تحليل

الثّلاثاء 26 مايو 2026 4:02 مساءً - بتوقيت القدس

ابن بطوطة.. عبقرية الرحلة وتجليات الهوية الحضارية في اللسان العربي

أعاد الإعلان عن المتوجين بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة لعام 2026 تسليط الضوء على المكانة الرفيعة التي يحتلها هذا الفن الأدبي في الوجدان العربي والعالمي. وتكشف هذه الجائزة عن تجذر ظاهرة الترحال كسمة حضارية ميزت المنطقة المغاربية، حيث برز اسم ابن بطوطة ورفيقه في التدوين ابن جزي كعلمين ساهما في تخليد تفاصيل جغرافية وبشرية معقدة بلسان عربي مبين.

منذ بواكير الفتح الإسلامي للمغرب والأندلس، لم يكن المشروع مجرد تمدد جغرافي، بل كان تحولاً جوهرياً في مفهوم الإنسان وعلاقته بالآخر. فقد أرسى الإسلام رؤية تقوم على المساواة وتفكيك الامتيازات العرقية، مما أدى إلى تقارب فريد بين الأمازيغ والعرب داخل إطار حضاري جامع. هذا الانصهار لم يلغِ الخصوصيات المحلية، بل أعاد صياغتها لتصبح جزءاً من نسيج ثقافي وديني مشترك يتجاوز حدود النسب.

تجلت هذه المرونة الحضارية في الأندلس بشكل أكثر ثراءً، حيث تشكل مجتمع متعدد المكونات يضم المسلمين والمسيحيين واليهود في فضاء واحد. وقد تشابكت في هذا الفضاء اللغات والعادات والمعارف، مما جعل من الاختلاف مصدراً للتكامل لا الصراع. وانعكس هذا الواقع الحي في الأسواق والمساجد والمدارس، حيث تراجعت الحواجز الإثنية لصالح هوية مرنة استوعبت التنوع دون أن تفقد وحدتها.

في ظل هذا المناخ المنفتح، برزت قامات فكرية مثل ابن خلدون الذي أعاد تعريف التاريخ كعلم لفهم حركة المجتمعات، مستفيداً من بيئته المغاربية المتعددة الأعراق. كما جسد الإدريسي هذا التمازج في أعماله الجغرافية التي جمعت بين معارف الشرق والغرب، مقدماً خرائط لم تكن مجرد رسومات، بل تعبيراً عن عالم متداخل لا تفصله الحدود الصارمة، مما جعل الحضارة الإسلامية نموذجاً للتراكم المعرفي العابر للأجناس.

وعلى الرغم من إغفال بعض المستشرقين للبعد الروحي، إلا أن الإسلام مثل قوة عميقة أعادت تشكيل الذائقة الفنية والأدبية للإنسان. فلم تكن الرحلة في هذا السياق مجرد انتقال مكاني، بل كانت بحثاً مستمراً عن المعرفة والمعنى الروحي. هذا الارتباط بين الجمال والتأمل ظهر بوضوح في العمارة والأدب، حيث أصبح الإحساس بالتوازن والتناغم معياراً أساسياً للرقي الإنساني والمعرفي.

لقد لعبت اللغة العربية دوراً محورياً في توحيد هذا التنوع العرقي، إذ تحولت إلى لغة عالمية قادرة على احتضان تجارب شعوب مختلفة من أفريقيا إلى آسيا. وتعد رحلة ابن بطوطة وثيقة تاريخية تعكس هذا الامتداد، حيث ساهمت الكتابة المشتركة مع ابن جزي في تقديم نص يمثل خلاصة التفاعل بين الأصول المتباينة. وبالمثل، تبرز 'ألف ليلة وليلة' كنموذج لامتزاج الحكايات الهندية والفارسية في قالب عربي عالمي.

إن التمازج العرقي تحت ظل الحضارة الإسلامية لم يكن ظاهرة عابرة، بل ركيزة أساسية في بناء إرث إنساني متعدد الأبعاد. لقد سمح هذا التداخل بتطوير الفنون والآداب وحفظ التجارب البشرية من الاندثار عبر التدوين والرحلة. وفي نهاية المطاف، تظل الكتابة مرآة لحضارة جعلت من التنوع قوة ومن الاختلاف إبداعاً، واضعة الإنسان في قلب التاريخ والمعرفة.

تحليل

الثّلاثاء 26 مايو 2026 4:02 مساءً - بتوقيت القدس

أوجلان وأكراد سوريا.. قراءة في جدلية 'الأب الروحي' والإنكار التاريخي

غالباً ما تتستر الشعارات السياسية البراقة خلف وجوه أكثر قتامة، ويبرز هنا اسم عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني، الذي يُنظر إليه كأب روحي لمشروع 'الأمة الديمقراطية'. ومع ذلك، يكشف تفكيك خطابه تجاه أكراد سوريا عن حقيقة صادمة، حيث يظهر كمنكر لوجودهم التاريخي ومستثمر لمعاناتهم في صفقات سياسية معقدة.

تعود جذور هذا الموقف إلى الأسس الفكرية للحزب التي تأسست عام 1978، والقائمة على محاربة التيار الكردي المحافظ والتقليدي. أوجلان سعى لاستبدال النماذج العشائرية والدينية بنموذج يساري علماني، محملاً القيادات التاريخية مثل الشيخ سعيد بيران مسؤولية فشل الحركات الكردية السابقة.

بالنسبة لأوجلان، كان الأكراد السوريون يمثلون عبئاً مزدوجاً، فهم في نظره نتاج موجات لجوء أعقبت فشل انتفاضات كردستان تركيا. هذا التصور جعلهم في عقله مجرد 'لاجئين' يفتقرون للأصالة الجغرافية، مما سهل عليه استخدامهم كوقود لمشروعه الخاص بعيداً عن تطلعاتهم الوطنية المحلية.

تجسدت هذه النظرة الفوقية في حواراته الموثقة بوضوح، حيث أعلن صراحة أن الغالبية الكردية في سوريا نزحت من الشمال التركي هرباً من الاستبداد العثماني. وبذلك، جرد أوجلان هذا المجتمع من صفة 'الأصالة'، محولاً إياهم إلى أقلية طارئة لا تملك حق تقرير المصير في الجغرافيا السورية.

هذا المحو المعرفي لم يكن مجرد تنظير فكري، بل تحول إلى ممارسة سياسية تجلت في التحالف المشبوه مع نظام حافظ الأسد. فقد فتحت دمشق أبوابها لأوجلان في ذروة صراعها مع المعارضة الداخلية في أوائل الثمانينيات، مما يثير تساؤلات حول طبيعة هذه المقايضة.

بينما كان أوجلان يتمتع بالرعاية الأمنية في دمشق ومعسكرات البقاع اللبناني، كان أكراد سوريا يواجهون أبشع أنواع القمع الثقافي والسياسي. فقد منعت الأجهزة الأمنية السورية التحدث باللغة الكردية أو الاحتفال بالأعياد القومية، في مفارقة عجيبة بين حماية الزعيم وسحق أتباعه المفترضين.

لم يكن صمت أوجلان عن انتهاكات النظام السوري مجرد حياد سياسي، بل كان ثمناً مدفوعاً للبقاء آمناً ومحمياً. لقد طوع أيديولوجيته لتخدم رواية النظام، مقدماً غطاءً فكرياً يصادر حق الأكراد السوريين في أي خطاب قومي يهدد وحدة الدولة السورية المركزية.

في كتابه 'مانيفستو الحضارة الديمقراطية'، اعتبر أوجلان الدولة القومية أصلاً للعدوان، وهو ما وفر ذريعة للنظام السوري لتهميش المطالب القومية الكردية. هذه الرؤية حولت الشباب الكرد إلى أدوات في مشروع عابر للحدود، بينما ظل حليفه في دمشق مرتاحاً لغياب التهديد الانفصالي.

لقد عمّد هذا التحالف شقاقاً قومياً مزمناً بين العرب والأكراد في سوريا، وهو إرث مسموم لا تزال البلاد تعاني من تبعاته حتى اليوم. أوجلان لم يكن مجرد مراقب، بل كان شريكاً في هندسة هذا الانقسام الذي انفجر في المنعطفات السياسية الكبرى.

المفارقة العبثية تظهر اليوم في مناطق 'الإدارة الذاتية' بشمال شرق سوريا، حيث تُقدس القوى العسكرية والسياسية هناك شخصية أوجلان. هؤلاء الأتباع يتبنون أفكار رجل أنكر وجودهم التاريخي في تلك الأرض واعتبرهم مجرد جماعات لاجئة طارئة.

إن قصة أوجلان مع أكراد سوريا هي شهادة على خيانة مزدوجة، بدأت بإنكار الهوية وانتهت بالصمت على القمع الممنهج. لقد دفع الأكراد السوريون ثمناً باهظاً من دمائهم وحقوقهم لضمان استمرار نفوذ 'الأب الروحي' في صراعاته الإقليمية.

هذا الإرث من المقايضة الرخيصة بين البعث وحزب العمال الكردستاني ترك جروحاً غائرة في النسيج المجتمعي السوري. فالسياسات التي نُهجت في الثمانينيات والتسعينيات أسست لواقع معقد يصعب تجاوزه دون مواجهة هذه الحقائق التاريخية المرة.

يبقى التساؤل قائماً حول كيفية استمرار تقديس هذه الرموز في ظل الوثائق التي تثبت تلاعبها بالمصير القومي من أجل مكاسب تنظيمية. إن مراجعة هذه الحقبة ضرورية لفهم جذور الصراع الحالي وتفكيك الألغام التي زرعها الحليفان القديمان.

في الختام، يظل التاريخ شاهداً على أن التحالفات المبنية على حساب الشعوب لا تنتج إلا مزيداً من الهوان والتمزق. وأكراد سوريا، الذين كانوا ضحية لإنكار أوجلان وقمع الأسد، لا يزالون يكابدون سموم هذا الإرث الذي كُتب بالدم والصفقات السرية.

فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 4:02 مساءً - بتوقيت القدس

في يوم عرفة.. مئات المستوطنين يقتحمون الأقصى ويؤدون طقوساً تلمودية بحماية مشددة

اقتحم مئات المستوطنين الإسرائيليين باحات المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس المحتلة، صباح اليوم الثلاثاء الذي يصادف يوم عرفة لدى المسلمين. وجرت هذه الاقتحامات تحت حماية مشددة من شرطة الاحتلال التي أمنت مسارات المقتحمين ومنعت المصلين من حرية الحركة داخل المسجد، في خطوة اعتبرتها فعاليات مقدسية استفزازاً لمشاعر العالم الإسلامي في هذه الأيام المباركة.

وأفادت مصادر محلية ومركز معلومات وادي حلوة أن عدد المقتحمين في الفترة الصباحية وحدها وصل إلى 302 مستوطناً، حيث تعمدوا تنظيم جولات استفزازية في المنطقة الشرقية والرواق الغربي. وأظهرت توثيقات ميدانية قيام المجموعات الاستيطانية بأداء صلوات تلمودية بصوت مرتفع قرب باب القطانين، وذلك ضمن احتفالاتهم بما يسمى 'عيد الأسابيع' العبري الذي يتزامن هذا العام مع موسم الحج.

بالتوازي مع الانتهاكات في المسجد الأقصى، صعدت قوات الاحتلال من مضايقاتها بحق السكان المقدسيين، حيث اقتحمت عناصر الشرطة منزل المواطن عبد الحليم الشلودي في حي وادي حلوة ببلدة سلوان. ويواجه الشلودي خطر الإخلاء القسري من منزله لصالح الجمعيات الاستيطانية التي تسعى للسيطرة على العقارات الفلسطينية المحيطة بالبلدة القديمة، ضمن سياسة التهجير الممنهجة التي تنتهجها سلطات الاحتلال.

وكانت مدينة القدس قد شهدت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت البشر والحجر، شملت عمليات هدم لمنشآت فلسطينية وحملة اعتقالات واسعة. كما وزعت الإدارة المدنية التابعة للاحتلال إخطارات بوقف البناء ومصادرة عشرات الدونمات من الأراضي الزراعية في قرى المحافظة، في محاولة لتوسيع الرقعة الاستيطانية وتضييق الخناق على التمدد العمراني الفلسطيني.

وتشير المعطيات الرسمية الصادرة عن محافظة القدس إلى تصاعد وتيرة هذه الاقتحامات بشكل مطرد، حيث سجل شهر أبريل الماضي وحده دخول أكثر من 4100 مستوطن إلى باحات المسجد. وتأتي هذه التطورات في ظل تحذيرات فلسطينية مستمرة من محاولات الاحتلال فرض واقع جديد يهدف إلى التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، مستغلاً الأعياد اليهودية لتكثيف الوجود الاستيطاني داخل الحرم القدسي.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 مايو 2026 3:19 مساءً - بتوقيت القدس

صراع النخب في الإقليم: كيف تُصنع القوة وتُهدر الأوطان؟

تشير التحولات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة والعالم إلى أن معايير القوة التقليدية، المعتمدة على الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي، لم تعد كافية وحدها لتفسير صعود الدول أو أفولها. فالتجارب المعاصرة تبرهن أن النخب السياسية والفكرية هي المحرك الأساسي الذي يحول الموارد الخام إلى مشاريع نفوذ وحضور تاريخي فاعل.

إن جوهر الصراع الإقليمي الدائر اليوم يتجاوز النزاع على الحدود أو الموارد، ليصبح في عمقه صراعاً بين رؤى ونخب تمتلك تصورات استراتيجية واضحة. فالنخبة التي تنجح في بناء المؤسسات وإدارة المعرفة وربط الهوية بالمصالح الوطنية، تستطيع فرض دولتها كلاعب إقليمي مؤثر حتى في ظل محدودية الإمكانات.

تبرز التجربة التركية كنموذج لإعادة تعريف دور الدولة، حيث نجحت النخبة هناك في الموازنة بين الهوية القومية والطموح الجيوسياسي. وقد استثمرت أنقرة بشكل مكثف في الصناعات الدفاعية والتعليم والاقتصاد الإنتاجي، مما منحها قدرة عالية على المناورة في ملفات شائكة تمتد من شرق المتوسط إلى إفريقيا.

في المقابل، تقدم إيران نموذجاً يعتمد على 'الصبر الاستراتيجي' وتراكم النفوذ عبر عقود من الزمن رغم الحصار الخانق. فقد ركزت النخبة الإيرانية على مركزية العقيدة والهوية، وربطت الأمن القومي بالتصنيع العسكري وبناء شبكات نفوذ إقليمية ممتدة، محولةً العقوبات إلى دافع لبناء قوة ذاتية.

أما الاحتلال الإسرائيلي، فقد بنى مشروعه على معادلة التفوق النوعي الدائم في مجالات التكنولوجيا والأمن والبحث العلمي. واستطاعت نخبته بناء شبكات ضغط قوية في مراكز القرار العالمي، رغم ما يواجهه هذا المشروع من أزمات أخلاقية وانقسامات داخلية تهدد استقراره على المدى البعيد.

وفي القارة الإفريقية، استطاعت النخبة الإثيوبية صياغة طموح قومي تمثل في 'سد النهضة' كرمز للسيادة الوطنية. ورغم التحديات العرقية والفقر، نجحت أديس أبابا في توظيف الجغرافيا والمياه لتعزيز حضورها كقوة إقليمية صاعدة في منطقة القرن الإفريقي.

وعلى النقيض من هذه النماذج، يبدو المشهد العربي مثقلاً بالأزمات التي لا تعود لنقص في الموارد، بل لخلل بنيوي في وظيفة النخبة. فالعالم العربي يمتلك كافة مقومات القوة، لكنه يفتقد للنخب القادرة على صهر هذه العناصر في مشروع حضاري واستراتيجي متماسك يواجه التحديات.

لقد سيطر منطق 'إدارة السلطة' على حساب 'بناء الدولة' لدى قطاعات واسعة من النخب العربية، حيث قُدم الولاء على الكفاءة، والبقاء السياسي على التفكير الاستراتيجي. هذا النهج أدى إلى تحويل الدولة في كثير من الأحيان إلى أداة لحماية الأنظمة بدلاً من حماية المجتمعات وتطويرها.

إن غياب المشروع العربي الجامع أدى إلى تآكل الوزن الإقليمي للدول العربية، مما جعلها ساحات مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية. ورغم أثر الاستعمار والتدخلات الخارجية، إلا أن الفشل في إنتاج نخب وطنية مستقلة يظل السبب الأبرز في استمرار حالة الارتهان والضعف.

تؤكد الوقائع أن الدول التي واجهت ظروفاً قاسية استطاعت بفضل نخبها بناء قدر من الحصانة والفاعلية، وهو ما يضع النخب العربية أمام تساؤل مصيري. فالسؤال الحقيقي اليوم ليس عن حجم التحديات الخارجية، بل عن مدى قدرة هذه النخب على إنتاج مشروع نهضوي يتجاوز عقلية إدارة الأزمات.

إن أي نهضة عربية حقيقية لن تنطلق من وفرة النفط أو ضخامة الجيوش، بل من إعادة بناء العقل السياسي العربي وتطوير نخب تؤمن بالمؤسسية. فالمستقبل يتطلب قيادات تربط بين التعليم والأمن القومي، وتعيد الاعتبار للكفاءة والمعرفة كأدوات أساسية في صراع البقاء.

بناء الدولة الحديثة يتطلب التصالح مع الشعوب وإطلاق طاقاتها المعطلة، بدلاً من الاعتماد على الخوف والولاءات الضيقة التي تستهلك الأوطان. فالدول التي تدرك نخبها كيفية إدارة التاريخ والصراع هي الوحيدة التي ستجد لها مكاناً في الخارطة العالمية القادمة.

ختاماً، فإن معركة المستقبل في المنطقة هي معركة وعي ونخب بامتياز، حيث تتفوق المشاريع المنظمة على العشوائية السياسية. وإنتاج نخبة جديدة تمتلك رؤية استراتيجية وتلتزم بالعدالة الاجتماعية هو السبيل الوحيد للخروج من دوامة التبعية والتهميش الإقليمي.

يبقى الرهان على قدرة المجتمعات العربية في إفراز نخب تدرك أن قوة الدولة لا تُقاس بما تملكه من ثروات تحت الأرض، بل بما تمتلكه من عقول فوقها. فالدول التي تصنعها النخب هي التي تبقى، بينما تتبدد الأوطان حين تصبح مجرد غنيمة لنخب تستهلك مقدراتها.

فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 2:47 مساءً - بتوقيت القدس

كتاب فلسطيني جديد يوثق الذاكرة والهوية تحت الاحتلال البريطاني

أعلن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات عن إصدار كتاب جديد بعنوان 'الحياة الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال البريطاني 1917–1948'. ويسلط هذا العمل الضوء على تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، بما يشمل العادات والتقاليد وأنماط العيش التي شكلت الكيان الإنساني المتجذر في الأرض.

يأتي هذا الإصدار في سياق بحثي وتوثيقي يسعى إلى إبراز حضور الإنسان الفلسطيني وذاكرته الجماعية في مواجهة محاولات الطمس والتشويه. ويعيد الكتاب رسم صورة المجتمع الفلسطيني بوصفه نسيجاً حضارياً متكاملاً، بعيداً عن مجرد كونه ساحة للصراعات السياسية والعسكرية فقط.

أعد هذا الكتاب الباحث الفلسطيني الراحل الدكتور فتحي بشير البلعاوي، الذي لم يتسنَّ له رؤية عمله مطبوعاً. فقد استشهد البلعاوي في غارة إسرائيلية استهدفت مدينة دير البلح في تشرين الأول/أكتوبر 2023، مما أضفى صبغة مأساوية ورمزية كبيرة على هذا المنجز المعرفي.

لم تتوقف المأساة عند رحيل المؤلف، بل امتدت لتشمل المؤرخ الدكتور زكريا السنوار، الذي كان من المفترض أن يضع مقدمة الكتاب. وقد استشهد السنوار أيضاً خلال العدوان المتواصل، ليتحول النص من دراسة أكاديمية إلى وثيقة حياة وشهادة حية على التضحيات التي يقدمها المثقف الفلسطيني.

يقع الكتاب في 512 صفحة مقسمة إلى ستة فصول شاملة، تتناول البنية الاجتماعية في القرى والمدن والبادية الفلسطينية. ويركز العمل على الفضاءات المركزية للتواصل الاجتماعي مثل الأسواق والمضافات والمقاهي، التي كانت تشكل عصب الحياة الثقافية والسياسية في ذلك الوقت.

يستعرض الكتاب بدقة متناهية الطقوس الاجتماعية التي تعد مفاتيح لفهم الشخصية الفلسطينية، مثل مراسم الزواج والخطبة والأعراس الشعبية. كما يوثق عادات الولادة والوفاة، بالإضافة إلى دراسة تفصيلية للأزياء التقليدية وما تحمله من رموز جغرافية واجتماعية تعكس تنوع الهوية.

