عربي ودولي

الثّلاثاء 26 مايو 2026 7:34 مساءً - بتوقيت القدس

وزير الداخلية التركي يوضح ملابسات اقتحام مقر حزب الشعب الجمهوري

خرج وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي عن صمته حيال الجدل الواسع الذي أثاره تدخل قوات الشرطة لإخلاء المقر العام لحزب الشعب الجمهوري المعارض. وأوضح الوزير في تصريحات صحفية أن التحرك الأمني لم يكن مبادرة من الحكومة أو الأجهزة السيادية، بل جاء استجابة مباشرة لقرار قضائي بات وطلب رسمي تقدمت به جهات من داخل الحزب نفسه.

وأشار تشيفتشي إلى أن المشاهد التي وثقت دخول عناصر الأمن إلى أروقة الحزب كانت نتيجة حتمية لمسار قانوني طويل بدأه المتنازعون على السلطة داخل الحزب. وأكد أن لجوء أطراف داخلية إلى القضاء لحسم النزاع حول إدارة المقر هو ما وضع المؤسسات الأمنية في مواجهة مسؤولية تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم المختصة.

وبحسب التفاصيل التي كشف عنها الوزير، فإن مديرية أمن أنقرة تسلمت طلبات رسمية لتنفيذ قرارات المحكمة بعد فشل الأطراف المتنازعة في الوصول إلى صيغة توافقية. وشدد على أن الصورة التي ظهرت لوسائل الإعلام لم تكن نتاج خطة أمنية مسبقة، بل كانت انعكاساً لنزاع قانوني داخلي انتقل من أروقة الحزب إلى منصات القضاء التركي.

وفي سياق متصل، كشفت مصادر مطلعة أن التحرك الأمني استند إلى عريضة قانونية قدمها جلال تشيليك، محامي رئيس الحزب السابق كمال كيليتشدار أوغلو. وطالبت العريضة بضرورة تدخل القوة العامة لتنفيذ حكم الدائرة القانونية السادسة والثلاثين لمحكمة الاستئناف الإقليمية، والذي يقضي بتسليم المقر للإدارة السابقة.

وتضمنت الوثائق القانونية إشارات واضحة إلى ملف مكتب التنفيذ العام الثالث في العاصمة أنقرة، حيث اعتبرت المحكمة أن حق تمثيل الحزب وإدارة مقره الرئيسي يعود قانونياً لكيليتشدار أوغلو. وجاء طلب تدخل الشرطة بعد امتناع الإدارة الحالية عن إخلاء المبنى طواعية رغم صدور سلسلة من الأحكام القضائية التي تلزمها بذلك.

ورداً على الانتقادات الحادة التي وجهت للشرطة بسبب استخدام الغاز المسيل للدموع وتحطيم بعض الأبواب، أكد وزير الداخلية أن القوات تحركت بدقة ضمن الصلاحيات التي يمنحها القانون. ونفى وقوع أي تجاوزات ميدانية، معتبراً أن استخدام القوة كان في حده الأدنى الضروري لفتح الممرات المغلقة وتنفيذ أمر الإخلاء القضائي.

وكشف تشيفتشي أن السلطات التركية حاولت تجنب الصدام المباشر عبر منح الأطراف المتنازعة مهلة زمنية كافية للتوصل إلى تسوية سياسية بعيداً عن التدخل الأمني. وأوضح أن وفداً من الحزب التقى بمسؤولين رسميين في محاولة لإيجاد مخرج سلمي، إلا أن استمرار الخلافات وتعنت الأطراف حال دون إتمام عملية التسليم بشكل طوعي.

وختم الوزير تصريحاته بالتشديد على حيادية المؤسسة الأمنية، مؤكداً أن الشرطة لا يمكن أن تنجر لتكون طرفاً في الصراعات الحزبية أو التجاذبات السياسية الداخلية. وأوضح أن دور الوزارة ينحصر في الحفاظ على النظام العام وضمان سيادة القانون عبر تنفيذ الأحكام القضائية التي تصدر عن المحاكم المستقلة في البلاد.

عربي ودولي

الثّلاثاء 26 مايو 2026 7:02 مساءً - بتوقيت القدس

مذكرة التفاهم المتعثرة بين واشنطن وطهران: موازين القوى وضغوط التصعيد

دخلت المواجهة العسكرية المباشرة ضد إيران شهرها الرابع وسط حالة من الضبابية السياسية، حيث يتأرجح الموقف الأمريكي بين التهديدات المتواصلة باستئناف العمليات القتالية وبين الانخراط في قنوات دبلوماسية سرية. وتبرز في هذا السياق التحركات الباكستانية المكثفة كجسر لنقل الرسائل غير المباشرة بين واشنطن وطهران للوصول إلى صيغة تنهي حالة الصراع الراهنة.

كشفت مصادر مطلعة عن تسريبات تتعلق بمسودة مذكرة تفاهم وشيكة، استندت بشكل أساسي إلى رد إيراني مفصل يتكون من ست عشرة نقطة جوهرية. وقد سبقت هذا الإعلان مؤشرات دبلوماسية قوية تمثلت في زيارات متتالية لمسؤولين باكستانيين رفيعي المستوى إلى طهران، شملت وزير الداخلية وقائد الجيش، مما أعطى انطباعاً بقرب الحسم.

تتضمن المسودة المقترحة منح الأطراف هدنة زمنية مدتها ستون يوماً، تخصص لاستكمال المفاوضات الفنية المعقدة حول ملفات شائكة. ومن أبرز هذه الملفات مصير اليورانيوم المخصب، وآليات استعادة الأموال الإيرانية التي تعتبرها طهران محتجزة بغير وجه حق لدى المصارف الأمريكية، بالإضافة إلى رفع القيود عن الموانئ.

تشترط التفاهمات الأولية ضمان حرية الملاحة الكاملة في مضيق هرمز كما كانت عليه الأوضاع قبل اندلاع الحرب الأخيرة. كما يمتد أثر هذا الاتفاق المفترض ليشمل وقفاً شاملاً للأعمال العدائية في المنطقة، مع التركيز بشكل خاص على الساحة اللبنانية التي تشهد تصعيداً ميدانياً متزايداً في الآونة الأخيرة.

اعتبرت أوساط تحليلية أن مجرد الوصول إلى هذه المرحلة من التفاهم يمثل انتصاراً سياسياً لإيران وتراجعاً عن الأهداف القصوى التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد انعكس هذا التقدير في ردود الفعل الغاضبة التي صدرت عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي رأى في الاتفاق تهديداً مباشراً لمصالحه.

واجه ترامب ضغوطاً داخلية عنيفة من قبل اللوبيات الداعمة لإسرائيل وأعضاء بارزين في الكونغرس من الحزب الجمهوري، الذين اتهموه بالضعف والفشل في إدارة الأزمة. هذه الضغوط دفعت الرئيس الأمريكي إلى العودة لمربع التردد، مطالباً بتأجيل التوقيع الرسمي بحجة الحاجة لمزيد من التدقيق في التفاصيل الفنية لبنود الاتفاق.

لم يتوقف التراجع الأمريكي عند حدود التصريحات السياسية، بل ترجم ميدانياً عبر تنفيذ ضربات جوية محدودة استهدفت منطقة بندر عباس في السادس والعشرين من مايو. ويهدف هذا التحرك العسكري، بحسب مراقبين، إلى توجيه رسائل قوة للداخل الأمريكي وللحلفاء، مع التأكيد في الوقت ذاته على الالتزام النظري بوقف إطلاق النار.

في المقابل، صعد نتنياهو من لهجته التهديدية ضد لبنان، ملوحاً بتوسيع دائرة القصف لتشمل العاصمة بيروت، في محاولة للهروب من تداعيات الصفعة السياسية التي تلقاها. ويأتي هذا التصعيد الإسرائيلي أيضاً نتيجة للضربات الموجعة التي يتلقاها جيش الاحتلال في المواجهات البرية والجوية على الجبهة الشمالية.

بالرغم من حالة التعثر التي أصابت مسار مذكرة التفاهم، إلا أن الجهود الدبلوماسية لا تزال مستمرة خلف الكواليس لمنع الانهيار الكامل للعملية التفاوضية. ويرى خبراء أن ميزان القوى الحالي بات يميل بوضوح لصالح القوى المعارضة للحرب، وهو ما يضع إدارة ترامب في مأزق بين الوفاء بوعوده الانتخابية وبين ضغوط حلفائه.

إن التحول نحو الدبلوماسية، وإن كان متعثراً، يكشف عن عجز الخيارات العسكرية عن تحقيق حسم سريع في الملف الإيراني المعقد. وتراقب القوى الإقليمية بحذر شديد مآلات هذه المفاوضات، لما لها من انعكاسات مباشرة على ملفات أخرى ساخنة في المنطقة، وعلى رأسها الحرب المستمرة في قطاع غزة.

يرى محللون أن ميزان القوى الذي فرضته إيران في هذه الجولة يمكن سحبه على جبهات أخرى لمواجهة سياسات نتنياهو المتطرفة. فالمقاومة في الميدان، مدعومة بصمود الحاضنة الشعبية، قادرة على استثمار هذا التراجع الأمريكي لإجبار الاحتلال على تقديم تنازلات جوهرية في ملفات غزة والقدس.

