمرّ بها القضية الفلسطينية والمنطقة. ولذلك، لا ينبغي أن يقتصر تقييم المؤتمر على نتائجه التنظيمية أو أسماء الفائزين والخاسرين، فهم ليسوا أصحاب القرار الفعلي، بل يجب أن ينطلق من سؤال أعمق: هل نجح المؤتمر في تقديم إجابات جديدة عن أسباب و(جذور) المأزق العميق والمركّب الذي تعيشه الحركة والنظام السياسي الفلسطيني وكيفية تجاوزه؟
من الناحية التنظيمية، يمكن القول إن المؤتمر نجح في الانعقاد وإعادة إنتاج المؤسّسات القيادية للحركة، لكن القديم السياسي بقي على قدمه رغم التجديد الكبير في بعض الأسماء، فتغيير الأشخاص لم يترافق مع تغيير المسار السياسي والأداء، ولا مع حلول أشخاصٍ يتبنّون بديلا عما هو قائم مستعدّين للكفاح من أجله، بل معظم الجدد قدامى. وحقيقةً إن المؤتمر أكد، في تبنّيه خطاب الرئيس محمود عباس الذي أُلقي في افتتاحه، الاستمرار في الطريق نفسه الذي أوصلنا إلى الكارثة التي نعيشها. فلم يشهد المؤتمر أي حوارٍ بشأن البرنامج السياسي أو أي قضية، خلافا لتلك المتعلقة بالتنافس على المواقع والنفوذ والفوز في عضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري، ولم يشهد مراجعة عميقة ولا غير عميقة لمسيرة الحركة منذ المؤتمر السابق، ولم يتوقف أمام الفرص الضائعة، ولا أمام حقيقة أين تقف القضية الفلسطينية اليوم، وما يحيط بها من تحدّيات ومخاطر وجودية وفرص متاحة.
مال مؤتمر "فتح" إلى إعادة ترتيب التوازنات الداخلية أكثر من إحداث تحول سياسي أو فكري حقيقي، فلم يقدّم حلاً للمأزق، وإنما كشفه وعمّقه أكثر
ويتجلى هذا بصورة خاصة في ما يجري في قطاع غزّة، الذي يعيش نكبة جديدة وحرباً عدوانيةً مستمرّة حتى في أثناء الهدنة، وسط محاولات فرض وصاية استعمارية عليه تسمّى زوراً مجلس سلام، بغطاء فلسطيني وعربي ودولي. وفي الضفة الغربية، يتسارع الضم الفعلي وفرض السيادة الإسرائيلية، في ظل صمت دولي وعربي، واعتماد استراتيجية فلسطينية عقيمة تقوم على البقاء والانتظار وسحب الذرائع والنأي بالنفس، رغم أنها لم تحقق أهدافها. وفي الداخل الفلسطيني، تتغوّل الجريمة المنظّمة وتتعمّق السياسات العنصرية.
لذلك، لا مغزى كبيراً لسقوط رموزٍ من الحرس القديم، أو لعدم ترشح بعض القيادات التاريخية، إذا لم يُطرح بديل قادر على تجاوز المأزق من خلال بلورة رؤية شاملة واستراتيجيات جديدة وقيادة ترتقي إلى مستوى اللحظة التاريخية، فلا قيمة لأشخاصٍ جدد مع أهمية البعد النضالي والرمزي الذي يعكس استمرارا لبعض ما كانت تشكله "فتح"، لكن من دون رؤية وأداء جديدين، ومن دون تمكينهم فعليّاً من القيادة بتوفير المتطلبات والمهارات المطلوبة لقيادات المرحلة الجديدة التي تشكل أخطر مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية.
صحيح أن عقد المؤتمر بحد ذاته ليس أمراً بسيطاً في الظروف السياسية والأمنية والداخلية المعقدة، كما أنه أظهر استمرار قدرة "فتح" على الحفاظ على تماسكها النسبي، رغم حالة التراجع التي تعاني منها منذ توقيع اتفاق أوسلو، الذي دشّن مسيرة تحوّلها من حركة تحرر وطني إلى حزب سلطة تحت الاحتلال. وقد وصلت هذه المسيرة إلى مرحلة إدارة السكان تحت الاحتلال، من دون إرادة و رؤية أو مقاومة مناسبة للمرحلة الحالية أو خطة عملية لإنهاء الاحتلال وتجسيد استقلال دولة فلسطين، أو حتى تبني خيار بديل.
لقد أصبح بقاء السلطة، وبقاء القيادة تحديداً، الهدف الفعلي، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وهذا رغم التباينات والخلافات الداخلية المرشّحة للتفاقم بعد المؤتمر، خصوصاً في ظل ما جرى منذ المؤتمر السابق من تهميش للحركة، واختيار اللجنة التحضيرية (ضمت كثيرين من المرشّحين أنفسهم) أعضاء المؤتمر الذين سينتخبونها لاحقاً، بما يمسّ بمصداقية المؤتمر وشرعيته.
وعكس المؤتمر استمرار مركزية فتح داخل النظام السياسي الفلسطيني، وأنها لا تزال الإطار الأكثر تأثيراً داخل السلطة ومنظّمة التحرير، مع تغير واضح في موازين القوى الداخلية. فمثلاً، فاز ماجد فرج في المرتبة الثانية بعد الأسير القائد مروان البرغوثي، وفي المرتبة الثالثة جبريل الرجوب والرابعة حسين الشيخ نائب الرئيس، والخامسة ليلى غانم والسادسة محمود العالول نائب رئيس الحركة. وهذه النتائج زائد  سقوط أعضاء، منهم رئيس المجلس الوطني وأمين سر اللجنة التنفيذية وعضو فيها، ما قد يعيد النظر في تمثيلهم ومواقعهم داخل "فتح" والسلطة والمنظّمة، ولم يفز أي مرشح من خارج فلسطين رغم أن نصف الشعب الفلسطيني في الشتات، ما يعكس سطوة مراكز القوة والنفوذ والمال والأمن داخل السلطة وجهازها البيروقراطي على الحركة. كذلك لوحظ اختلال واضح في تمثيل المحافظات، حيث نالت رام الله الحصّة الأكبر، تلتها نابلس، بينما حصلت الخليل، وهي أكبر المحافظات، على تمثيل محدود، وكذلك الحال بالنسبة إلى قطاع غزّة قياساً بحجمه ودوره.
لكن "النجاح التنظيمي" لا يكفي للحكم على نجاح المؤتمر سياسيّاً أو وطنيّاً. فالأزمة الأساسية التي تواجه الحركة ليست أزمة انتخابات داخلية فقط، بل أزمة مشروع وطني ودور ووظيفة، وأزمة منظّمة مغيبة وسلطة على حافة الانهيار.
ولذلك السؤال الحقيقي: لماذا لم يُجر المؤتمر مراجعة سياسية عميقة للتجربة السابقة؟ والجواب، لأن المراجعة الجادّة ستقود إلى تغيير المسار، وهذا يعني مواجهة مع الاحتلال، وما تتطلبه من أثمان، مع أن بالإمكان وضروري انتهاج مقاومة بتكلفة معقولة. ولماذا لم يطرح رؤية جديدة تتناسب مع التحولات الجارية رغم الطريق المسدود الذي وصلنا إليه، تعطي الوحدة الوطنية على الهدف أو الأهداف الممكن الاتفاق عليها، وكيفية تحقيقها الأهمية التي تستحقها، ولا تفسير لعدم الاستجابة لذلك إلا تغليب المصالح الفردية على المصلحة العامة؟ وهو السبب الذي يفسّر عدم وجود نية فعلية لتحقيق أوسع قدر من المشاركة السياسية من خلال تغيير آلية اتخاذ القرار داخل فتح، وبالتالي داخل السلطة والمنظّمة، حيث تتركز السلطة والقرار عمليّاً بيد الرئيس وعدد محدود من المساعدين، بعيداً عن المؤسّسات، ومن دون تغيير آلية صنع القرار فلا تقدّم يمكن أن يحدث؟
التزاحم الكبير على عضوية المؤتمر والترشّح لعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري لا يدل على الحيوية وإنما على فقدان الثقة في القيادة وانخفاض المعايير
فبعد الانقسام الفلسطيني، تفاقم المأزق السياسي بشدّة، فقد جرى حل المجلس التشريعي، وجُمعت السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بيد شخص واحد، وليس فصيلاً واحداً، بحيث أصبح من الصعب القول إن "فتح" هي التي تقود السلطة؛ إذ بات الرئيس يدير السلطة عبر شبكة من الأفراد، بعضهم من "فتح" وآخرون من خارجها، باسم الحركة وتوظيفاً لثقلها الشعبي وتاريخها النضالي. ولو كان الحوار والتنافس داخل المؤتمر يدوران فعلاً حول الأفكار والبرامج والخطط، لما كانت الجهة الجغرافية التي ينتمي إليها الفائزون ذات أهمية كبرى، لأن المفترض أنهم جميعاً ينفذون مهمات مرتبطة بالمشروع الوطني ومشتقاته، لا بخدمة مناطقهم أو محاسيبهم أو "السحيجة". أما عدم مشاركة ما يُعرف بالتيار الإصلاحي في المؤتمر، فيرتبط على الأرجح ليس بالخلاف حول الخيارات، وإنما على المراكز والنفوذ، وبوزنه الداخلي وعلاقاته الإقليمية، وما يمكن أن تسبّبه مشاركته من تغيير في التوازنات، خصوصاً في سياق الصراع على الخلافة والخلفاء.
من أبرز التحوّلات التي شهدتها "فتح" انتقالها من حركة واسعة منفتحة تشبه الشعب الفلسطيني، وتضم اتجاهات فكرية وسياسية متعدّدة، يجمعها الهدف الوطني والمرونة الواقعية، إلى حزب سلطةٍ لا يتّسع للخلافات وصراع البرامج والأفكار بحيث بات هناك توجّه سياسي واحد، يُسمح بالخلاف فقط على هوامشه، لا معه أو مع بديله. ويبدو أن هذا النموذج يُراد تعميمه على مجمل الحياة السياسية الفلسطينية، عبر قوانين وإجراءات تحدّ من التعدّدية والمشاركة السياسية، وتفرض الالتزام ببرنامج القيادة والتزاماتها، رغم أن المجلسين، الوطني والمركزي، اتّخذا سابقاً قرارات بإعادة النظر في هذه الالتزامات.
إذا استمرّ هذا المسار، فإنه يهدّد الحياة السياسية الفلسطينية، ويخفّض سقف الاهتمام العام إلى القضايا الخدماتية والمحلية، ويقضي على التعدّدية التي شكلت دائماً مصدر قوة ومناعة وتطور واستمرارية القضية الفلسطينية.
ولعل أكثر ما عكس هذا المنحى "المبايعة" التي حصل عليها الرئيس في بداية المؤتمر، عبر تزكية رئاسته بالتصفيق لا بالاقتراع السري، ومن دون تقديم كشف حساب عن المرحلة السابقة، أو فتح باب المنافسة. وكان يفترض، سياسيّاً وتنظيميّاً، أن يتم ذلك في نهاية المؤتمر لا في بدايته، بعد تقييم التجربة السابقة وما حملته من إخفاقات سياسية واقتصادية وديمقراطية ومؤسساتية. وما جرى يمثل إعادة إنتاج لأسوأ نماذج الأنظمة والأحزاب الفردية.
ومن مظاهر التدهور التزاحم الكبير على عضوية المؤتمر والترشّح لعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري، فهذا لا يدل على الحيوية وانما فقدان الثقة بالقيادة وانخفاض المعايير والمستوى، بحيث يجد كثيرون أنهم جديرون بتبوؤ أعلى المناصب التي كانت تكليفاً ومسؤولية كبيرة، وليست تشريفاً ومغانم ومزايا كبيرة.
وفي هذا السياق، يبرُز موضوع ترشّح نجل الرئيس،  وقد اعتمد بصورة أساسية على نفوذ والده، كما أظهرت الحملة الانتخابية والاستقبالات الرسمية ودعم بعض الأجهزة والمؤسّسات والأقاليم له. وهذا يفتح الباب أمام مخاوف جدّية من التوريث السياسي، وهي ظاهرة دفعت أثمانها الباهظة دول عربية عديدة. صحيح أن هناك معارضة داخلية وخارجية لهذا التوجه نحو التوريث، ما يعكس أن طريقه ليست سهلة، لكن مجرّد طرحه يعكس طبيعة المأزق البنيوي العميق الذي وصلت إليها الحركة والنظام السياسي. ولا يكفي هنا الحديث عن غياب الفساد كما جاء في خطاب الرئيس، بينما مظاهره واضحة في مجالات عديدة.
لقد مال المؤتمر، في جوهره، إلى إعادة ترتيب التوازنات الداخلية أكثر من إحداث تحول سياسي أو فكري حقيقي، وهذا أدّى إلى أن المؤتمر لم يقدّم حلا للمأزق، وإنما كشفه وعمّقه أكثر. صحيح أن الخطابات والوثائق أكدت الثوابت الوطنية وضرورة مواجهة الاحتلال، لكن هذا لا يكفي من دون توضيح كيف سيتم، خصوصاً بعد انهيار عملي لمسار التسوية من دون تبنّي مسار آخر، واستمرار مخطّط الضم والتهجير والإبادة والفصل العنصري والاستيطان، وفصل القدس عن محيطها، وتعميق فصل الضفة الغربية عن قطاع غزّة، وتقويض أي دور سياسي للسلطة في الضفة وتدمير السلطة في غزّة.
لقد آن الأوان لمغادرة الأوهام من كل الأنواع، والكفّ عن التنازلات السياسية، وعن المغامرات العسكرية، لمصلحة خيار وطني واقعي وطني ثوري مقاوم، يجمع بين التمسّك بالحقوق ورؤية الواقع والقدرة على الفعل والتأثير، بعيداً عن الإمعان في الواقعية بعيداً عن الخيال والطموح والنضال، وعن التحليق بالخيال والمغامرة بعيداً عن الواقع.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن مجرّد انعقاد المؤتمر في هذه المرحلة يحمل دلالة مهمة، لأن حركة فتح تدرك أن استمرار الجمود لم يعد ممكناً، وأنها تواجه تحدّيات وجودية حقيقية بفعل التحوّلات الإقليمية والدولية والتغيرات داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، ولكنها لا تملك الوعي والإرادة لبلورة البديل القادر على مواجهتها والانتصار عليها. لذلك يمكن النظر إلى المؤتمر باعتباره محاولة فاشلة لاحتواء المأزق وتأجيل الانفجار، أكثر منه نقطة تحوّل حاسمة.
في المحصلة، نجح المؤتمر في الحفاظ على استمرارية الحركة ومؤسساتها، لكنه لم ينجح في استعادة ألقها ووحدتها ودورها النضالي، ووقف النزيف والتراجع والشرذمة وإقصاء الكفاءات والمناضلين والابتعاد عن الشعب والانفصال عن الواقع، ولم يقدّم بديلاً أو اختراقاً سياسيّاً أو فكريّاً حقيقيّاً. وبقيت الأسئلة الكبرى مفتوحة: كيف تستعيد "فتح" دورها حركة تحرّر؟ وهل ما زال هذا ممكناً أم أن الوقت أصبح متأخراً؟ وكيف يمكن إحياء منظّمة التحرير التي تعيش في غرفة العناية المشدّدة؟ وكيف يمكن إعادة بناء العلاقة مع المجتمع، وتوفير مقوّمات الصمود الفاعل والبقاء على أرض الوطن، وتعزيز وحدة الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه وإحياء المنظمة، وتحقيق التوازن بين متطلبات الحركة والسلطة والمنظّمة ومتطلبات المشروع الوطني؟
لم تُطرح هذه الأسئلة داخل المؤتمر، وبالتالي لم تُحسم، لكن طرحها وتقديم الجواب المناسب عليها سيظلّان العامل الحاسم في تحديد مستقبل الحركة، وربما مستقبل النظام السياسي الفلسطيني كله خلال السنوات المقبلة.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس

انتخاب مروان البرغوثي أثبت أهمية انعقاد مؤتمر "فتح"


اختُتم المؤتمر الثامن لحركة "فتح"، الحركة الرائدة في منظمة التحرير الفلسطينية، الذي عُقد في رام الله الأسبوع الماضي بانتخاب أعلى هيئة في الحركة، وهي اللجنة المركزية المكونة من 18 عضواً، وهيئتها التشريعية، المجلس الثوري لحركة فتح المكون من 80 عضواً.
وقد كُتب الكثير عن افتقار حركة فتح استراتيجية سياسية واضحة للتحرير، وعن الجهد الذي بذله لتوجيه الانتخابات بما يخدم السلطة الحاكمة في رام الله، إلا أن هناك نتيجة واحدة لا جدال فيها، وهي فوز مروان البرغوثي المسجون وبعض أبرز مؤيديه.
ورغم وجوده في السجن، فقد حصل البرغوثي على أعلى عدد من الأصوات في انتخابات اللجنة المركزية - 1879 صوتاً من أصل 2514 - بينما حصدت زوجته، فدوى البرغوثي، ثاني أعلى عدد من الأصوات في انتخابات المجلس الثوري لحركة فتح بعد دلال صائب عريقات. كما حقق عدد من السجناء والمفرج عنهم حديثًا نجاحًا ملحوظًا.
هذه ليست نتائج رمزية، بل هي تذكير بأن البرغوثي، بعد أكثر من عقدين على اعتقاله، لا يزال الشخصية الأبرز في السياسة الفلسطينية.
وبينما تتجنّب إسرائيل والولايات المتحدة (بناءً على طلب إسرائيل) القيادة الفلسطينية إلى حد كبير (باستثناء التنسيق الأمني)، فإن حقيقة حصول زعيم شعبي ونزيه على هذا العدد الكبير من الأصوات رغم سجنه تُفنّد الأعذار الإسرائيلية الأمريكية المتكررة لعدم التواصل مع القيادة الفلسطينية.
بالنسبة لحكومة نتنياهو المتطرفة، تُعدّ حماس أسهل بكثير لشيطنة صورة الفلسطينيين من القادة المعتدلين، سواء كان الرئيس محمود عباس أو البرغوثي.
تتجاوز شعبية البرغوثي حركة فتح، والفلسطينيين عمومًا، إذ يُردد مؤيدوه وجماعات التضامن العالمية دعم مشابه لما حظي به نيلسون مانديلا، زعيم جنوب إفريقيا، أثناء سجنه لفترة مماثلة.
ما لا يعرفه الكثيرون هو أن البرغوثي، أثناء وجوده في السجن، كان له تأثير إيجابي على العديد من زملائه السجناء، بمن فيهم المتشددون. في مايو/أيار 2006، أطلق برغوثي "وثيقة السجناء" التي أقنع قادة حماس والجهاد الإسلامي بالتوقيع عليها. دعت الوثيقة إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود يونيو/حزيران 1967، متجاهلةً دعواتهم لإقصاء إسرائيل.
لم يتخلَّ البرغوثي قط عن موقفه المعتدل، رغم الاعتداءات والإهانات المتواصلة التي تعرّض لها من حراس إسرائيليين وسياسيين أثناء وجوده في السجن.
في العديد من المقابلات التي بثّها عبر أصدقائه ومحاميه، أصرّ البرغوثي على ضرورة قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وبصفته متحدثًا باللغة العبرية بطلاقة نتيجة عقود قضاها في السجون الإسرائيلية، يُمكنه أن يُقدّم أكثر من أي شخص آخر عرضًا لضرورة التوصل إلى تسوية تفاوضية قائمة على حل الدولتين واستراتيجية سلمية لتحرير فلسطين. فلا عجب إذن أن نحو 160 دولة من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة قد اعترفت بفلسطين على حدود يونيو/حزيران 1967.
قد تكون هذه أوقاتًا عصيبة على البرغوثي، إذ يُحتجز في عزلة تامة ويعجز عن التواصل مع العالم، لكن نجاحه في مؤتمر فتح يبعث برسالة مفادها وجود قيادة فلسطينية نزيهة وجادة ومعتدلة.
ليس من الضروري أن يكون الشعب تحت الاحتلال ديمقراطيًا بالكامل لينال حريته من محتل أجنبي غير شرعي. ومع ذلك، يُسجل للرئيس عباس أنه نفّذ جميع وعوده التي قطعها في نيويورك في سبتمبر الماضي، رغم منعه ظلمًا من حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة شخصيًا. وقد أثبتت جهود إسرائيل والولايات المتحدة لرفض هذه الإصلاحات أنها محاولة لتبرير استمرار رفض متطلبات مفاوضات السلام.
حققت المبادرة الفرنسية السعودية المشتركة، المعروفة باسم التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين، نتائج مبهرة فيما يتعلق بالاعتراف بفلسطين (رغم تعنّت ألمانيا ورفض رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ورئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان). إلا أن عملية الاعتراف تتطلب أيضًا التواصل مع الجيل الجديد من القادة الفلسطينيين الذين برزوا من خلال جهود الإصلاح المختلفة.
أجرت فلسطين انتخابات بلدية ناجحة، بما في ذلك انتخابات مدينة غزة، الشهر الماضي، مؤتمر حركة فتح الأسبوع الماضي. ومن المتوقع في الخريف أن تُنهي تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني الجديد المقلص عددًا. ويتبع ذلك إقرار دستور فلسطيني، مما يمهد الطريق لانتخابات تشريعية ورئاسية.
وحتى لو لم يُفرج عنه بحلول ذلك الوقت، فمن المؤكد أن البرغوثي سيُنتخب رئيسًا لفلسطين.
في الوقت الراهن، من غير المقبول الاستمرار في عزل وإذلال الزعيم الفلسطيني، المحتجز في سجون الاحتلال الإسرائيلي الذي يرفض الاعتراف بحقه في محاكمته وسجنه.
يقع على عاتق كل من يهتم بصدق بحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي التواصل مع البرغوثي وزوجته. يجب تمكين الجيل الجديد من القادة الفلسطينيين المقربين منه، مثل جبريل الرجوب من منطقة الخليل و زكريا الزبيدي الذي أُفرج عنه مؤخرًا من جنين، وآخرين لقيادة فلسطين ما بعد عباس بثقة واعتدال وإصرار على حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة.