أبرزت الدراسة حضور المرأة الفلسطينية كفاعل أساسي في المجتمع، حيث شاركت بفعالية في النضال والعمل المجتمعي وحفظ الذاكرة. ويسعى الكتاب من خلال هذا التوثيق إلى تصحيح الصور النمطية التي حاولت بعض القراءات الخارجية فرضها على دور المرأة في تلك الحقبة.

يتوسع العمل في رصد الفنون الشعبية الفلسطينية، من أغاني وأهازيج ورقصات شعبية، معتبراً إياها تعبيرات عن روح جماعية صلبة. كما يتناول الأمثال والحكايات التي حافظت على استمرارية الهوية الفلسطينية رغم العواصف السياسية والتحولات الكبرى التي شهدتها البلاد.

أكد الكتاب على الطابع التعددي للنسيج الثقافي الفلسطيني من خلال تسليط الضوء على المواسم الدينية والأعياد الإسلامية والمسيحية. وتظهر هذه الفصول كيف تشكل التعايش والتداخل الحضاري كقاعدة أساسية للمجتمع الفلسطيني عبر العصور التاريخية المختلفة.

على الصعيد الاقتصادي، يقدم الكتاب قراءة معمقة لبنية الإنتاج والمعيشة، متناولاً حياة الفلاحين والعمال والتجار وأنماط الملكية الزراعية. ويوضح كيف أثرت السياسات البريطانية وبدايات المشروع الصهيوني على البنية الاقتصادية الفلسطينية وحاولت خلخلة استقرارها.

اعتمد الدكتور البلعاوي في دراسته على لغة علمية رصينة ومصادر ووثائق تاريخية متعددة، مما يمنح الكتاب قيمة مرجعية للأكاديميين. ورغم دقة البحث، حافظ المؤلف على سلاسة لغوية تجعل المحتوى متاحاً للقارئ العام المهتم بتاريخ بلاده وهويته.

يمثل الكتاب في جوهره فعلاً مضاداً لسياسات المحو التي تستهدف الإنسان الفلسطيني وفضاءه الرمزي والمادي. ففي ظل حرب الإبادة المتواصلة، يكتسب توثيق تفاصيل الحياة اليومية معنى مضاعفاً كأداة من أدوات البقاء والمقاومة المعرفية.

تتجلى أهمية العمل في كونه يعيد تركيب المشهد الفلسطيني كعالم متكامل يتداخل فيه نمط العيش مع التحولات السياسية القسرية. ويظهر المجتمع هنا ككيان ديناميكي لم يكن ساكناً، بل خاض تحولات تاريخية كبرى تحت ضغوط الاستعمار البريطاني.

في الختام، يثبت هذا الإصدار أن فلسطين لا تزال تُكتب وتُروى رغم الجراح العميقة، وأن المعرفة تظل سلاحاً في الميدان. إن توثيق الذاكرة هو شكل من أشكال الدفاع عن الحق الفلسطيني في الاستمرار والوجود داخل الوجدان الإنساني العالمي.

رياضة

الثّلاثاء 26 مايو 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

المكسيك تستضيف المنتخب الإيراني في المونديال بعد رفض أمريكي

أعلنت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم أن بلادها ستفتح أبوابها لاستضافة المنتخب الإيراني لكرة القدم خلال فترة مشاركته في نهائيات كأس العالم 2026. وجاء هذا القرار بعد تقارير أكدت رفض الإدارة الأمريكية استضافة البعثة الإيرانية على أراضيها طوال مدة البطولة، رغم أن القرعة وضعت مباريات إيران في مدن أمريكية.

وكشفت شينباوم في مؤتمر صحفي أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بادر بالتواصل مع الحكومة المكسيكية لتأمين مقر بديل للمنتخب الإيراني. وأوضحت أن الترتيبات الحالية تقضي بإقامة الفريق في المكسيك، على أن يغادرها فقط في أيام مبارياته الرسمية للعب في الولايات المتحدة ثم العودة فوراً إلى مقره المكسيكي.

من جانبه، أكد مهدي تاج، رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم أن مقر إقامة «تيم ملي» سينتقل رسمياً من ولاية أريزونا الأمريكية إلى مدينة تيخوانا المكسيكية الواقعة على الحدود. وتهدف هذه الخطوة، التي حظيت بمباركة الفيفا، إلى تجاوز التعقيدات المتعلقة بتأشيرات الدخول وضمان انسيابية حركة الفريق عبر الخطوط الجوية الإيرانية.

وتأتي هذه التطورات في ظل مناخ سياسي مشحون، حيث سبق للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن صرح في مارس الماضي بأن وجود المنتخب الإيراني داخل الولايات المتحدة قد لا يكون مناسباً. وبرر ترمب هذا الموقف بضرورة الحفاظ على سلامة اللاعبين، رغم ترحيبه بمشاركتهم الرياضية في البطولة العالمية التي تستضيفها ثلاث دول.

وبحسب جدول مباريات المجموعة السابعة، يواجه المنتخب الإيراني تحديات لوجستية كبيرة، حيث سيلعب مواجهتين في مدينة لوس أنجلوس أمام كل من نيوزيلندا في 15 يونيو وبلجيكا في 21 يونيو. ويختتم الفريق دور المجموعات بلقاء مرتقب ضد المنتخب المصري في مدينة سياتل يوم 26 يونيو، مما يتطلب رحلات طيران متكررة بين المكسيك وأمريكا.

ويرى مراقبون أن التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة في فبراير الماضي، إثر ضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت مواقع إيرانية، ألقت بظلال كثيفة على الجانب الرياضي. وقد أثارت تلك الأحداث تساؤلات دولية حول قدرة البعثة الإيرانية على التحرك بحرية وأمان داخل الأراضي الأمريكية خلال الحدث الكروي الأبرز.

وكانت مقترحات قد طفت على السطح في أبريل الماضي تنادي باستبعاد إيران واستبدالها بالمنتخب الإيطالي، إلا أن الاتحاد الدولي لكرة القدم حسم الجدل برفض هذه الفرضية جملة وتفصيلاً. وأكد مسؤولو الفيفا وإيطاليا حينها أن التأهل يُحسم في الميدان، وأن إيران استحقت مقعدها بجدارة رياضية كاملة.

يُذكر أن المنتخب الإيراني نجح في حجز مقعده في المونديال للمرة الرابعة على التوالي، بعد أداء قوي في التصفيات الآسيوية العام الماضي مكنه من تصدر مجموعته. وتطمح الجماهير الإيرانية إلى تحقيق نتائج إيجابية في هذه النسخة رغم الضغوط السياسية واللوجستية التي تحيط بمشاركة فريقهم الوطني.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 مايو 2026 2:17 مساءً - بتوقيت القدس

جدل 'الخلايا النائمة' في الجامعات المصرية: نعي الإخوان للدكتور خالد فهمي يثير عاصفة تحريضية

عادت إلى الواجهة في مصر نغمة التحذير من 'الخلايا النائمة' لجماعة الإخوان المسلمين، وذلك في أعقاب نعي أصدره فرع الجماعة الذي يقوده محمود حسين للأكاديمي الراحل الدكتور خالد فهمي. وقد تسبب هذا النعي، الذي وصف الفقيد بأنه من 'أبناء الجماعة'، في انطلاق دعوات تطالب بتطهير الجامعات ممن يوصفون بالعناصر المتخفية التي تتحرك في المجتمع دون إعلان هويتها السياسية.

ويرى مراقبون أن الدكتور خالد فهمي، بصفته أستاذاً للغويات وخبيراً بمجمع اللغة العربية، كان شخصية منفتحة يصعب قولبتها سياسياً ضمن إطار تنظيمي ضيق. فالعلاقات الواسعة التي امتلكها الراحل في الأوساط الأكاديمية والثقافية جعلت من رثائه واجباً اجتماعياً شارك فيه طيف واسع من الشخصيات، بعيداً عن أي حسابات أيديولوجية أو تنظيمية.

إن الأزمة الحالية تكمن في الصياغة المرتبكة لنعي الجماعة، والتي بدت وكأنها محاولة لإثبات الحضور أو توظيف شعبية الفقيد في ظل الانقسامات الداخلية التي تعصف بالتنظيم. هذا التصرف غير المسؤول فتح الباب أمام حملات تحريضية واسعة تستهدف كل من يثبت وجود صلة معرفية أو إنسانية سابقة له مع عناصر محسوبة على التيار الإسلامي.

وبالنظر إلى الواقع الأمني والسياسي، يظهر أن فكرة وجود 'خلايا نائمة' غير معروفة للأجهزة الأمنية هي فرضية تفتقر للدقة، خاصة بعد أحداث عام 2011 التي كانت كاشفة للجميع. فالثورة دفعت معظم المنتمين للتنظيم إلى الكشف عن هوياتهم والمباهاة بانتمائهم، مما جعل قاعدة البيانات الأمنية مكتملة إلى حد كبير بشأن العناصر النشطة أو السابقة.

وتشير التقديرات إلى أن أعداد السجناء من الجماعة تتراوح ما بين 30 إلى 60 ألفاً، بينما غادر آلاف آخرون البلاد، وهو ما يعني أن من تبقى في الداخل يعيشون تحت رقابة دقيقة. إن محاولة تصوير المعارضين السياسيين أو الأكاديميين المستقلين على أنهم 'خلايا نائمة' تندرج غالباً في إطار الدعاية السياسية التي تهدف لتعميم الاتهام وتكميم الأفواه.

لقد كشفت مرحلة ما بعد الثورة أن الكثير من أعضاء الجماعة اعتبروا فترة النشاط السياسي مرحلة استثنائية، وعادوا بعدها لحياتهم الطبيعية بعيداً عن العمل الحركي. هؤلاء الأفراد لا يشكلون تهديداً أمنياً ولا يسعون للصدام، بل إن بعضهم بات يشكك في أهلية القيادات التي انفردت باتخاذ القرارات المصيرية وأدت بالتنظيم إلى مأزقه الحالي.

إن المطالبة بمراجعات فكرية للإخوان تشبه تلك التي قامت بها الجماعة الإسلامية قد لا تكون دقيقة، لأن مشكلة العضو الإخواني تكمن في التنظيم لا في الأفكار. فبمجرد انقطاع الصلة التنظيمية، يعود العضو لممارسة حياته كمواطن عادي لا يختلف سلوكه عن بقية أفراد المجتمع، وهو ما كانت تدركه الدولة المصرية في حقب سابقة.

تاريخياً، تعاملت الدولة مع الشخصيات التي غادرت التنظيم بمرونة، كما حدث في قصة الدكتور عبد العزيز كامل الذي سجن في عهد الملك وعبد الناصر، ثم انتهى به المطاف وزيراً للأوقاف. هذا النموذج يؤكد أن قطع الصلة بالتنظيم كان كافياً في الماضي لدمج الشخصيات الكفؤة في بنية الدولة دون الحاجة لإعلانات توبة مسرحية.

الحملة الإعلامية الحالية تضغط بشكل كبير على عصب الأجهزة الأمنية، وتدفع نحو اتخاذ إجراءات قد تطال أبرياء أو أشخاصاً غادروا العمل السياسي منذ سنوات. ويبدو أن هناك قطاعاً من الإعلاميين يقتات على استمرار 'فزاعة الإخوان' لتبرير وجوده المهني واستمرار الخطاب التحريضي الذي يتبناه منذ سنوات طويلة.

إن غياب الإخوان عن المشهد السياسي بشكل كامل قد يعني فقدان هؤلاء الإعلاميين لوظيفتهم الأساسية، وهي تصوير الجماعة كخطر داهم يهدد العالم بأسره. ومن هنا، جاء بيان فرع الجماعة في الخارج ليقدم خدمة مجانية لهؤلاء المحرضين، عبر الإيحاء بأن التنظيم لا يزال يتغلغل في مفاصل الدولة عبر 'خلايا نائمة' مزعومة.

الواقع يشير إلى أن الاستقرار المجتمعي مقدم على الرغبة في الانتقام السياسي، خاصة تجاه الأفراد غير الحركيين الذين اختاروا العودة لسيرتهم الأولى. فالمبالغة في الملاحقة بناءً على تصنيفات فضفاضة قد تؤدي إلى فتنة داخلية لا تخدم أحداً، وتزيد من حالة الاحتقان في الأوساط الأكاديمية والمهنية.

الدكتور خالد فهمي، سواء كان عضواً سابقاً أو مجرد متعاطف، كان يمثل قيمة علمية كبيرة في مجال فقه اللغة والدراسات العربية، ونعيه من قبل أطراف مختلفة يعكس مكانته العلمية. إن محاولة اختزال مسيرته الأكاديمية في 'بيان نعي' ملتبس هي جناية على العلم وعلى أسرته التي قد تدفع ثمن صراعات سياسية لا ناقة لها فيها ولا جمل.

وفي الختام، يظل التحدي الأكبر أمام الدولة هو التمييز بين العمل التنظيمي المحظور وبين الحق في الوجود المهني والإنساني لمن لا يمارسون أي نشاط سياسي. إن الانجرار وراء دعوات الاستئصال العشوائي قد يدمر ما تبقى من جسور الثقة داخل المجتمع المصري، ويحول المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتصفيات السياسية.

رحم الله الدكتور خالد فهمي، الذي رحل وترك خلفه إرثاً لغوياً كبيراً، وفتنة سياسية لم يكن ليرضاها، تسبب فيها بيان غير مسؤول من جهة، وآلة إعلامية لا تتوقف عن التحريض من جهة أخرى. إن الحفاظ على أمن المجتمع يتطلب حكمة في التعامل مع ملفات الماضي، بعيداً عن لغة 'الخلايا النائمة' التي أكل عليها الدهر وشرب.

تحليل

الثّلاثاء 26 مايو 2026 2:17 مساءً - بتوقيت القدس

مشروع الغنوشي الفكري: مراجعات في قضايا المرأة والديمقراطية والدولة المدنية

يواصل الباحث التونسي عبد العزيز التميمي تسليط الضوء على المشروع الإصلاحي للشيخ راشد الغنوشي، معتبراً إياه مختبراً حياً للأسئلة الكبرى التي واجهت الفكر الإسلامي المعاصر. ويرى التميمي أن تجربة الغنوشي ولدت من رحم الجدل الدائم بين المعاناة الشخصية في السجون والمنافي وبين الوعي السياسي والفكري المتراكم عبر العقود.

في كتابه 'المرأة بين القرآن وواقع المسلمين'، يقدم الغنوشي رؤية مقاصدية تحاول ردم الفجوة بين القيم القرآنية التحررية والممارسات الاجتماعية التي همشت المرأة. ويؤكد أن الأزمة تكمن في التقاليد التاريخية التي أعادت إنتاج أنماط الإقصاء تحت غطاء ديني، بينما منح القرآن المرأة مرتبة الإنسان الكامل المسؤول.

يشدد الغنوشي في أطروحاته على أن المرأة شريك أصيل للرجل في الاستخلاف والعمران، ويرفض اختزال دورها في الإنجاب أو التبعية المطلقة. ويرى أن تحررها مرتبط بالتعليم والمشاركة الاقتصادية والفكرية، منتقداً النظم التقليدية التي حصرت نشاطها في أدوار ضيقة ومنعتها من المساهمة الفاعلة في المجال العام.

يتناول الغنوشي قضية الحجاب كجزء من منظومة أخلاقية تعبر عن الهوية والحياء، لكنه يرفض بشكل قاطع تحويله إلى أداة للإكراه السياسي أو الاجتماعي. ويؤكد أن قيمة التدين تنبع من حرية الاختيار والاقتناع الداخلي، مشيراً إلى أن التاريخ الإسلامي حافل بنماذج نسائية فاعلة في السياسة والعلم والجهاد.

أما في كتابه 'الحريات العامة في الدولة الإسلامية'، فيسعى الغنوشي إلى تفكيك الصورة النمطية للدولة الإسلامية كدولة وصاية، مؤكداً أن الاستبداد انحراف تاريخي. ويعتبر أن الحرية هي جوهر التكليف الديني، إذ لا معنى للإيمان القائم على القهر أو الإكراه السلطوي.

يطرح المشروع الفكري للغنوشي مبدأ الشورى كآلية موازية للديمقراطية الحديثة لمنع تغول السلطة وضمان الرقابة الشعبية. ويرى أن الأمة هي المصدر الحقيقي للشرعية السياسية، وأن الحاكم يستمد سلطته من التعاقد الحر والاختيار الشعبي، بعيداً عن مفاهيم التفويض الإلهي أو القوة العسكرية.

يدافع الغنوشي عن التعددية السياسية والفكرية، معتبراً أن المجتمع لا يمكن إدارته بمنطق الحزب الواحد أو احتكار الحقيقة المطلقة. ويؤكد على حق كافة التيارات، بما فيها غير الإسلامية، في العمل السياسي العلني، انطلاقاً من أن الاختلاف سنة إنسانية وقرآنية يجب احترامها في إطار الدولة.

في سياق الحريات الفردية، يقدم الغنوشي قراءة توازن بين هوية المجتمع وحقوق الأفراد في التعبير والنقد والمعارضة. ويرى أن حرية الصحافة ومنظمات المجتمع المدني هي التجسيد المعاصر لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الضمانة الأساسية ضد عودة الأنظمة الشمولية.

حول قضية المواطنة، يؤكد الغنوشي أن الإسلام أقر مبدأ 'لا إكراه في الدين'، مما يستوجب بناء دولة تحفظ حقوق الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم العقدية. ويدعو إلى تعايش يقوم على الاعتراف المتبادل، ورفض أي تمييز قهري يستند إلى الدين أو الفكر في الحقوق والواجبات الوطنية.

على الصعيد الآخر، يبرز نقد حمادي الرديسي في كتابه 'الإسلام المتردد'، حيث يرى أن الحركات الإسلامية تعيش ارتباكاً بين مرجعيتها الدعوية ومتطلبات الدولة الحديثة. ويعتبر الرديسي أن قبول الإسلاميين بالديمقراطية هو قبول إجرائي وبراغماتي، بينما يظلون مترددين تجاه الأسس الفلسفية للحداثة والسيادة الشعبية.

يرد أنصار مشروع الغنوشي على هذا النقد بالقول إن الجمع بين الإسلام والديمقراطية ليس تردداً، بل هو محاولة لإنتاج نموذج حضاري جديد. ويرون أن المراجعات الفكرية التي بدأت منذ الثمانينات كانت نتاج اجتهاد داخلي عميق، وليست مجرد استجابة ظرفية للضغوط السياسية أو الدولية.

أعلن الغنوشي بوضوح عن ضرورة الفصل المنهجي والتخصصي بين المجالين الدعوي والسياسي، معتبراً أن الدين عنصر مؤسس للهوية والقيم العامة. ويهدف هذا التوجه إلى منع احتكار الدين أو توظيفه في الصراعات الحزبية الضيقة، مع الحفاظ على حق المجتمع في التعبير عن مرجعيته الحضارية.

يربط التميمي بين مسار الغنوشي السياسي وتاريخ تونس المعاصر، مشيراً إلى رمزية اعتقاله في ليلة القدر عام 2023 كاستعارة للصراع المستمر من أجل الحرية. ويرى أن تجربة الغنوشي نقلت الإسلام السياسي من منطق الجماعة المغلقة إلى أفق 'الإسلام الديمقراطي' المنفتح على أسئلة الدولة والتنمية.

في الختام، يظل مشروع الغنوشي جزءاً من المخاض التاريخي للمنطقة العربية في انتقالها نحو الدولة المجتمعية الديمقراطية. وتؤكد القراءة التحليلية أن الأفكار التي تربط الدين بالحرية والهوية بالتعددية لن تختفي بالإجراءات الأمنية، بل ستظل محور النقاش حول مستقبل الاستقرار والكرامة في العالم العربي.

عربي ودولي

الثّلاثاء 26 مايو 2026 2:04 مساءً - بتوقيت القدس

صحيفة دولية: طموحات ترامب لتوسيع 'اتفاقيات أبراهام' تصطدم بالواقع الإقليمي المعقد

أفادت تقارير صحفية دولية بأن التحركات الأمريكية الأخيرة لإعادة إحياء ملف توسيع اتفاقيات أبراهام تواجه تحديات بنيوية عميقة في المشهد السياسي الراهن. وأشارت المصادر إلى أن المقترحات التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتقاطع بشكل مباشر مع كواليس المفاوضات الجارية مع إيران، مما يعكس رغبة واشنطن في إعادة صياغة التحالفات الإقليمية.

وذكرت صحيفة 'التليغراف' أن الطموحات التي أبداها ترامب لضم مجموعة واسعة من الدول العربية والإسلامية إلى مسار التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي تفتقر إلى الواقعية السياسية. واعتبرت الصحيفة أن هذه الرؤية تحاول رسم خريطة جديدة للعلاقات في الشرق الأوسط دون النظر بجدية إلى التعقيدات الميدانية والسياسية القائمة حالياً.