إن حالة التخبط التي يعيشها البيت الأبيض تعكس صراعاً بين تيار يرغب في إغلاق ملفات الحروب المكلفة وتيار آخر يصر على استمرار الاستنزاف العسكري. هذا الانقسام يمنح طهران وحلفاءها هامشاً أوسع للمناورة السياسية وفرض شروط تضمن رفع الحصار الاقتصادي الخانق المفروض على البلاد منذ سنوات.

يبقى التساؤل قائماً حول قدرة الوسيط الباكستاني على جسر الفجوة العميقة بين مطالب طهران السيادية وبين رغبة واشنطن في الحفاظ على هيبتها الدولية. فالأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو تهدئة طويلة الأمد أم ستنزلق مجدداً نحو مواجهة شاملة لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

ختاماً، فإن مذكرة التفاهم المقترحة ليست مجرد ورقة تقنية، بل هي انعكاس لواقع ميداني جديد فرضته موازين القوى على الأرض. وسواء تم التوقيع عليها غداً أو تأجلت، فإنها تظل الوثيقة التي تؤسس لمرحلة ما بعد الحرب، حيث لا مكان فيها للهيمنة المطلقة التي يسعى نتنياهو لفرضها.

عربي ودولي

الثّلاثاء 26 مايو 2026 6:47 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب يخضع لفحص طبي شامل وسط تساؤلات متزايدة حول حالته الصحية

يتوجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، اليوم الثلاثاء، إلى مركز والتر ريد الطبي العسكري الوطني لإجراء فحوصاته الطبية السنوية الروتينية. وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس من ولايته الثانية، حيث يكمل عامه الثمانين الشهر المقبل، وسط تسليط ضوء مكثف على حالته الصحية من قبل الرأي العام ووسائل الإعلام.

ويحرص ترمب دائماً على تقديم نفسه كقائد يتمتع بنشاط ولياقة بدنية تتفوق على سلفه الديمقراطي جو بايدن، الذي غادر السلطة العام الماضي عن عمر ناهز 82 عاماً. ومع ذلك، فإن بلوغ ترمب سن الثمانين في الرابع عشر من يونيو المقبل يجعله أكبر شخص يتولى سدة الحكم في تاريخ الولايات المتحدة، مما يثير تساؤلات مستمرة حول قدرته على تحمل أعباء المنصب.

وقد أثارت صور حديثة للرئيس جدلاً واسعاً بعدما أظهرت طفحاً جلدياً أحمر اللون على منطقة الرقبة، وهو ما أعاد إلى الأذهان صوراً سابقة من يوليو 2025. تلك الصور كانت قد كشفت عن تورم ملحوظ في كاحليه وكدمات على يديه، زعم البعض حينها أنه جرى إخفاؤها باستخدام مستحضرات تجميلية قبل الظهور العلني.

وفي محاولة لتبديد هذه المخاوف، أوضح طبيب البيت الأبيض، شون باربابيلا أن الرئيس يستخدم كريماً طبياً شائعاً كإجراء وقائي لمعالجة تهيج الجلد في منطقة الرقبة. ولم يقدم الطبيب تفاصيل إضافية حول مسببات هذا الطفح، مكتفياً بالتأكيد على أن الحالة تحت السيطرة ولا تدعو للقلق الطبي العميق.

من جانبها، صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، بأن التورم الذي ظهر في ساقي الرئيس يعود إلى حالة وريدية شائعة تصيب الكثيرين في مثل سنه. وأضافت ليفيت في تصريحات صحفية أن الكدمات التي رُصدت على يد ترمب ناتجة عن المصافحات الكثيرة والقوية التي يقوم بها خلال لقاءاته الجماهيرية والسياسية المكثفة.

وكان ترمب قد كشف في أكتوبر الماضي عن خضوعه لفحص بالرنين المغناطيسي، وهو إجراء أثار استغراب بعض الخبراء الطبيين لكونه لا يدرج عادة ضمن الفحوص الروتينية. ورغم تحفظ البيت الأبيض على تفاصيل الفحص في البداية، إلا أن الرئيس أكد لاحقاً أن النتائج كانت ممتازة ووصفها الطبيب بأنها الأفضل على الإطلاق.

ودافع الرئيس الأمريكي عن لجوئه للتصوير بالرنين المغناطيسي، معتبراً إياه إجراءً روتينياً يهدف للاطمئنان الكامل على وظائف الجسم الحيوية. وأشار في حديثه للصحفيين إلى أن الكثير من الناس يخضعون لهذا النوع من الفحوصات الدقيقة، وأنه يفضل دائماً الحصول على تقييم طبي ثانٍ لضمان أعلى مستويات الجاهزية البدنية.

وفي سياق متصل، أصدر الطبيب باربابيلا مذكرة طبية سابقة أشارت إلى أن المؤشرات الحيوية لقلب الرئيس تعكس حالة ممتازة. وبحسب تخطيط كهربائية القلب، فإن العمر الحيوي لقلب ترمب يقل بنحو 14 عاماً عن عمره الزمني الحقيقي، مما يشير إلى كفاءة عالية في جهاز الدوران والأوعية الدموية رغم ضغوط العمل.

ورغم هذه التقارير المتفائلة، إلا أن مراقبين أشاروا إلى حالات بدا فيها الرئيس وكأنه يغفو خلال اجتماعات رسمية هامة، بما في ذلك جلسات مع أعضاء حكومته. هذه الملاحظات عززت من شكوك المعارضين حول مدى يقظته الذهنية وقدرته على التركيز لفترات طويلة خلال النقاشات السياسية المعقدة.

ورد ترمب بسخرية على هذه الادعاءات في فبراير الماضي، موضحاً أنه لم يكن نائماً بل أغمض عينيه فقط بسبب رتابة وملل بعض الاجتماعات. وقال الرئيس إنه كان يرغب في مغادرة تلك الجلسات بأسرع وقت ممكن، معتبراً أن تفسير إغماض العينين كدليل على التعب هو محاولة لتشويه صورته النشطة.

وتأتي هذه التطورات في ظل مقارنات مستمرة مع الحالة الصحية للرئيس السابق جو بايدن، الذي عانى من إصابة بنوع عدواني من سرطان البروستاتا. ورغم أن إدارة ترمب تنشر نتائج مختارة من فحوصاته، إلا أن هناك انتقادات تتعلق بمدى شفافية هذه المعلومات وكونها تخضع لموافقة سياسية قبل إعلانها للجمهور.

وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى انقسام حاد في الشارع الأمريكي حول أهلية ترمب الصحية، حيث أظهر استطلاع أجرته جهات إعلامية كبرى أن أقل من نصف البالغين يؤمنون بتمتعه بالحدة العقلية اللازمة. هذا التشكيك الشعبي يضع ضغوطاً إضافية على الفريق الطبي للبيت الأبيض لتقديم تقارير أكثر تفصيلاً وشفافية.

ويحافظ ترمب على نمط حياة يتضمن ممارسة رياضة الغولف بانتظام، وهو ما يعتبره دليلاً على قوته البدنية وقدرته على الحركة. ورغم استخدامه لعربة الغولف أحياناً، إلا أن المقربين منه يؤكدون أنه يقطع مسافات طويلة مشياً على الأقدام خلال ممارسته لهذه الرياضة، مما يساهم في الحفاظ على لياقته.

ستبقى نتائج الفحص الطبي الحالي تحت مجهر الخصوم والحلفاء على حد سواء، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات السياسية القادمة. فبينما يسعى البيت الأبيض لتأكيد حيوية الرئيس، تظل التفاصيل الطبية الدقيقة مادة دسمة للجدل السياسي حول مستقبل القيادة في الولايات المتحدة.

فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 6:47 مساءً - بتوقيت القدس

حماس تحذر من 'الخط البرتقالي' وتعتبره نسفاً لاتفاق وقف إطلاق النار

أعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) رفضها القاطع لإصرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي على تكريس ما يُعرف بـ 'الخط البرتقالي' داخل قطاع غزة. وأكدت الحركة في بيان رسمي صدر يوم الثلاثاء أن مواصلة العمل بهذا المخطط يمثل انتهاكاً خطيراً لبنود اتفاق وقف إطلاق النار المبرم مؤخراً.

واعتبرت الحركة أن هذه الخطوة الإسرائيلية هي محاولة مفضوحة لفرض وقائع ميدانية جديدة باستخدام القوة العسكرية والبدنية. وشددت على أن الهدف من هذا الإجراء هو إحكام السيطرة الأمنية على مناطق واسعة في القطاع وتقويض أي فرص حقيقية لاستقرار الأوضاع الميدانية.

وأوضحت مصادر مطلعة أن السلوك العدواني لحكومة الاحتلال يبرهن على رغبتها المتعمدة في إفشال كافة المساعي التي يبذلها الوسطاء الإقليميون والدوليون. وأشارت حماس إلى أن الاحتلال يتبع سياسة المماطلة والتنصل من الالتزامات بالتزامن مع استمرار عمليات القتل الممنهج.

