تصارع السلطة الفلسطينية في الوقت الراهن واحدة من أعقد الأزمات المالية منذ تأسيسها، وذلك بفعل السياسات الإسرائيلية الممنهجة في احتجاز واقتطاع أجزاء واسعة من أموال المقاصة. هذه الأموال، التي تمثل العمود الفقري للموازنة العامة، باتت أداة ضغط سياسي واقتصادي تؤثر بشكل مباشر على قدرة الحكومة في رام الله على إدارة شؤون المواطنين.
وتعد أموال المقاصة، وهي الضرائب والجمارك التي تجبيها إسرائيل نيابة عن الفلسطينيين بموجب اتفاقيات اقتصادية دولية، المصدر الرئيسي للسيولة بنسبة تتجاوز نصف الإيرادات العامة. ومع استمرار التوقف الكلي أو الجزئي لتحويل هذه المبالغ، دخلت المؤسسات الرسمية في حالة من العجز عن سداد الرواتب الكاملة لموظفي القطاع العام منذ أشهر طويلة.
الأزمة لا تتوقف عند حدود الرواتب فحسب، بل تمتد لتشمل انكماشاً حاداً في النشاط الاقتصادي العام بالضفة الغربية، تزامناً مع تراجع المساعدات الخارجية. هذا الواقع دفع الحكومة الفلسطينية إلى اعتماد سياسات تقشفية قاسية، وصرف أجزاء من المستحقات المالية للموظفين للحفاظ على الحد الأدنى من ديمومة المؤسسات.
وأفادت مصادر اقتصادية بأن الخيارات المتاحة أمام صانع القرار الفلسطيني بدأت تتلاشى تدريجياً بعد استنزاف أدوات الاقتراض من المصارف المحلية. كما أن تراكم المتأخرات المالية لصالح القطاع الخاص والموردين بات يهدد بتوقف خدمات حيوية في قطاعات الصحة والطاقة والمقاولات.
ويرى خبراء أن التساؤل الجوهري اليوم لا يتعلق بأسباب الأزمة المعروفة سلفاً، بل بالمدى الزمني الذي يمكن للسلطة أن تصمد فيه قبل الوصول إلى مرحلة الانهيار الشامل. فالحكومة استنفدت قدرتها على المناورة المالية عبر تأجيل الالتزامات، وأصبح الاقتصاد المحلي غير قادر على توليد موارد بديلة تعوض الفقدان الكبير في السيولة.
إلى جانب أزمة المقاصة، يعاني الاقتصاد الفلسطيني من ضربة موجعة أخرى تمثلت في فقدان عشرات آلاف العمال لوظائفهم داخل الخط الأخضر منذ أكتوبر 2023. هذه الفئة كانت تضخ مليارات الدولارات سنوياً في الأسواق المحلية، وتراجع دخلها أدى إلى ضعف القوة الشرائية وزيادة معدلات الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق.
وتشير البيانات إلى أن الإنفاق الحكومي السنوي، الذي يمثل نحو ثلث النشاط الاقتصادي، قد تضرر بشدة، مما انعكس سلباً على حركة التجارة الداخلية. هذا الترابط الوثيق بين الإنفاق العام وحيوية السوق يجعل من أي خلل في تدفقات المقاصة زلزالاً يضرب كافة القطاعات الإنتاجية والخدمية.
استمرار احتجاز أموال المقاصة دون توفير بدائل مالية خارجية سيجعل من الصعب الحديث عن حل حقيقي للأزمة، والمجتمع الدولي مطالب بتحمل مسؤولياته.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تبرز مخاوف جدية حول سلامة القطاع المصرفي الفلسطيني الذي بات منكشفاً بشكل كبير على الديون الحكومية وديون الموظفين. وتوضح التقديرات أن نحو سبعة مليارات دولار من التسهيلات الائتمانية مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالحكومة، مما يجعل أي تعثر طويل الأمد خطراً يهدد الاستقرار المالي.
وعلى الصعيد الدولي، تبذل الحكومة الفلسطينية جهوداً حثيثة لحشد الدعم من المانحين، حيث تعتمد حالياً على منح أوروبية محدودة ودعم من البنك الدولي لتسيير الأمور العاجلة. ومع ذلك، يظل هذا الدعم بمثابة 'مسكنات' لا تعالج أصل المشكلة المتمثل في السيطرة الإسرائيلية على الموارد المالية الفلسطينية.
وتجددت الدعوات الفلسطينية للدول العربية بضرورة تفعيل شبكة الأمان المالية التي أقرتها القمم العربية السابقة ولم تدخل حيز التنفيذ الفعلي والمستدام. ويرى مراقبون أن توفير هذه الشبكة بات ضرورة ملحة لمنع تحول الأزمة المالية إلى انفجار اجتماعي أو أمني قد يصعب السيطرة عليه في الأراضي المحتلة.
المجتمع الدولي، من جانبه، مطالب بالضغط على الجانب الإسرائيلي للإفراج عن الأموال المحتجزة دون قيد أو شرط، التزاماً بالاتفاقيات الموقعة. فالحفاظ على مؤسسات الدولة الفلسطينية يتطلب تدفقاً منتظماً للموارد، وليس منحاً موسمية لا تغطي الحد الأدنى من النفقات التشغيلية والخدمية.
وفي غضون ذلك، تواصل الحكومة الفلسطينية محاولات الإصلاح المالي والإداري لضبط النفقات وتقليل العجز، رغم محدودية النتائج في ظل غياب السيطرة على المعابر والموارد. هذه الإصلاحات تهدف إلى إرسال رسائل طمأنة للمجتمع الدولي والمانحين بأن السلطة تبذل قصارى جهدها في إدارة الموارد المتاحة.
ويبقى مستقبل الأزمة معلقاً بمدى الاستجابة الدولية والضغوط التي يمكن ممارستها على حكومة الاحتلال لوقف قرصنة الأموال. فبدون استعادة أموال المقاصة كاملة، ستظل السلطة الفلسطينية تدور في حلقة مفرغة من الأزمات المعيشية التي تهدد استقرار المنطقة بأسرها.
ختاماً، فإن الصمود الفلسطيني في وجه هذه الضغوط الاقتصادية يعتمد على تلاحم الجبهة الداخلية وتوفير بدائل عربية ودولية حقيقية. إن استمرار الوضع الراهن يضع الاقتصاد الفلسطيني أمام تحدٍ وجودي، يتطلب حلولاً سياسية جذرية تنهي التبعية الاقتصادية القسرية التي فرضها بروتوكول باريس منذ عقود.





شارك برأيك
أزمة المقاصة تخنق الاقتصاد الفلسطيني: سيناريوهات الصمود وتحديات الانهيار المالي