وكان ترامب قد استخدم منصته 'تروث سوشيال' لتوجيه دعوة صريحة للدول المنخرطة في مسارات التهدئة الإقليمية للانضمام إلى الاتفاقيات التي أسست لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. ويرى الرئيس الأمريكي أن أي تفاهمات محتملة مع طهران يجب أن تكون حجر زاوية لمرحلة أوسع من التحالفات التي تضمن دمج إسرائيل في المنطقة بشكل كامل.

وتضمنت قائمة الدول التي طرحها ترامب أسماء وازنة في الثقل السياسي الإقليمي، شملت كلاً من المملكة العربية السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن. بل وذهب الطرح الأمريكي إلى أبعد من ذلك بإدراج إيران نفسها ضمن هذا التصور المستقبلي، واصفاً هذه الخطوة بأنها قد تصبح 'أهم اتفاق في تاريخ الشرق الأوسط'.

وأعادت هذه التصريحات تسليط الضوء على المسار الذي بدأ في الولاية الأولى لترامب، والذي أدى إلى توقيع اتفاقيات مع الإمارات والبحرين، وتبعهما لاحقاً المغرب والسودان. ورغم أن تلك الخطوات مثلت تحولاً في العلاقات الدبلوماسية، إلا أن محاولة تعميمها على دول أخرى تواجه اليوم جداراً من الرفض الشعبي والسياسي.

وتشير المصادر إلى أن الخطاب السياسي المرافق لهذه الدعوات يروج لفكرة أن التطبيع هو جزء لا يتجزأ من تسوية إقليمية شاملة تنهي الصراعات المزمنة. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا الطرح يتجاهل العقبة الجوهرية المتمثلة في استمرار الاحتلال وغياب أي أفق سياسي لحل القضية الفلسطينية بشكل عادل.

وتؤكد المواقف الرسمية لعدد من الدول الرئيسية في المنطقة، وفي مقدمتها السعودية، على ضرورة تحقيق تقدم ملموس وحقيقي نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة. ويشكل هذا الشرط حجر عثرة أمام الطموحات الأمريكية التي تسعى لتجاوز الملف الفلسطيني والقفز مباشرة نحو بناء تحالفات أمنية واقتصادية مع الاحتلال.

وفي ظل استمرار العدوان على قطاع غزة، تزايدت حدة التباين في ردود الفعل الإقليمية تجاه هذه المبادرات، حيث تسود حالة من الغضب الشعبي العارم ضد أي تقارب مع إسرائيل. وترى أطراف عديدة أن الظروف الراهنة لا توفر البيئة المناسبة للحديث عن توسيع الاتفاقيات، بل إنها تضع الاتفاقات القائمة تحت مجهر الاختبار.

ولم تخلُ تصريحات ترامب من لغة التهديد المبطن، حيث أشار إلى أن الدول التي ستختار البقاء خارج هذا المسار قد تجد نفسها مستبعدة من الترتيبات الأمنية والسياسية الكبرى. وأثار هذا التوجه تساؤلات جدية حول طبيعة الضمانات التي يمكن أن تقدمها واشنطن، ومدى قدرتها على فرض إرادتها في ظل تراجع نفوذها النسبي.

ويرى محللون أن الربط بين الملف النووي الإيراني واتفاقيات التطبيع هو محاولة لابتزاز الأطراف الإقليمية ودفعها نحو خيارات صعبة. فبينما تسعى بعض الدول لتعزيز الاستقرار عبر الحوار مع طهران، يحاول الطرح الأمريكي تحويل هذا المسار إلى أداة لشرعنة وجود الاحتلال الإسرائيلي في قلب المنظومة الإقليمية.

إن التحديات الواقعية التي تواجه هذا الطرح تبدو معقدة للغاية، خاصة مع تداخل الملفات الساخنة من غزة إلى جنوب لبنان وصولاً إلى البحر الأحمر. هذه الملفات المفتوحة تجعل من الصعب على أي عاصمة عربية أو إسلامية اتخاذ خطوات تطبيعية جديدة في ظل نزيف الدم الفلسطيني المستمر.

كما أن الموقف التركي والباكستاني يبدو بعيداً كل البعد عن هذه التصورات، نظراً للارتباطات العقائدية والسياسية القوية بالقضية الفلسطينية. وتعتبر هذه الدول أن أي انخراط في مسار أبراهام في الوقت الحالي سيمثل انتحاراً سياسياً أمام شعوبها التي تضع فلسطين في قلب أولوياتها الوطنية.

واختتمت التقارير بالاشارة إلى أن مستقبل أي توسع في هذه الاتفاقيات سيظل مرهوناً بتطورات ميدانية لم تُحسم بعد، وبقدرة الإدارة الأمريكية على تقديم حلول حقيقية للصراعات. وبدون معالجة جذور الأزمة في فلسطين، ستبقى دعوات ترامب مجرد شعارات انتخابية أو طموحات معزولة عن الواقع المعقد للشرق الأوسط.

ويبقى التساؤل القائم حول مدى قدرة المؤسسات الأمريكية على تبني هذا النهج في حال عودة ترامب للسلطة، خاصة مع التغيرات الكبيرة التي طرأت على موازين القوى. فالمنطقة اليوم ليست هي ذاتها التي كانت في عام 2020، والوعي الشعبي والسياسي بات أكثر إدراكاً لتبعات هذه الاتفاقيات على الأمن القومي العربي.

عربي ودولي

الثّلاثاء 26 مايو 2026 2:04 مساءً - بتوقيت القدس

مفاوضات إنهاء الحرب مع إيران: ملامح 'اتفاق إطاري' ومواقف متباينة حول الملف النووي

أفادت مصادر دبلوماسية بأن وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، أشار إلى أن العملية التفاوضية الرامية للتوصل إلى اتفاق مع طهران قد تتطلب بضعة أيام إضافية. وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس عقب ضربات وصفتها واشنطن بالدفاعية، مما ألقى بظلال من الحذر على التوقعات بقرب انتهاء العمليات القتالية بشكل فوري.

من جانبه، كشف المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، عن إحراز تقدم ملموس في صياغة مذكرة تفاهم محتملة تتألف من 14 بنداً أساسياً. ورغم هذا التقدم، شدد بقائي على أن الوصول إلى تفاهمات حول نقاط معينة لا يعني بالضرورة أن الاتفاق النهائي لإنهاء الصراع في المنطقة أصبح في متناول اليد بشكل عاجل.

وتتركز المناقشات الحالية على محاولة جسر الهوة بين الطرفين بشأن قضايا شائكة، أبرزها الطموحات النووية الإيرانية والوضع الميداني في لبنان. ويسعى الوسطاء إلى تثبيت وقف إطلاق النار الذي بدأ في أبريل الماضي، وتحويله إلى تهدئة مستدامة تنهي حالة الصدام المباشر وغير المباشر بين القوى الإقليمية والدولية.

وتتضمن المسودة المطروحة حالياً إطاراً زمنياً يمنح المفاوضين مهلة 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي وشامل بعد التوقيع على مذكرة التفاهم الأولية. ويهدف هذا الإطار إلى وقف الحرب ورفع الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة، مقابل ضمانات إيرانية بسلامة الملاحة الدولية في مضيق هرمز الاستراتيجي.

وصرح الدبلوماسي الإيراني، حسين نوش آبادي، بأن الرؤية الإيرانية للحل تشمل إنهاء الحرب على كافة الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية. كما تصر طهران على ضرورة الإفراج عن كافة الأصول المالية المجمدة في الخارج وانسحاب القوات الأمريكية من المناطق المحيطة بالجمهورية الإسلامية كجزء من أي تسوية مستقبلية.

وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، تطالب إيران باستعادة قدرتها الكاملة على تصدير النفط دون قيود دولية، معتبرة ذلك حقاً أصيلاً لتعافي اقتصادها المنهك. وأوضح نوش آبادي أن المسودة التي قدمتها بلاده لا تتضمن في مرحلتها الأولى أي التزامات جديدة تتعلق بالبرنامج النووي، وهو ما قد يشكل نقطة خلاف مع الجانب الأمريكي.

بالمقابل، نقلت مصادر عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية أن واشنطن تشترط التخلص من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب مقابل رفع الحصار البحري. ويبدو أن هناك توافقاً مبدئياً على فتح مضيق هرمز، إلا أن التفاصيل الإجرائية والجدول الزمني للتنفيذ لا تزال تخضع لمداولات مكثفة بين الوفود المفاوضة.

وتشير التقارير إلى أن الإطار العام للاتفاق قد يحظى بقبول مبدئي من الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله مجتبى خامنئي، مما يعطي دفعة قوية للمفاوضين. وفي حال إقرار المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني للمذكرة، سيتم الانتقال إلى مرحلة التنفيذ التدريجي التي تبدأ بإنهاء الأعمال العدائية المباشرة.

وتمثل قضية اليورانيوم المخصب حجر الزاوية في المطالب الأمريكية، حيث تقترح بعض الأطراف إرسال المخزون إلى دولة ثالثة لمعالجته وتقليل نسبة نقائه. وتهدف هذه الخطوة إلى تبديد المخاوف الدولية من إمكانية استخدام هذه المواد في أغراض عسكرية، وهو ما تنفيه طهران باستمرار مؤكدة سلمية برنامجها.

وعلى صعيد القدرات العسكرية التقليدية، لا تزال الصواريخ الباليستية الإيرانية تشكل عقبة رئيسية في طريق الحل الشامل، حيث ترفض طهران إدراجها في المفاوضات. وتعتبر القيادة الإيرانية أن منظومتها الصاروخية هي الرادع الأساسي لحماية أمنها القومي، ولا يمكن التنازل عنها تحت أي ضغوط اقتصادية أو سياسية.

ويعاني الاقتصاد الإيراني من تبعات سنوات طويلة من العقوبات المشددة، التي أدت إلى اضطرابات اجتماعية واقتصادية واسعة داخل البلاد. لذا، فإن الحصول على تعويضات عن أضرار الحرب ورفع القيود المالية يمثل أولوية قصوى للفريق المفاوض الإيراني لضمان استقرار الجبهة الداخلية.

وتستحضر هذه المفاوضات ذكريات اتفاق عام 2015 النووي الذي انسحبت منه واشنطن في عهد ترامب، مما يعقد بناء الثقة بين الطرفين مجدداً. ويخشى المراقبون من أن يؤدي غياب الضمانات القانونية الملزمة إلى انهيار أي اتفاق جديد في حال تغيرت الإدارات السياسية في المستقبل.

في نهاية المطاف، يبقى مضيق هرمز والسيطرة على الممرات المائية الورقة الأقوى في يد طهران، بينما يظل الحصار الاقتصادي السلاح الأبرز لواشنطن. وبين هاتين الركيزتين، يحاول الدبلوماسيون صياغة معادلة تضمن مصالح الطرفين وتجنب المنطقة ويلات صراع شامل قد يمتد لسنوات طويلة.

فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 2:04 مساءً - بتوقيت القدس

لقاء سري في الإمارات يجمع رئيس الشاباك بمحمد دحلان لبحث ملف غزة

كشفت مصادر إعلامية عبرية، اليوم الثلاثاء، عن تفاصيل لقاء أمني رفيع المستوى جرى مؤخراً في دولة الإمارات العربية المتحدة. ووفقاً لما أوردته هيئة البث الرسمية، فإن رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، دافيد زيني، اجتمع بالقيادي المفصول من حركة فتح، محمد دحلان، خلال زيارة أجراها المسؤول الأمني للإمارات.

ورغم أن الجهات الرسمية لم تفصح عن التفاصيل الدقيقة التي دارت في كواليس هذا الاجتماع، إلا أن مصادر إقليمية وأخرى تابعة للاحتلال أكدت وقوع اللقاء بالفعل. ويأتي هذا التحرك في وقت حساس تشهد فيه المنطقة نقاشات محتدمة حول السيناريوهات المطروحة لإدارة قطاع غزة في المرحلة التي تلي الحرب المستمرة.

وأشارت التقارير العبرية إلى أن اسم محمد دحلان طُرح في أروقة صنع القرار داخل تل أبيب وواشنطن كأحد المرشحين المحتملين لتولي زمام الأمور في القطاع. وتأتي هذه التحركات ضمن مساعي الاحتلال والولايات المتحدة لإيجاد بدائل سياسية وأمنية لإدارة غزة بعد انتهاء العمليات العسكرية الواسعة هناك.

وفي سياق متصل، نقلت المصادر عن سفير الاحتلال، يوسي شيلي، تعليقاً حول احتمالات عودة دحلان للمشهد السياسي الميداني في غزة. وأوضح شيلي أن المعلومات المتوفرة لديه من مصادر خاصة تشير إلى أن دحلان قد لا يمتلك الرغبة في العودة للقطاع، رغم التباين في وجهات النظر حول هذا الملف.

ويستذكر المراقبون التاريخ السياسي والأمني لمحمد دحلان في قطاع غزة، حيث كان يشغل منصب رئيس جهاز الأمن الوقائي حتى عام 2002. وقد ارتبط اسم الجهاز في تلك الحقبة بسلسلة من الملاحقات والاعتقالات التي طالت عناصر من فصائل المقاومة الفلسطينية، مما أثار جدلاً واسعاً في الشارع الفلسطيني.

يُذكر أن دحلان كان قد غادر قطاع غزة متوجهاً إلى مدينة رام الله في أعقاب أحداث الحسم العسكري عام 2007، ومن ثم انتقل للعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة. ومنذ ذلك الحين، ظل دحلان فاعلاً في المشهد السياسي من الخارج، وسط اتهامات وملاحقات قانونية وتنظيمية أدت لفصله من حركة فتح.

فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 2:04 مساءً - بتوقيت القدس

مجزرة جديدة في المغازي: 5 شهداء بقصف مسيرة وتصاعد الخروقات الإسرائيلية وسط غزة

ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي مجزرة جديدة، اليوم الثلاثاء، استهدفت تجمعاً للمدنيين شرقي مخيم المغازي وسط قطاع غزة، مما أسفر عن ارتقاء 5 شهداء وإصابة آخرين. وتأتي هذه الجريمة في سياق سلسلة من الخروقات المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ العاشر من أكتوبر 2025، مما يرفع منسوب التوتر الميداني في المناطق الوسطى والجنوبية.

وأفادت مصادر طبية في مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح، بوصول جثامين 5 شهداء و9 جرحى جراء الغارة التي نفذتها طائرة مسيرة إسرائيلية. وأوضح قسم الطوارئ أن من بين الشهداء جثة واحدة على الأقل وصلت ممزقة ومتفحمة بالكامل نتيجة الاستهداف المباشر، فيما وصفت جراح بعض المصابين بالخطيرة.

ونقلت مصادر أمنية أن الغارة الجوية تزامنت مع محاولة مواطنين فلسطينيين التصدي لمجموعات مسلحة توصف بأنها مدعومة من جيش الاحتلال، حاولت اقتحام منازل سكنية في المنطقة الشرقية للمخيم. وتتمركز هذه المجموعات، التي يُعتقد أنها تضم مئات المسلحين، في مناطق تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة في جنوب القطاع.

وفي تطور ميداني آخر جنوبي القطاع، أعلنت المصادر الطبية عن استشهاد الطفلة فاطمة عبد الهادي الخطيب (14 عاماً)، متأثرة بجروحها البالغة التي أصيبت بها يوم أمس. وكانت الطفلة قد استهدفت في قصف إسرائيلي طال خياماً للنازحين في مخيم 'غيث' بمنطقة المواصي غربي مدينة خان يونس، والتي تصنف عادة كمناطق إنسانية.

وكان القصف ذاته على منطقة المواصي قد أدى في وقت سابق إلى استشهاد الطفلة منة الله نبيل أبو لبدة (6 سنوات) والمواطنة حنان عبد الناصر محمود (31 عاماً). كما تسبب الهجوم، الذي استخدمت فيه مروحيات 'أباتشي' وصواريخ مركزة، في إصابة نحو 30 شخصاً آخرين، غالبيتهم العظمى من الأطفال والنساء النازحين.

وفي مدينة خان يونس أيضاً، أصيبت مواطنة فلسطينية برصاص جيش الاحتلال فجر اليوم في منطقة المسلخ التركي، عقب استهداف مباشر لخيام النازحين هناك. ونُقلت المصابة إلى مستشفى ناصر الطبي لتلقي العلاج، في ظل استمرار عمليات القنص وإطلاق النار العشوائي تجاه التجمعات السكنية والخيام المكتظة.

وعلى الصعيد البحري، أفاد شهود عيان بأن البوارج الحربية الإسرائيلية فتحت نيران أسلحتها الرشاشة تجاه ساحل مدينتي رفح وخان يونس. ورغم عدم التبليغ عن وقوع إصابات في هذا الاستهداف البحري، إلا أن القصف أثار حالة من الذعر بين الصيادين والنازحين المقيمين على مقربة من الشاطئ.

وتشير معطيات وزارة الصحة في قطاع غزة إلى أن حصيلة الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار بلغت 904 شهداء و2713 جريحاً حتى مطلع الأسبوع الجاري. وتعكس هذه الأرقام إصرار الاحتلال على مواصلة العمليات العسكرية المحدودة والقصف المركز رغم التفاهمات الدولية التي أفضت إلى وقف العمليات الكبرى.

وبلغت الحصيلة الإجمالية للعدوان الإسرائيلي منذ الثامن من أكتوبر 2023 وحتى اليوم، نحو 72,797 شهيداً وأكثر من 172,821 جريحاً. وتسببت حرب الإبادة الجماعية في تدمير ما يقارب 90% من البنى التحتية المدنية في القطاع، وسط أزمة إنسانية وصحية غير مسبوقة يعاني منها مليوني فلسطيني.

وتقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار ما دمره الاحتلال في قطاع غزة بنحو 70 مليار دولار، في ظل دمار هائل طال المربعات السكنية والمستشفيات والمدارس. ومع دخول العدوان شهره العشرين، تواصل المستشفيات استقبال عشرات الضحايا يومياً، حيث سجلت الساعات الـ 24 الماضية وحدها وصول 6 شهداء و8 جرحى للمرافق الطبية.

اسرائيليات

الثّلاثاء 26 مايو 2026 1:32 مساءً - بتوقيت القدس

توجس في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من ملامح اتفاق أمريكي إيراني مرتقب

تصاعدت وتيرة القلق داخل أروقة المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية حيال ملامح الاتفاق المتبلور بين الولايات المتحدة وإيران. وأكدت مصادر مطلعة أن كبار المسؤولين الأمنيين يرون أن مسار المفاوضات الحالي لا يراعي المصالح الاستراتيجية لتل أبيب بشكل كافٍ، سواء فيما يتعلق بالملف النووي أو النفوذ الإيراني في المنطقة.

وأفادت تقارير صحفية بأن المؤسسة العسكرية وجهت نداءات عاجلة للمستوى السياسي بضرورة التدخل الفوري للتأثير على صياغة الاتفاق. وتخشى هذه الدوائر من أن يؤدي التسرع في إبرام التفاهمات إلى انعكاسات سلبية حادة على الساحة اللبنانية، في وقت يفتقر فيه الجيش لرؤية واضحة حول مستقبل المواجهة في الشمال.

وتشير التقديرات الأمنية إلى أن واشنطن لم تأخذ التحفظات الإسرائيلية بعين الاعتبار خلال الجولات الأخيرة من المباحثات. وأعرب مسؤولون رفيعو المستوى عن استيائهم من هذا التباين، خاصة وأن إسرائيل تواصل التنسيق العملياتي مع الولايات المتحدة في مواجهة التهديدات الإيرانية المستمرة.

وتسود حالة من عدم اليقين داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بشأن التداعيات المحتملة على الوضع الأمني في المستوطنات الشمالية. ويجد قادة الجيش صعوبة في تقديم إجابات واضحة لرؤساء السلطات المحلية حول كيفية تأثير أي اتفاق مستقبلي على قواعد الاشتباك القائمة مع حزب الله.

وفي سياق متصل، حذر مستشار الأمن القومي الأسبق، مائير بن شبات، من أن الاتفاق الوشيك قد يمنح النظام الإيراني شرعية دولية واسعة. واعتبر بن شبات أن التفاهمات المرتقبة تمثل طوق نجاة اقتصادي لطهران، مما يعزز من قدرتها على تمويل أذرعها العسكرية في المنطقة دون قيود حقيقية.

ونبه بن شبات إلى أن الاتفاق يتجاهل بشكل مثير للقلق ملفات حيوية مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي تطورها إيران. ويرى المسؤول السابق أن هذا التجاهل سيؤدي حتماً إلى تعزيز قبضة الحرس الثوري على الممرات المائية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز الاستراتيجي.

وتتخوف الأوساط الأمنية الإسرائيلية من أن يمتد أثر التفاهمات الأمريكية الإيرانية ليشمل الساحة الفلسطينية وقطاع غزة. وثمة خشية من أن تفرض واشنطن ترتيبات سياسية وأمنية تتعارض مع التقديرات الإسرائيلية، تحت غطاء التهدئة الإقليمية الشاملة التي يسعى إليها البيت الأبيض.