وحذرت الحركة من أن فرض 'الخط البرتقالي' يترافق مع تصعيد في سياسات التجويع والحصار الخانق المفروض على كافة محافظات قطاع غزة. ورأت أن هذا التحدي الصارخ للتفاهمات والضمانات الدولية يهدف إلى تغيير معالم الواقع القائم في القطاع بشكل أحادي الجانب.

وفي سياق متصل، وجهت حماس نداءً عاجلاً إلى الوسطاء الدوليين بضرورة تقديم توضيح رسمي حول ماهية هذا الخط والأهداف الكامنة وراءه. وطالبت الحركة بصدور موقف علني وواضح يرفض هذا الانتهاك الجسيم ويلزم إسرائيل بالتراجع الفوري عن إجراءاتها الميدانية الأخيرة.

وشدد البيان على ضرورة وقف كافة الإجراءات الأحادية التي تهدد مسار التهدئة الهش وتضاعف من معاناة الشعب الفلسطيني الإنسانية. وأكدت الحركة أن الصمت على هذه التجاوزات قد يؤدي إلى تصعيد سياسي وأمني كبير يقلب كافة الحسابات الراهنة في المنطقة.

كما دعت حماس المجتمع الدولي وكافة أحرار العالم إلى تكثيف الجهود الإعلامية والسياسية لفضح نوايا الاحتلال وجرائمه المستمرة. وأشارت إلى أن الاحتلال يسعى لفرض معادلات قوة جديدة تتنافى مع القوانين الدولية والأعراف الإنسانية المعمول بها في مناطق النزاع.

وطالبت الحركة الكتاب والنخب السياسية والوسائل الإعلامية بضرورة التحذير من خطورة الصمت الدولي إزاء هذه السياسات العدوانية. واعتبرت أن التغاضي عن 'الخط البرتقالي' يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر لمواصلة قضم الأراضي الفلسطينية وتثبيت نقاط عسكرية دائمة.

وختمت حماس بيانها بالتأكيد على أن الشعب الفلسطيني ومقاومته لن يقبلوا بفرض سياسات الأمر الواقع التي تنتقص من حقوقهم السيادية. وأوضحت أن التمسك باتفاق وقف إطلاق النار يتطلب التزاماً كاملاً من الطرف الآخر دون أي تلاعب في الخرائط أو الحدود الميدانية.

يأتي هذا التصريح في وقت حساس تشهد فيه المنطقة تحركات دبلوماسية مكثفة لتثبيت التهدئة، مما يضع الوسطاء أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتهم على إلزام الاحتلال بالاتفاقات الموقعة ومنع انهيار المسار السلمي نتيجة الإجراءات العسكرية الأحادية.

تحليل

الثّلاثاء 26 مايو 2026 6:21 مساءً - بتوقيت القدس

إسرائيل بين وهم الهيمنة واستنزاف القوة: كيف قاد نتنياهو الدولة العبرية إلى مأزق استراتيجي؟

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات – 26/5/2026


تحليل إخباري


في مقال تحليلي نشر الثلاثاء 26 أيار 2026، قدّم الكاتب الأميركي ماكس بوت Max Boot، في صحيفة "واشنطن بوست"  ، واحدة من أكثر القراءات النقدية حدة لمسار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ اندلاع حرب غزة. فبوت يرى أن نتنياهو، الذي رفع شعار "إعادة تشكيل الشرق الأوسط" بعد هجوم السابع من تشرين الأول 2023، لم ينجح في تعزيز أمن إسرائيل، بل دفعها نحو استنزاف عسكري وسياسي وأخلاقي متسارع، يهدد مكانتها ومستقبلها الاستراتيجي على المدى الطويل.


ويستهل الكاتب مقاله باستحضار تحذير أطلقه مؤسس إسرائيل ورئيس وزرائها الأول بن غوريون عام 1951، حين قال إن أمن إسرائيل لا يمكن أن يقوم على الجيش وحده، بل على "سياسة خارجية قائمة على السلام ورغبة حقيقية في التعايش مع الجيران". ويرى بوت أن نتنياهو، الذي كان يوصف طويلاً بأنه "صقر حذر"، انقلب بالكامل على هذا المفهوم بعد هجوم "حماس"، وانتقل من سياسة الردع المحدود إلى مشروع مفتوح يقوم على استخدام القوة العسكرية لإعادة رسم المنطقة بأكملها.


فنتنياهو، الذي عمل سابقاً على تقويض اتفاقيات أوسلو دون إسقاطها نهائياً، وركّز خلال سنوات حكمه الطويلة على حروب قصيرة ومدروسة، كان يعتبر "اتفاقات أبراهام" إنجازه الأكبر (بحسب الكاتب)، وكان يسعى إلى توسيع التطبيع ليشمل السعودية. إلا أن صدمة السابع من تشرين الأول غيّرت المشهد الإسرائيلي جذرياً، ودفعت الحكومة الإسرائيلية نحو خطاب يقوم على "الانتقام المطلق" والسعي إلى "الأمن المطلق"، وهي معادلة يعتبرها بوت وصفة مؤكدة للاستنزاف والانفجار المستمر.


ومنذ ذلك التاريخ، وسّعت إسرائيل عملياتها العسكرية بصورة غير مسبوقة، لتشمل غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران، بينما أخذ نتنياهو يتحدث علناً عن "محو" خصوم إسرائيل وتغيير "وجه الشرق الأوسط". غير أن الكاتب يرى أن هذه السياسة، بدلاً من أن تعزز الردع الإسرائيلي، بدأت تقود الدولة العبرية نحو عزلة دولية متفاقمة واعتماد متزايد على الحماية الأميركية.


ويعتبر بوت أن المواجهة مع إيران تمثل المثال الأكثر وضوحاً على حدود القوة الإسرائيلية. فبعد الضربات الجوية المكثفة التي نفذتها إسرائيل بدعم أميركي، أعلن نتنياهو تحقيق “انتصار تاريخي”، لكن الوقائع اللاحقة كشفت أن الأهداف الأساسية للحرب، سواء تدمير البرنامج النووي الإيراني أو إسقاط النظام، لم تتحقق. بل إن إيران استعادت قسماً مهماً من قدراتها العسكرية، وردّت بإجراءات تصعيدية هددت الملاحة الدولية وأسواق الطاقة عبر إغلاق مضيق هرمز.


ويشير الكاتب إلى أن نتنياهو، رغم دفعه القوي نحو الحرب، فقد تدريجياً السيطرة على مسارها، خصوصاً مع تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي همّش رئيس الوزراء الإسرائيلي في مفاوضات التهدئة مع إيران ولبنان، وفرض عليه عملياً القبول بوقف إطلاق النار في الجبهة اللبنانية. ويذهب بوت إلى أن نتنياهو وجد نفسه مضطراً للرضوخ للقرار الأميركي لأنه جعل إسرائيل أكثر اعتماداً على واشنطن من أي وقت مضى، في تناقض واضح مع العقيدة الصهيونية التقليدية القائمة على "الاعتماد على الذات".


ويستشهد المقال بتقارير أميركية تفيد بأن الجيش الأميركي أنفق في الدفاع عن إسرائيل خلال المواجهة مع إيران ذخائر متطورة أكثر مما استخدمته إسرائيل نفسها، فيما نقل عن مسؤول أميركي قوله إن إسرائيل “غير قادرة على خوض الحروب والانتصار فيها وحدها”، وهي حقيقة، بحسب المقال، تخفيها المظلة الأميركية الهائلة سياسياً وعسكرياً.


وفي الداخل الأميركي، يلفت بوت إلى أن صورة إسرائيل تشهد تراجعاً غير مسبوق. فاستطلاعات الرأي الأخيرة تظهر للمرة الأولى تعاطفاً أميركياً أكبر مع الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين، فيما ارتفعت نسبة الأميركيين الذين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل بصورة حادة منذ اندلاع الحرب على غزة. ويربط الكاتب هذا التحول بحجم الدمار والضحايا المدنيين الفلسطينيين، إضافة إلى الخطاب والسلوك المتشددين داخل الحكومة الإسرائيلية اليمينية.


وفي هذا السياق، يتوقف المقال عند سلوك وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير تجاه ناشطين دوليين كانوا ضمن "أسطول السلام" المتجه إلى غزة، حيث جرى تكبيلهم والتنكيل بهم من قبل قوات إسرائيلية، ما دفع حتى السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي إلى وصف تلك التصرفات بأنها "مشينة". أما نتنياهو، فاكتفى بانتقاد خجول مع إبقاء بن غفير في حكومته، في صورة تعكس، وفق المقال، عمق التحول الذي أصاب المؤسسة السياسية الإسرائيلية.