عن موقع "عرب نيوز" بالإنجليزي  

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:11 صباحًا - بتوقيت القدس

"الحجر مطرحه قنطار".. قراءة نقدية في مقال د. فواز عقل حول التعليم وبناء الوعي


يأتي مقال الدكتور فواز عقل المعنون "الحجر مطرحه قنطار" بوصفه نصاً تربوياً-ثقافياً يتجاوز حدود المقالة التقليدية، ليقدّم محاولة جادة لإعادة الاعتبار لفكرة الإنسان بوصفه محور العملية التعليمية وركيزتها الأساسية. فالمقال لا يناقش التعليم بوصفه منظومة تقنية مرتبطة بالمناهج والامتحانات فحسب، بل يتعامل معه باعتباره مشروعا أخلاقياً وحضارياً لبناء الإنسان القادر على حمل الدور والمسؤولية.
تكمن قوة المقال في أنه يستعيد الحكمة الشعبية الفلسطينية ويحوّلها إلى مدخل فلسفي لفهم قيمة الفرد داخل المجتمع ، فالحجر لا يستمد قيمته من مادته الجامدة، بل من موضعه ووظيفته وعلاقته بالبناء الكلي. وهنا ينجح الكاتب في نقل المثل الشعبي من فضائه الريفي البسيط إلى فضاء فكري معاصر يتصل بقضايا التعليم والهوية والتنمية والوعي.
كما يُحسب للمقال اعتماده على سرديات رمزية ذات أثر عميق، خصوصاً استحضار قصيدة "الحجر الصغير" للشاعر إيليا أبو ماضي، والتي استخدمها الكاتب بذكاء لتوضيح خطورة شعور الإنسان بالتهميش أو انعدام القيمة. فحين يفقد الفرد إحساسه بالجدوى، لا ينسحب وحده من المشهد، بل قد ينهار جزء من البناء الاجتماعي معه. وهذه فكرة بالغة الأهمية تربويا ونفسيا، خاصة في المجتمعات المأزومة التي تعاني من الإحباط الجمعي والتآكل التدريجي لرأس المال الاجتماعي.
ويُسجل للمقال أيضاً تأكيده المستمر على مركزية المعلم الملهم، لا المعلم الناقل للمعلومة فقط. فالكاتب يرفض اختزال العملية التعليمية في التلقين، ويقترب من التصورات التربوية الحديثة التي ترى أن وظيفة التعليم هي بناء الإنسان القادر على التفكير النقدي والتكيّف والإبداع. وهذا ينسجم مع التحولات العالمية في فلسفات التعليم المعاصر، التي انتقلت من "اقتصاد المعرفة" إلى "اقتصاد الابتكار"، ومن تخزين المعلومات إلى إنتاجها.
غير أن المقال، رغم ثرائه الإنساني والأخلاقي، كان بحاجة إلى تعميق بعض الجوانب البنيوية التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن أزمة التعليم في السياق العربي والفلسطيني تحديدًا. فالمشكلة ليست فقط في غياب المعلم الملهم أو العقل النقدي، بل أيضاً في البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تنتج نموذج التعليم نفسه.
لقد ركّز المقال على الفرد بوصفه محور التغيير، لكنه لم يمنح الاهتمام الكافي لبنية النظام التعليمي ذاته: المناهج، سياسات التقييم، مركزية الامتحان، هشاشة التمويل، الفجوة الرقمية، وضعف الحريات الأكاديمية، وتراجع مكانة البحث العلمي. فحتى أكثر المعلمين إلهاما قد يتحول إلى موظف منهك داخل نظام لا يكافئ الإبداع، ولا يسمح بالمبادرة، ولا ينتج بيئة تعلم حقيقية.
كما أن المقال، رغم إشادته بالتجربة الصينية، قدّمها بصورة تبسيطية إلى حد ما. فصعود الصين لم يكن نتاج "بناء الإنسان" فقط، بل جاء نتيجة مشروع دولة طويل الأمد جمع بين التخطيط الاستراتيجي، والاستثمار الهائل في البحث العلمي، وربط الجامعات بالصناعة، وتحويل التعليم إلى جزء من مشروع السيادة الوطنية. وبالتالي فإن استنساخ التجارب الناجحة ل يكون  بفهم الشروط التاريخية والسياسية والاقتصادية التي صنعتها.
ومن النقاط التي تستحق الإضافة أيضاً أن المقال تعامل مع التعليم بوصفه أداة للنجاة والتقدم، لكنه لم يتوقف بما يكفي عند التعليم بوصفه أداة للتحرر الوطني والاجتماعي، خاصة في الحالة الفلسطينية. ففي السياقات القسرية والاستعمارية، لا يصبح التعليم مجرد وسيلة للصعود الاجتماعي، بل يتحول إلى فعل مقاومة وصمود وحماية للوعي الجمعي من التفكك. وهذا البعد بالغ الأهمية في فلسطين، حيث تُستهدف المدرسة والجامعة والمعرفة أحيانا بوصفها جزءًا من معركة الوجود ذاتها.
كما أن الحديث عن "الطالب الذي يسأل ويحاور ويبتكر" يبقى ناقصا إذا لم يرتبط بحرية التفكير وبيئة ديمقراطية داخل المدرسة والجامعة. فلا يمكن إنتاج عقل نقدي داخل فضاء يخاف السؤال أو يعاقب الاختلاف أو يقدّس التلقين باسم الانضباط.
ومع ذلك، يبقى المقال محاولة فكرية وتربوية مهمة تستحق التقدير، لأنه يعيد النقاش إلى جوهر القضية: الإنسان. ففي زمن أصبحت فيه العملية التعليمية محكومة بالأرقام والامتحانات والمؤشرات التقنية، يذكّرنا د. فواز عقل بأن التعليم الحقيقي يبدأ حين يشعر الإنسان أن له قيمة، وأنه "حجر في مكانه الصحيح"، وأن غيابه قد يترك فراغا يهدد البناء كله.
إن أخطر ما تواجهه مجتمعاتنا اليوم ليس نقص المعلومات، بل تآكل الوعي. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة تحديث مناهج، بل معركة إعادة بناء الإنسان القادر على التفكير، والانتماء، والمبادرة، والمسؤولية. وحين ينجح التعليم في إنتاج هذا الإنسان، يصبح الحجر فعلًا "قنطارًا" في ميزان الأمم.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:10 صباحًا - بتوقيت القدس

بين عجز الحكومة ووجع المواطن


تكفي زيارة واحدة إلى أي مستشفى حكومي أو أي مديرية صحة في المحافظات لتلمّس حقيقة تهاوي القطاع الصحي، فبين إضرابات الأطباء وتوقف الرعاية الصحية إلا في الحالات الحرجة، وبين النقص الحاد في توفر الأدوية العلاجية، يقف المواطن شاكيًا أمراضه وباكيًا من شدة أوجاعه، ولا أحد يلتفت لحاجته إلا في أدنى الحدود، والكل يعزو السبب إلى الحكومة وعدم معالجتها للقضايا الطبية وعدم الإيفاء بالتزاماتها تجاه القطاع الصحي، بينما الحكومة تتذرع بالحصار المالي المفروض عليها وقرصنة الاحتلال لأموال الضرائب. وبين شكوى الأطباء وشكوى الحكومة وشكوى المواطن، الذي من أساسيات حقوقه تلقي الخدمة والرعاية الطبية، نبقى ندور في حلقة مفرغة تكاد لا تنتهي ولا تتوقف، في ظل انعدام الخطط التي من شأنها معالجة هذه القضية الهامة والأزمة المتفاقمة، فلا يعقل أن يصل الحال إلى هذا الواقع ولا أحد يقدم حلولًا تجنبًا للكوارث الصحية.
بالنظر إلى الواقع، فكل القطاعات تنذر بالكارثة، فالقطاع التعليمي والقضائي بنفس المستوى من الأهمية مع قطاع الصحة والأمن، فكيف لقاضٍ أن يحكم بين الناس وهو جائع؟ وكيف لمعلمٍ يعطي العلم وأطفاله جائعون ولا يجد في جيبه ثمن ربطة خبز؟ وكيف لرجل الشرطة أن يواصل عمله للحفاظ على أمن الناس وممتلكاتهم وهو لا يجد ثمن وجبة طعام لأبنائه؟
إنها معجزة المجتمع الفلسطيني، فمنذ أكثر من ثلاث سنوات وهو يصدق الحكومة السابقة والحكومة الحالية ويجد لهما الأعذار، وقد منحهما أكثر من ثلاثين شهرًا ويزيد لكي تضعا الخطط وتجدا الحلول، وما كان يجد غير الوعود المؤجلة، والتي لم تصدق حتى اليوم.
إن الواقع الذي تهرب من مواجهته الحكومة تحت ذرائع قرصنة الاحتلال لأموال الضرائب، وما تقدمه من أعذار، لم يعد يفضي إلى شيء، خاصة وأن القطاعات الأخرى بدأت تتهاوى، مثل القطاع الخاص الذي يُعتبر القطاع الثاني بعد القطاع الحكومي من حيث الأهمية. وبالنظر إلى ارتفاع معدل البطالة غير المسبوق، وانعدام الرؤى لمستقبل الشباب الصاعد الذي بات يتخرج من الجامعات ولا يجد عملًا، ومع كل عام نجد هذه الأعداد في ازدياد، حتى بات التعليم استثمارًا خاسرًا، وبات حملة الشهادات الجامعية عنوانًا واضحًا للبطالة في مختلف التخصصات.
كل المحاولات حتى اليوم فشلت، لأن الاجتهاد الفردي غير نافع، والكل يذكر اجتهادات وزير التعليم حول نظام التوجيهي الذي اسماه الإنجاز واللابتوب التعليمي وما أن استقالت الحكومة حتى التغت الفكرة، كما ذهبت مع الريح صوامع القمح وعناقيد الزراعة والصناعة والسياحة، واليوم نتذكر ذلك مع اجتهاد  المحفظة المالية .
وبالعودة إلى القطاع الصحي فإن المواطن لا يقدر على انهيار الرعاية الطبية لأن مآلاتها خطيرة وتهدد المجتمع برمته، فهل من خطة عاجلة لدرء الخطر؟


أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

الخط الأصفر من غزة إلى لبنان.. هندسة الإبعاد وإعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة

ليست كل الخطوط التي ترسم على الخرائط مجرد حدود تفصل بين دولتين ولا هي دائمًا انعكاس لاتفاقيات دولية أو تفاهمات قانونية فبعضها يولد في قلب المعركة وتثبت تحت وقع القصف ويتحول مع الوقت إلى واقع مفروض يختزل موازين القوة أكثر مما يعكس أي شرعيه.. ما يعرف بـ «الخط الأصفر» يندرج ضمن هذا النوع من الخطوط التي لا ترى فقط بالحبر بل ترسم بالدم والنار وتحرس بالخوف وتدار كأداة لإعادة تشكيل المكان والإنسان معًا.