وعلى الرغم من هذه التحذيرات، تبرز أصوات داخل الجيش الإسرائيلي تدعو للنظر إلى الجوانب الإيجابية المحتملة لإشراك إيران في تسوية إقليمية. ويرى هؤلاء أن دمج الملف اللبناني في إطار دولي قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية طويلة الأمد، شريطة ضمان التفوق العسكري الإسرائيلي المطلق.

واقترح مسؤولون عسكريون إمكانية بحث انسحاب من مناطق معينة في جنوب نهر الليطاني ضمن إطار اتفاق شامل يضمن إبعاد خطر حزب الله. ويشترط هؤلاء الحفاظ على حرية العمل العسكري الكاملة في حال وقوع أي خروقات، مع ضمان استمرار السيطرة الجوية الإسرائيلية فوق الأجواء اللبنانية.

وتشدد المصادر على ضرورة بقاء القوات الإسرائيلية في نقاط استراتيجية قرب الحدود لضمان أمن سكان الشمال ومنع أي تسلل مستقبلي. وتعتبر المؤسسة الأمنية أن أي تنازل في هذا الجانب سيمثل تهديداً وجودياً للمستوطنات التي تعاني أصلاً من حالة نزوح وعدم استقرار.

ويستذكر المسؤولون الإسرائيليون مقولة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بأن إيران لم تخسر مفاوضات أبداً، كتحذير من مغبة الانجرار خلف وعود طهران. ويرى بن شبات أن إيران قد تستغل أي فترة انتقالية لإعادة تنظيم صفوفها نووياً بعيداً عن أعين الرقابة الدولية الصارمة.

وتطالب الدوائر الأمنية بضرورة تمسك إسرائيل بحقها في العمل العسكري المستقل ضد المنشآت النووية الإيرانية، بغض النظر عن طبيعة الاتفاقات الدولية. وتؤكد هذه الدوائر أن الاعتماد الكلي على الضمانات الأمريكية قد يترك إسرائيل مكشوفة أمام التهديدات الوجودية في المستقبل القريب.

ويبدو أن التباين في وجهات النظر بين تل أبيب وواشنطن قد وصل إلى مرحلة حرجة تتطلب تنسيقاً عالي المستوى لتجاوز الخلافات. فبينما تسعى واشنطن لتهدئة الجبهات عبر الدبلوماسية، ترى إسرائيل أن القوة العسكرية والضغط الاقتصادي هما السبيل الوحيد للجم الطموحات الإيرانية.

ختاماً، تبقى المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية في حالة استنفار لمراقبة نتائج الحراك الدبلوماسي في فيينا وعواصم القرار الأخرى. وتظل الأعين شاخصة نحو الشمال والجنوب، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من ترتيبات قد تعيد رسم خارطة التحالفات والصراعات في الشرق الأوسط.

اقتصاد

الثّلاثاء 26 مايو 2026 1:19 مساءً - بتوقيت القدس

سوق الأضاحي في مصر: ارتفاع الأسعار يدفع المواطنين نحو 'الشراكة' والصكوك البديلة

يستعد سوق السيدة زينب العريق في قلب العاصمة المصرية القاهرة لاستقبال عيد الأضحى المبارك، حيث يتسابق التجار في عرض أفضل ما لديهم من مواشي لجذب الزبائن. ورغم وفرة المعروض من الأبقار والجاموس والأغنام، إلا أن الهدوء النسبي يخيم على جنبات السوق بسبب التحديات الاقتصادية الراهنة.

أفادت مصادر ميدانية بأن التجار يبذلون جهوداً مضاعفة في تقديم العلف والمياه للأضاحي لإبراز جودتها وضمان صحتها أمام المشترين. وتعتبر هذه الفترة من العام ذروة النشاط التجاري لمربي الماشية الذين ينتظرون موسم العيد لتعويض نفقات التربية طوال العام.

وفي جولة داخل السوق، أوضح التاجر محمد أحمد أن أسعار الكيلو الواحد من اللحم 'القائم' أو الحي تبدأ من 200 جنيه مصري، مشيراً إلى أن اهتمام المشترين ينصب حالياً على الموازنة بين الوزن والجودة النهائية للحوم بما يتناسب مع ميزانياتهم المحدودة.

من جانبه، أكد التاجر عيد إبراهيم أن نوعية التغذية التي تتلقاها الخراف والماعز تنعكس بشكل مباشر على مذاق وجودة اللحوم، وهو ما يجعل بعض الأنواع أغلى من غيرها. ويحاول التجار إقناع الزبائن بأن الاستثمار في أضحية جيدة التغذية يوفر إنتاجاً أفضل من اللحم الصافي بعد الذبح.

ويرى المواطن إبراهيم طه، الذي كان يتجول بحثاً عن أضحية أن سوق السيدة زينب يظل الوجهة المفضلة للكثيرين نظراً لتنوع الخيارات المتاحة فيه. وأضاف أن الحفاظ على شعيرة الأضحية يمثل قيمة دينية واجتماعية كبرى للمصريين رغم الضغوط المالية المتزايدة التي يواجهونها.

وفي سياق الأرقام الرسمية، صرح نقيب الفلاحين حسين أبو صدام بأن سعر الكيلو القائم للبقر يتراوح حالياً بين 190 إلى 200 جنيه، بينما يسجل الجاموس ما بين 160 و165 جنيهاً. أما لحوم الضأن فقد سجلت مستويات أعلى تتراوح بين 210 و220 جنيهاً للكيلو الواحد.

وأشار أبو صدام إلى أن أسعار الخراف الإجمالية تبدأ من 12 ألف جنيه وقد تصل إلى 15 ألفاً بحسب الحجم، في حين تشهد أسعار الأبقار تفاوتاً كبيراً يبدأ من 80 ألف جنيه ويصل إلى 150 ألفاً. وتعكس هذه الأرقام القفزة الكبيرة في تكاليف الإنتاج الحيواني خلال الأشهر الأخيرة.

أما بالنسبة للجاموس، فقد أوضحت المصادر أن الأسعار تبدأ من 70 ألف جنيه وتصل في بعض الحالات إلى 120 ألف جنيه للأوزان الكبيرة. هذا التباين في الأسعار يضع المواطن أمام خيارات صعبة تتطلب تدقيقاً كبيراً قبل إتمام عملية الشراء في ظل تراجع القوة الشرائية.

من جهته، لفت رئيس شعبة القصابين هيثم عبد الباسط إلى أن حركة البيع هذا العام سجلت تراجعاً ملحوظاً مقارنة بالأعوام السابقة. وعزا عبد الباسط هذا التراجع إلى ارتفاع الأسعار بنسبة تقدر بنحو 10%، مما جعل الأضحية الكاملة بعيدة عن متناول الكثير من الأسر المتوسطة.

ونتيجة لهذا الغلاء، برز نظام 'الشراكة' كحل عملي، حيث يشترك نحو 7 أفراد في شراء عجل واحد وتقسيم لحومه بينهم بالتساوي. هذا التوجه ساعد الكثيرين على إحياء السنة النبوية دون تحمل التكلفة الكاملة التي أصبحت تفوق طاقة الفرد الواحد.

كما شهدت 'صكوك الأضاحي' التي تطرحها المؤسسات الرسمية والجمعيات الخيرية إقبالاً متزايداً هذا العام كبديل اقتصادي ومنظم. وتوفر هذه الصكوك للمواطنين إمكانية دفع مبالغ محددة مقابل توكيل هذه الجهات بالذبح والتوزيع، مما يرفع عن كاهلهم عناء البحث والنقل والذبح.

وعلى الرغم من الصعوبات، رصدت مصادر إعلامية مبادرات إيجابية من قبل رجال أعمال ومقتدرين قاموا بشراء كميات إضافية من الأضاحي لتوزيعها على الفقراء. وتلقى بعض كبار التجار طلبات لتوفير عجول بأسعار الجملة لدعم المبادرات الخيرية في مختلف المحافظات المصرية.

وتستعد المجازر الرسمية في كافة أنحاء الجمهورية لاستقبال الأضاحي خلال أيام العيد، وسط تشديدات حكومية على ضرورة الالتزام بالقواعد الصحية. وتهدف هذه الإجراءات إلى تنظيم عملية الذبح ومنع التلوث في الشوارع، مع توفير أطباء بيطريين للكشف على المواشي قبل ذبحها.

يبقى عيد الأضحى في مصر مناسبة تتجاوز البعد الديني لتشمل انتعاشاً في قطاعات اقتصادية متعددة مثل الجلود والمطاعم والنقل. ورغم التحديات السعرية، يظل إصرار المصريين على الاحتفال وإدخال البهجة على بيوتهم هو السمة الغالبة في هذه الأيام المباركة.

فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 1:04 مساءً - بتوقيت القدس

مجزرة كترمايا 1982: عندما استهدف الاحتلال مجلس عزاء وحوّل الملاذ الآمن إلى مقبرة

بين أزقة بلدة كترمايا في إقليم الخروب، لا تزال ذاكرة السابع من يونيو عام 1982 حاضرة بكل آلامها، حين تحولت البلدة الهادئة من ملاذ آمن للنازحين إلى ساحة للموت والدمار. ففي اليوم الثاني للاجتياح الإسرائيلي للبنان، باغتت الطائرات الحربية الأهالي بغارات مركزة استهدفت قلب البلدة النابض بالحياة.

كانت كترمايا في ذلك الحين تعج بسكانها والوافدين إليها هرباً من جحيم القصف في الجنوب، ظناً منهم أن موقعها في قضاء الشوف بعيد عن خطوط المواجهة المباشرة. إلا أن الاحتلال الإسرائيلي تعمد استهداف التجمعات المدنية المكتظة لضرب الروح المعنوية للسكان وإيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية.

المجزرة وقعت تحديداً في حي الجامع، وهو المركز التجاري والسكني الأبرز في البلدة، حيث كان الأهالي يجتمعون في 'خلية الجامع' لتقديم واجب العزاء بشقيقين استشهدا في قصف سابق. وفي لحظة غادرة، انهمرت الصواريخ على رؤوس المعزين، محولة المكان إلى ركام يختلط فيه صراخ الجرحى بأنقاض المباني.

تؤكد الشهادات التاريخية أن الغارتين لم يفصل بينهما سوى دقيقتين فقط، وهو تكتيك عسكري يهدف لرفع حصيلة الضحايا عبر استهداف فرق الإنقاذ والمواطنين الذين يهرعون لمساعدة المصابين في الضربة الأولى. هذا التوقيت القاتل جعل من عملية النجاة أمراً شبه مستحيل لمن كان في محيط الانفجار.

أسفرت هذه الجريمة عن ارتقاء نحو 40 شهيداً، من بينهم أسماء لا تزال محفورة في وجدان البلدة مثل الدكتور حسين يونس وفاطمة محمد ملك وأحمد السيد أحمد. كما أصيب المئات بجروح متفاوتة، وبقيت جثامين بعض الضحايا تحت الأنقاض لفترات طويلة بسبب استمرار التحليق المكثف للطيران المعادي.

تعتبر كترمايا من أكبر قرى إقليم الخروب وأكثرها كثافة سكانية، وتبعد عن العاصمة بيروت نحو 41 كيلومتراً، مما جعل استهدافها رسالة ترهيب واضحة للمناطق المحيطة بالعاصمة. وقد وثقت التقارير الأرشيفية دمار أحياء كاملة وفقدان عائلات بأكملها لمنازلها ومصادر رزقها في ذلك اليوم الدامي.

الاجتياح الذي أطلق عليه الاحتلال 'عملية سلامة الجليل' تذرع بمحاولة اغتيال سفيره في لندن، لكن الوقائع على الأرض في كترمايا وغيرها أثبتت أن الهدف كان تصفية الوجود الفلسطيني واللبناني المقاوم على حد سواء. وقد شهدت تلك الفترة تلاحماً كبيراً بين الشعبين في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية.

يروي شهود عيان أن ليل كترمايا بعد المجزرة كان طويلاً ومرهقاً، حيث انشغل من تبقى من الأهالي بالبحث عن أحبائهم تحت الركام باستخدام أدوات بدائية. وكانت الغارات الوهمية التي نفذها الطيران الإسرائيلي تزيد من حالة الذعر وتعرقل وصول سيارات الإسعاف القليلة المتاحة في المنطقة.

نصب الشهداء الذي يرتفع اليوم في ساحة البلدة، يحمل عبارة 'المجد والخلود لشهدائنا الأبرار'، ويقف كشاهد أبدي على الجريمة التي لم تمحها العقود. هذا النصب يذكر الزائرين بأن كترمايا، رغم جراحها، ظلت صامدة في وجه محاولات فرض الاستسلام التي سعى إليها الاحتلال عبر القوة المفرطة.

الباحثة دلال البزري تشير إلى أن تلك المرحلة شهدت دعوات واسعة لحمل السلاح دفاعاً عن لبنان، حيث لم تكن المجازر إلا وقوداً لزيادة الإصرار على المواجهة. وقد تجلى هذا الصمود في حصار بيروت الذي استمر 90 يوماً، حيث تلاحم المقاتلون والمدنيون في جبهة واحدة ضد الغزو.

المصادر التاريخية، ومنها كتاب الدكتور طارق قاسم 'تاريخ إقليم الخروب المعاصر'، توضح أن القصف طال أيضاً ثكنات عسكرية تابعة لجيش لبنان العربي. هذا الجيش الذي تأسس عام 1976 بقيادة أحمد الخطيب، كان يمثل حالة انشقاق وطنية رفضت الانصياع للسياسات التي لا تخدم وحدة لبنان وعروبته.

تختلف الأرقام الدقيقة للضحايا بين مصدر وآخر، لكن الثابت هو فظاعة المشهد الذي خلفته الطائرات الإسرائيلية في بلدة كانت تفتح أبوابها للنازحين. فمن بين الشهداء كان هناك خمسة أشخاص على الأقل لم تعرف هويتهم، يرجح أنهم من الضيوف أو النازحين الذين لجؤوا للبلدة قبل أيام من المجزرة.

رئيس نادي كترمايا الثقافي الأسبق، عماد عبد الرحيم، استذكر في شهادات سابقة كيف أن استمرار الغارات منع الأهالي من انتشال العالقين، مما أدى لوفاة جرحى كان من الممكن إنقاذهم. هذه التفاصيل تبرز الوجه البشع للعدوان الذي لم يراعِ حرمة الموت أو قدسية دور العبادة والمناسبات الاجتماعية.

اليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود، تبقى مجزرة كترمايا محطة مفصلية في تاريخ إقليم الخروب ولبنان عامة. إنها قصة بلدة أرادت أن تكون ملاذاً، فصارت رمزاً للتضحية، ولا تزال صور الدمار والشهداء تشكل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية الرافضة للاحتلال والعدوان.

اسرائيليات

الثّلاثاء 26 مايو 2026 12:34 مساءً - بتوقيت القدس

تقارير عبرية: مسار الاتفاق مع إيران يمهد لتوسيع 'اتفاقيات أبراهام' وضم دول جديدة

تشهد الأروقة السياسية الدولية حراكاً مكثفاً يربط بين مسارين استراتيجيين في الشرق الأوسط، الأول يتعلق بالوصول إلى اتفاق جديد بين واشنطن وطهران، والثاني يهدف إلى توسيع دائرة 'اتفاقيات أبراهام'. وأفادت مصادر إعلامية عبرية بأن النقاشات الحالية في واشنطن وعواصم إقليمية تركز على استثمار التفاهمات مع إيران لفتح الباب أمام دول عربية وإسلامية جديدة للانضمام إلى مسار التطبيع.

وفي هذا السياق، برزت تصريحات السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي اعتبر أن نجاح المفاوضات مع إيران قد يمهد الطريق لانضمام دول وازنة مثل السعودية وقطر وباكستان إلى الاتفاقيات مع إسرائيل. وأكد غراهام أن هذه الخطوة، في حال تحققها، ستحدث تغييراً جذرياً في الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، مما يعزز الاستقرار الاقتصادي والسياسي على المدى البعيد.

وشدد غراهام في حديثه على ضرورة توفر 'الشجاعة السياسية' لدى قادة الدول المعنية لاغتنام ما وصفها بالفرصة التاريخية التي قد لا تتكرر. وحذر من أن التردد في الانخراط بهذا المسار قد يؤدي إلى تداعيات سلبية على طبيعة العلاقات المستقبلية مع الولايات المتحدة، معتبراً أن التاريخ سيسجل رفض هذه الدعوات كخطأ استراتيجي كبير.

من جهة أخرى، كشفت تقارير صحفية دولية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدأ بالفعل في توجيه دعوات مباشرة لعدد من القادة العرب والمسلمين لبحث الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام. وتأتي هذه الدعوات مشروطة بالتوصل إلى صيغة نهائية تنهي حالة التوتر القائمة مع إيران، مما يضع التطبيع كجزء من رزمة حل شاملة للملفات العالقة في المنطقة.

وتركز التحركات الأمريكية الحالية على دول ذات ثقل سياسي وديني كبير، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وقطر وباكستان، رغم عدم وجود علاقات رسمية حالية بينها وبين إسرائيل. ويسعى البيت الأبيض من خلال هذه الاستراتيجية إلى خلق جبهة إقليمية موحدة تضمن استدامة أي اتفاق يتم التوصل إليه مع الجانب الإيراني في المستقبل القريب.

وعبر منصته 'تروث سوشيال'، جدد ترامب انتقاداته الحادة للاتفاق النووي الذي أبرمته الإدارات السابقة، واصفاً إياه بأنه منح طهران فرصة لتعزيز قدراتها النووية بدلاً من كبحها. وأوضح أن أي تفاهم جديد يتم التفاوض عليه حالياً يختلف جوهرياً في أهدافه ومضامينه، حيث يركز بشكل أساسي على منع إيران من امتلاك أي سلاح نووي بشكل قطعي.

وأشارت المصادر إلى أن ترامب يتبنى نهجاً يتسم بالتروي في المفاوضات الجارية، مؤكداً أن العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران ستظل سارية المفعول ولن يتم رفعها إلا بعد الوصول إلى اتفاق ملزم. ويهدف هذا التوجه إلى ضمان تقديم إيران لتنازلات حقيقية تضمن أمن المنطقة وتنهي التهديدات المرتبطة ببرنامجها النووي المثير للجدل.

وفي رسالة لافتة، وجه ترامب شكره لعدد من دول الشرق الأوسط التي أبدت تعاوناً ودعماً للجهود الأمريكية في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة. وأشار إلى أن هذا التعاون يمثل حجر الأساس لتوسيع مظلة السلام في المنطقة، معرباً عن طموحه في أن تشمل هذه المظلة دولاً إضافية كانت حتى وقت قريب بعيدة عن هذا المسار.

ولم يستبعد الرئيس الأمريكي في تصريحاته إمكانية انضمام إيران نفسها إلى 'اتفاقيات أبراهام' في مرحلة لاحقة، شريطة حدوث تغييرات جذرية في الظروف السياسية والتوجهات العامة لطهران. ويرى مراقبون أن هذا الطرح يمثل ذروة الطموح الأمريكي لإعادة صياغة التحالفات في الشرق الأوسط بعيداً عن لغة الصراع التقليدية.

وتشير التحليلات الواردة في الصحافة العبرية إلى أن الربط بين الملف الإيراني والتطبيع يهدف إلى إغراء الدول العربية بضمانات أمنية أمريكية مقابل الانخراط في الاتفاقيات مع إسرائيل. وتعتبر هذه المقايضة جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى تهميش القوى التي تعارض الاستقرار الإقليمي وبناء نظام أمني جديد يعتمد على الشراكة الاقتصادية والعسكرية.

وعلى الرغم من التفاؤل الذي تبديه بعض الأطراف في واشنطن، إلا أن هناك تحديات كبيرة تواجه هذا المسار، لا سيما فيما يتعلق بالمواقف الشعبية والسياسية في دول مثل باكستان وقطر. وتدرك الإدارة الأمريكية أن الوصول إلى اتفاقيات تطبيع مع هذه الدول يتطلب معالجة ملفات معقدة، من بينها القضية الفلسطينية التي تظل حاضرة في الوجدان الشعبي العربي والإسلامي.

وفي غضون ذلك، تواصل الفرق الدبلوماسية الأمريكية اتصالاتها مع العواصم المعنية لترتيب لقاءات رفيعة المستوى قد تعقد على هامش قمم دولية قادمة. وتهدف هذه اللقاءات إلى جس نبض القادة والوقوف على الشروط التي قد تضعها هذه الدول مقابل المضي قدماً في مسار التطبيع المرتبط بالحل النووي الإيراني.

وتراقب إسرائيل هذه التحركات باهتمام بالغ، حيث ترى في توسيع اتفاقيات أبراهام نصراً استراتيجياً يعزز من مكانتها الإقليمية ويقلص من نفوذ خصومها في المنطقة. وتأمل الأوساط السياسية في تل أبيب أن تنجح الضغوط الأمريكية في إقناع دول جديدة بالانضمام إلى القافلة، مما سيؤدي إلى عزلة دبلوماسية أكبر للقوى الرافضة للتسوية.