لكن أخطر ما يطرحه بوت يتمثل في تأكيده أن كل هذا التصعيد لم يحقق حتى الأهداف الأمنية المعلنة. فـ"حماس" لا تزال تحتفظ بقدرتها على التأثير داخل غزة رغم الاحتلال الواسع للقطاع، و"حزب الله" بقي قوة عسكرية فاعلة رغم الضربات القاسية التي تلقاها، بينما يغرق الجيش الإسرائيلي في استنزاف طويل الأمد جنوب لبنان، وسط تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة. أما إيران، فقد استعادت جزءاً كبيراً من قدراتها بوتيرة أسرع مما توقعت تل أبيب وواشنطن.


ويحذر الكاتب من أن إسرائيل باتت تواجه أزمة تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، لتطال جوهر مشروعها السياسي وصورتها العالمية. فالدولة التي سعت طويلاً إلى تقديم نفسها باعتبارها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، أصبحت تُتهم على نطاق واسع بممارسة الحصار والتجويع والقتل الجماعي، فيما تتسع الهوة بينها وبين الرأي العام العالمي، وخاصة داخل الجامعات والأوساط الشبابية والإعلامية في الولايات المتحدة وأوروبا.


وتكمن أهمية هذا النقد في أنه لا يصدر عن خصوم إسرائيل التقليديين، بل عن كاتب أميركي محافظ عُرف تاريخياً بدفاعه القوي عنها. وهذا ما يمنح المقال دلالة سياسية عميقة، تعكس حجم القلق المتصاعد داخل المؤسسة الأميركية نفسها من أن سياسات نتنياهو لا تدمر غزة والمنطقة فحسب، بل تدفع إسرائيل أيضاً نحو فقدان شرعيتها الأخلاقية والسياسية تدريجياً.


وفي خلاصة مقاله، يعود بوت إلى الفكرة الجوهرية التي حكمت تحليله كله: دولة لا يتجاوز عدد سكانها عشرة ملايين نسمة لا تستطيع أن تفرض هيمنتها بالقوة على منطقة تضم أكثر من 500 مليون إنسان. فالسعي إلى "الأمن المطلق" عبر الحروب المفتوحة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة ليس مشروع قوة، بل مشروع استنزاف دائم. والتاريخ، كما يلمح الكاتب، مليء بإمبراطوريات امتلكت تفوقاً عسكرياً هائلاً لكنها انهارت حين تحولت الحروب من وسيلة دفاع إلى وهم للهيمنة الشاملة.

اسرائيليات

الثّلاثاء 26 مايو 2026 6:18 مساءً - بتوقيت القدس

إعلام عبري: ترامب خلق 'وحشاً' إقليمياً وتحالفات إسلامية تبتلع 'اتفاقيات أبراهام'

أثارت التحركات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تساؤلات عميقة في الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، خاصة بعد طلبه الإلزامي من ثماني دول عربية وإسلامية التوقيع الفوري على 'اتفاقيات أبراهام'. واعتبرت قراءات تحليلية في الصحافة العبرية أن هذه الدعوة، التي شملت دولاً تمتلك بالفعل علاقات مع تل أبيب مثل القاهرة وعمان وأنقرة، تعكس ارتباكاً في الرؤية الأمريكية تجاه التوازنات الإقليمية المتغيرة.

وفي هذا السياق، شن الصحفي الإسرائيلي إيال عوفر هجوماً حاداً في مقال نشرته صحيفة 'معاريف'، متهماً ترامب بخلق ما وصفه بـ 'الوحش الإقليمي'. وأشار عوفر إلى أن السعي لترسيخ اتفاقيات التطبيع أدى لنتائج عكسية، حيث بدأت تتشكل ملامح تحالفات جديدة أطلق عليها اسم 'اتفاقيات محمد'، والتي تجمع قوى إسلامية كبرى في مواجهة المصالح الإسرائيلية.

وتشير المصادر إلى أن النسخة الجديدة من الاتفاق النووي الإيراني تحمل في طياتها دلالات استراتيجية خطيرة، أبرزها انضمام دولة الإمارات العربية المتحدة إلى المحور السعودي الباكستاني. هذا التحول يعني عملياً ولادة تحالف 'شيعي – سني' غير مسبوق، قد يطغى تماماً على مكاسب اتفاقيات أبراهام التي تم الترويج لها لسنوات كركيزة للأمن الإقليمي.

ويلفت التحليل العبري إلى أن السعودية اتخذت خطوات استباقية بتوقيع اتفاق دفاعي مع باكستان، وهي الدولة التي تمتلك سلاحاً نووياً ولم يكن لها تأثير مباشر على تل أبيب قبل اندلاع المواجهة مع إيران. إلا أن الحرب الأخيرة جعلت من باكستان شرياناً حيوياً للنظام الإيراني، سواء عبر الوساطة السياسية أو تأمين ممرات إمداد برية تصل إلى الصين، مما يعزز قاعدة القوة الجديدة في المنطقة.

وحول الموقف الإماراتي، ذكرت التقارير أن حاكم الإمارات محمد بن زايد كان من أكثر المتمسكين بمواجهة النفوذ الإيراني حتى اللحظة الأخيرة. وقد أبدت أبوظبي في البداية استعداداً للقتال، وشاركت طائراتها في عمليات عسكرية دون إعلان رسمي، مع تلميحات بمهاجمة الجزر التي تسيطر عليها إيران منذ سبعينيات القرن الماضي.

لكن الضغوط الاقتصادية الهائلة والأضرار الناتجة عن الحرب غيرت الحسابات الإماراتية بشكل جذري، حيث يعتمد اقتصاد الدولة على كونه مركزاً عالمياً للأعمال. وأدركت طهران هذه الثغرة، فوجهت ضربات صاروخية مكثفة استهدفت بيئة الأعمال لدفع الشركات والمهنيين الغربيين إلى مغادرة البلاد، مما وضع استقرار الدولة على المحك.

وأوضحت المصادر أن التهديد الإيراني للبنية التحتية الحيوية، مثل محطات تحلية المياه وشبكات الكهرباء الضرورية للحياة في الخليج، شكل ضغطاً لا يمكن تحمله. هذا الواقع دفع القيادة الإماراتية للبحث عن خيارات بديلة تضمن بقاء الدولة، وهو ما أدى في النهاية إلى التقارب مع المحور السعودي الباكستاني الإيراني لتجنب الانهيار الشامل.

ويرى مراقبون إسرائيليون أن نتائج انضمام أبوظبي لهذا المحور ستتردد أصداؤها لسنوات طويلة، حيث تشهد المنطقة صعوداً للقوة الإسلامية الجماعية. هذا التحول سيجعل الحياة في المنطقة بالنسبة لـ 'الدولة اليهودية' أكثر تعقيداً وصعوبة، خاصة مع تراجع الاعتماد المطلق على الحماية والدعم الأمريكي الذي لم يمنع التهديدات الوجودية.

وعلى الرغم من أن اتفاقيات أبراهام قد لا تُلغى رسمياً، إلا أنها من الناحية العملية تتحطم أمام الواقع الجديد الذي تسيطر عليه الأموال السعودية والقطرية والقدرة النووية الباكستانية. هذا المزيج من القوة المالية والعسكرية والديموغرافية أصبح هو العامل المهيمن في الشرق الأوسط، متجاوزاً طموحات التطبيع التي سعت تل أبيب لترسيخها.

وحذر الكاتب في 'معاريف' من أن الأموال التي قد يفرج عنها ترامب لصالح إيران ستسمح لطهران ببناء جيش حديث يتفوق بمراحل على قدراتها السابقة. فبدلاً من المعدات القديمة التي تم استهدافها، ستتمكن إيران من الحصول على ترسانة صينية وروسية متطورة، مما يغير موازين القوى العسكرية في الخليج والمنطقة بشكل دائم.

وفي الطرف الغربي من هذا التحالف الجديد، تبرز مصر وتركيا كقوى مرشحة للارتباط الوثيق بالمحور الباكستاني الإيراني السعودي. هذا التكتل الواسع سيخلق طوقاً استراتيجياً يحيط بإسرائيل، ويجعل من قدرتها على المناورة السياسية والعسكرية أمراً في غاية الصعوبة في ظل غياب حلفاء إقليميين موثوقين.

واعتبر التحليل أن سقوط الإمارات كأول 'قطعة دومينو' في منظومة التطبيع يمثل النهاية غير المعلنة لاتفاقيات أبراهام. ويشير هذا الصعود للقوة الإسلامية إلى مستويات تاريخية لم تشهدها المنطقة منذ قرون، مما يضع إسرائيل أمام واقع جيوسياسي مرير يتطلب إعادة تقييم شاملة لكافة استراتيجياتها الأمنية.

وخلص المقال إلى أن تردد ترامب وتباطؤه في حسم الملفات العالقة ساهم بشكل مباشر في صناعة هذا 'الوحش' الذي يهدد المصالح الغربية والإسرائيلية على حد سواء. إن التحول من 'أبراهام' إلى 'محور إسلامي' متكامل يمثل فشلاً استراتيجياً كبيراً للمشروع الذي حاولت الإدارة الأمريكية السابقة تسويقه كفجر جديد للشرق الأوسط.

فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 6:17 مساءً - بتوقيت القدس

عشية الأضحى.. 7 شهداء في غارات إسرائيلية على غزة وحماس تحذر من نسف اتفاق التهدئة

استشهد سبعة فلسطينيين على الأقل وأصيب آخرون بجروح متفاوتة، جراء سلسلة غارات نفذتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي على مناطق متفرقة في قطاع غزة اليوم الثلاثاء. وتأتي هذه الهجمات الدامية عشية عيد الأضحى المبارك، وفي ظل خروقات إسرائيلية متصاعدة لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ العاشر من أكتوبر تشرين الأول الماضي.

وفي أحدث التطورات الميدانية، أفادت مصادر طبية باستشهاد فلسطينيين اثنين إثر غارة جوية استهدفت مركبة مدنية غرب مدينة خانيونس جنوبي القطاع. وأكدت المصادر أن جثامين الشهداء وصلت إلى مجمع ناصر الطبي متفحمة بالكامل نتيجة اشتعال النيران في السيارة المستهدفة التي كانت تسير بالقرب من خيام النازحين.

وأوضح المتحدث باسم الدفاع المدني أن الطواقم تمكنت من انتشال الشهيدين وعدد من الجرحى من داخل المركبة التي استهدفتها طائرة مسيرة إسرائيلية. وأشار شهود عيان إلى أن القصف وقع بالقرب من 'دوار أبو علاء' في منطقة المواصي التي تكتظ بآلاف النازحين الذين فروا من العمليات العسكرية السابقة.

وفي وسط القطاع، ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة أخرى في مخيم المغازي، حيث استشهد خمسة مواطنين في غارة نفذتها طائرة مسيرة. وذكرت مصادر محلية أن القصف استهدف مجموعة من الأهالي كانوا يحاولون حماية منازلهم من محاولات اقتحام نفذتها عناصر مسلحة متعاونة مع جيش الاحتلال.

وأكدت إدارة مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وصول خمسة شهداء وتسعة مصابين، مشيرة إلى أن بعض الجثامين كانت ممزقة ومتفحمة بفعل شدة الانفجار. وأفاد مصدر أمني بأن المواطنين تصدوا بالحجارة والعصي لمجموعة من 'العملاء' الذين تسللوا للمنطقة الشرقية للمخيم قبل أن تتدخل الطائرات الإسرائيلية لتأمين انسحابهم.

من جانبها، أصدرت حركة حماس بياناً شديد اللهجة أكدت فيه أن إصرار الاحتلال على تكريس ما يسمى بـ'الخط البرتقالي' يعد نسفاً صريحاً لاتفاق وقف إطلاق النار. واعتبرت الحركة أن هذه الخطوة تمثل انتهاكاً خطيراً لبنود التهدئة ومحاولة مفضوحة لفرض واقع ميداني جديد بقوة السلاح.

وشددت الحركة على أن السلوك العدواني الإسرائيلي يثبت تعمد حكومة الاحتلال إفشال جهود الوسطاء الإقليميين والدوليين. واتهمت حماس الاحتلال باتباع سياسة المماطلة والتنصل من الالتزامات التي تم التوصل إليها سابقاً، مما يهدد بانهيار المسار السياسي للتهدئة بالكامل.

وطالبت الحركة الوسطاء بتقديم توضيح رسمي وعاجل حول طبيعة 'الخط البرتقالي' والموقف الدولي من هذه الإجراءات الأحادية. كما دعت إلى إصدار موقف علني يرفض هذه الانتهاكات الجسيمة ويلزم الاحتلال بالتراجع الفوري عنها لوقف معاناة الشعب الفلسطيني المتفاقمة.

وفي سياق متصل، وصف الناطق باسم حركة حماس حازم قاسم القصف على مخيم المغازي بأنه 'مجزرة جديدة' تعكس استهانة الاحتلال بمشاعر المسلمين في هذه الأيام المباركة. وانتقد قاسم الصمت الدولي تجاه الجرائم المستمرة، مؤكداً أن الاحتلال يستغل العجز العالمي لتصعيد عدوانه.

وتشهد مناطق جنوب قطاع غزة تحركات لمليشيات مسلحة متعاونة مع الاحتلال تتمركز في مناطق السيطرة العسكرية الإسرائيلية. ووفقاً لمصادر أمنية، فإن هذه المجموعات تورطت في عمليات خطف وقتل استهدفت المواطنين، مما يزيد من حالة التوتر الأمني والاجتماعي داخل القطاع المحاصر.

ويأتي هذا التصعيد في وقت يعاني فيه سكان غزة من ظروف إنسانية قاسية، حيث حرموا للعام الحالي من أداء فريضة الحج بسبب إغلاق المعابر. ويواصل الاحتلال إغلاق معبر رفح البري بشكل كامل، مما حال دون سفر آلاف الحجاج والمرضى، وزاد من حدة الأزمة المعيشية الخانقة.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن الاحتلال يتحكم بشكل صارم في دخول المساعدات الإنسانية والطبية، مما أدى إلى تدهور المنظومة الصحية. ورغم الحديث المتكرر عن التهدئة، إلا أن عمليات الاغتيال واستهداف المنشآت الحيوية لم تتوقف، مما يضع الاتفاقات الدولية على محك الاختبار الحقيقي.

ويرى مراقبون أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الغارات إلى ممارسة ضغط ميداني لتحقيق مكاسب سياسية في مفاوضات الوضع النهائي. وفي المقابل، تظهر الحاضنة الشعبية في غزة صموداً لافتاً رغم محاولات زرع الفتن الداخلية عبر المجموعات المسلحة المرتبطة بالاحتلال.

وختاماً، تترقب الأوساط الفلسطينية موقف الوسطاء من الخروقات الأخيرة، في ظل تحذيرات من أن استمرار القصف قد يؤدي إلى جولة جديدة من المواجهة الشاملة. ويبقى ملف 'الخط البرتقالي' والسيطرة الميدانية العائق الأكبر أمام استقرار اتفاق وقف إطلاق النار الهش.

اسرائيليات

الثّلاثاء 26 مايو 2026 6:17 مساءً - بتوقيت القدس

ترامب يرهن الاتفاق مع إيران بتوسيع "اتفاقيات أبراهام" وسط انقسام في واشنطن

كثف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تحركاته الدبلوماسية الرامية إلى إعادة صياغة المشهد السياسي في الشرق الأوسط، عبر ربط أي اتفاق محتمل مع إيران بتوسيع نطاق 'اتفاقيات أبراهام'. ويهدف هذا التوجه إلى دفع دول عربية وإسلامية وازنة نحو تطبيع علاقاتها مع دولة الاحتلال الإسرائيلي كجزء من صفقة إقليمية شاملة تنهي حالة التوتر القائمة.

وفي منشور له عبر منصة 'تروث سوشيال'، وجه ترامب دعوة صريحة لكل من المملكة العربية السعودية ودولة قطر للتوقيع أولاً على هذه الاتفاقيات، كما شملت دعوته دولاً مثل باكستان وتركيا ومصر والأردن. ويأتي هذا المطلب رغم أن تركيا تقيم علاقات مع إسرائيل منذ عقود، بينما ترتبط القاهرة وعمان بمعاهدات سلام تاريخية تعود لعامي 1979 و1994 على التوالي.

وأفادت مصادر مطلعة بأن ترامب أجرى اتصالات هاتفية مع عدد من قادة الدول العربية والإسلامية، أعرب خلالها عن تطلعه لرؤية إيران تنضم مستقبلاً إلى هذا التحالف. ويرى ترامب أن إنهاء الحرب الحالية يجب أن يتبعه دمج طهران في منظومة 'اتفاقيات أبراهام'، معتبراً ذلك خطوة ضرورية لضمان استقرار المنطقة على المدى البعيد.

وعلى الرغم من الطموحات التي يبديها ترامب، إلا أن تقارير صحفية أشارت إلى وجود عقبات جوهرية تحول دون تحقيق هذا المسار في الوقت الراهن. وتتصدر هذه العقبات استمرار العدوان على قطاع غزة والعمليات العسكرية في لبنان، بالإضافة إلى غياب أي أفق سياسي حقيقي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو الشرط الذي تضعه العديد من الدول العربية.

وفي الداخل الأمريكي، أثارت هذه التوجهات موجة من الانقسام داخل أروقة الحزب الجمهوري، حيث عبر قادة بارزون عن تخوفهم من تقديم تنازلات لطهران. ويرى المعارضون أن أي اتفاق قد يمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء قدراته العسكرية والنووية التي تضررت بفعل العقوبات والضغوط الدولية.

وحذر السيناتور الجمهوري تيد كروز من مغبة المضي قدماً في اتفاق يسمح لإيران بالحفاظ على بنيتها التحتية النووية، واصفاً ذلك بالخطأ الكارثي الذي قد يهدد أمن المنطقة. وبدوره، اعتبر السيناتور روجر ويكر أن القبول بوقف إطلاق نار مؤقت مع طهران قد يؤدي إلى تبديد المكاسب العسكرية التي تم تحقيقها خلال الفترة الماضية.