من قطاع غزة حيث تتغير حدود الحركة والحياة وفق إيقاع العمليات العسكرية الصهيونية إلى جنوب لبنان حيث أعاد الاحتلال «الإسرائيلي» إنتاج مفهوم الخط الفاصل (الأصفر) بطريقة تبعد السكان وتمنعهم من العودة إلى منازلهم وقراهم  حيث  يتكرر النمط ذاته بوجوه مختلفة فالقصف يسبق التهجير والتهجير يتبع بخط يمنع العودة والخط يتحول تدريجيًا إلى قاعدة تدار سياسيًا كواقع قابل للاستمرار.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن «خط أمني» تعبيرًا عن مشروع أوسع يسعى لإعادة تعريف العلاقة بين الأرض وسكانها.

هذه الخطوط تعيد طرح أسئلة مهمه تتجاوز اللحظة الراهنة: هل يمكن تحويل الإجراءات العسكرية المؤقتة إلى حدود دائمة وأمر واقع يفرض، وهل يمكن للزمن أن يضفي شرعية على واقع فرض بالقوة والأهم كيف تتعامل المجتمعات المتضررة مع هذه التحولات بين ضغط الواقع وإرادة البقاء هنا يتحول «الخط الأصفر» من مجرد رسم جغرافي إلى مدخل لفهم أعمق لطبيعة الصراع بوصفه صراعًا على الوجود، قبل أن يكون صراعًا على الحدود.

في قطاع غزة تتجلى سياسة الخطوط المتحركة بأوضح صورها فالمناطق التي تصنف فجأة كمناطق عسكرية مغلقة أو تدرج ضمن نطاقات الإخلاء لا تعود كما كانت بسهولة يبدأ الأمر بعملية عسكرية أو تصعيد ميداني تفرض خلاله أوامر نزوح واسعة، ثم تتكرس هذه الأوامر عبر واقع جديد يمنع السكان من العودة سواء بفعل استمرار العمليات أو بحجج أمنية متكررة، وبهذا تتحول مساحات كاملة من مناطق مأهولة إلى فراغات جغرافية تعاد هندستها بما يخدم المصالح العسكرية.

هذا النمط لا يمكن فصله عن إستراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة توزيع السكان داخل مساحة محدودة أصلًا ما يخلق ضغطًا هائلًا على البنية التحتية والخدمات ويضعف القدرة المجتمعية على الصمود طويل الأمد فكل منطقة تفرغ من سكانها تمثل خسارة مكانية واقتصادية واجتماعية وثقافية، حيث تنقطع الروابط بين الإنسان ومحيطه وتفكك الشبكات التي تبقي المجتمع متماسكًا وصلًا إلى تفكيك الحواضن الاجتماعية المقاومة في المنطقة الجغرافية المهجرة.

أما في جنوب لبنان فإن «الخط الأصفر» يتخذ شكلًا أكثر ثباتًا ووضوحًا لكنه لا يقل تعقيدًا في دلالاته فحرمان نحو خمس وخمسين قرية من العودة إلى بيوتها يمكن تفسيره كجزء من سياسة تهدف إلى خلق مساحة آمنه وخالية من السكان تستخدم كمنطقة عازلة بحكم الأمر الواقع..

هذه القرى التي كانت تشكل نسيجًا اجتماعيًا متكاملًا تحولت إلى مساحات صامتة فيما يعيش سكانها حالة من التعليق بين ماض لم ينته وحاضر لا يشبههم.

الخط هنا يفصل بين مرحلتين من الحياة ما قبل النزوح وما بعده وهو لا يعمل كحاجز جغرافي فقط بل كأداة لإعادة تشكيل الوعي حيث يجبر السكان تدريجيًا للتكيف مع فكرة البعد عن أرضهم في محاولة لتحويل المؤقت إلى دائم غير أن هذه المحاولة تصطدم بحقيقة أن الانتماء للأرض في هذه المجتمعات مسألة هوية وذاكرة وتاريخ.

عند المقارنة بين غزة ولبنان تتضح وحدة المنهج رغم اختلاف السياق في الحالتين تستخدم القوة العسكرية لإحداث تغيير ميداني سريع ثم يترجم هذا التغيير إلى خطوط ثابتة نسبيًا تدار سياسيًا.

هذه العملية تظهر كيف يمكن للأدوات العسكرية أن تتحول إلى أدوات سياسية بمرور الوقت وكيف يعاد إنتاج الواقع على مراحل تبدأ بالقوة وتنتهي بإدارة الأرض والسكان.

سياسيًا يمكن فهم «الخط الأصفر» كجزء من عقيدة تقوم على إدارة الصراع بدل حله فبدل الدخول في تسويات شاملة قد تفرض تنازلات متبادلة يجري العمل على خلق وقائع جزئية تتراكم مع الزمن بحيث يصبح من الصعب العودة إلى النقطة الأصلية هذه الاستراتيجية تمنح الطرف الأقوى قدرة على فرض إيقاعه الخاص مستفيدًا من عامل الزمن ومن غياب ضغط دولي عادل.

كما أن لهذه الخطوط تأثيرًا عميقًا على البنية الديمغرافية (السكانية) فإبعاد السكان عن مناطقهم يعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية ويخلق أشكالًا جديدة من الاعتماد والضعف ومع مرور الوقت قد تتحول هذه التغييرات إلى حقائق يصعب عكسها حتى لو تغيرت الظروف السياسية

ومع ذلك فإن العامل الحاسم الذي يبقي هذه الخطوط في حالة عدم استقرار هو رفض السكان القبول بها كأمر نهائي. في غزة تتكرر مشاهد العودة إلى المناطق المدمرة حيث يصر الناس على إعادة بناء حياتهم مهما كانت الظروف وفي جنوب لبنان يبقى الحلم بالعودة حاضرًا بقوة يغذيه الارتباط العميق بالأرض ويمنع تحول الخط إلى حدود نفسية نهائية.

هذا الرفض لا يلغي الواقع الصعب لكنه يبقيه مفتوحًا على احتمالات التغيير فكل محاولة لفرض خط دائم تصطدم بإرادة جماعية ترفض التكيف مع الفقدان وتبقي الصراع حيًا على المستوى العسكري والسياسي والوعي والذاكرة.

في المحصلة يكشف «الخط الأصفر» في غزة ولبنان عن نمط متكرر في إدارة الصراع يقوم على استخدام القوة لإعادة تشكيل الجغرافيا ثم تثبيت هذا التشكيل عبر الزمن والسياسة لكنه يكشف أيضًا عن حدود هذه القوة حين تصطدم بمجتمعات ترفض الانفصال عن أرضها وتتمسك بحقها في العودة مهما طال الزمن.


قد تنجح الخطوط في خلق واقع مؤلم وقد تجبر القرى على الصمت المؤقت لكنها تبقى عاجزة عن تحويل هذا الواقع إلى حقيقة نهائية فالأرض في وعي أصحابها امتداد للهوية والوجود وبينما ترسم الخطوط على الخرائط يبقى هناك خط آخر غير مرئي يرسمه النازحون في ذاكرتهم يربطهم بأرضهم وبيوتهم ويجعل كل محاولة للفصل مؤقتة مهما كان شكلها قويا أو طويل الأمد.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

ما بعد بعد المقاصة!