ختاماً، يبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة الإدارة الأمريكية على الموازنة بين متطلبات الاتفاق مع إيران وبين طموحات توسيع التطبيع. إن الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الشرق الأوسط مقبلاً على انفراجة تاريخية كبرى، أم أن التعقيدات الميدانية والسياسية ستفرمل هذا الحراك المتسارع.

عربي ودولي

الثّلاثاء 26 مايو 2026 12:19 مساءً - بتوقيت القدس

كوريا الشمالية تستأنف تجاربها الصاروخية بإطلاق مقذوفات باليستية نحو البحر الأصفر

أعلن الجيش الكوري الجنوبي، اليوم الثلاثاء، عن رصد إطلاق كوريا الشمالية لعدد من المقذوفات العسكرية باتجاه البحر الأصفر، في خطوة تمثل عودة للتجارب الصاروخية المكثفة. وأوضحت مصادر عسكرية أن من بين هذه المقذوفات صاروخاً باليستياً قصير المدى، انطلق من منطقة تشونغجو في وقت مبكر من بعد الظهر، مما استدعى رفع حالة التأهب في المنطقة.

ووفقاً للبيانات الأولية الصادرة عن هيئة الأركان المشتركة في سيول، فإن المقذوفات سلكت مساراً باتجاه المياه الفاصلة بين شبه الجزيرة الكورية والصين، حيث حلقت لمسافة بلغت قرابة 80 كيلومتراً قبل سقوطها. وتجري الدوائر الاستخباراتية حالياً تحليلات دقيقة للوقوف على الخصائص التقنية لهذه الصواريخ ومدى تطورها مقارنة بالنسخ السابقة التي اختبرتها بيونغيانغ.

يأتي هذا التحرك العسكري بعد فترة هدوء نسبي استمرت نحو 37 يوماً، ليكون هذا الإطلاق هو الثامن من نوعه منذ مطلع العام الجاري. وتندرج هذه التجارب ضمن استراتيجية أعلنت عنها كوريا الشمالية مسبقاً تهدف إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والردعية، في ظل تصاعد التوترات السياسية مع جيرانها والقوى الدولية الكبرى.

وفي رد فعل فوري، أكدت القيادة العسكرية في سيول أنها تتابع الموقف عن كثب بالتنسيق الوثيق مع الحلفاء في واشنطن وطوكيو، مشددة على استمرارية تبادل البيانات الاستخباراتية اللحظية. كما رفعت القوات الكورية الجنوبية من وتيرة المراقبة واليقظة تحسباً لقيام الجانب الشمالي بأي عمليات إطلاق إضافية أو استفزازات حدودية محتملة.

على الصعيد السياسي، تعكس هذه التجارب إصرار بيونغيانغ على تطوير ترسانتها العسكرية رغم العقوبات الدولية المفروضة عليها، حيث شملت اختباراتها الأخيرة أسلحة متطورة وقنابل عنقودية. وتزامن هذا التصعيد مع تصريحات رسمية سابقة وصفت فيها القيادة الشمالية جارتها الجنوبية بأنها الخصم الأكثر عداءً، مما يغلق الباب أمام محاولات التهدئة الدبلوماسية.

وتتزامن هذه التطورات الميدانية مع أنباء عن تحركات دبلوماسية إقليمية معقدة، تشمل زيارات مرتقبة لمسؤولين صينيين إلى سيول لبحث ملف الاستقرار في شمال شرق آسيا. ومع ذلك، تظل التجارب الصاروخية المتكررة لبيونغيانغ العامل الأبرز في تحديد شكل التوازنات الأمنية، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 مايو 2026 12:12 مساءً - بتوقيت القدس

زواج مسيار!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

جاءت صانع السجاد اللحظة المؤاتية ليضغط على الأعصاب العارية لصاحب "الذات المتضخمة"، الذي بدا كما لو أنه يبلع لسانه بعد أن وجد نفسه محشوراً في مضيق خياراته، وسوء تقديراته، التي بدّدت ما تبقّى من هيبةٍ تآكلت خلف جدار" الُمهل الممددة".

بدعسةٍ ناقصةٍ تكشّفت هشاشة المناورة، وانعدام مهارة "سائق الشاحنة" في مواصلة المسير بين حقول الألغام التي زرعتها طهران في البر والبحر، ما اضطر الرجل "المجنون" على مضضٍ للقبول بوقف الحرب، وإبرام "هدنة اضطرارية مؤقتة"، بدت كما لو أن الغريمين على موعدٍ مع " زواج مسيار"، حتى  تنتهي صلاحية "عقد الزواج" الذي كُتبت نهايته في تضاعيف صياغته حمّالة الأوجه، التي لا تستجيب للتحسبات والمخاوف الوجودية التي نجح "الثعلب" في دفع ترمب لخدمة أحلامه الحارقة ونوازع السيطرة التي تتلبسه.

من الآن وحتى إسدال الستار على مباريات كأس العالم التي تستضيفها الولايات المتحدة  في حزيران، ستكون "استراحة محارب" بين الغريمين المتحاربين يعود بعدها ترمب إلى عادته باستعراض فائض قوته.

فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 12:11 مساءً - بتوقيت القدس

المحامي حسن مليحات لـ "القدس": التهجير الصامت والاستيطان يستهدفان تفريغ التجمعات البدوية في الضفة الغربية

- سياسات الاحتلال تستهدف تفريغ المناطق البدوية لصالح الاستيطان

- التجمعات البدوية تعيش ظروفاً إنسانية صعبة في ظل الاستهداف المستمر

- "التهجير الصامت" يهدد التجمعات البدوية في الضفة الغربية

- غياب المحاسبة الدولية يشجع اعتداءات المستوطنين

- الاستيطان والرعاة المسلحون من أدوات فرض التهجير القسري في الأغوار والريف

- دعم التجمعات البدوية قانونياً وإنسانياً ضرورة لحماية الوجود الفلسطيني في المناطق المهددة

القدس- مراسل "القدس" الخاص- قال المشرف العام لمنظمة "البيدر للدفاع عن حقوق البدو"، المحامي حسن مليحات إن التجمعات البدوية في الضفة الغربية تواجه تصعيداً متواصلا من اعتداءات المستوطنين وسياسات التهجير القسري، في ظل غياب الحماية الدولية الفاعلة.

وأوضح مليحات في مقابلة مع "ے" أن المؤسسات الحقوقية، وفي مقدمتها منظمة "البيدر" للدفاع عن حقوق البدو، تعمل على توثيق الانتهاكات وتقديم الدعم القانوني والإغاثي للتجمعات المهددة بالهدم والمصادرة، إلى جانب نقل معاناتها إلى المؤسسات الدولية.

وأضاف مليحات أن ما تتعرض له التجمعات البدوية، بما فيها قرية عرب الجهالين، يندرج ضمن سياسة "التهجير الصامت" الهادفة إلى توسيع الاستيطان وتفريغ الأراضي من سكانها الفلسطينيين، محذرا من التداعيات الإنسانية الخطيرة لهذه الإجراءات على السكان، خاصة الأطفال والنساء.

وطالب مليحات المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه حماية المدنيين، ووقف التوسع الاستيطاني وسياسات التهجير القسري مؤكدا أن دعم التجمعات الفلسطينية إنسانياً وقانونياً وإعلامياً ضرورة ملحة في المرحلة الحالية.

وفيما يأتي نص اللقاء:

س: أرجو التعريف بمنظمة البيدر الحقوقية وما هي الخدمات التي تقدمها للتجمعات البدوية في الضفة الغربية؟

تُعد منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو من المؤسسات الحقوقية والمجتمعية التي تعمل على حماية حقوق التجمعات البدوية في الضفة الغربية، خاصة في المناطق المهددة بالاستيطان والتهجير.

وتركز المنظمة على توثيق الانتهاكات التي يتعرض لها البدو، وتقديم الدعم القانوني والحقوقي، إضافة إلى تنفيذ برامج إغاثية وتنموية تعزز صمود السكان في أراضيهم.

كما تعمل المنظمة على توفير المساعدات الإنسانية، وترميم المساكن والمنشآت المهددة، ومتابعة قضايا الهدم والمصادرة أمام المحاكم، إلى جانب إيصال صوت التجمعات البدوية إلى المؤسسات الدولية والحقوقية.

س: في ظل استمرار اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين كيف تصفون الأوضاع في الضفة الغربية؟

تشهد الضفة الغربية تصعيداً خطيراً في اعتداءات المستوطنين بحق المواطنين سراً من خلال حرق الممتلكات، أو الاستيلاء على الأراضي، أو منع المواطنين من الوصول إلى مصادر رزقهم ومراعيهم.

الأوضاع الإنسانية والأمنية باتت أكثر تعقيدًا، خصوصًا في المناطق الريفية والبدوية التي تتعرض لضغوط يومية تهدف إلى دفع السكان إلى الرحيل القسري. كما أن غياب المحاسبة الدولية الفاعلة شجع المستوطنين على التمادي في هذه الاعتداءات.

س: يمارس المستوطنون تهجيرًا صامتًا للتجمعات البدوية، كيف تنظرون إلى هذه الخطوة وكيف يمكن وقفها؟

ما يجري هو سياسة تهجير قسري ممنهجة تُمارس بوسائل متعددة، منها الاعتداءات اليومية، ومنع البناء، ومصادرة الممتلكات، وحرمان السكان من الخدمات الأساسية. هذا "التهجير الصامت" يهدف إلى تفريغ مناطق واسعة من سكانها الأصليين لصالح التوسع الاستيطاني.

ووقف هذه السياسات يتطلب تحركاً دولياً جاداً لتوفير الحماية للسكان، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، إضافة إلى تعزيز صمود التجمعات البدوية عبر الدعم القانوني والإغاثي والإعلامي، وتكثيف الوجود الحقوقي والدولي في المناطق المستهدفة.

س: ما هي التحديات التي تواجه المجتمعات البدوية في الحصول على حقوقهم وكيفية التعامل معها من خلال الوسائل القانونية والمشروعة؟

تواجه التجمعات البدوية تحديات كبيرة، أبرزها أوامر الهدم والإخلاء، وحرمانها من تراخيص البناء، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية كالمياه والتعليم والصحة، فضلًا عن الاعتداءات المتكررة من المستوطنين.

وتتعامل المؤسسات الحقوقية مع هذه التحديات عبر التوثيق القانوني للانتهاكات، وتقديم الاعتراضات والالتماسات أمام المحاكم، والعمل مع المؤسسات الدولية لفضح الممارسات المخالفة للقانون الدولي. كما يتم تنظيم حملات مناصرة وإسناد قانوني وإعلامي لتعزيز حقوق هذه المجتمعات وحمايتها.

س: كيف تنظرون إلى قرار الاحتلال بإزالة قرية عرب الجهالين وكيف ستكون تداعيات هذا القرار؟

قرار إزالة قرية عرب الجهالين يُعد امتدادًا لسياسات التهجير القسري التي تستهدف التجمعات البدوية الفلسطينية. هذه القرارات لا تمثل مجرد إزالة مساكن، بل تهدد الوجود التاريخي والاجتماعي للسكان، وتؤدي إلى تفكيك النسيج المجتمعي وحرمان العائلات من مصادر رزقها واستقرارها.

كما أن تنفيذ مثل هذه القرارات ستكون له تداعيات إنسانية خطيرة، خاصة على الأطفال والنساء، وسيفاقم من معاناة آلاف المواطنين في المناطق المصنفة "ج".

س: كيف تقيمون علاقة المنظمة بالهيئات والمؤسسات الدولية لإطلاعهم على اعتداءات المستوطنين؟

تحرص منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو على بناء علاقات تعاون مع المؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية، بما يشمل الأمم المتحدة، ومكاتب حقوق الإنسان، والبعثات الدبلوماسية، والمنظمات الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية.

وتقوم المنظمة بإعداد تقارير دورية وتوثيق الانتهاكات الميدانية وإرسالها إلى الجهات الدولية، إضافة إلى تنظيم زيارات ميدانية للوفود الأجنبية للاطلاع المباشر على معاناة التجمعات البدوية والانتهاكات التي تتعرض لها.

س: كلمة أخيرة في هذا اللقاء؟

نؤكد أهمية تسليط الضوء على معاناة التجمعات البدوية التي تعيش ظروفاً إنسانية صعبة في ظل الاستهداف المستمر. كما نطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه حماية المدنيين، ووقف التوسع الاستيطاني وسياسات التهجير القسري.

كذلك نؤكد أن صمود الأهالي في أراضيهم يمثل خط الدفاع الأول عن الوجود الفلسطيني، وأن دعم هذه التجمعات إنسانياً وقانونياً وإعلامياً ضرورة ملحة في المرحلة الحالية.

المحامي حسن مليحات

أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 مايو 2026 12:10 مساءً - بتوقيت القدس

"فتح" والمشروع الوطني.. الفرصة الأخيرة



منذ انطلاقتها في ستينيات القرن الماضي، شكلت حركة فتح العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، وكانت العنوان الأوسع للنضال الفلسطيني بكل مراحله، من الكفاح المسلح إلى العمل السياسي والدبلوماسي. قادت الثورة الفلسطينية، وقدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، واستطاعت أن تضع القضية الفلسطينية على خارطة العالم بعد سنوات طويلة من التهميش والضياع.

لكن حركة فتح اليوم ليست هي ذاتها التي عرفها الفلسطينيون في بدايات الثورة. فبعد اتفاق اوسلو ودخول الحركة في مسار السلطة الوطنية، تغير شكلها ودورها واولوياتها. تحولت من حركة تحرر وطني الى حركة تحمل اعباء السلطة والحكم، ودخلت في تعقيدات السياسة والاقتصاد والتنسيق والواقع الاقليمي والدولي. هذا التحول أضعف صورتها لدى جزء كبير من الشارع الفلسطيني، خاصة مع تراكم الازمات الداخلية والانقسام الفلسطيني وتراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية.

بعد أحداث السابع من أكتوبر، دخلت القضية الفلسطينية مرحلة شديدة الخطورة والتعقيد. العالم تغير، والمنطقة تعيش صراعات مفتوحة، والاحتلال يستغل كل الأحداث لفرض وقائع جديدة على الارض، فيما يعيش الشعب الفلسطيني حالة من القلق والانقسام وعدم وضوح الرؤية. وفي خضم هذه المرحلة، عاد الحديث بقوة عن حركة فتح، ليس فقط باعتبارها الماضي، بل باعتبارها ربما آخر إطار وطني جامع قادر على حماية المشروع الوطني من الانهيار الكامل.

ورغم الانتقادات الكبيرة التي وجهت للمؤتمر الثامن لحركة فتح، إلا أن مجرد انعقاده لاقى اهتماماً واسعاً من الشارع الفلسطيني. الناس ما زالت تراقب "فتح"، تختلف معها أو تغضب منها، لكنها تدرك أن غيابها أو ضعفها ليس أمراً عادياً. فـ"فتح" بالنسبة لكثيرين ليست مجرد تنظيم سياسي، بل حالة وطنية ارتبطت بتاريخ الشعب الفلسطيني وهويته السياسية.

صحيح أن نتائج المؤتمر لم تحقق رضا كاملاً، وصحيح أن هناك شعوراً لدى البعض بان الحركة تحتاج الى تغيير اعمق واوسع، لكن دخول بعض الوجوه الجديدة وعودة النقاش الداخلي أعطى إشارات بان فتح ما زالت تملك فرصة للمراجعة والتجديد. والسؤال الحقيقي اليوم لم يعد: ماذا قدمت فتح سابقاً؟ بل ماذا نريد من فتح الآن؟

نريد من فتح أن تعود قريبة من الناس، لا من السلطة فقط. نريدها أن تستعيد روح الحركة الوطنية التي تجمع الفلسطينيين ولا تقسمهم. نريدها أن تعترف بالأخطاء بشجاعة، وأن تفتح الباب أمام الشباب والكفاءات والقيادات الميدانية الحقيقية. نريدها أن تكون حركة مقاومة سياسية ووطنية تحافظ على الثوابت الفلسطينية، وفي الوقت نفسه تمتلك رؤية واقعية تحمي الشعب الفلسطيني من الانهيار والفوضى.

نريد من فتح أن تعيد بناء الثقة بينها وبين الشارع، وأن تثبت أن المشروع الوطني ما زال حياً رغم كل الضربات. فالفلسطيني اليوم لا يبحث فقط عن الشعارات، بل عن قيادة تمتلك الصدق والقدرة والشجاعة وتحمل هموم الناس اليومية والوطنية معاً.

في هذه المرحلة الصعبة، قد لا تكون فتح وحدها قادرة على انقاذ القضية الفلسطينية، لكنها بالتأكيد تبقى جزءاً أساسياً من أي محاولة لانقاذ المشروع الوطني الفلسطيني. ولذلك فان مسؤوليتها اليوم اكبر من اي وقت مضى، والتاريخ لن يرحم احدا امام ما يمر به الشعب الفلسطيني من تحديات.

* عضو المؤتمر الثامن لحركة "فتح"

أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 مايو 2026 12:09 مساءً - بتوقيت القدس

البؤر الاستيطانية والمزارع الرعوية دفيئات إرهاب ترعاها دولة الاحتلال

ظاهرة البؤر الاستيطانية ليست بالجديدة، فقد بدأت بعد التوقيع على اتفاقيات أوسلو في محاولة لفرض حقائق جديدة على الأرض تمحو الفواصل التي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين قد حددها بين المستوطنات السياسية والمستوطنات الأمنية. واستفحلت هذه البؤر كظاهرة نهاية تسعينيات القرن الماضي إثر دعوة أرئيل شارون الذي كان يشغل منصب وزير الطاقة والبنية التحتية في حكومة نتنياهو الأولى، المستوطنين آنذاك لاحتلال رؤوس الجبال والتلال للحيلولة دون انتقالها للفلسطينيين لاحقا في إطار أية تسوية سياسية مستقبلية بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. وكانت تلك الدعوة بمنزلة الضوء الأخضر لقيام منظمات يمينية متطرفة لعبت الدور الأبرز في نشر تلك البؤر الاستيطانية. ومع الوقت بدأت تلك البؤر تتحول الى دفيئات ارهاب ترعاها منظمات يمينية متطرفة تحظى برعاية دولة وجيش الاحتلال، وأخذت تتمدد وتنتشر وتتجاور مع ما يسمى بالمزارع الرعوية، التي كانت في العام 2012، تسيطر فقط على 29 ألف دونم  من الأراضي في الضفة الغربية المحتلة، معظمها في مناطق نابلس ورام الله وشمال غور الأردن، ثم تمددت بحلول عام 2018 وسيطرت على 116 الف دونم، معظمها كانت في المناطق ذاتها، بالإضافة إلى مواقع في جنوب جبل الخليل.

وقد اتسعت رقعة االمزارع الرعوية الاستيطانية والأراضي التي تسيطر عليها على نحو لافت في عامي 2019 و2020، حيث بدأت المساحة تتسع  بشكل كبير، فوصلت الى نحو 312 الف دونم من أراضي "الرعي"، وفقاً للمعطيات الإسرائيلية، معظمها في منطقتي نابلس ورام الله، بالإضافة إلى تعزيز الوجود الاستيطاني في جبل الخليل. ولفهم حجم التغيير، شهد عام 2020 وحده، إضافة 111 ألف دونم من أراضي "الرعي" إلى المساحات القائمة، مقارنة بـنحو 13 ألف دونم في السنوات الثلاث التي سبقته. ومع الوقت استخدم المستوطنون البؤر الاستيطانية الرعوية لفرض سيطرتهم على ما لا يقل عن 786,000 دونم من الأراضي، أي ما يعادل 14% من إجمالي مساحة الضفة الغربية. ويُظهر تحليل الأراضي التي استولى عليها المستوطنون الإسرائيليون أن غالبيتها ليست مصنفة كأراضي دولة حتى وفقًا لتعريفات إسرائيل نفسها، حيث تُشكّل 40 % فقط من المساحات المُستولَى عليها. وقد صنّف الجيش الإسرائيلي حوالي 41 % من الأراضي المُستولَى عليها كـمناطق إطلاق نار، وهي مناطق مُقيّدة يُمنع فيها رسميًا دخول المدنيين غير المقيمين الدائمين، بمن فيهم المستوطنون. إضافةً إلى ذلك، يقع حوالي 4.4% من الأراضي التي استولى عليها المستوطنون من خلال البؤر الاستيطانية الرعوية ضمن المنطقتين ( ا ) و ( ب )  الخاضعتين للسلطة الوطنية الفلسطينية.