في المقابل، برزت أصوات داعمة لمقاربة ترامب، حيث وصف السيناتور ليندسي غراهام الربط بين الملف الإيراني وتوسيع التطبيع بالخطوة العبقرية. ورغم تحذيراته السابقة من نفوذ طهران، إلا أن غراهام يرى في هذا الطرح وسيلة لفرض واقع جيوسياسي جديد يقلص من قدرة إيران على المناورة الإقليمية.

من جانبه، حاول ترامب التخفيف من حدة الانتقادات الموجهة إليه، مؤكداً أن تفاصيل الاتفاق مع إيران لا تزال في طور التفاوض ولم تصل إلى صيغتها النهائية بعد. وشدد خلال خطاب ألقاه بمناسبة 'يوم الذكرى' على التزام واشنطن بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، واصفاً إياها بالدولة الراعية الأولى للإرهاب في العالم.

وعلى الصعيد الميداني، أشارت مصادر دبلوماسية إلى إحراز تقدم ملموس في صياغة إطار عمل لتمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً بين الأطراف المعنية. ويهدف هذا التمديد إلى توفير بيئة ملائمة للتفاوض على اتفاق نهائي وشامل، رغم أن التفاصيل التقنية والضمانات الأمنية لا تزال محل بحث مكثف بين واشنطن وطهران.

وفي السياق ذاته، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن المحادثات مستمرة وجادة، نافياً وجود عوائق لا يمكن تجاوزها أمام الوصول إلى تفاهمات. ومع ذلك، امتنع روبيو عن تقديم تفاصيل إضافية حول طبيعة التنازلات المطلوبة من الجانبين أو الجدول الزمني المتوقع لإعلان الاتفاق بشكل رسمي.

ختاماً، أبدى خبراء ومسؤولون سابقون تشكيكهم في واقعية طرح ترامب، حيث اعتبر السفير الأمريكي السابق دان شابيرو أن مطالبة الدول العربية بالانصياع العلني لهذا المسار لن تنجح. وأوضح شابيرو أن أي تقدم حقيقي يتطلب ترتيبات أمنية واقتصادية معقدة، فضلاً عن ضرورة إحراز تقدم ملموس في الملف الفلسطيني، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل الظروف الراهنة.

تحليل

الثّلاثاء 26 مايو 2026 6:17 مساءً - بتوقيت القدس

هندسة الذعر: كيف وظف خطاب ترامب 'البعبع الإيراني' لفرض واقع إقليمي جديد؟

لم يعد المشهد الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط بحاجة إلى مزيد من التكهنات، إذ كشف الخطاب السياسي الأخير لدونالد ترامب عن الأبعاد الحقيقية لما يجري خلف الكواليس. إن قراءة متمعنة في تفاصيل هذا الخطاب توضح الغايات الكبرى الكامنة وراء التصعيد العسكري المستمر في الإقليم.

تؤكد المعطيات أن الحرب الإسرائيلية الأمريكية المشتركة ضد إيران لم تكن تهدف إلى تدمير النظام بشكل شامل كما يروج الإعلام السطحي. بل كانت في جوهرها 'اختباراً عملياً' جرى تصميمه بعناية ليُعرض أمام دول الخليج العربي والمنطقة بأسرها كرسالة تحذيرية مباشرة.

كان الهدف من هذا الاختبار تقديم برهان مرئي ومخيف يوضح حدود قوة الردع الإيرانية ومدى قدرة طهران على المواجهة. وسلطت هذه التحركات الضوء عمداً على قدرة النظام الإيراني في السيطرة على مضيق هرمز واستخدامه كأداة لخنق خطوط الملاحة الدولية.

جرى توظيف العرض العسكري الإيراني، بما يشمل الصواريخ والطائرات المسيرة، لتهديد مصافي البترول والمنشآت الحيوية في المنطقة. هذا التكتيك يهدف إلى خلق حالة من الذعر الوجودي لدى دول الخليج، مما يجعل أمنها القومي في مهب الريح أمام أي تصعيد محتمل.

بناءً على هذه البيئة الأمنية المهتزة، نجحت واشنطن وتل أبيب في وضع المنطقة أمام خيارين لا ثالث لهما ضمن سياسة الابتزاز. الخيار الأول هو البقاء تحت وطأة التهديد الإيراني المستمر وما يتبعه من مخاطر تدمير البنية التحتية النفطية والاقتصادية.

أما الخيار الثاني، فهو الارتماء الإجباري تحت المظلة الأمنية للكيان الإسرائيلي والقبول بـ 'التطبيع القسري'. هذا المسار يفرض اتفاقيات 'إبراهيم' كحتمية أمنية لا بديل عنها لمواجهة الخطر الإيراني المحدق الذي جرى تضخيمه إعلامياً وميدانياً.

تجلى مكر الخطاب الترامبي عندما سمى دول المنطقة بالاسم، فارضاً معادلة واضحة المعالم للسنوات المقبلة. فإما الخنق تحت وطأة الصواريخ الإيرانية، أو الاحتماء بالمنظومة الإسرائيلية التي تقدم نفسها كطوق نجاة وحيد في ظل الانسحاب الأمريكي التدريجي.

من المفارقات العميقة في هذا المخطط أن المواجهات العسكرية منحت نظام الولي الفقيه في طهران 'أوكسجيناً سياسياً' غير متوقع. فبدلاً من إضعافه، ساهمت هذه الضغوط في تعزيز الترابط الداخلي الإيراني وزيادة الالتفاف القومي حول القيادة في مواجهة التهديدات الخارجية.

إن الدعاية لقدرة إيران الردعية لم تكن خطأ استراتيجياً من جانب واشنطن، بل كانت تكتيكاً مقصوداً لترويض المنطقة. فكلما بدت إيران أكثر قدرة على تهديد ممرات الطاقة، كلما سيقت دول الخليج مجبرة نحو خيارات أمنية تقودها إسرائيل بشكل مباشر.

تكمن النهاية المستهدفة لهذه الحرب في صياغة نظام إقليمي جديد ينصب إسرائيل كقطب أوحد في الشرق الأوسط. هذا التوجه يسعى لإعادة هندسة الأمن الجماعي عبر ما يسمى 'ناتو الشرق الأوسط' الذي يعمل تحت رعاية وقيادة إسرائيلية كاملة.

تحقق هذه الهندسة الاستراتيجية عقيدة ترامب الأساسية 'أمريكا أولاً' من خلال نقل الأعباء المالية والعسكرية إلى الحلفاء الإقليميين. وبموجب هذا المخطط، تتولى إسرائيل حماية نفسها ومصالحها بتمويل ورعاية من الدول التي جرى ترهيبها بـ 'البعبع الإيراني'.

تجد الأنظمة في المنطقة نفسها اليوم أمام معضلة تاريخية تمس صلب سيادتها الوطنية وأمنها القومي. إذ يُطلب منها تسليم أوراق قوتها لمن كان يتربص بها، لقاء كبح جماح تهديد جرى استعراضه بعناية في غرف العمليات المشتركة بين واشنطن وتل أبيب.

إن عملية الهندسة القسرية الجارية تهدف لإجبار المنطقة على المقايضة بين وجودها الاقتصادي وبين تبعيتها السياسية. وتثبت التطورات المتلاحقة صحة التحذيرات من أن الهدف النهائي هو تسيّد إسرائيل للمشهد الإقليمي كقوة مهيمنة وحيدة لا منافس لها.

في الختام، يتضح أن ما وراء الحرب على إيران هو إعادة ترتيب موازين القوى بما يخدم المصالح الصهيونية والأمريكية بعيدة المدى. إنها حرب 'اختبار' كشفت عن وجه جديد للسياسة الدولية يعتمد على صناعة الأزمات لإدارة التحالفات وفرض التبعية.

فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 6:17 مساءً - بتوقيت القدس

كتائب القسام تبث رسالة لقائد أركانها الراحل عز الدين الحداد حول أوضاع غزة

كشفت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، عن رسالة سابقة صاغها قائد هيئة أركانها الراحل عز الدين الحداد قبل استشهاده بفترة وجيزة. وتناولت الرسالة التي نُشرت عبر المنصات الرسمية للكتائب تحليلاً معمقاً للأوضاع الميدانية والسياسية المعقدة التي تحيط بقطاع غزة في ظل استمرار العدوان العسكري الواسع، حيث عكست كلمات القائد الراحل رؤية القيادة العسكرية لمسار المواجهة الحالية.

وأبدى القائد الحداد في مضمون رسالته عتباً شديداً إزاء ما اعتبره إحجاماً من الساحات الإسلامية والعالمية عن تقديم المساندة الفعلية والمباشرة لأهالي القطاع الذين يواجهون حرباً وتجويعاً مستمراً. وأشار إلى أن ردود الفعل الشعبية والرسمية لم تصل إلى مستوى التضحيات المبذولة منذ عملية السابع من أكتوبر 2023، مشدداً في الوقت ذاته على أن المقاومة ستواصل مهامها دون يأس أو تراجع رغم حالة الخذلان المحيطة بها.