تدخل السلطة الفلسطينية واحدة من أكثر مراحلها الاقتصادية تعقيداً منذ نشأتها، ليس فقط بسبب حجم الأزمة المالية الحالية، بل بسبب طبيعة التحولات السياسية والاقتصادية المحيطة بها، والتي توحي بأن أزمة المقاصة لم تعد أزمة مؤقتة قابلة للحل عبر الوساطات التقليدية أو التدخلات الدولية المعتادة، بل مرشحة لأن تتحول إلى واقع طويل الأمد يعيد صياغة شكل الاقتصاد الفلسطيني وحدود قدرة السلطة على الاستمرار بالصيغة الحالية.
مؤخراً، تصاعد الحديث داخل دوائر الاحتلال عن توسيع الاقتطاعات المالية من أموال المقاصة، وربطها بملفات متعددة تتجاوز السياق التقليدي المعروف، بما يشمل مطالبات وتعويضات وتكاليف مرتبطة بكل فعل مقاوم أو حتى حادث سير، ومع تراجع حجم الأموال المحولة فعلياً إلى السلطة، بات النقاش يدور للمرة الأولى حول سيناريوهات أكثر خطورة، يتمثل أحدها في احتمال تحول المقاصة نفسها إلى عبء مالي أو دين متراكم على السلطة، بدلاً من كونها مورداً مالياً أساسياً لها.
هذا التحول لا يعكس فقط حجم الأزمة المالية، بل أيضاً هشاشة النموذج الاقتصادي الذي تَشكلَ منذ اوسلو، والقائم بدرجة كبيرة على الاعتماد على المقاصة باعتبارها العمود الفقري للموازنة الفلسطينية، فيما لم تنجح الحكومات الفلسطينية المتعاقبة في بناء بدائل اقتصادية تقلل من هذا الاعتماد، سواء بسبب القيود التي يفرضها الاحتلال على الموارد والمعابر والحركة، أو بسبب طبيعة الاقتصاد الفلسطيني نفسه بوصفه اقتصاداً محدود الأدوات والسيادة.
في المقابل، يبدو المشهد السياسي هو الأكثر تعقيداً، السلطة انتظرت طويلاً تغيراً في المشهد الإسرائيلي أو الدولي يخفف الضغوط الاقتصادية والسياسية، سواء عبر سقوط حكومة اليمين أو عودة مسار سياسي قادر على إعادة الاستقرار المالي والدعم الدولي، غير أن الواقع كان العكس تماماً، استمرت حكومتة رغم الأزمات والحروب، وتوسع نفوذها الاستيطاني في الضفة بصورة غير مسبوقة.
وهو ما يفرض على السلطة التفكير بخيارات مختلفة، لأن خياراتها الحالية لم تعد كافية لمعالجة أزمة مرشحة للاستمرار والتفاقم، وهنا تبرز عدة سيناريوهات محتملة، ولكل منها كلفته السياسية والاقتصادية.
الخيار القائم حالياً، الذي يبدو للبعض أنه الأقل كلفة، وهو لا يقل خطورة عن غيره، بل ربما يكون الأخطر، لأنه يقوم على إدارة الاستنزاف لا معالجته، حيث يموت المريض تدريجيً، فيما يظن أن وضعه مستقر، يتمثل -هذا الخيار- في استمرار سياسة الاحتواء أو البحث عن دعم عربي ودولي، وتوسيع الاقتراض الداخلي، فضلاً عن الحديث المتكرر عن تقليص النفقات العامة، وهو خيار قد يشتري الوقت ويجنبها الانهيار السريع، لكنه لا يقدم حلاً جذرياً.
الخيار الثاني يتطلب إعادة هيكلة عميقة للاقتصاد وتخفيف الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي، شعار رفعته حكومات سابقة، لكنه بقي حبيس الأدراج، فيما الواقع كان العكس تماماً، وهو مسار يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار السياسي يصعب توفيره.
أما الخيار الثالث، وهو الأكثر حساسية، فيرتبط بإعادة تعريف العلاقة الاقتصادية والسياسية مع الاحتلال، وهذا يبدو غير ممكن حالياً، أو خلال السنوات القليلة المقبلة، خاصة بعد أن انفض مؤتمر فتح الثامن دون تغيير يُذكر.
وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي لم يعد فقط في كيفية تجاوز الأزمة الحالية، بل في قدرة النظام السياسي الفلسطيني على التكيف مع واقع اقتصادي وسياسي يزداد سوءاً يوماً بعد آخر، ويبدو مرشحاً للاستمرار لسنوات طويلة إذا استمر هذا النظام بصيغته الحالية. فالمشكلة لم تعد مجرد أزمة مالية طارئة، بل أصبحت استنزافاً تدريجياً للنموذج الذي قام عليه النظام الفلسطيني منذ أوسلو.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

المقاهي ودورها في المشهد الثقافي المقدسي


يبدأ المشهد اليومي في أحد مقاهي البلدة القديمة في القدس، برجلٍ مسنٍّ يقلب ببطء صحيفةً ورقية، بينما يعلو صوت فناجين القهوة من الطاولات المجاورة، يعرف النادل معظم الجالسين بأسمائهم، ويضع أكواب القهوة قبل أن يطلبها أصحابها أحيانًا، قرب النافذة يجلس شاب يفتح حاسوبه المحمول، منشغلًا بعالمه الرقمي، فيما يدخل رجل آخر ليسأل عن أخبار المدينة والمحال التي أُغلقت مؤخرًا في سوق "الخواجات"، في الخارج تمرّ القدس بإيقاعها المتوتر المعتاد، أما في الداخل فتبدو الطاولات كأنها تحاول حماية ما تبقّى من الحياة العامة في المدينة.
تُعتبر المقاهي في القدس جزءًا من الإيقاع الثقافي والاجتماعي للمدينة، فمنذ عقود طويلة شكّلت المقاهي فضاءات يومية يلتقي فيها الناس حول الحوار والأخبار والموسيقى والذاكرة، ولهذا ارتبطت المقاهي المقدسية بالحياة اليومية أكثر مما ارتبطت بفكرة الاستهلاك السريع.

يبدأ الواقع من الذاكرة اليومية
لعبت المقاهي الشعبية تاريخيًا دورًا يتجاوز وظيفتها التجارية المباشرة، فكانت أماكن لقراءة الصحف، وسماع نشرات الأخبار، ولقاء الكتّاب والفنانين والطلبة والعاملين في المدينة، وبعض النقاشات التي تبدأ بخبرعابر كانت تتحول سريعاً إلى حديث طويل عن التعليم والهوية والعمل وتغيّر شكل المدينة، وأحيانًا كانت فكرة نشاط
ثقافي أو أمسية فنية، تولد من جلسة عادية حول طاولة صغيرة.
لعبت المقاهي في مراحل كثيرة من تاريخ القدس دورًا قريبًا من "المنتدى الشعبي" غير المعلن، مكان يلتقي فيه الصحفي بالمعلم، والطالب بالعامل، والفنان بالناشط الاجتماعي، دون دعوات رسمية أو ترتيبات مسبقة، ولهذا اكتسبت المقاهي المقدسية خصوصيتها بوصفها مساحة اختلط فيها الثقافي باليومي، والعابر بالشخصي، والهم الفردي بالسؤال العام عن المدينة ومصيرها.
تحفظ القدس ذاكرتها بطرق عديدة، ومنها الحكايات التي تتكرر داخل المقاهي، رجل يتذكر متجرًا أُغلق قبل سنوات، وآخر يستعيد أسماء أشخاص غادروا المدينة، وثالث يتحدث عن شارع تغيّرت ملامحه بعد ارتفاع الإيجارات وتحول كثير من المحال الصغيرة إلى مشاريع تجارية سريعة لا تشبه ذاكرة المكان، اليوم يتغيّر شكل المقاهي في القدس كما تتغيّر المدينة نفسها، بعض المقاهي الشعبية القديمة ما يزال يحتفظ بإيقاعه البسيط وأحاديثه الطويلة، وفي المقابل ظهرت مقاهٍ حديثة أقرب إلى فضاءات العمل الفردي واللقاءات السريعة، حيث يجلس الناس حول الطاولة نفسها، لكن كل واحد منهم منشغل بهاتفه أو حاسوبه.
هذا التحول لا يمكن اعتباره سلبيًا بالكامل، فلكل جيل طريقته في استخدام المكان وبناء علاقته بالمدينة، لكن المقهى المقدسي يقف اليوم بين صورتين: صورة المكان الشعبي المرتبط بالحكاية اليومية، وصورة المقهى المعاصر الذي يحاول التكيف مع إيقاع الحياة الحديثة ومتطلبات السوق الجديدة.
تكشف التحديات ضيق المساحة العامة
تواجه المقاهي في القدس، إلى جانب التحديات الاقتصادية، تحديات تتعلق بموقعها داخل الحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة، فارتفاع الإيجارات، وتكاليف التشغيل، والضرائب الباهظة التي تفرضها بلدية الاحتلال، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل تدفع كثيرًا من المقاهي إلى التركيز على البعد الاستهلاكي السريع على حساب دورها الاجتماعي والثقافي.
كما أثّرت الرقمنة بشكل واضح على طبيعة العلاقة داخل المقاهي نفسها، إذ صار جزء كبير من الحوار يحدث عبر الشاشات بدل الطاولات التي كانت تعرف أسماء الجالسين حولها، فيما تراجعت النقاشات الطويلة التي كانت تمنح المكان روحه الإنسانية الخاصة، وحين تخسر المدينة الدور الثقافي لمقاهيها، تخسر جزءًا من قدرتها على الكلام، فالمقهى في القدس يجسد مساحة التنفّس الصغيرة للمقدسي، كي لا يشعر أنه يعيش وحيدًا داخل مدينة تتغيّر بسرعة.
إلى جانب ذلك، تعيش القدس أصلًا حالة تضييق مستمرة في فضاءاتها العامة، ما يجعل خسارة الدور الثقافي للمقهى أكثر خطورة، فخسارة المساحات الطبيعية للحوار والتفاعل وإنتاج الأفكار اليومية تضعف روح المدينة وتماسك سكانها، كما أن بعض المقاهي بات يخشى الدخول في أي نشاط ثقافي بسبب التعقيدات السياسية والانقسامات الداخلية، أو خشية الخسارة التجارية، وضعف الدعم الثقافي القادر على تعزيز موارد المقهى واستمراريته.
تعيد الفرص الممكنة التفكير بدور المقهى
مع ذلك ما تزال المقاهي تمتلك فرصة حقيقية لاستعادة جزء مهم من دورها الثقافي، خاصة لأنها الأقرب إلى الناس والأكثر قدرة على خلق تواصل يومي طبيعي بعيدًا عن الرسمية والتكلف، فالمدينة لا تحتاج دائمًا إلى مشاريع ضخمة كي تنتج حياة ثقافية حقيقية، بل تحتاج أحيانًا إلى أماكن، تسمح للناس باللقاء والتفكير والكلام.
ويمكن للمقاهي أن تستعيد هذا الدور عبر خطوات بسيطة لكنها مؤثرة مثل توفير زاوية كتب صغيرة، تنظيم أمسيات حكواتي لرواية القصص المقدسية، عرض صور قديمة للمدينة، تنظيم لقاءات مع كتّاب وفنانين شباب، أو تخصيص طاولة أسبوعية للحوار حول قضايا القدس والحياة اليومية فيها، كما يمكن خلق شراكات حقيقية بين المقاهي والمؤسسات الثقافية والمبادرات الشبابية بما يساعد على تحويل بعض المقاهي إلى منصات ثقافية يومية قريبة من الناس.
وربما تكمن قوة المقهى المقدسي في قدرته على الجمع بين البساطة والحياة اليومية من جهة، وبين إنتاج المعنى الثقافي من جهة أخرى، فالمكان الذي يبدأ بفنجان قهوة يتحول بفعل الإرادة إلى مساحة لتوليد الأفكار أو استعادة الذاكرة أو شعور شخص ما أن المدينة ما تزال تعرفه رغم كل ما يتغير حوله.
فالثقافة لا تبدأ دائمًا من المؤسسة أو المسرح أو المنصة، بل تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية، من طاولة يجلس حولها أشخاص يحاولون فهم مدينتهم معًا، ولهذا تبدو المقاهي في القدس أكثر من فضاءات تجارية، إنها جزء من الذاكرة اليومية للمدينة ومن قدرتها على الحفاظ على صوتها الإنساني وسط كل هذا التغير السريع، وحين تنجح المقاهي في استعادة دورها الثقافي، فإنها لا تحمي نفسها فقط، بل تساعد القدس أيضًا على حماية حقها في اللقاء والحوار ورواية حكايتها بصوت سكانها الأصليين.