وخلال السنوات الأخيرة، بُذلت جهود كبيرة من أجل إقامة المزيد من المزارع الرعوية الاستيطانية. ففي عام 2022 كانت هناك 64 بؤرة استيطانية رعوية، وفي عام 2023 ارتفع العدد إلى 82. في عام 2024، وخلال فترة الحرب، قفز الرقم إلى 118، وحالياً يوجد 133 مزرعة استيطانية على الأقل، في جميع أنحاء المنطقة. هذا التوسع في إقامة المزارع الرعوية الاستيطانية جاء على اساس سياسة رسمية تبنتها حكومات الاحتلال وأصبحت ركنا أساسيا من اركان سياسة حكومة بنيامين نتنياهو الحالية. نتنياهو تبنى ذلك دون إعلان وكلف سموتريتش بإدارة الملف بعد أن منحه صلاحيات واسعة في الادارة المدنية لجيش الاحتلال. يشهد على ذلك ما أكده سموتريتش نفسه حين قال : إنّ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حثّه هو ووزيرة الاستيطان أوريت ستروك، خلال اجتماع المجلس الوزاري للشؤون السياسية والأمنية "الكابنيت" الذي انعقد منتصف كانون أول 2025، على "شرعنة" وتأهيل المزيد من البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة. وسائل إعلام عبرية نقلت عن سموتريتش قوله إنّ "رئيس الحكومة حثّني على المزيد، لقد فهم أهمية الأمر مجلس التخطيط الأعلى في الادارة المدنية للاحتلال، الذي يتولى أمره، بتسلئيل سموتريتش يدرك ذلك، ويمضي في جلساته الاسبوعية في إقرار المزيد والمزيد من البناء في المستوطنات ويقوم في الوقت نفسه بنشر البؤر الاستيطانية والمزارع الرعوية الإرهابية على نطاق واسع في سياق الحفاظ على المشروع الاستيطاني وحمايته من الفشل. نشير هنا الى جديد معطيات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، الذي يشير الى ان المستوطنين في عام 2010 شكلوا نحو 82 في المئة من السكان في المنطقة ( ج ) ليهبط معدلهم  في 2020 الى 60 في المئة وفي السنتين الأخيرتين الى 55 في المئة، الميول الديموغرافية السلبية في أوساط المستوطنين في المناطق المحتلة تخلق واقعا ينخفض فيه معدل الإسرائيليين في المناطق ج مثلما في كل المناطق، السكان يصبحون افقر ويعتمدون أساسا على المنح الحكومية. في العام 2020 ( عام الكورونا ) بدأت المغادرة مع 842 من سكان المستوطنات. وفي العام 2021  اضيف فقط 74 مستوطن جديد، لكن في 2022 – السنة التي تميزت بعمليات قاسية وبحملة "مُحطم الأمواج" بدأ ارتفاع دراماتيكي في عدد المغادرين: 1022 مستوطن غادر المنطقة، رغم أنه في حينه بني غير قليل من وحدات السكن. وفي العام  2023 انضم الى المناطق 550 مستوطن جديد، لكن احداث السابع من أكتوبر وما تلاها من حرب جعل العام 2024 يسجل الهجرة الأكبر– مع 1596 مستوطن غادروا المستوطنات. مؤشر المغادرة استمر وإن بوتيرة أضعف، حيث تظهر معطيات كانون الثاني– شباط 2025 استمرار عملية المغادرة، حتى نهاية شباط الماضي بلغت الهجرة السلبية من المستوطنات 182 شخصا. في "تمرور" يعتقدون ان الارتفاع في عدد السكان يعتمد حاليا فقط على التكاثر الطبيعي الذي ازداد بـ549 وليداً منذ بداية السنة الجارية– 58 في المئة منهم في البلدات الحريدية، وتحديداً في موديعين عيليت وبيتار عيليت وجفعات زئيف. وفي هذا الصدد تؤكد المعطيات بان الارتفاع في عدد وحدات السكن في المستوطنات التي بلغت في الربع الأول من 2025 عشرات الالاف لا يتوافق مع حجم الطلب على السكن في المنطقة. فهوس سموتريتش والحكومة للبناء في المناطق المحتلة لا يتوافق وموقف الجمهور الذي يفضل السكن في نطاق الخط الأخضر.

وهكذا تبدو الصورة واضحة، فوظيفة البؤر الاستيطانية وما يسمى بالمزارع الرعوية، يجري تصميمها ليس فقط للسطو على اراضي الفلسطينيين وتقطيع اوصال الضفة الغربية ومنع إقامة دولة فلسطينية متصلة، بل وللحفاظ على المشروع الاستيطاني من الفشل في ضوء الهجرة السلبية من المستوطنات باستثناء المستوطنات الحريدية، التي بنيت في معظمها في المناطق المحاذية للخط الأخضر، هذه المستوطنات، التي تشهد نموا في عدد ساكنيها.

وللحفاظ على زخم المشروع الاستيطاني تتبنى الدولة عنفهم وإرهابهم كما يفعل يسرائيل كاتس وزير الجيش، الذي رفع عنهم الاعتقال الاعتقال وأحال أمرهم الى مؤسسة الحاخامات وكما يفعل زامير رئيس الاركان وآفي بلوط قائد المنطقة الوسطى، اللذان يوفران لهم الحماية. ويجري تمويل بناء البؤر الاستيطانية وما يسمى بالمزارع الرعوية بملايين الشواقل، كما يفعل بتسلئيل سموتريتش وكيانات استيطانية تعمل بالتنسيق والتكامل مع مخططات هذا الوزير، مثل حركات أمانا، وهاشومير يوش، وريغافيم، ونحالا، التي فرض الاتحاد الأوروبي عليها وعلى رءسائها مؤخرا عقوبات جديدة،  كما يجري تسليح سكان هذه البؤر والمزارع وتزويدها بمركبات جبلية وتحويلها الى رأس حربة لمطاردة الفلسطينيين وللتوسع الاستيطاني كما يفعل الوزير العنصري المنطرف ايتمار بن غفير، مع ما يرافق ذلك من أعمال ارهابية وعمليات قتل للمدننين الفلسطينيين ومن تهجير لعدد كبير من التجمعات الفلسطينية وخاصة التجمعات البدوية في مناطق شفا الغور على امتداد محافظات نابلس ورام الله والقدس وفي الأغوار الفلسطينية ومناطق جنوب الخليل. وفي هذا الصدد أوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" في الأرض الفلسطينية المحتلة، في بيان صادر عنه بتاريخ 20/7/2025 أن ما لا يقل عن 2895 مواطناً فلسطينياً هجروا من 69 تجمعاً سكانياً في شتى أرجاء الضفة الغربية منذ بداية العام 2023، وحتى منتصف شهر تموز من العام 2025 لا سيما من التجمعات الرعوية والبدوية، بسبب البيئة القسرية الناجمة عن تصاعد عنف المستوطنين، وأضاف البيان أن ما نسبته 45 بالمئة من الأسر المهجرة جاءت من محافظة رام الله (1309 من أصل 2895 أسرة)، تلتها محافظات الخليل وبيت لحم ونابلس وطوباس وسلفيت والقدس وأريحا. وأشار إلى أن الذين هجروا حتى الآن منذ بداية العام الحالي، ثلثهم من منطقة غور الأردن (215 من أصل 636 شخصا مهجراً).

هذه هي حقيقة هذه البؤر والمزارع الرعوية الاستيطانية، وعلى أساس ذلك يبني المستوطنون من خلال هذه البؤر والمزارع دولة داخل دولة الاحتلال كمشروع  يهدف إلى إقامة كيان موازٍ أو "دولة مستوطنين" يعمل خارج نطاق القانون الدولي، ويسعى لتقطيع أوصال الضفة، وعزل التجمعات الفلسطينية، وتوطيد سيطرة اليمين المتطرف عبر بنى تحتية وخطط هيكلية شبه مستقلة، الأمر الذي يفرض على الجانب الفلسطيني مواجهة ذلك باسترتيجية وطنية تحاصر نشاطها بلجان دفاع عن الارض ومقاومة شعبية تشارك فيها جميع أجهزة السلطة الوطنية ذات الصلة بما فيها الاجهزة الامنية والعسكرية لتوفير الحماية للمواطنين الفلسطينيين في الارياف الفلسطينية جنباً إلى جنب مع القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني الفلسطيني الاجتماعية والحقوقية ووضع منظمات الإرهاب اليهودي، التي تتخذ من البؤر الاستيطانية والمزارع الرعوية الاستيطانية بشكل خاص والمنظمات التي ترعاها والاوساط السياسية والعسكرية والقضائية الإسرائيلية، التي تتبناها على جدول الأعمال الوطني لجهة الملاحقة السياسية والقانونية في مختلف المحافل الدولية باعتبارها دفيئات إرهاب ترعاها دولة وحكومة الاحتلال.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 مايو 2026 12:08 مساءً - بتوقيت القدس

الحركة الوطنية: بين الانكفاء التاريخي وإمكانية استعادة الأمل

تبدو الحركة الوطنية الفلسطينية اليوم وكأنها بلغت ذروة الإنهاك التاريخي؛ إذ لم يعد التحدي مقتصرًا على مواجهة الاحتلال، بل تمدّد إلى أزمة بنيوية عميقة داخل النظام السياسي نفسه، تتجلى في أزمة تمثيل وشرعية، وفي تراجع القدرة على إنتاج مشروع وطني جامع يتجاوز إدارة الواقع إلى محاولة تغييره، أو حتى إلى فتح كوة أمل في جدار الانسداد الوطني والسياسي.

منذ التحولات الكبرى التي أعقبت أوسلو، ثم الانقسام وتعدد مراكز القرار، تراجعت الفكرة المؤسسة للحركة الوطنية من مشروع تحرر وطني إلى منظومة لإدارة واقع سياسي شديد التشظي. وهكذا، لم يعد السؤال المركزي: كيف تُواجه منظومة الاحتلال؟ بل كيف تُدار الحالة الفلسطينية داخل حدود سياسية ضيقة فقدت قدرتها على إنتاج إجماع وطني، أو حتى على فتح أفقٍ ممكن.

هذا التآكل لا يلغي استمرار الفعل الوطني، لكنه يكشف انتقاله من مستوى المشروع إلى مجرد الحفاظ على البقاء، ومن أفق التحرر إلى هندسة الممكن المحدود. ومع ذلك، فإن جوهر القضية لم يُكسر؛ فالشعب لم يتخلَّ عن حقه، والتاريخ لم يُغلق، والاحتلال لم ولن يتحول إلى واقع طبيعي أو مشروع.

وفي قلب هذا التناقض، يبقى المعنى الأخلاقي للنضال حاضرًا، حتى وإن جرى تهميشه سياسيًا. فما زالت هناك انحيازات وطنية راسخة داخل الوعي الفلسطيني تعتبر الحرية شرط وجود لا بندًا تفاوضيًا أو خيارًا تكتيكيًا. ومن هنا، تتحول الرموز إلى أكثر من مجرد مكانة أو موقع سياسي؛ تصبح تجسيدًا حيًا لفكرة أن التضحيات لم تُهدر، وأن الشرعية الوطنية لا تُقاس بالسلطة، بل بالفعل والتاريخ.

لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم لم يعد متعلقًا بالرموز ذاتها، بل بكيفية توظيفها؛ هل تُستدعى كجسر لإعادة بناء المشروع الوطني، أم تُستخدم كغطاء رمزي لملء فراغ سياسي مزمن ومتراكم؟

في هذا السياق، لا يعود انعقاد المؤتمرات أو إجراء الانتخابات داخل القوى المهيمنة على المشهد الفلسطيني مجرد استحقاق تنظيمي داخلي، بل يتحول إلى لحظة سياسية كاشفة تُقاس من خلالها قدرة هذه القوى على مواجهة أزمتها بصدق ومسؤولية. فالمسألة لم تعد مرتبطة بتبدّل الأسماء أو تدوير المواقع القيادية، بل بوجود إرادة فعلية لمراجعة المسار السياسي والتنظيمي الذي قاد إلى هذا المأزق، وإعادة تعريف الدور الوطني ووظيفة العمل السياسي.

أما حين يُختزل "التجديد" في إعادة ترتيب الوجوه داخل البنية ذاتها، فيما تُغلق أبواب المساءلة وتُؤجَّل المراجعات الحقيقية باستمرار، فإن الأمر لا يعدو كونه إعادة إنتاج للأزمة نفسها، ولو بأدوات وشعارات مختلفة. عندها تصبح المؤتمرات والانتخابات مجرد محاولة لإضفاء شرعية جديدة على واقع مأزوم، بدل أن تشكل نقطة انطلاق نحو استعادة الفاعلية الوطنية والخروج من حالة العجز وفقدان الأفق.

والأخطر من ذلك، حين تُستدعى الرمزية التاريخية لا بوصفها مصدر إلهام ورؤية، بل كمظلّة تُستخدم للتغطية على الانسداد وتعطيل أي مراجعة جادة. عندها تتحول الذاكرة الوطنية من قوة دفع إلى أداة تجميد. ولعل ما جرى مع وثيقة الأسرى يشكل مثالًا دالًا، إذ لم تحظَ تلك الوثيقة، رغم ما تمثله قيادة الحركة الأسيرة من مكانة وطنية ، بالاهتمام الذي يليق بدلالاتها وإمكاناتها التوحيدية.

في مواجهة هذا الانسداد، لا تظهر "الطليعة" كترف فكري أو ادعاء نخبوي، بل كضرورة تاريخية تنبع من عمق المجتمع نفسه، بوصفها وعيًا نقديًا يرفض اختزال اللحظة الفلسطينية في مجرد إدارة أزمة بلا أفق.

ويتجلى دورها في ثلاثة مستويات مترابطة: أولها تفكيك الجمود الرمزي، ورفض تحويل الرموز إلى بديل عن المشروع الوطني أو إلى أقنعة سياسية لغياب الفعل الحقيقي. وثانيها إعادة ربط السياسة بمعناها التأسيسي، باعتبارها أداة تحرر لا مجرد إدارة لتوازنات القوة. أما ثالثها، فهو فتح أفق يتجاوز الانقسام الذهني والسياسي، ليس عبر القفز فوق الواقع، بل بإعادة طرح السؤال الوطني من جذوره وهو كيف يُستعاد المشروع الوطني، لا كيف يُدار الواقع وفق شروطه؟

ولعل أخطر ما أنتجه الانقسام الفلسطيني أنه لم يقتصر على تقسيم الجغرافيا والمؤسسات، بل امتد إلى جوهر الشرعية الوطنية نفسها. فقد تحول التمثيل من عقد وطني جامع إلى حالة تنازع مفتوح على السلطة والوظيفة والرمزية، بحيث بات كل طرف يحتكر جزءًا من الحقيقة لتبرير انفصاله عن الكل الوطني.

وهكذا تآكلت الفكرة الجامعة، ولم يعد السؤال: من يمثل من، بل ماذا تبقى أصلًا من فكرة التمثيل الوطني؟ إن استمرار هذا الواقع، دون مراجعة جذرية، يعني عمليًا إنتاج شرعيات متوازية وهشة، تتغذى على الإنهاك المتبادل بدل التكامل، وتُحَوِّل المشروع الوطني من إطار تحرر تاريخي إلى ساحة لإدارة التناقضات الداخلية، تُستنزف فيها التضحيات بدل أن تتحول إلى رافعة لاستنهاض الإرادة الوطنية.

إن إعادة بث الأمل في الحالة الفلسطينية ليست مسألة ذهنية أو عاطفية، بل فعل مقاومة ضد الانطفاء. ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل إصرار على أن التاريخ لم يُحسم بعد، وأن اللحظة الراهنة، رغم قسوتها، ليست خاتمة السردية الفلسطينية.

ولهذا، يتحول السؤال من "هل ما زال هناك أمل؟" إلى سؤال أكثر عمقًا وقسوة وهو كيف يمكن منع تحويل الأمل نفسه إلى خطاب فارغ يُستدعى عند الحاجة ثم يُترك عند أول اختبار؟

الإجابة لا تأتي من مركز واحد أو خطاب واحد، بل من إعادة إنتاج وعي فلسطيني جديد، يرفض أن تتحول الحرية إلى شعار، أو التضحيات إلى ذكرى، أو الرموز إلى أدوات تبرير.

وفي هذا السياق، يصبح معيار الحكم على أي مشروع سياسي، ليس قدرته على إدارة المرحلة، بل قدرته على استعادة بوصلته الأصلية بأن الحرية ليست هدفًا مؤجلًا، بل جوهر الفكرة الوطنية نفسها.

في النهاية، حين تتآكل البنى وتتراجع الأدوار، لا تكمن القضية في امتلاك الشعارات، بل في القدرة على الإمساك بجوهرها. فكما أن من يقبض على جمرة الثورة لا يفعل ذلك هربًا من الألم، بل حمايةً للفكرة ومنعًا لسقوطها في الفراغ أو الاستحواذ الضيق، كذلك تبقى القضايا الكبرى حيّة بقدر ما يبقى هناك من يرفض ترك مضمونها يتآكل.

إنه فعل قاسٍ بقدر ما هو ضروري؛ إذ لا معنى لفكرة وطنية تُترك لتبرد وتنطفئ، ولا لقضية تتحول إلى مجرد ذكرى بلا حياة. ومن يتمسك بالجمرة لا ينجو من ألم نارها، لكنه يحمي ما هو أعمق من ألم الجسد؛ يحمي روح الفكرة من الانطفاء. هكذا، لا تبقى الثورة حدثًا في الماضي، بل اختبارًا دائمًا للسؤال الجوهري: هل ما زالت الفكرة حيّة، أم أنها تُدار بوصفها مجرد أثرٍ باهتٍ لذاكرةٍ تتآكل؟

أما الجديد حقًا، فهو أن الزمن الفلسطيني لم يعد يحتمل "تجديدًا" يعيد إنتاج الفشل، بل يحتاج إلى استنهاضٍ يقطع مع مرحلة استمراء الفشل، ويعيد للفكرة الوطنية معناها وقدرتها على الفعل.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 مايو 2026 12:07 مساءً - بتوقيت القدس

التحول الرقمي… الفرصة الأخيرة للاقتصاد الفلسطيني؟


بينما تنشغل الحكومة الفلسطينية اليوم بتأمين رواتب نهاية الشهر، وإدارة أزمة السيولة، والبحث عن مصادر تمويل لتغطية العجز المتراكم، يتحرك العالم بسرعة هائلة نحو اقتصاد مختلف تمامًا؛ اقتصاد تقوده البيانات، والذكاء الاصطناعي، والمهارات الرقمية، واقتصاد المعرفة. الهند تخرج ملايين المبرمجين، والفلبين تهيمن على سوق الخدمات الرقمية، وباكستان تصدر خبراء البيانات، بينما فلسطين في هذه اللحظة الحاسمة تنتظر. وليس الانتظار هنا مجرد تأخر عن موعد، بل تأخر عن ثورة اقتصادية قد لا تنتظر أحدًا.

قد يبدو الحديث عن التحول الرقمي في ظل الأزمة الاقتصادية الفلسطينية الحالية نوعًا من الترف، لكن الحقيقة الاقتصادية تقول العكس تمامًا. ففي اقتصاد يعاني من بطالة تتجاوز 35%، ودين عام يقترب من 46 مليار شيكل، ورواتب حكومية تُصرف بنسب تتراوح بين 30% و50% فقط، يصبح البحث عن نموذج اقتصادي جديد ليس خيارًا يمكن تأجيله، بل ضرورة وطنية حتمية.

الأرقام الفلسطينية تكشف حجم التحدي بوضوح مؤلم. الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني لا يتجاوز نحو 16 مليار دولار سنويًا، فيما تستهلك الرواتب والأجور ما يقارب 73% من الموازنة العامة. وهذا يعني أن الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي يذهب لتغطية الالتزامات التشغيلية، بينما تبقى المساحات المخصصة للاستثمار والتطوير محدودة للغاية.

وفي الوقت ذاته، تتزايد الضغوط على القطاع الخاص، وتتراجع القدرة الشرائية، ويستمر الاقتصاد في الاعتماد بصورة كبيرة على الاستهلاك والتحويلات والمساعدات، دون بناء قاعدة إنتاجية قادرة على خلق نمو مستدام. اقتصاد بلا إنتاج، يعيش على إدارة البقاء أكثر مما يعيش على صناعة المستقبل.

وهنا تحديدًا تظهر أهمية التحول الرقمي بوضوح لا يقبل الجدل.

فالتحول الرقمي لم يعد مجرد خيار تقني أو مشروع خدمات إلكترونية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من الحل الاقتصادي العالمي. الدول اليوم لا تتنافس فقط بحجم الموارد أو رؤوس الأموال، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، وإدارة البيانات، وتطوير المهارات الرقمية القادرة على قيادة اقتصاد المستقبل.

لكن المشكلة في منطقتنا أن كثيرًا من المؤسسات ما زالت تتعامل مع التحول الرقمي باعتباره إطلاق تطبيقات ومنصات إلكترونية فقط، بينما الحقيقة أن التطبيقات وحدها لا تصنع تحولًا اقتصاديًا حقيقيًا. تطبيق جميل على الهاتف، وموقع إلكتروني براق، وخدمات “رقمية” بطيئة كما كانت… هذا ليس تحولًا رقميًا، بل مجرد واجهة حديثة لعقلية تقليدية قديمة.