ويأتي بث هذه الرسالة في أعقاب إعلان حركة حماس رسمياً في السادس عشر من مايو الجاري عن استشهاد الحداد، الذي قضى في غارة جوية استهدفت مكان تواجد عائلته بمدينة غزة، مما أدى لاستشهاده مع زوجته وابنته. ويُصنف الحداد كأحد أبرز الركائز العسكرية للحركة منذ انطلاقتها في عام 1987، حيث تدرج في المناصب القيادية بفضل خبرته الميدانية حتى وصل إلى رئاسة أركان الكتائب خلال معركة 'طوفان الأقصى'.

ووفقاً لمصادر مطلعة، فقد كان للراحل دور محوري في تأسيس وتطوير المنظومة الأمنية المعروفة بجهاز 'المجد'، والتي تخصصت في ملاحقة العملاء وتأمين الجبهة الداخلية للقطاع. كما نجا الحداد خلال مسيرته الطويلة من عدة محاولات اغتيال إسرائيلية استهدفت منزله في حي الشجاعية خلال جولات التصعيد في أعوام 2009 و2012 و2021، قبل أن يتمكن الاحتلال من اغتياله في العملية الأخيرة بعد رصد مكثف لتحركاته.

عربي ودولي

الثّلاثاء 26 مايو 2026 5:47 مساءً - بتوقيت القدس

دبلوماسية المونديال: هل تنجح 'الساحرة المستديرة' في نزع فتيل الانفجار بالشرق الأوسط؟

يبدو أن المشهد في الشرق الأوسط يتجه نحو تهدئة مفاجئة فرضتها حسابات بعيدة عن الميدان العسكري التقليدي، حيث يقف العالم على أعتاب مواجهة إقليمية شاملة. وسط هذا الضجيج، برزت تحركات دبلوماسية يقودها دونالد ترامب تهدف إلى كبح جماح الصواريخ والطائرات المسيرة قبل انطلاق ساعة الصفر.

تُشير المعطيات الحالية إلى أن المحرك الأساسي لهذه التهدئة ليس الرغبة في السلام الدائم، بل تأمين استضافة الولايات المتحدة والمكسيك وكندا لبطولة كأس العالم في حزيران المقبل. يسعى ترامب لضمان استقرار الأسواق العالمية وأسعار الطاقة لضمان نجاح هذا الحدث الرياضي الضخم الذي يمثل واجهة سياسية واقتصادية له.

أفادت مصادر إعلامية أمريكية بأن كواليس سرية للغاية شهدت صياغة مسودة تفاهم تهدف لوقف التصعيد فوراً بين القوى الإقليمية. وتعتمد هذه المسودة على قاعدة مقايضة واضحة تضع البرنامج النووي الإيراني في كفة، والتدفقات المالية ورفع الحصار في الكفة الأخرى.

تتضمن بنود الصفقة المسربة إعلان هدنة لمدة 60 يوماً، وهي فترة كافية لتغطية فعاليات المونديال وضمان عدم تعكير صفو الأجواء الرياضية. هذه الهدنة تهدف بالأساس إلى تأمين ممرات الملاحة الدولية ومنع أي استهداف للقواعد الأمريكية أو حلفاء واشنطن في المنطقة.

بموجب هذا الاتفاق، تلتزم طهران بفتح مضيق هرمز بشكل كامل والعمل على تنظيفه من الألغام البحرية التي زرعتها سابقاً. وفي المقابل، ستقوم واشنطن بتخفيف الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية والسماح بتصدير كميات من النفط لتوفير سيولة نقدية تنقذ الاقتصاد الإيراني المتهالك.

المفاجأة الأبرز تمثلت في موافقة مبدئية من المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، على مقترح يقضي بالتخلص من كميات ضخمة من اليورانيوم المخصب. ويقضي المقترح بنقل نحو 450 كيلوغراماً من هذه المواد إلى الصين لضمان عدم استخدامها في أغراض عسكرية خلال الفترة المقبلة.

رغم هذا التقدم، لا يزال الاتفاق يواجه عقبات لغوية وسيادية، حيث تسعى طهران لإيجاد مخرج يحفظ كبرياءها الوطني أمام التيار المتشدد. فالقيادة الإيرانية لا تريد أن تظهر بمظهر من تنازل عن طموحاته النووية مقابل مجرد مباراة كرة قدم أو تسهيلات اقتصادية مؤقتة.

على الجانب الآخر، يعيش رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حالة من القلق الشديد تجاه هذه التفاهمات الأمريكية الإيرانية. ويرى نتنياهو أن التفاؤل الذي يبديه ترامب قد يكون مجرد فخ إيراني لكسب الوقت وتعزيز القدرات العسكرية تحت غطاء الهدنة الرياضية.

يجد نتنياهو نفسه في موقف حرج؛ فرفض الهدنة يعني الصدام المباشر مع ترامب الذي لا يتسامح مع من يفسد صفقاته الكبرى. وفي الوقت ذاته، يدرك أن القبول بالهدنة قد يعني نهاية مشروعه العسكري الذي استمر لسنوات لتقويض النفوذ الإيراني في المنطقة.

الداخل الإيراني ليس بعيداً عن هذا الانقسام، حيث أطلق رئيس البرلمان باقر قاليباف تحذيرات شديدة اللهجة ضد أي اعتداء إسرائيلي مستقبلي. وتعكس هذه التصريحات حجم الرفض لدى صقور النظام لأي تهدئة قد تُفرض عليهم بضغوط دولية أو اقتصادية.

لعبت أطراف إقليمية أدواراً محورية في تقريب وجهات النظر، حيث قادت قطر وباكستان وساطة شاقة بين واشنطن وطهران. وشملت الاتصالات دولاً كبرى في المنطقة مثل السعودية ومصر وتركيا والإمارات وعمان لضمان غطاء إقليمي واسع لأي اتفاق مرتقب.

تثبت هذه التطورات أن المصالح الاقتصادية واللقطات السياسية الكبرى قد تتفوق أحياناً على لغة الرصاص والبارود. فالشرق الأوسط الذي كان على شفا حرب عالمية مصغرة، يجد نفسه الآن رهيناً لصافرة حكم المباراة وإرادة الساحرة المستديرة.

يبقى السؤال قائماً حول مدى استدامة هذا الاتفاق بعد انتهاء صافرة نهاية المونديال وتتويج البطل. فهل ستعود المنطقة إلى مربع التصعيد الأول بمجرد رحيل المشجعين، أم أن هذه الهدنة ستكون حجر الزاوية لاتفاق أشمل ينهي الصراع الطويل؟

الساعات والأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت 'دبلوماسية المونديال' ستنجح في تطويق الأزمات المعقدة في المنطقة. فالتفاصيل الكامنة في ملفات اليورانيوم والألغام البحرية قد تفخخ المشهد في أي لحظة إذا ما شعرت أي أطراف بأن اللعبة السياسية لا تخدم مصالحها الاستراتيجية.

اسرائيليات

الثّلاثاء 26 مايو 2026 5:47 مساءً - بتوقيت القدس

تحذيرات من 'تفكك' الجيش الإسرائيلي: غياب للانضباط وتحول إلى 'ميليشيات' غير منضبطة

تصاعدت في الآونة الأخيرة حدة الانتقادات الإسرائيلية الموجهة لجيش الاحتلال، وسط دعوات متزايدة لإجراء تغييرات جذرية تعيد الانضباط المفقود. وتأتي هذه التحذيرات في ظل رصد مظاهر إهمال وفوضى واسعة النطاق داخل الوحدات القتالية، مما يهدد التسلسل الهرمي العسكري التقليدي.

وأكد إيتان كابل، ضابط الاحتياط والعضو السابق في الكنيست أن سلوك القيادة العسكرية الحالية يكشف عن مشكلة أعمق تتمثل في فقدان السيطرة على القوات. وأشار إلى أن التدخلات الشعبوية والسياسية أضعفت قدرة القادة على إصدار الأوامر المهنية، خوفاً من ردود الفعل العامة.

ووصف كابل الحالة الراهنة بأنها 'لحظة انهيار'، حيث تحول الزي العسكري الموحد إلى منصة للتعبير عن الانتماءات الشخصية والسياسية. وأوضح أن الجنود باتوا يضيفون لمساتهم الخاصة من شارات ورموز، مما أدى إلى غياب اللغة العسكرية الموحدة وتفتت الجيش إلى مجموعات تشبه الميليشيات.

وتطرق التقرير إلى تآكل ثقافة الانضباط الأساسية، بدءاً من طريقة حمل السلاح وصولاً إلى صيانة المعدات والالتزام بالإجراءات العملياتية. وأكدت مصادر أن التحية العسكرية، التي ترمز لاحترام القيادة، قد اختفت تقريباً من القواعد العسكرية ولم تعد تُمارس إلا في الاحتفالات الرسمية.

وفي سياق متصل، برزت مخاوف جدية من تحول 'الارتجال' إلى عقيدة عسكرية بديلة عن الاحترافية والدقة في التنفيذ. ويرى مراقبون أن هذا التراجع في المعايير يؤدي بالضرورة إلى إضعاف قوة الردع، ويجعل من الأداء المتدني هو القاعدة السائدة في العمليات الميدانية.