فلسطين

الأحد 24 مايو 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

تقرير للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس يحذر من خطورة الانتهاكات المتواصلة في المدينة المقدسة

 القدس- "القدس" دوت كوم- أصدرت الدائرة الإعلامية في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس، تقريراً مفصلاً حول الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في مدينة القدس ومحيطها، بما بشمل عمليات الهدم والاستيطان واقتحامات المسجد الأقصى المبارك والتهويد في البلدة القديمة والاستيلاء على مقار الأونروا وأسرلة المنهاج الفلسطيني وإلى غير ذلك من عدوان غير مسبوق على العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية المستقلة.
وذكر التقرير أن مدينة القدس المحتلة تشهد منذ سنوات تصعيدًا غير مسبوق في السياسات والإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى فرض واقع ديمغرافي وجغرافي جديد، عبر تكثيف الاستيطان، وتوسيع عمليات التهويد، والتضييق على السكان الفلسطينيين في مختلف مناحي الحياة. وقد تصاعدت هذه السياسات بصورة لافتة خلال العامين الأخيرين، لتشمل البلدة القديمة، وأحياء القدس المختلفة، ومحيط قلنديا وشارع المطار، إضافة إلى التجمعات البدوية في المنطقة الشرقية من القدس، بالتوازي مع الاعتداءات المستمرة على المسجد الأقصى المبارك، وعمليات الهدم والتهجير القسري، والانتهاكات على الحواجز العسكرية، فضلًا عن التدهور الاقتصادي الخطير الناتج عن الحصار والإغلاق وتراجع السياحة الدينية الخارجية.
وفي هذا السياق، تؤكد المعطيات الميدانية أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تسعى إلى فرض وقائع نهائية على الأرض، من خلال تسريع المشاريع الاستيطانية وربط المستوطنات الكبرى بالقدس الغربية، بما يؤدي إلى عزل القدس عن محيطها الفلسطيني، وتقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

الاستيطان والتهويد
وأشار التقرير إلى أن حكومة الاحتلال تواصل تنفيذ مخططات استيطانية واسعة النطاق في القدس المحتلة، مستهدفة البلدة القديمة والأحياء الفلسطينية المحيطة بها، إلى جانب مناطق استراتيجية مثل جبل المكبر، وسلوان، والشيخ جراح، والعيسوية، وأم طوبا، وبيت حنينا، وقلنديا، وشارع المطار.
وتشير التقارير الحقوقية إلى أن سلطات الاحتلال صادقت خلال الفترة الأخيرة على آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، ضمن مخطط يهدف إلى تعزيز الأغلبية اليهودية في القدس المحتلة، وربط المستوطنات المحيطة بالمدينة ضمن حزام استيطاني متكامل. كما يتواصل العمل في مشروع "E1" الاستيطاني شرقي القدس، الذي يهدد بفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويقضي فعليًا على إمكانية التواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية المستقبلية.
وفي البلدة القديمة، تتصاعد عمليات الاستيلاء على العقارات الفلسطينية عبر الجمعيات الاستيطانية، خاصة في أحياء سلوان وبطن الهوى ووادي حلوة، حيث يتم استخدام المحاكم الإسرائيلية لتهجير العائلات الفلسطينية لصالح المستوطنين. كما تستمر الحفريات أسفل المسجد الأقصى ومحيطه، في إطار محاولات تغيير الطابع التاريخي والديني للمدينة.
أما في منطقة قلنديا وشارع المطار، فذكر التقرير أن سلطات الاحتلال تعمل على تنفيذ مشاريع استيطانية ضخمة تهدف إلى إقامة آلاف الوحدات الاستيطانية على أراضي المطار التاريخي، بما يؤدي إلى فصل القدس عن رام الله، وإغلاق أي إمكانية للتوسع العمراني الفلسطيني في المنطقة الشمالية للمدينة.
وأضاف تقرير المؤتمر الوطني الشعبي للقدس: وفي التجمعات البدوية شرق القدس، خاصة مناطق الجهالين والخان الأحمر ومحيط "معاليه أدوميم"، يواجه السكان خطر التهجير القسري المستمر. وتشير تقارير دولية إلى أن نحو 80 عائلة بدوية مهددة بالطرد لصالح التوسع الاستيطاني، ضمن مشروع يستهدف ربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس الغربية.

اقتحامات المسجد الأقصى المبارك
شهد المسجد الأقصى خلال العام الأخير تصعيدًا خطيرًا في أعداد المقتحمين من المستوطنين المتطرفين، بحماية مباشرة من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
ووفق تقارير توثيقية، اقتحم أكثر من 30 ألف مستوطن المسجد الأقصى حتى نهاية أيلول/سبتمبر 2025، وسط أداء طقوس دينية علنية داخل باحاته، ورفع شعارات استفزازية، ومحاولات متكررة لفرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد المبارك.
كما سجل شهر تشرين الأول/أكتوبر وحده اقتحام أكثر من 10822 مستوطنًا للمسجد الأقصى، وهو من أعلى الأرقام المسجلة خلال السنوات الأخيرة.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، اقتحم 6260 مستوطنًا المسجد الأقصى خلال شهر واحد، بينهم 2805 خلال فترة عيد “الحانوكا”، حيث شهدت ساحات المسجد طقوسًا دينية علنية وإشعالًا للشموع داخل الأقصى، في انتهاك صارخ للوضع التاريخي والقانوني القائم.
وأشار تقرير المؤتمر الوطني الشعبي للقدس إلى أن هذه الاقتحامات ترافقها إجراءات قمعية بحق المصلين والمرابطين، شملت الإبعاد عن المسجد الأقصى، والاعتقالات، والاعتداءات الجسدية، ومنع آلاف الفلسطينيين من الوصول إلى المسجد عبر الحواجز العسكرية.

الاعتقالات والشهداء والإصابات
تواصل سلطات الاحتلال تنفيذ حملات اعتقال يومية في القدس المحتلة، تستهدف الشبان والأطفال والنساء والنشطاء، إضافة إلى فرض الحبس المنزلي والإبعاد عن الأقصى والبلدة القديمة.
ووفق المعطيات الموثقة، سُجلت 434 حالة اعتقال في القدس حتى نهاية أيلول/سبتمبر 2025، بينها 85 اعتقالًا إداريًا، إضافة إلى 133 قرار إبعاد عن المسجد الأقصى.
وفي شهر تشرين الأول/أكتوبر وحده، اعتقلت قوات الاحتلال 87 مقدسيًا، وأصابت 40 آخرين خلال الاقتحامات والمواجهات اليومية.
كما ارتقى عدد من الشهداء المقدسيين خلال عمليات القتل الميداني وإطلاق النار المباشر، وسط تصاعد سياسة الإعدام الميداني بحق الفلسطينيين، خاصة عند الحواجز العسكرية ومناطق التماس.

الحواجز العسكرية والتنكيل بالمواطنين
يعاني المقدسيون بشكل يومي من سياسة الإغلاق والتضييق عبر الحواجز العسكرية المنتشرة في محيط القدس ومداخلها، خاصة حواجز قلنديا، والزعيّم، وحزما، والكونتينر.
وتتعمد قوات الاحتلال إعاقة حركة المواطنين، وإذلال العمال والطلبة والمرضى، عبر التفتيش المهين والاحتجاز لساعات طويلة، وإغلاق الحواجز بشكل مفاجئ، ما يؤدي إلى تعطيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية.
كما تتكرر الاعتداءات الجسدية واللفظية على المواطنين، في ظل تشديد القيود على دخول الفلسطينيين إلى القدس، ومنع آلاف المواطنين من الوصول إلى المسجد الأقصى، خاصة خلال شهر رمضان والأعياد.

سياسة الهدم والهدم الذاتي
تواصل سلطات الاحتلال استخدام سياسة هدم المنازل والمنشآت كأداة للضغط والتهجير القسري بحق الفلسطينيين في القدس.
وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت عمليات الهدم بصورة كبيرة، حيث وثقت التقارير تنفيذ عشرات عمليات الهدم في أحياء مختلفة من القدس، بينها عمليات هدم ذاتي قسري أجبرت العائلات الفلسطينية على هدم منازلها بأيديها تفاديًا للغرامات الباهظة.
ففي آب/أغسطس 2025 تم تسجيل 30 عملية هدم، بينها 15 حالة هدم ذاتي قسري.
كما سجل كانون الأول/ديسمبر 2025 هدم 46 منشأة في محافظة القدس، بينها 6 عمليات هدم ذاتي.
وبحسب تقارير الرصد، بلغ عدد عمليات هدم الممتلكات حتى نهاية أيلول/سبتمبر 2025 نحو 116 عملية هدم، إلى جانب عشرات أوامر الإخلاء والاستيلاء على الأراضي.
وتستهدف هذه السياسة دفع الفلسطينيين إلى الرحيل القسري عن المدينة، في إطار مخطط لتقليص الوجود الفلسطيني وتعزيز التوسع الاستيطاني.

التعليم في القدس
يواجه قطاع التعليم في القدس تحديات خطيرة نتيجة السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى طمس الهوية الوطنية الفلسطينية وفرض المنهاج الإسرائيلي على المدارس المقدسية.
وتواصل سلطات الاحتلال التضييق على المدارس الفلسطينية عبر تقليص الميزانيات، ومنع التراخيص، وفرض المناهج المحرفة، إضافة إلى اقتحام المدارس واعتقال الطلبة.
كما تعاني المدارس من نقص حاد في الغرف الصفية والبنية التحتية، في ظل الاكتظاظ الشديد وارتفاع نسب التسرب المدرسي.
وفي المدارس المسيحية، حذرت مؤسسات تعليمية مقدسية من أزمة متفاقمة بسبب منع إصدار تصاريح للمعلمين القادمين من الضفة الغربية، الأمر الذي يهدد استمرارية العملية التعليمية في عدد من المدارس التاريخية بالمدينة.

الأوضاع الاقتصادية وتراجع السياحة
تشهد القدس المحتلة أزمة اقتصادية خانقة نتيجة الحصار والإغلاق والقيود الإسرائيلية المشددة، إلى جانب تراجع الحركة التجارية والسياحية بصورة غير مسبوقة.
وأشار التقرير إلى أن الأسواق المقدسية، خاصة في البلدة القديمة، تأثرت بتراجع أعداد الزوار والحجاج المسيحيين والمسلمين القادمين من الخارج، في ظل الحرب المستمرة والإجراءات الأمنية المشددة.
وأضاف أن توقف السياحة الدينية الخارجية تسبّب بخسائر فادحة للتجار وأصحاب الفنادق والمطاعم والحرفيين، حيث تعتمد قطاعات واسعة من الاقتصاد المقدسي على المواسم الدينية والسياحية.
كما يعاني العمال المقدسيون من صعوبات متزايدة في الوصول إلى أماكن عملهم بسبب الحواجز والإغلاقات، إضافة إلى ارتفاع نسب البطالة والفقر، وتراجع القدرة الشرائية للسكان.
ويؤكد اقتصاديون مقدسيون أن الاحتلال يستخدم الأدوات الاقتصادية كوسيلة ضغط لإضعاف صمود المقدسيين ودفعهم إلى الهجرة خارج المدينة.

