رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات – 26/5/2026
تحليل إخباري
في مقال تحليلي نشر الثلاثاء 26 أيار 2026، قدّم الكاتب الأميركي ماكس بوت Max Boot، في صحيفة "واشنطن بوست" ، واحدة من أكثر القراءات النقدية حدة لمسار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ اندلاع حرب غزة. فبوت يرى أن نتنياهو، الذي رفع شعار "إعادة تشكيل الشرق الأوسط" بعد هجوم السابع من تشرين الأول 2023، لم ينجح في تعزيز أمن إسرائيل، بل دفعها نحو استنزاف عسكري وسياسي وأخلاقي متسارع، يهدد مكانتها ومستقبلها الاستراتيجي على المدى الطويل.
ويستهل الكاتب مقاله باستحضار تحذير أطلقه مؤسس إسرائيل ورئيس وزرائها الأول بن غوريون عام 1951، حين قال إن أمن إسرائيل لا يمكن أن يقوم على الجيش وحده، بل على "سياسة خارجية قائمة على السلام ورغبة حقيقية في التعايش مع الجيران". ويرى بوت أن نتنياهو، الذي كان يوصف طويلاً بأنه "صقر حذر"، انقلب بالكامل على هذا المفهوم بعد هجوم "حماس"، وانتقل من سياسة الردع المحدود إلى مشروع مفتوح يقوم على استخدام القوة العسكرية لإعادة رسم المنطقة بأكملها.
فنتنياهو، الذي عمل سابقاً على تقويض اتفاقيات أوسلو دون إسقاطها نهائياً، وركّز خلال سنوات حكمه الطويلة على حروب قصيرة ومدروسة، كان يعتبر "اتفاقات أبراهام" إنجازه الأكبر (بحسب الكاتب)، وكان يسعى إلى توسيع التطبيع ليشمل السعودية. إلا أن صدمة السابع من تشرين الأول غيّرت المشهد الإسرائيلي جذرياً، ودفعت الحكومة الإسرائيلية نحو خطاب يقوم على "الانتقام المطلق" والسعي إلى "الأمن المطلق"، وهي معادلة يعتبرها بوت وصفة مؤكدة للاستنزاف والانفجار المستمر.
ومنذ ذلك التاريخ، وسّعت إسرائيل عملياتها العسكرية بصورة غير مسبوقة، لتشمل غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران، بينما أخذ نتنياهو يتحدث علناً عن "محو" خصوم إسرائيل وتغيير "وجه الشرق الأوسط". غير أن الكاتب يرى أن هذه السياسة، بدلاً من أن تعزز الردع الإسرائيلي، بدأت تقود الدولة العبرية نحو عزلة دولية متفاقمة واعتماد متزايد على الحماية الأميركية.
ويعتبر بوت أن المواجهة مع إيران تمثل المثال الأكثر وضوحاً على حدود القوة الإسرائيلية. فبعد الضربات الجوية المكثفة التي نفذتها إسرائيل بدعم أميركي، أعلن نتنياهو تحقيق “انتصار تاريخي”، لكن الوقائع اللاحقة كشفت أن الأهداف الأساسية للحرب، سواء تدمير البرنامج النووي الإيراني أو إسقاط النظام، لم تتحقق. بل إن إيران استعادت قسماً مهماً من قدراتها العسكرية، وردّت بإجراءات تصعيدية هددت الملاحة الدولية وأسواق الطاقة عبر إغلاق مضيق هرمز.
ويشير الكاتب إلى أن نتنياهو، رغم دفعه القوي نحو الحرب، فقد تدريجياً السيطرة على مسارها، خصوصاً مع تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي همّش رئيس الوزراء الإسرائيلي في مفاوضات التهدئة مع إيران ولبنان، وفرض عليه عملياً القبول بوقف إطلاق النار في الجبهة اللبنانية. ويذهب بوت إلى أن نتنياهو وجد نفسه مضطراً للرضوخ للقرار الأميركي لأنه جعل إسرائيل أكثر اعتماداً على واشنطن من أي وقت مضى، في تناقض واضح مع العقيدة الصهيونية التقليدية القائمة على "الاعتماد على الذات".