السؤال الحقيقي اليوم ليس: كم تطبيقًا أطلقنا؟
 بل: كم نظامًا حكوميًا أعاد تصميم خدماته فعلًا حول احتياجات المواطن؟ وكم مؤسسة استطاعت تقليل الوقت والهدر ورفع الكفاءة باستخدام التكنولوجيا؟ وكم جامعة فلسطينية أعادت صياغة برامجها التعليمية لتتلاءم مع اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟

العالم اليوم لا يستثمر في التطبيقات فقط، بل في الإنسان القادر على قيادة التكنولوجيا وصناعتها. ولهذا، تعيد الجامعات العالمية الكبرى بناء برامجها حول الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والمهارات الرقمية، وريادة الأعمال، والتفكير النقدي.

أما في منطقتنا، فما زال جزء كبير من النظام التعليمي يعمل بعقلية الحفظ والتلقين، في وقت تتغير فيه الوظائف بوتيرة غير مسبوقة. وتشير تقارير دولية إلى أن ما يقارب 40% من الوظائف الحالية مرشحة للتأثر المباشر بالذكاء الاصطناعي والأتمتة خلال السنوات القادمة، ما يعني أن سوق العمل القادم لن يشبه ما عرفناه خلال العقود الماضية.

وهنا يبرز التحدي الأخطر: هل نُعدّ أبناءنا فعلًا لوظائف المستقبل، أم ما زلنا نُخرج آلاف الخريجين إلى سوق عمل يتغير أسرع من المناهج التعليمية نفسها؟ الخريج الفلسطيني اليوم يتخرج بمهارات تقليدية لسوق عمل جديد، بينما الشركات تبحث عن مهارات في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والعمل الرقمي.

كما أن الحكومة الرقمية لا تعني فقط نقل المعاملة من الورق إلى الهاتف المحمول، بل بناء مؤسسات تعتمد على البيانات، والشفافية، وسرعة اتخاذ القرار، وتقليل البيروقراطية والهدر المالي والإداري. وتشير تجارب دولية إلى أن التحول الرقمي الفعّال يمكن أن يساهم في تقليل التكاليف التشغيلية الحكومية بنسبة تتراوح بين 15% و25%، إلى جانب رفع الإنتاجية والنجاعة في بعض القطاعات بنسب قد تصل إلى 30%.

وفي اقتصاد يعاني من ضغط مالي حاد مثل الاقتصاد الفلسطيني، فإن أي تحسن في الكفاءة أو تقليل للهدر لا يُعتبر مجرد تطوير إداري، بل جزءًا من معركة البقاء الاقتصادي.

وفي فلسطين تحديدًا، يمتلك الاقتصاد الرقمي ميزة استراتيجية مهمة، لأنه من القطاعات القليلة القادرة على تجاوز القيود الجغرافية التقليدية. فالشاب الفلسطيني يستطيع اليوم أن يعمل مع شركات وأسواق عالمية من رام الله أو غزة أو القدس دون الحاجة لعبور الحواجز أو انتظار التصاريح. الصناعة تحتاج مواد خام، والزراعة تحتاج أراضي، والتجارة تحتاج حدودًا مفتوحة… أما الاقتصاد الرقمي، فكل ما يحتاجه هو إنترنت وعقل قادر على الإبداع.

لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب استثمارًا حقيقيًا في الإنسان أولًا، وفي التعليم الحديث، والبنية الرقمية، والتدريب، والبحث العلمي، لا مجرد الإنفاق على تطبيقات ومنصات قد تتحول مع الوقت إلى واجهات إلكترونية بلا أثر اقتصادي فعلي.

فالتحول الرقمي الحقيقي يبدأ من المدرسة والجامعة قبل الهاتف والتطبيق، ويبدأ من إعداد الإنسان القادر على التفكير والتحليل والإبداع والتكيف مع اقتصاد سريع التغير.

الخطر الحقيقي اليوم ليس فقط في العجز المالي أو ارتفاع البطالة أو أزمة الرواتب، بل في أن يدخل العالم عصر الذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة، بينما نبقى منشغلين بإدارة الأزمات الشهرية فقط.

فالدول لا تنهض بالتطبيقات وحدها…
 بل بالإنسان القادر على صناعة التكنولوجيا وفهمها وقيادة اقتصاد المستقبل.

مستشار اقتصادي دولي وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولي

أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 مايو 2026 12:07 مساءً - بتوقيت القدس

ارتباك المشهد

عديدة هي المواقف المربكة، وكثيرة هي الشواهد التي تجعل الحليم حيرانًا في زمن قليل الصدق والرضا، كثير الشكوى والامتعاض. عالم تحكمه الكراهية، حيث تنتشر روائح الخراب والدمار والإبادة، وصوت الحرب وحده يعلو بالوعيد.

لو أن ربان هذا العالم يتخذ السلام طريقًا وحيدًا، ويمنح الحياة للشعوب ويدفع بالاستقرار إلى المنطقة، ويا ليته يؤمن بأن ما لا يتحقق بالسلام يتحقق بالمزيد من السلام، بدلًا من هذا الانحياز الأعمى الذي لا يربك المشهد فحسب، بل يتأصل في صور ما نراه من دعم دائم للاحتلال، وتأييد للعنصرية والإرهاب، ومحاباة واضحة لنهج وأفكار التطرف وعربدة المستوطنين الأغراب، وسياسات اليمين العنصري الذي يؤمن بالحرب والقتل والتدمير.

العالم الذي سرق الإعلام أنظاره من حرب الإبادة في غزة، وحرب عصابات المستوطنين في الضفة والقدس وأحوال البلاد والعباد، إلى مضيق هرمز وتبعات الحرب ووساطة باكستان وتغريدات ترمب، كما لو أنه تم تكميمه بالتمام والكمال، فما من أحد يتحدث عن قسوة الحياة في غزّة هذه الأيام وسط غياب غير مبرر للدور الدولي والإقليمي وما أتفق عليه حين أعلن عن وقف الحرب.

فأين هو مجلس السلام المزعوم؟

أين اللجنة الإدارية الموعودة؟ وأين هي المساعدات التي ما دخل منها إلا الجزء البسيط. لا يزال الناس في الخيام والأطفال في العراء والمستشفيات بلا دواء ولا معدات طبية، ولا تزال الطائرات تقصف وتسقط قنابلها ولا يزال الموتى لا يجدون قبورًا وبلا جنائز تشيعهم إلى مثواهم. الواقع يزداد صعوبة وقسوة ومع مرور الأيام باتت الحياة في غزة مستحيلة.

إنه زمان آخر.

تبدأ الحرب ولا تتوقف، وإن هدأت قليلًا.

حروب تنتهي برسم تغريدات تترك الأشياء على حالها.

ووعود بالسلام مجرد حبر على ورق.

كل شيء مزعوم، وكل الوعود تذهب مع الريح.

لو تخلصنا من آثام الحروب والقتل والدمار، لصار لشكل حياتنا ما يستحق الحياة، وما كان لكثير من الآفات أن تنتشر، لكن أرباب الحرب لا يريدون لها أن تهدأ وتتوقف، بل يسكبون الزيت لتشتعل أكثر نيرانها وتتسع رقعتها ويمتد فصل الخراب.

يؤمنون بأن ما لا يتحقق بالقتل يتحقق بمزيد من القتل، وهذه نظرية البطش وسياسة العربدة. إنها نظريات الطغاة المصابون بهوس اشتعال الحروب وبقائها. لا رغبة عندهم في السلام ولا يشبعون من دمنا المسفوك على مقصلة الحرية.

مشهد مربك يعج بالأصوات التي تحرض على الحرب، بل على المزيد من الحرب، وهم يحاولون وضع العصي في دواليب التسويات والمفاوضات ويعرقلون كل جهد مبذول، رغبة منهم في بقاء المنطقة مشتعلة، لبسط الهيمنة على الأرض وبناء المزيد من المستوطنات وتوسيع جغرافيا الاحتلال بالقوة المدعومة من أمريكا التي تشرعن تلك الممارسات عبر صمتها الدائم.

تغريدات تربك العالم في لحظة، وتربك المشهد بأكثر من احتمال، ثم تغدو بعد لحظات مجرد ترهات لا أكثر من ذلك، ملازمة لمواقف عديدة ولحظات يراها العالم بأنها مصيرية، يترقبها بحذر وخوف، بينما قد تكون في عين كاتبها مجرد فضفضة على عتبة البيت الأبيض من ربان العالم المختال بنفسه والمحتال عليها.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 مايو 2026 12:06 مساءً - بتوقيت القدس

معادلة: سنظل نشرب قهوتنا في وطننا

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن الاتفاق مع إيران دخل مرحلة وضع اللمسات النهائية .أنه أجرى في ليلة واحدة مهاتفات مع قادة عشر دول في المنطقة، وبغض النظر إن كانت هذه إشارة كافية لوقف الحرب التي نتمنى ان تتوقف، فإن النظرة العلمية الثاقبة .الصائبة هي التي ترى الأشياء في حركتها لا في ثباتها، وعليه فإن هذه الحرب التي استمرت ثلاثة أشهر (40 يوماً من القصف و50 يوماً من المفاوضات) لم تكن سوى معركة أ.مجرد موقعة مع أقوى .أعتى .أشرس قوتين اعتدائتين في العالم الحديث: أمريكا .إسرائيل.

جاءت هذه الموقعة لتزرع بذور الحرب القادمة، التي ستستغرق وقتاً أطول، وستشترك فيها أطراف أخرى، أقرب .أبعد، ما لم تستخدم فيها أسلحة غير تقليدية، أ.ما لم تتغير أمريكا فتتخلى عن الدولة العنصرية الإبادية المارقة.

ستعرف إيران، كل إيران، المتشددة .المنفتحة، أن لا شيء ينفع مع هكذا أعداء سوى القوة، وأنها ل.كان لها من القوة ما لدى الدول العظمى، لما تم الاعتداء عليها مرتين في أقل من سنة، خلال مفاوضات منعقدة بوسطاء مشهودين، لما تم قصف المفاعلات النووية السلمية ومعها كل العلماء النووين، لما قتل مرشدها في بيته .معه زوجته الثمانينية .حفيدته الرضيعة، لما تم اغتيال "طبقات" القادة العسكريين .الأمنيين .السياسيين، .معهم نح.مئتي طفلة على مقاعدهن المدرسية.

تعرف إيران أين تقف إسرائيل من كل ذلك، بما فيه غابة من الجواسيس المزروعين في أحشائها، ومخططات التخريب الاجتماعي .الاقتصادي في الدولة الناشئة، والتأثير السياسي على أمريكا لكي تجر عليها كل هذه الأسلحة البرية .الجوية .البحرية من قارة الى قارة الى قارة، .أخيراً تتشاركان القصف .العدوان، .تتفاخران كما ل.أنهما كسبتوا كأس العالم.

ولهذا لا تريد إسرائيل التوصل إلى مثل هذا الاتفاق، ولا أي اتفاق آخر، فهي تعرف أنها ستكون القادمة في بؤرة بوز المدفع، لكن ليس أي مدفع.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 مايو 2026 12:05 مساءً - بتوقيت القدس

بين التحول الأخلاقي والواقع السياسي ، هل يتغير العالم فعلاً تجاه إسرائيل؟

لم يعد ممكناً إنكار أن عدوان الإبادة الجماعية الإسرائيلي على غزة منذ السابع من أكتوبر وحتى ما قبل ذلك ، إلى جانب التصعيد المتواصل في الضفة الغربية عبر التوسع الاستيطاني والضم وتهجير المخيمات وأعمال القتل اليومية ، قد أحدث تحولاً عميقاً في صورة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي . فالمشاهد اليومية للدمار واستهداف المدنيين ، وما رافقها من خطاب إسرائيلي فاشي وغير مسبوق ، دفعت قطاعات واسعة من شعوب العالم إلى إعادة النظر في كثير من الروايات والمسلمات التي سادت لعقود في الغرب حول طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

فما كان يُعتبر قبل سنوات قليلة خطاباً هامشياً أو "متطرفاً" في توصيف إسرائيل ، أصبح اليوم جزءاً من النقاش السياسي والإعلامي والحقوقي المفتوح ، من الحديث عن الفصل العنصري، إلى الاتهامات المتعلقة بجرائم الحرب والإبادة الجماعية، وصولاً إلى تصاعد الدعوات لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية، وكذلك دعوات المقاطعة.

ولعل الأهم من ذلك أن التحول لم يعد مقتصراً على الشارع العربي أو الإسلامي، بل امتد إلى الجامعات الغربية، والنقابات، والمؤسسات الحقوقية، وقطاعات واسعة من الشباب الأوروبي والأمريكي، وحتى داخل بعض الأوساط اليهودية نفسها، التي بدأت تُبدي اعتراضاً متزايداً على السياسات الإسرائيلية الحالية ، بما في ذلك ببعض اوساط الحزبين الرئيسين بالولايات المتحدة.

في هذا السياق، تأتي سلسلة المواقف والاحتجاجات والتصريحات التي شهدناها مؤخراً في دول مختلفة ، بوصفها مؤشرات على اتساع حالة الغضب العالمي تجاه الحرب وسياسات الحكومة الإسرائيلية . وهي مؤشرات لا يمكن التقليل من أهميتها، خصوصاً أنها تكسر تدريجياً حالة الخوف السياسي والإعلامي التي لطالما أحاطت بأي انتقاد حاد لإسرائيل في الغرب .

لكن، وفي المقابل فإن القراءة السياسية تقتضي أيضاً التمييز بين التحول الأخلاقي والشعبي من جهة ، وبين التحولات الاستراتيجية العميقة في سياسات الدول من جهة أخرى.

فصحيح أن إسرائيل تواجه اليوم عزلة أخلاقية وسياسية متزايدة، إلا أنها ما تزال تمتلك شبكة واسعة من التحالفات الدولية ، وفي مقدمتها الدعم الأمريكي والغربي الجزئي المؤثر عسكرياً واقتصادياً وسياسياً . كما أن النظام الدولي لا يتحرك فقط وفق الاعتبارات الأخلاقية ، بل تحكمه أيضاً المصالح والتوازنات الجيوسياسية المعقدة.

ولهذا ، ربما يكون من المبالغة الاعتقاد بأن ما يجري اليوم يعني قرب "سقوط إسرائيل" أو انهيار المشروع الصهيوني خلال سنوات قليلة ، كما يذهب البعض في قراءاتهم المتفائلة أكثر من اللازم . فالتاريخ لا يتحرك بهذه البساطة ، ولا وفق مواعيد جاهزة أو حتميات مسبقة.

ومع ذلك ، فإن ما يحدث اليوم ليس حدثاً عابراً أيضاً. فحين تتغير صورة إسرائيل بهذا الشكل أمام ملايين البشر ، وحين يتحول التعاطف العالمي مع الشعب الفلسطيني إلى حالة واسعة ومستمرة وكظاهرة دولية تحملها برامج أحزاب سياسية حول العالم ، فإن ذلك يترك أثراً تراكمياً عميقاً على المدى البعيد ، سواء على مستوى الرأي العام العالمي، أو في الجامعات والشوارع والبرلمانات ، أو داخل المؤسسات السياسية والقانونية الدولية.

لقد نجحت إسرائيل لعقود في تقديم نفسها باعتبارها "الضحية الدائمة" أو "الديمقراطية المحاصرة" في الوعي الغربي ، لكن الحرب العدوانية الأخيرة وما يجري اليوم ، كشفت أمام العالم وجهاً مختلفاً أكثر عنفاً وتطرفاً ، وأعادت طرح الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالأحتلال والأستيطان وحقوق شعبنا الفلسطيني.

غير أن الرهان على التحولات الخارجية وحدها يبقى غير كافي ، بل وقد يكون مضللاً أحياناً إذا لم يُقترن بقدرة فلسطينية أولاً وعربية بل ومن أصدقاء شعبنا حول العالم من احزاب واقوى تقدمية ومعادية للعنصرية والحروب على أستثمار هذا التحول سياسياً ودبلوماسياً.

ولعل ما جرى مؤخراً من سحب ترشيح المندوب الفلسطيني الدائم لدى الأمم المتحدة رياض منصور لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، تحت وطأة ضغوط أمريكية فجة ، يعكس حجم التناقض القائم في النظام الدولي نفسه من جهة ، وعدم القدرة أو الرغبة الفلسطينية الرسمية في مواجهة الضغوط الأمريكية من جهة أخرى . فمن جانب يتسع التعاطف العالمي مع الحقوق الفلسطينية وتتزايد الانتقادات لإسرائيل ، ومن جانب أخر ما تزال واشنطن تستخدم نفوذها لمنع أي حضور فلسطيني متقدم داخل المؤسسات الدولية ، في محاولة للحفاظ على موازين القوة السياسية التقليدية وانحيازها الواضح لإسرائيل ضمن إطار الشراكة الاستراتيجية ، رغم التحولات الجارية في الرأي العام العالمي.

ومن هنا ، فإن التحدي الفلسطيني اليوم لا يقتصر على الاستفادة من التحول العالمي الجاري ، بل يتطلب أيضاً إعادة بناء حالة وطنية قادرة على تحويل هذا التعاطف الدولي المتزايد إلى إنجازات سياسية حقيقية ، بدلاً من الاكتفاء بمراقبة المشهد أو التعويل على متغيرات الخارج وحدها.

فالعالم قد يكون بدأ بالفعل في إعادة النظر بكثير من المسلمات القديمة، لكن السؤال الأهم يبقى أمامنا هو: هل نحن مستعدون أيضاً لإعادة النظر بأدواتنا ورؤيتنا وقدرتنا على مواكبة هذا التحول التاريخي ، والمساهمة مع قوى دولية صديقة أو صاعدة في بلورة معادلات جديدة في إطار المتغيرات الدولية الجارية؟


* عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح".

أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 مايو 2026 12:04 مساءً - بتوقيت القدس

"الإيرانيوم" المخصب!

لم تعد ازمة الملف النووي الإيراني مجرد صراع على نسبة تخصيب اليورانيوم أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل تحولت إلى اختبارٍ قاسٍ لشكل النظام الدولي وحدود القوة الأمريكية نفسها، والى مرآة تعكس ازمة ترامب اكثر من ازمة طهران، فالرجل الذي عاد الى البيت الابيض بشعار الحسم السريع، واوهام الصفقات الكبرى، اكتشف أن الشرق الأوسط لا يعمل بمنطق شركات العقارات، وأن إيران ليست خصماً يمكن اخضاعه بتغريدة، بحاملة طائرات أو حتى بسلسلة عقوبات.

العالم يريد شيئاً واحداً الآن؛ مضيقاً مفتوحاً، ونفطاً متدفقاً، أما بقية شعارات ترمب عن إسقاط النظام، أو تغيير الشرق الأوسط فلم تعد تجد من يشتريها، حتى داخل واشنطن نفسه، والمفارقة أن ترامب الذي طالما هاجم اتفاق اوباما النووي بوصفه مذلاً لأمريكا، يجد نفسه اليوم محاصراً بنفس الأسئلة التي واجهت أوباما، ولكن بظروف أكثر تعقيداً وأقل قابلية للمناورة.

أوباما فاوض إيران وهو يدرك حدود القوة الأمريكية بعد نكساتها في العراق وافغانستان، اما ترامب فقد دخل المفاوضات بعقلية "الكل أو لا شيء"، إذ لم يعد التفاوض أداة للوصول إلى تسويات بقدر ما أصبح أداة لفرض الاستسلام الكامل، لكن طهران ليست سلطة محاصرة تعتمد على المساعدات، وهذه هي العقدة التي يواجهها ترمب الآن.

الحرب التي جرى التلويح بها لإسقاط النظام فقدت معناها قبل أن تبدأ، فبعد قرابة نصف قرن من العقوبات والاغتيالات والضغوط، وقرابة خمسة آلاف نوع من العقوبات الأمريكية والدولية، لم يسقط النظام ولم تظهر مؤشرات على انهياره داخليا، بل على العكس، بدا أكثر تماسكاً وقدرة على التكيف، حتى داخل مراكز التفكير الامريكية بات الحديث يدور عن فشل استراتيجية الخنق الاقتصادي، واستحالة انتاج نموذج عراقي جديد في ايران، وهنا تحديدا تبدو أزمة ترمب الحقيقية، إذ كيف يمكن إعلان النصر في حرب لا أحد يعرف كيف ستنتهي، أو ما الذي سيحدث بعدها؟

الصين زادت المشهد تعقيداً، فترمب الذي كان يراهن على أن بكين ستضغط على طهران، أو على الاقل ستتجنب معاكسة رغباته، صدم بعكس ذلك تماماً، بكين تعاملت ببرود محسوب، وتركت ترمب يعود خالي الوفاض تقريبا، رسالتها كانت واضحة، الخيار العسكري ليس فقط مكلفاً، بل مرشح للفشل أيضاً، والعالم لا يحتمل مغامرة جديدة تشعل حرب طاقة، وتدفع الاقتصاد العالمي لركود واسع، ولهذا، بدا ترمب كأنه يقاتل على جبهتين في وقت واحد؛ جبهة ايران وجبهة صورته، صورة الرئيس الذي لا يخسر.