قراءة في المشهد العام
واعتبر التقرير أن مجمل هذه السياسات تكشف عن استراتيجية إسرائيلية شاملة تستهدف تغيير هوية القدس العربية والإسلامية والمسيحية، وفرض وقائع ديمغرافية وسياسية جديدة عبر الاستيطان والتهجير والقمع.
وأضاف: إن الاستيطان يتوسع بوتيرة متسارعة، والأقصى يتعرض لاقتحامات غير مسبوقة، والاقتصاد المقدسي ينهار تدريجيًا، فيما يواجه الفلسطينيون يوميًا الاعتقالات والهدم والتضييق على الحواجز. وفي المقابل، يواصل المقدسيون تمسكهم بأرضهم وهويتهم الوطنية، رغم الظروف القاسية والانتهاكات المتواصلة.

 استهداف "الأونروا" والمؤسسات الفلسطينية بالقدس
في إطار سياسة ممنهجة تستهدف تقويض الوجود الفلسطيني الرسمي والوطني في القدس المحتلة، صعّدت سلطات الاحتلال الإسرائيلي خلال الفترة الأخيرة من إجراءاتها ضد مؤسسات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، إلى جانب استمرار إغلاق المؤسسات الفلسطينية الوطنية والتاريخية في المدينة.
فقد دخل قرار الاحتلال بحظر عمل وكالة "الأونروا" في القدس الشرقية حيّز التنفيذ مطلع عام 2025، بعد إجبار الوكالة على إخلاء مقارها ومنشآتها، وإنهاء عمل موظفيها الدوليين داخل المدينة. كما أقدمت سلطات الاحتلال على إغلاق عدد من مدارس الوكالة في مخيم شعفاط ومناطق أخرى من القدس، في خطوة تهدد حق آلاف الطلبة الفلسطينيين في التعليم والخدمات الأساسية.
وتشير المعطيات إلى أن الاحتلال يسعى إلى إنهاء الدور التاريخي والسياسي والإنساني لوكالة "الأونروا" في القدس، باعتبارها شاهدًا دوليًا على قضية اللاجئين الفلسطينيين، ومحاولة شطب قضية اللاجئين وحق العودة من أي تسوية مستقبلية. كما شرعت الحكومة الإسرائيلية في تخصيص ميزانيات وبرامج بديلة للسيطرة على قطاعات التعليم والصحة والخدمات التي كانت تقدمها الوكالة في القدس الشرقية المحتلة.
وفي سياق متصل، تتواصل سياسة إغلاق المؤسسات الفلسطينية الرسمية والوطنية في القدس منذ سنوات، حيث تواصل سلطات الاحتلال تمديد قرارات الإغلاق بحق مؤسسات بارزة مثل "بيت الشرق"، و"الغرفة التجارية"، و"المجلس الأعلى للسياحة"، و"نادي الأسير"، و"المركز الفلسطيني للدراسات"، ومكتب الدراسات الاجتماعية والإحصائية، وغيرها من المؤسسات التي شكلت لعقود عنوانًا للحضور الوطني الفلسطيني في المدينة.
ويُعتبر "بيت الشرق" من أبرز المؤسسات الفلسطينية التي استهدفها الاحتلال، نظرًا لدوره السياسي والتاريخي كمقر وطني فلسطيني في القدس، فيما أدى إغلاق المؤسسات الأخرى إلى إضعاف العمل الاجتماعي والثقافي والحقوقي والاقتصادي الفلسطيني داخل المدينة المحتلة.
ويرى مراقبون أن الاحتلال يهدف من خلال هذه السياسات إلى تفريغ القدس من أي مرجعية وطنية فلسطينية، وفرض السيطرة الكاملة على الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية فيها، بالتوازي مع مشاريع التهويد والاستيطان والتضييق على السكان الفلسطينيين.

اللواء بلال النتشة: حرب مفتوحة تستهدف الإنسان والأرض والمقدسات والهوية الوطنية

وفي تعقيبه على هذه الانتهاكات، أكد الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس بلال النتشة أن ما يجري في القدس يمثل "حربًا مفتوحة تستهدف الإنسان والأرض والمقدسات والهوية الوطنية الفلسطينية"، مشددًا على أن الاحتلال يسعى إلى فرض أمر واقع بالقوة عبر الاستيطان والتهجير والتضييق الاقتصادي.
وأضاف النتشة أن "القدس تواجه أخطر مراحل التهويد منذ احتلالها عام 1967، في ظل تصعيد الاقتحامات للمسجد الأقصى، وتسارع المشاريع الاستيطانية، وعمليات الهدم والتهجير التي تطال الأحياء الفلسطينية والتجمعات البدوية".
وأشار إلى أن استمرار الصمت الدولي يشجع الاحتلال على المضي في انتهاكاته، داعيًا إلى تحرك عربي وإسلامي ودولي عاجل لحماية القدس ومقدساتها، ودعم صمود أهلها اقتصاديًا وسياسيًا وقانونيًا.
وأكد النتشة أن الشعب الفلسطيني سيواصل الدفاع عن القدس مهما بلغت التضحيات، وأن المدينة ستبقى عنوان الهوية الوطنية الفلسطينية وعاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:06 صباحًا - بتوقيت القدس

فتح المتجددة: بين الإرث وأدوات العصر


انعقاد المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بحد ذاته يحمل دلالة سياسية وتنظيمية مهمة، لأنه يعكس إصرار الحركة على العودة إلى الشرعية الداخلية وصناديق الاقتراع رغم كل الظروف الاستثنائية التي يعيشها الشعب الفلسطيني. قرار الرئيس محمود عباس الاحتكام للإرادة التنظيمية في هذه المرحلة يمثل قرارًا قياديًا شجاعًا ورسالة بأن فتح ما زالت تؤمن بالتجدد والمراجعة وإنتاج القيادة التمثيلية لكل زمان ومكان وهذا ما أعاد الأمل للشارع الفلسطيني.
اليوم، يمر الشعب الفلسطيني بمرحلة تاريخية شديدة القسوة، من حرب إبادة وتجويع ودمار في غزة، إلى سياسات تهجير واستيطان واعتقالات واعدامات وتمييز وعنصرية في الضفة الغربية والقدس، وسط محاولات مستمرة لتكريس الانقسام وإضعاف الهوية الوطنية الجامعة. ومن هنا، اصبحت مسؤولية المؤتمر أكبر من مجرد انتخاب هيئات قيادية؛ إنها مسؤولية إعادة بناء الثقة الوطنية، وصياغة خطاب سياسي قادر على حماية المشروع الوطني الفلسطيني في لحظة مصيرية.
وتبقى غزة في قلب هذا المشروع الوطني، ليس باعتبارها ملفًا إنسانيًا أو ساحة حرب فقط، بل باعتبارها جزءًا أصيلًا وأساسيًا من فلسطين سياسيًا وجغرافيًا ووطنيًا. إن أي محاولة للتعامل مع غزة باعتبارها كيانًا منفصلًا أو قضية معزولة تمثل خطرًا مباشرًا على وحدة الشعب الفلسطيني ومستقبل قضيته الوطنية. وغزة، بما قدمته من صمود وتضحيات، ليست هامشًا في الرواية الفلسطينية، بل إحدى ركائزها. ولهذا، فإن الحفاظ على وحدة غزة والضفة والقدس والشتات لم يعد مجرد شعار سياسي، بل ضرورة وجودية لحماية الهوية الوطنية الفلسطينية من التفتيت وهذا ما عكسه المؤتمر من خلال الساحات.
لقد كانت قوة حركة فتح تاريخيًا في كونها حركة تحرر وطني جامعة، وليست إطارًا أيديولوجيًا مغلقًا. فهي الحركة التي استطاعت أن تجمع الفلسطينيين بمختلف توجهاتهم ومواقعهم الجغرافية ضمن مشروع وطني واحد. واليوم، يحتاج هذا الدور إلى تجديد حقيقي، لا عبر تغيير الثوابت الوطنية، بل عبر تطوير أدوات العمل السياسي والتنظيمي بما يتناسب مع طبيعة العالم المعاصر.
فالتحدي الحقيقي لم يعد فقط في الحفاظ على الخطاب الوطني التقليدي، بل في امتلاك أدوات جديدة للتأثير والفعل السياسي. العالم تغيّر، وأشكال الصراع تغيّرت، والمعركة الفلسطينية لم تعد فقط على الأرض، بل أيضًا في الإعلام الرقمي، والدبلوماسية العامة، والذكاء الاصطناعي، والرأي العام العالمي، والقانون الدولي، والاقتصاد، ومنصات التكنولوجيا الحديثة بأيدي الشباب والمرأة وأصحاب الاختصاص. لذلك، فإن فتح المتجددة مطالبة بإظهار قوة ناعمة وبناء خطاب حديث وأدوات عصرية قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة والعالم بلغة القرن الحادي والعشرين.
وفي هذا السياق، فإن مشاركة الشباب والمرأة والأسرى والشتات الفلسطيني داخل المؤتمر تحمل رسائل سياسية عميقة تتجاوز البعد التنظيمي. فحضور هذه المكونات يؤكد أن المشروع الوطني الفلسطيني ما زال حيًا وموحدًا رغم الجغرافيا والانقسامات والظروف القاسية.
كما أن الحضور الرمزي والسياسي للأسرى يمثل موقفًا وطنيًا واضحًا يرفض سياسات الاحتلال القائمة على الاعتقال والعزل وكسر الإرادة الفلسطينية، ويؤكد أن قضية الحرية ستبقى جوهر النضال الفلسطيني.
أما الحضور الفلسطيني من مختلف الساحات، من غزة والضفة الغربية والقدس، إلى لبنان ومصر ومخيمات الشتات، فيعكس حقيقة الوحدة الوطنية الفلسطينية رغم كل محاولات التفكيك والعزل. هذه الساحات ليست مجرد امتدادات تنظيمية، بل تعبير حي عن وحدة المصير والهوية والرواية الفلسطينية.
ومن هنا، فإن “فتح المتجددة” اعادت تعريف علاقتها بالجغرافيا الفلسطينية؛ ليس بمنطق المحاصصة أو الانقسام المناطقي، بل بمنطق التخصص والكفاءة وتكامل الأدوات. فالقضية الفلسطينية اليوم تحتاج إلى السياسي والدبلوماسي، وإلى الخبير القانوني والإعلامي والاقتصادي والتكنولوجي، بقدر حاجتها إلى القيادات التنظيمية التقليدية. لم تعد قوة الحركة تُقاس فقط بانتشارها الجغرافي، بل بقدرتها على تحويل التنوع الفلسطيني إلى مصدر قوة استراتيجية قادرة على إنتاج التأثير والفعل السياسي الحديث.
وفي المقابل، من الضروري أن يبقى المؤتمر مساحة للحوار الوطني المسؤول، لا ساحة للصراعات الشخصية أو التنافس الفردي. فحجم التحديات التي تواجه الفلسطينيين يتطلب خطابًا وحدويًا يرتقي فوق الحسابات الضيقة، ويعيد التركيز على الأولويات الوطنية الكبرى: حماية المشروع الوطني، وإنهاء الانقسام، واستعادة ثقة الشارع الفلسطيني بالمؤسسات السياسية وهذا يتطلب قيادة مسؤولة تتجاوز المنصب وتحترم المسائلة وتحتكم للأدوار حسب التخصص.
فتح اليوم تقدم الامل بشخصيتها القانونية لاستعادة زمام المبادرة للقيادة داخل منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وتعزيز حضورها السياسي والإقليمي والدولي بلغة حقوقية ودبلوماسية حديثة قادرة على مخاطبة العالم والدفاع عن الحقوق الفلسطينية في مختلف المحافل.
نجاح المؤتمر الثامن لا يعني امتلاك عصا سحرية ستقلب الواقع ١٨٠ درجة ولن يُقاس فقط بانتخاب قيادة جديدة، بل بقدرته على توظيف الأدوات واحترام التخصص وقبول المحاسبة كإجراء تنظيمي استراتيجي للحفاظ على دور الحركة الطليعي والطبيعي في قيادة المشروع الوطني الجامع بين ارث التاريخ وأدوات العصر وصون جوهر فتح كونها حركة تحرر وطني تأسست على الحرية والكرامة والاستقلال.
وفي النهاية، تبقى فتح، بكل ما تمثله من إرث وتاريخ وتضحيات, حركة للأوفياء من قيادات الماضي لأحرار الواقع والمستقبل حتى انهاء الاحتلال وتحقيق طموحات شعب تليق به الحرية.


أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

الهلاك في حرب الأسلاك


أعود اليوم لأركز على مدى اعتماد البشرية على الفضاء الرقمي بصورةٍ لا تمر فيها بضع دقائق إلا وتلقف الناس هواتفهم المحمولة ليراجعوا حساباتهم على منصات الإعلام الاجتماعي، أو يتصفحوا ما تحمله تلك المنصات من أخبار، أو يجروا مكالمات هاتفية، أو يتابعوا أعمالهم وأحوالهم ومالهم عبر ذلك الفضاء بصورةٍ أدخلت الإنترنت في عالم المسَلّمات. ومع صعود نجم الذكاء الاصطناعي، فإن المزج بين التقنيات بات اليوم أمراً راسخاً ومتصاعداً بشكل غير مسبوق.
ولعل حجم هكذا اعتماد بات ظاهراً في كل مرة تلوح فيها إيران مثلاً بقطع "كوابل" الإنترنت العابرة لمضيق هرمز، وهو ما يبعث الرعب في قلوب المستخدمين في المنطقة وخارجها. فالإنترنت لم تعد وسيلة تواصل أو منصة للترفيه، بل باتت البنى التحتية برمتها والمرتبطة بها محل انشغال البشرية الملحوظ، وذلك لتغلغلها العميق في تفاصيل حياتنا اليومية.
فمن خلف شاشات الحواسيب والهواتف الصغيرة، تتحرك المصارف، وتدار محطات الطاقة والمشافي والمختبرات والمزارع والقطارات والطائرات والجامعات، والتعليم والتجارة وغيرها الكثير. لذلك، فإن الحديث اليوم عن تهديدات تطول كوابل الإنترنت البحرية في مضيق هرمز لن يكون حدثاً تقنياً عابراً، بل ناقوس خطر عالمي يثير حفيظة دول الخليج وبعض دول الشرق الاوسط ويدفعهم إلى البحث الفوري عن البدائل كالإنترنت المحمول عبر البث الفضائي أو تحميل المحتوى الرقمي على كابلات بحرية بديلة.  
التقارير التي تتحدث عن إمكانية استهداف أو قطع الكوابل البحرية في حال توسع المواجهات العسكرية في المنطقة، تكشف حجم التحول الذي طرأ على مفهوم الحرب الحديثة. فالحروب لم تعد تقتصر على السلاح التقليدي من صواريخ وطائرات ودبابات ومدفعية وغواصات، بل باتت تشمل أيضاً السيطرة على تدفق المعلومات والطاقة والاتصالات وما بينهما من عوالم لا تعرف الحدود ولا السقوف. ففي عالم يعتمد على الاتصال اللحظي، تصبح الإنترنت شريان حياة حقيقيٍ. ولعل قطع هذا الشريان يعني شللاً واسعاً قد يطال الاقتصاد والصحة والتعليم والأمن وحتى الإغاثة الإنسانية وصولاً إلى هلاك قطاعي مرعب.
إن أي انقطاع واسع للإنترنت لن يكون مجرد أزمة تقنية مؤقتة، بل قد يتحول إلى حالة من الفوضى العابرة للحدود. تخيلوا تعطل الأنظمة المصرفية، وتوقف الملاحة الجوية، وتعثر الخدمات الطبية، وانقطاع التواصل بين الشعوب والمؤسسات. إنها صورة مرعبة لعالم مضطرب قابل للانكسار يفقد قدرته على إدارة نفسه في لحظات.
ومن هنا، فإن حماية البنى التحتية الرقمية يجب أن يصبح أولوية دولية لا تقل أهمية عن حماية الممرات البحرية أو مصادر الطاقة. فالإنترنت باتت ضرورة وجودية للبشرية جمعاء، وأية محاولة لتحويلها إلى أداة ابتزاز أو سلاح ضغط سياسي، تمثل تهديداً مباشراً للاستقرار العالمي ولحق الإنسان في الحياة والتواصل والتعلم والعلاج وغيرهم الكثير.
لقد أدخلت الحرب على إيران العالم في زمن جديدٍ من الفوضى التي طالت كل شيء، حتى بتنا نعيش "الحرب على الكابل" لتصل في خطورتها إلى حال أخطر من الحرب على الحدود والحغرافيا وحتى البشر. للحديث بقية!

[email protected]

فلسطين

الأحد 24 مايو 2026 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

ضمن عشر شخصيات حول العالم.. جامعة نرويجية تمنح د. سماح جبر الدكتوراه الفخرية تقديراً لإسهاماتها في الطب النفسي المناهض للاستعمار


رام الله- "القدس" دوت كوم - منحت جامعة بيرجن في النرويج، إحدى أعرق الجامعات الأوروبية، الطبيبة والكاتبة الفلسطينية د. سماح جبر درجة الدكتوراه الفخرية، ضمن عشر شخصيات في العالم، تقديراً لإسهاماتها العالمية في مجال الطب النفسي المناهض للاستعمار، ولا سيما عملها في توثيق ومعالجة الآثار النفسية للعنف السياسي والاحتلال، ودورها في الدفاع عن الحق في الصحة النفسية وحقوق الإنسان الفلسطيني.
وشاركت أخصائية الطب النفسي د. سماح جبر، الخميس 21 مايو/ أيار الجاري، في مراسم الاحتفال بمنحها درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة بيرجن في النرويج، وذلك تقديراً لإسهاماتها العالمية في الطب النفسي المناهض للاستعمار، حيث تخلل المناسبة إلقاؤها عدداً من المحاضرات والحواريات المتخصصة لمهنيي الصحة النفسية في النرويج.
وقالت د. جبر في حديث مع "القدس"، "إن إبلاغها بمنحها الدكتوراه الفخرية وصلها عبر البريد الإلكتروني في نهاية عام 2025، قبل أن تُستكمل مراسم التكريم رسمياً في 21 مايو/ أيار 2026".
وأوضحت جبر أن منحها شهادة الدكتوراه الفخرية جاء بعد عملية تقييم أكاديمي أجرتها لجنة ضمت علماء نفس وأكاديميين وباحثين، قاموا بمراجعة أعمالها المنشورة باللغة الإنجليزية وترشيحها لجامعة بيرجن، مشيرة إلى أن الجامعة تمنح الدكتوراه الفخرية لعشر شخصيات فقط حول العالم كل عامين.
وجاء قرار الجامعة، وفق التقييم الأكاديمي، تقديراً لإسهام د. جبر في تطوير فهم عالمي لخصوصية التجربة الفلسطينية في ظل القمع والتهجير، ونجاحها في الدمج بين الممارسة الإكلينيكية والمرافعة الحقوقية، بما يقدم نموذجاً لطب نفسي ملتزم بالقيم الإنسانية والأخلاق المهنية.
كما أشارت الجامعة إلى دور د. جبر في توثيق ومعالجة الآثار النفسية للعنف السياسي والاحتلال، والدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني، بما في ذلك الحق في الرعاية الصحية النفسية والعدالة.
وقالت د. جبر تعليقاً على التكريم: "هذا الشرف الأكاديمي أقبله باسم شعبي، وباسم كل من يعمل في الميدان الصحي في فلسطين في ظروف بالغة الصعوبة، أعتبر الدكتوراه الفخرية مسؤولية إضافية للاستمرار في حمل الشهادة، والوقوف إلى جانب من يستهدفون في أمنهم وحريتهم وكرامتهم وصحتهم النفسية".
وبحسب جبر، يُنظر إلى منح الدكتوراه الفخرية من جامعة بيرجن باعتباره اعترافاً دولياً بأهمية العمل النفسي في السياقات الواقعة تحت الاحتلال، وبالدور الذي يؤديه الأطباء الفلسطينيون في الدفاع عن حقوق الإنسان وتوثيق تأثير سياسات القمع على الصحة النفسية، إلى جانب تطوير نماذج تدخل تستجيب للواقع السياسي والاجتماعي الفلسطيني.
وشددت جبر على أنه من المتوقع أن يسهم هذا التكريم في تعزيز التعاون الأكاديمي والبحثي بينها وبين مؤسسات صحية وبحثية في النرويج وأوروبا، وتوسيع النقاش العالمي حول الصحة النفسية في سياقات النزاع والاستعمار