ويستشهد المقال بتقارير أميركية تفيد بأن الجيش الأميركي أنفق في الدفاع عن إسرائيل خلال المواجهة مع إيران ذخائر متطورة أكثر مما استخدمته إسرائيل نفسها، فيما نقل عن مسؤول أميركي قوله إن إسرائيل “غير قادرة على خوض الحروب والانتصار فيها وحدها”، وهي حقيقة، بحسب المقال، تخفيها المظلة الأميركية الهائلة سياسياً وعسكرياً.
وفي الداخل الأميركي، يلفت بوت إلى أن صورة إسرائيل تشهد تراجعاً غير مسبوق. فاستطلاعات الرأي الأخيرة تظهر للمرة الأولى تعاطفاً أميركياً أكبر مع الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين، فيما ارتفعت نسبة الأميركيين الذين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل بصورة حادة منذ اندلاع الحرب على غزة. ويربط الكاتب هذا التحول بحجم الدمار والضحايا المدنيين الفلسطينيين، إضافة إلى الخطاب والسلوك المتشددين داخل الحكومة الإسرائيلية اليمينية.
وفي هذا السياق، يتوقف المقال عند سلوك وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير تجاه ناشطين دوليين كانوا ضمن "أسطول السلام" المتجه إلى غزة، حيث جرى تكبيلهم والتنكيل بهم من قبل قوات إسرائيلية، ما دفع حتى السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي إلى وصف تلك التصرفات بأنها "مشينة". أما نتنياهو، فاكتفى بانتقاد خجول مع إبقاء بن غفير في حكومته، في صورة تعكس، وفق المقال، عمق التحول الذي أصاب المؤسسة السياسية الإسرائيلية.
لكن أخطر ما يطرحه بوت يتمثل في تأكيده أن كل هذا التصعيد لم يحقق حتى الأهداف الأمنية المعلنة. فـ"حماس" لا تزال تحتفظ بقدرتها على التأثير داخل غزة رغم الاحتلال الواسع للقطاع، و"حزب الله" بقي قوة عسكرية فاعلة رغم الضربات القاسية التي تلقاها، بينما يغرق الجيش الإسرائيلي في استنزاف طويل الأمد جنوب لبنان، وسط تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة. أما إيران، فقد استعادت جزءاً كبيراً من قدراتها بوتيرة أسرع مما توقعت تل أبيب وواشنطن.
ويحذر الكاتب من أن إسرائيل باتت تواجه أزمة تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، لتطال جوهر مشروعها السياسي وصورتها العالمية. فالدولة التي سعت طويلاً إلى تقديم نفسها باعتبارها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، أصبحت تُتهم على نطاق واسع بممارسة الحصار والتجويع والقتل الجماعي، فيما تتسع الهوة بينها وبين الرأي العام العالمي، وخاصة داخل الجامعات والأوساط الشبابية والإعلامية في الولايات المتحدة وأوروبا.
وتكمن أهمية هذا النقد في أنه لا يصدر عن خصوم إسرائيل التقليديين، بل عن كاتب أميركي محافظ عُرف تاريخياً بدفاعه القوي عنها. وهذا ما يمنح المقال دلالة سياسية عميقة، تعكس حجم القلق المتصاعد داخل المؤسسة الأميركية نفسها من أن سياسات نتنياهو لا تدمر غزة والمنطقة فحسب، بل تدفع إسرائيل أيضاً نحو فقدان شرعيتها الأخلاقية والسياسية تدريجياً.
وفي خلاصة مقاله، يعود بوت إلى الفكرة الجوهرية التي حكمت تحليله كله: دولة لا يتجاوز عدد سكانها عشرة ملايين نسمة لا تستطيع أن تفرض هيمنتها بالقوة على منطقة تضم أكثر من 500 مليون إنسان. فالسعي إلى "الأمن المطلق" عبر الحروب المفتوحة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة ليس مشروع قوة، بل مشروع استنزاف دائم. والتاريخ، كما يلمح الكاتب، مليء بإمبراطوريات امتلكت تفوقاً عسكرياً هائلاً لكنها انهارت حين تحولت الحروب من وسيلة دفاع إلى وهم للهيمنة الشاملة.