المضحك المبكي أن ترمب لا يبحث فعلياً عن حرب شاملة، فهو يدرك أن شهية الأمريكيين للحرب تراجعت بشكل غير مسبوق، وأن أي مغامرة عسكرية قد تتحول إلى عبء انتخابي، لذلك يبحث عن صورة نصر سريعة؛ مضيق مفتوح، أسعار طاقة مستقرة، لكن هذه الأهداف نفسها تكشف عبثية السردية الأمريكية، لأن مضيق هرمز كان مفتوحاً، والمرور مجانياً، والطاقة تتدفق وبأسعار مستقرة.

لهذا لم تعد المفاوضات مجرد نقاش تقني حول البرنامج النووي، فالعالم - عدا تل أبيب- لا يخشى القنبلة الايرانية بقدر ما يخشى رئيسا متقلبا، وحكومة يمينية تدفع نحو توسيع الحرب، ونظاماً دولياً يتآكل من الداخل، اما بعد انتهاء هذا الفصل، سواء باتفاق أو بتصعيد محدود، سيطرح الأمريكيون السؤال الحقيقي، فهل كانت الحرب ضرورة أصلاً؟ وعندها ستبدأ المحاسبة، ليس في طهران هذه المرة، بل في واشنطن وقبلها تل أبيب، وعندها سيكتشف الأمريكيون أن أزمة النووي لم تكن أزمة إيران بقدر ما كانت أزمة ترمب والبيت الأبيض نفسه.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 مايو 2026 12:03 مساءً - بتوقيت القدس

متطلبات المرحلة القادمة بعد المؤتمر الثامن لحركة "فتح"

جاء انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح في واحدة من أخطر اللحظات التاريخية التي يمر بها الشعب الفلسطيني منذ عقود طويلة، ليس فقط بسبب حجم العدوان الإسرائيلي المفتوح على قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، وإنما أيضاً بسبب التحولات العميقة التي بدأت تضرب صورة إسرائيل السياسية والأخلاقية في العالم، بعد أن تحولت جرائم الاحتلال إلى مشهد يومي موثق بالصوت والصورة أمام الرأي العام الدولي.

لقد دخلت القضية الفلسطينية مرحلة جديدة تختلف جذرياً عما سبقها. فإسرائيل التي حاولت لعقود أن تقدم نفسها باعتبارها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، باتت تواجه اليوم اتهامات متصاعدة بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم الحرب، حتى داخل المجتمعات الغربية التي كانت تشكل عمقها السياسي والإعلامي التقليدي. وهذا التحول لا يمكن التعامل معه باعتباره حالة عابرة، بل يمثل فرصة تاريخية يجب على حركة فتح والقوى الوطنية الفلسطينية أن تحسن استثمارها سياسياً وتنظيمياً ووطنياً.

في لحظات التحول الكبرى، لا يكفي توصيف الواقع أو البكاء على المآسي، بل يصبح السؤال الحقيقي هو ذاته السؤال الذي طرح تاريخيا : "ما العمل؟".

ذلك السؤال لم يكن سؤالاً نظرياً، بل كان سؤالاً يتعلق بكيفية تحويل التحولات التاريخية إلى مشروع سياسي قادر على البناء والتغيير. واليوم، وبعد المؤتمر الثامن، يصبح السؤال ذاته مطروحاً أمام حركة فتح: ما العمل في ظل انسداد الأفق السياسي؟ وما المطلوب من الحركة في لحظة تتغير فيها صورة إسرائيل عالمياً بينما يتعمق العدوان على شعبنا؟

أول ما تحتاجه حركة فتح في هذه المرحلة هو استعادة المبادرة السياسية والتنظيمية وعدم الاكتفاء بردود الفعل. فالحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود مطالبة اليوم بأن تعيد تعريف دورها بوصفها حركة تحرر وطني تخوض معركة بقاء وهوية وسيادة، لا مجرد إطار إداري أو سياسي تقليدي.

إن الجماهير الفلسطينية، خصوصاً جيل الشباب، تنتظر خطاباً جديداً أكثر وضوحاً وصلابة، خطاباً يعيد الاعتبار لفكرة التحرر الوطني ويعيد الثقة بين الحركة والشارع الفلسطيني.

لقد أثبتت الحرب الأخيرة أن إسرائيل لم تعد قادرة على تسويق نفسها بسهولة، وأن الرواية الفلسطينية باتت تمتلك حضوراً غير مسبوق في الجامعات الغربية والشوارع الأوروبية والأمريكية ووسائل الإعلام الدولية. غير أن هذا التحول الشعبي العالمي يحتاج إلى قيادة فلسطينية قادرة على تحويل التعاطف إلى ضغط سياسي وقانوني ودبلوماسي حقيقي.

وهنا تبرز ضرورة إطلاق خطة فلسطينية شاملة تقوم على عدة مستويات متوازية.

أولاً، يجب إعادة بناء الهجوم السياسي الفلسطيني على المستوى الدولي، عبر تفعيل أدوات القانون الدولي والمحاكم الدولية، وتوسيع معركة المقاطعة والعزل السياسي لإسرائيل، والعمل على تحويل ملف الاستيطان والتهجير والعدوان إلى عبء دائم على أي حكومة إسرائيلية قادمة.

فالعالم بدأ يسمع الرواية الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى، لكن المشكلة تكمن في غياب استراتيجية فلسطينية موحدة لاستثمار هذا التحول.

ثانياً، المطلوب من حركة فتح بعد المؤتمر الثامن أن تعيد بناء حضورها الشعبي والتنظيمي داخل الشارع الفلسطيني، خصوصاً في القدس والضفة الغربية والمخيمات والجامعات والنقابات.

فالمعركة المقبلة لن تكون عسكرية ، بل معركة وعي وصمود وتنظيم وقدرة على حماية الهوية الوطنية الفلسطينية من التفكك والإحباط واليأس.

ولا يمكن لحركة بحجم فتح أن تواجه هذه التحديات بعقلية البيروقراطية أو الحسابات الضيقة، بل بعقلية الحركة الوطنية الجامعة التي تستوعب الكفاءات والشباب والمناضلين وأصحاب الحضور الجماهيري الحقيقي.

ثالثاً، لا بد من قراءة المشهد الإسرائيلي بعمق ودقة. فإسرائيل تتجه نحو أزمة سياسية داخلية متفاقمة، واحتمال خروج بنيامين نتنياهو من المشهد السياسي بات مطروحاً بقوة مع تصاعد الفشل الأمني والعسكري والانقسام الداخلي.

لكن الخطأ الكبير سيكون الاعتقاد أن رحيل نتنياهو يعني نهاية المشروع الاستيطاني أو العدواني، فالأزمة في إسرائيل ليست أزمة شخص بل أزمة بنية سياسية كاملة تتجه أكثر نحو التطرف الديني والقومي.

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إعداد رؤية فلسطينية واضحة للتعامل مع أي انتخابات إسرائيلية قادمة وأي حكومة جديدة، بحيث لا يتم العودة إلى أوهام العملية السياسية القديمة أو إدارة الوقت تحت عناوين فارغة.

المطلوب هو استراتيجية فلسطينية تستند إلى تثبيت الحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها القدس وحق تقرير المصير وإنهاء الاحتلال، مع الاستفادة من التحولات الدولية والإقليمية لإعادة فرض القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني وليست مجرد ملف إنساني أو اقتصادي.

كما أن المطلوب من حركة فتح اليوم أن تعيد الاعتبار للوحدة الوطنية باعتبارها ضرورة استراتيجية وليست شعاراً إعلامياً. فالحرب أثبتت أن شعبنا موحد في الميدان وفي المعاناة وفي الهوية، بينما لا تزال الانقسامات السياسية تستنزف طاقات الفلسطينيين وتضعف قدرتهم على المواجهة.

ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح دون إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والمقاومة الشعبية والديمقراطية والتمثيل الحقيقي.

إن المؤتمر الثامن يجب ألا يكون مجرد محطة تنظيمية عابرة، بل نقطة انطلاق نحو مراجعة شاملة لمسار الحركة ودورها ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني كله.

فحركة فتح أمام اختبار تاريخي جديد: إما أن تستعيد دورها كقائدة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني القادرة على الاشتباك السياسي والجماهيري والدولي، وإما أن تترك فراغاً خطيراً في لحظة هي الأخطر على مستقبل القضية الفلسطينية.

لقد علمتنا التجارب الكبرى في التاريخ أن الشعوب التي تعرف كيف تستثمر تضحياتها تستطيع أن تحول الألم إلى قوة، والهزات الكبرى إلى بدايات جديدة.

واليوم، بينما تتكسر صورة إسرائيل في العالم تحت وقع جرائمها، فإن المطلوب فلسطينياً ليس انتظار المتغيرات، بل صناعة المتغير الفلسطيني القادر على فرض نفسه على الإقليم والعالم.

وهنا يعود السؤال مجدداً: ما العمل؟

والجواب يبدأ من إعادة بناء الثقة بالشعب، وبالمشروع الوطني، وبقدرة حركة فتح على أن تكون مرة أخرى حركة الجماهير الفلسطينية، وحركة الاشتباك السياسي المفتوح دفاعاً عن القدس وفلسطين وحقوق شعبنا التاريخية.


* الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 مايو 2026 12:02 مساءً - بتوقيت القدس

القدس بين التهويد والصمود: صراع طويل على معنى المدينة وحق البقاء


ليست القدس مجرد

 مدينة في الجغرافيا أو التاريخ، بل هي مساحة تتقاطع فيها السياسة بالرمز، والقانون بالواقع، والهوية بالفعل اليومي. وفي السنوات الأخيرة، يتخذ الصراع حولها شكلاً أكثر هدوءًا في ظاهره، وأكثر عمقًا في أثره: إعادة تشكيل تدريجية للمدينة، مقابل صمود اجتماعي يومي يثبت الوجود في مواجهة التآكل البطيء.

تشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ومنظمات حقوقية إسرائيلية وفلسطينية إلى استمرار سياسات الهدم، وتقييد البناء، وتوسيع البنية الاستيطانية في القدس الشرقية، في سياق يصفه باحثون بأنه "تغيير تراكمي للواقع الديموغرافي والمكاني" أكثر من كونه سلسلة أحداث منفصلة.

في هذا الإطار، لا تبدو القدس مدينة تُدار بقرارات منفصلة، بل منظومة متكاملة من الأدوات التي تعيد تعريف من يملك الحق في المكان.


الأقصى: مركز الصراع الرمزي

يبقى المسجد الأقصى (Al-Aqsa Mosque) في قلب التوتر، ليس فقط بوصفه موقعًا دينيًا، بل باعتباره رمزًا سياديًا شديد الحساسية في الصراع على المدينة.

تشير معطيات دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس إلى تزايد الاقتحامات خلال السنوات الأخيرة، في فترات وصلت فيها إلى معدلات شبه يومية، تحت حماية الشرطة الإسرائيلية. وترافق ذلك مع محاولات متكررة لأداء طقوس دينية داخل ساحاته، ما يثير توترًا دائمًا حول "الوضع القائم" الذي ينظم إدارة المكان منذ عقود.

في هذا السياق، لا يُنظر إلى ما يحدث باعتباره ممارسات فردية، بل كتراكم رمزي يعيد طرح سؤال السيطرة على أحد أكثر الأماكن حساسية في المدينة.


الاستيطان: إعادة تشكيل بطيئة للمدينة

في القدس الشرقية، لا يعمل الاستيطان كحدث عمراني معزول، بل كعملية طويلة المدى لإعادة هندسة المجال الجغرافي.

وفق منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية، فإن توسع المستوطنات وشبكات الطرق المرتبطة بها ساهم في خلق تكتلات جغرافية تفصل الأحياء الفلسطينية عن بعضها، وتحدّ من الامتداد الطبيعي للمدينة الفلسطينية.

إلى جانب ذلك، تشكل سياسات الإقامة ولمّ الشمل عنصرًا إداريًا مؤثرًا في البنية السكانية، إذ تؤدي تدريجيًا إلى تقليص الاستقرار الديموغرافي للفلسطينيين داخل المدينة عبر إجراءات قانونية معقدة ومتراكمة.

هذا التحول لا يحدث عبر حدث واحد، بل عبر تراكمات يومية تُعيد تشكيل المدينة بصمت.


هدم المنازل: إدارة الحياة عبر الضغط القانوني

يمثل هدم المنازل أحد أكثر أدوات الضغط المباشر على الوجود الفلسطيني في القدس الشرقية. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى استمرار تسجيل حالات هدم سنوية بذريعة "البناء دون ترخيص"، في ظل منظومة تخطيط يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها شديدة التقييد.

في أحياء مثل سلوان وجبل المكبر، يتحول ملف الهدم إلى جزء من الحياة اليومية، حيث تعيش العائلات بين احتمالين قاسيين: الهدم القسري أو الهدم الذاتي لتجنب الغرامات.

الأثر هنا لا يقتصر على فقدان السكن، بل يمتد إلى زعزعة الاستقرار النفسي والاجتماعي، وإعادة تعريف مفهوم الأمان داخل المدينة.


المجتمع الدولي: فجوة مستمرة بين الموقف والنتيجة

رغم كثافة التقارير الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومؤسسات حقوق الإنسان، فإن التأثير العملي لهذه التقارير يبقى محدودًا مقارنة بوتيرة التغيير على الأرض.

تتكرر بيانات الإدانة والقلق، لكن دون أدوات تنفيذية كافية لإحداث تغيير في السياسات الميدانية، ما يخلق فجوة واضحة بين اللغة الدبلوماسية والواقع الفعلي.

هذه الفجوة تجعل مسار الأحداث في القدس أقرب إلى منطق "الأمر الواقع"، حيث تتقدم الوقائع على القدرة الدولية على التأثير.


صمود المقدسيين: تثبيت الوجود كفعل يومي

في مواجهة هذا المشهد، لا يظهر الصمود الفلسطيني في القدس كفعل سياسي لحظي، بل كحالة حياة ممتدة.

يتجلى هذا الصمود في تفاصيل يومية:

•   الإصرار على البقاء في المنازل رغم تهديدات الهدم.

•   استمرار النشاط الاقتصادي في البلدة القديمة رغم القيود.

•   الحفاظ على المؤسسات التعليمية والاجتماعية المحلية.

•   التمسك بالبنية الاجتماعية داخل المدينة رغم الضغوط المستمرة.

هذا الصمود لا يُفهم فقط كرفض، بل كفعل وجودي يعيد تثبيت العلاقة بين الإنسان والمكان في سياق يتغير باستمرار.


خاتمة: مدينة تُكتب ولا تُحسم

القدس ليست مدينة ذات سردية واحدة، بل مساحة تتنازعها مشاريع متقابلة: إعادة تشكيل المكان من جهة، وتثبيت الوجود من جهة أخرى.

وفي هذا التوتر المستمر، لا تُحسم المدينة، بل تُعاد كتابتها يوميًا عبر السياسات من جهة، والحياة اليومية من جهة أخرى.

تبقى القدس في النهاية سؤالًا مفتوحًا لا يتعلق بالجغرافيا فقط، بل بالحق في المعنى:

من يعرّف المدينة؟ ومن يملك حق البقاء فيها؟

سؤال لا تزال إجابته تُكتب على الأرض، بصمتٍ يومي لا يقل أثرًا عن أي خطاب سياسي.

اسرائيليات

الثّلاثاء 26 مايو 2026 11:47 صباحًا - بتوقيت القدس

جدل في أوساط الاحتلال حول تغيير اسم 'الجيش' بعد إخفاق 'طوفان الأقصى'

لا تزال تداعيات الفشل الأمني والعسكري الإسرائيلي في التنبؤ بعملية 'طوفان الأقصى' تثير نقاشات حادة داخل أوساط الاحتلال. وشدد ضباط ومحللون على ضرورة إجراء مراجعة ذاتية عميقة داخل المؤسسة العسكرية لفهم أسباب الانهيار الذي حدث في السابع من أكتوبر الماضي.

وفي هذا السياق، برزت مطالبات سياسية وإعلامية تدعو إلى تغيير الاسم الرسمي للجيش، كخطوة رمزية تعكس تحولاً في العقيدة القتالية. واقترح أعضاء في الكنيست ومنتمون لأحزاب اليمين استبدال مسمى 'جيش الدفاع الإسرائيلي' بأسماء تحمل طابعاً أكثر هجومية.

وطالب عضو الكنيست أوشر شكاليم، من حزب 'الليكود' الحاكم، بتغيير الاسم إلى 'جيش إسرائيل' فقط، وحذف كلمة الدفاع. فيما ذهبت مقترحات إعلامية عبر القناة 14 العبرية إلى أبعد من ذلك، بالمطالبة بتسميته 'جيش إسرائيل الهجومي' لتعزيز الردع.

واعتبر الضابط المتقاعد أفيياد هومينير روزنبلوم، في مقال نشرته صحيفة 'يديعوت أحرنوت' أن هذه الدعوات ليست مجرد تلاعب بالألفاظ. وأوضح أن الهدف الحقيقي هو التعبير عن السخط تجاه ما يوصف بالسياسة الدفاعية المفرطة التي انتهجها الجيش قبل المواجهة الأخيرة.

وأشار روزنبلوم إلى أن البعض يحاول استنساخ نماذج دولية، مثلما جرى في الولايات المتحدة حين تم تغيير اسم وزارة الحرب إلى وزارة الدفاع. ومع ذلك، حذر الضابط من التسرع في تغيير 'الحمض النووي' للجيش دون فهم الأسباب التاريخية التي أدت لاختيار اسمه الحالي.

وبالعودة إلى جذور التأسيس قبل نحو 78 عاماً، يظهر التاريخ أن تسمية الجيش كانت محل خلاف كبير بين القادة الصهاينة الأوائل. ففي مايو 1948، وقع دافيد بن غوريون على أمر التأسيس وسط جدل وزاري حول الهوية العسكرية للدولة الناشئة.

وكان بن غوريون يميل في البداية للحفاظ على اسم 'الهاغاناه'، وهي العصابات الصهيونية التي شكلت النواة الأولى للجيش. إلا أن وزراء آخرين فضلوا ابتكار اسم جديد يواكب مرحلة 'الدولة'، مع الحفاظ على مفهوم الدفاع كقيمة أساسية.

وعارض وزراء بارزون في الحكومة المؤقتة آنذاك، مثل موشيه شاريت وأهارون تسيزلينغ، أي توجه لحذف كلمة 'الدفاع'. واعتبر تسيزلينغ حينها أن مفهوم الدفاع يحمل كرامة عظيمة، مؤكداً أن الهدف ليس بناء جيش هجومي بل قوة تحمي الوجود اليهودي.

ويرى مراقبون أن بن غوريون أراد من خلال هذا المسمى ربط القوة العسكرية برؤية سياسية وأهداف محددة تتجاوز مجرد ممارسة العنف. وكان الهدف هو التأكيد على أن الجيش أداة لحماية المشروع الصهيوني وليس مجرد آلة للحرب المستمرة.

ورغم أن الجيش الإسرائيلي لم يلتزم دائماً بمفهوم 'الدفاع' في ممارساته الميدانية، إلا أن المصطلح ظل يشكل غطاءً قانونياً وسياسياً أمام المجتمع الدولي. واليوم، يرى المطالبون بالتغيير أن هذا الغطاء بات يشكل عائقاً أمام تبني استراتيجيات استباقية.

ويعتقد روزنبلوم أن العقيدة العسكرية الإسرائيلية تقوم أصلاً على مبدأ أن 'أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم'. ويتم تربية الضباط والجنود على هذا المبدأ منذ عقود، مما يجعل تغيير الاسم في نظره خطوة قد تفتقر للجوهر العملي.

وانتقد الضابط أولئك الذين يكررون العبارات الهجومية دون إدراك أن الدفاع يجب أن يظل هو الغاية النهائية لأي قوة عسكرية. وحذر من أن الانجرار وراء المسميات الهجومية قد يؤدي إلى فقدان البوصلة الاستراتيجية التي تأسس عليها الجيش.

وخلص النقاش الدائر إلى ضرورة عدم الاكتفاء بالشكليات، بل التركيز على المراجعة البنيوية للإخفاقات الاستخباراتية والعملياتية. ويرى محللون أن الفشل في 7 أكتوبر كان فشلاً في الأداء وليس في المسمى الوظيفي للمؤسسة العسكرية.

وفي نهاية المطاف، يبقى الجدل حول اسم الجيش انعكاساً لحالة الانقسام والارتباك التي تعيشها إسرائيل منذ 'طوفان الأقصى'. وتظل المطالبة بتغيير الاسم محاولة للهروب من استحقاقات المحاسبة السياسية والعسكرية عن الإخفاق الأكبر في تاريخ الاحتلال.