ولم تقتصر الأزمة على الجوانب التنظيمية، بل امتدت لتشمل سلوكيات جنود الاحتياط في المناطق المحتلة، حيث رُصدت حالات عنف ونهب واسعة. وأفادت تقارير بأن تخريب الممتلكات وتدنيس الرموز الدينية أصبح ظاهرة متكررة تعكس فقدان السيطرة الأخلاقية والمهنية على القوات.

ميدانياً، واصلت قوات الاحتلال ارتكاب المجازر بحق المدنيين الفلسطينيين، حيث استشهد 5 مواطنين في قصف نفذته مسيرة إسرائيلية شرق مخيم المغازي. واستهدفت الغارة مجموعة من المواطنين حاولوا التصدي لمجموعات مسلحة مدعومة من الاحتلال حاولت اقتحام منازل في المنطقة.

وفي خان يونس، أعلنت مصادر طبية عن استشهاد الطفلة فاطمة عبد الهادي الخطيب، البالغة من العمر 14 عاماً، متأثرة بجراحها الخطيرة. وكانت الطفلة قد أصيبت في قصف سابق استهدف خيام النازحين، لينضم اسمها إلى قائمة طويلة من الضحايا الأطفال في القطاع.

كما سجلت الساعات الأخيرة استشهاد الطفلة منة الله نبيل أبو لبدة والمواطنة حنان عبد الناصر محمود في اعتداءات منفصلة بخان يونس. وتزامن ذلك مع استهداف البوارج الحربية الإسرائيلية لساحل مدينتي رفح وخان يونس بشكل مكثف، مما أدى لترويع النازحين.

وتشير الإحصائيات الأخيرة إلى أن حصيلة خروقات اتفاق وقف إطلاق النار، منذ العاشر من أكتوبر 2025، قد بلغت 904 شهداء وآلاف الجرحى. وتعكس هذه الأرقام استمرار النهج الدموي للاحتلال رغم التفاهمات الدولية، وسط غطاء سياسي كامل من الحكومة اليمينية المتطرفة.

وعلى الصعيد الإجمالي، ارتفعت حصيلة العدوان المستمر منذ أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد عن 172 ألف جريح. وتؤكد هذه البيانات حجم الكارثة الإنسانية التي خلفها الاحتلال، في ظل دمار هائل طال كافة البنى التحتية والمرافق الحيوية في قطاع غزة.

وفيما يتعلق بالوضع الإنساني، تقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار ما دمره الاحتلال في غزة بنحو 70 مليار دولار. ويأتي هذا التقدير في وقت يعاني فيه السكان من حصار خانق ونقص حاد في المستلزمات الطبية والغذائية الأساسية، مما يفاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

ويرى محللون أن حالة الفوضى داخل الجيش الإسرائيلي تنعكس بشكل مباشر على زيادة وتيرة الجرائم الميدانية ضد الفلسطينيين. فغياب المحاسبة والصرامة العسكرية يمنح الجنود ضوءاً أخضر لارتكاب انتهاكات صارخة دون خوف من عقاب قيادتهم، مما يحول الجيش إلى عصابات منظمة.

وختم التقرير بالتحذير من أن الجيش الإسرائيلي لا يحتاج إلى لجان تفتيش جديدة، بل إلى تغيير جذري يعيد له هيبته وانضباطه. وبدون استعادة الصرامة واحترام الزي العسكري، سيظل الجيش يواجه تآكلاً تدريجياً قد يؤدي في النهاية إلى انهيار المنظومة الأمنية بالكامل.

فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 5:18 مساءً - بتوقيت القدس

واشنطن بوست: أوهام نتنياهو في الهيمنة الإقليمية تستنزف إسرائيل وتعمق عزلتها الدولية

سلطت صحيفة واشنطن بوست الضوء على المأزق الاستراتيجي الذي يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث اعتبر الكاتب ماكس بوت أن محاولات الأخير لتشكيل الشرق الأوسط وفق رؤيته الخاصة بدأت ترتد سلباً على أمن إسرائيل ومكانتها الدولية. وأشار المقال إلى أن الحروب المستمرة التي يخوضها نتنياهو تسببت في نفور متزايد داخل الأوساط الأمريكية، وهو ما يهدد التحالف الوجودي بين واشنطن وتل أبيب.

واستذكر الكاتب تحذيرات مؤسس الدولة ديفيد بن غوريون عام 1951، الذي أكد أن الأمن لا يتحقق بالجيش وحده بل بسياسة خارجية تسعى للسلام مع الجيران. ويرى بوت أن نتنياهو، الذي كان يتسم بالحذر النسبي في الماضي عبر استراتيجية 'تقليم العشب'، تخلى عن هذا النهج بعد أحداث السابع من أكتوبر، منجرفاً نحو سعي وهمي خلف 'الأمن المطلق' والانتقام الكامل.

لقد أدت العمليات العسكرية الواسعة في غزة والضفة ولبنان، وصولاً إلى المواجهات مع إيران واليمن، إلى تحويل إسرائيل إلى دولة منبوذة دولياً في نظر الكثيرين. وبدلاً من تحقيق الردع، يرى المحللون أن هذه الحروب أرهقت كاهل الجيش الإسرائيلي وجعلته يعتمد بشكل غير مسبوق على الحماية الأمريكية المباشرة لتأمين بقائه.

وكشفت التقارير أن الجيش الأمريكي استهلك كميات ضخمة من الذخائر المتطورة للدفاع عن إسرائيل خلال المواجهات الأخيرة مع إيران، وهي كميات تفوق ما أنفقته القوات الإسرائيلية نفسها. ونقلت مصادر عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية أن إسرائيل باتت غير قادرة على خوض حروب كبرى والفوز بها بمفردها، رغم محاولات التعتيم على هذه الحقيقة خلف الكواليس.

وعلى الصعيد الداخلي الأمريكي، تشهد شعبية إسرائيل تراجعاً حاداً وغير مسبوق، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن الأمريكيين باتوا يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين. ووفقاً لمركز بيو للأبحاث، فإن 60% من الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، وهو ارتفاع كبير مقارنة بالأعوام السابقة، مدفوعاً بالتقارير حول الخسائر المدنية الهائلة في قطاع غزة.

ويبدو أن حكومة نتنياهو، بضمها لعناصر متطرفة مثل إيتمار بن غفير، تتعمد استفزاز المجتمع الدولي عبر ممارسات توصف بالحقيرة حتى من قبل أقرب حلفائها. فرغم انتقاد نتنياهو العلني لبعض تصرفات وزرائه تجاه الناشطين الدوليين، إلا أن بقاء هؤلاء في مناصبهم يعزز الانطباع العالمي بأن الحكومة الإسرائيلية تتبنى نهجاً صدامياً مع القيم الإنسانية.

وفيما يتعلق بالجبهة اللبنانية، يرى بوت أن إسرائيل وجدت نفسها غارقة في احتلال طويل الأمد لجنوب لبنان، مما جعل جنودها أهدافاً سهلة للطائرات المسيرة التابعة لحزب الله. ورغم العمليات الاستخباراتية النوعية، إلا أن التهديد العسكري لا يزال قائماً، ولم تنجح القوة المفرطة في تأمين الحدود الشمالية بشكل نهائي كما وعدت الحكومة.

أما على الجبهة الإيرانية، فقد أشارت تقارير استخباراتية إلى أن الجيش الإيراني يتعافى من آثار الضربات الجوية بوتيرة أسرع بكثير مما كان متوقعاً. وهذا الفشل في تحقيق أهداف استراتيجية طويلة الأمد يضعف من ادعاءات نتنياهو بتحقيق 'انتصارات تاريخية'، ويؤكد أن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها تغيير الأنظمة أو القضاء على التهديدات النووية.

ويواجه الجيش الإسرائيلي أزمة استنزاف داخلية حادة، حيث حذر رئيس الأركان إيال زامير من أن المؤسسة العسكرية 'تنهار على نفسها' بسبب القتال المتواصل منذ أكثر من عام. هذه التحذيرات، التي وُصفت بـ 'الأعلام الحمراء'، تعكس حجم الضغط الذي يتعرض له الجنود والاحتياط في ظل تعدد الجبهات المشتعلة دون أفق سياسي واضح.

ويشير المقال إلى أن نتنياهو فقد السيطرة على مسار الأحداث، وبات خاضعاً لإملاءات الإدارة الأمريكية الجديدة، وتحديداً دونالد ترامب الذي بدأ بتهميشه في مفاوضات السلام. إن إجبار إسرائيل على قبول وقف إطلاق النار في لبنان يعكس تراجع قدرة نتنياهو على المناورة السياسية أمام الضغوط القادمة من واشنطن.

إن الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة بات ينتهك الشعار الصهيوني القديم القائم على 'الاعتماد على الذات'، مما يضع الدولة في موقف ضعف استراتيجي. فبدون الدعم اللوجستي والعسكري الأمريكي المستمر، ستجد إسرائيل نفسها عاجزة عن الاستمرار في مواجهات واسعة النطاق على عدة جبهات في آن واحد.

وفي قطاع غزة، ورغم الدمار الهائل واحتلال مساحات واسعة، لا تزال حماس تحتفظ بقدرتها على السيطرة المدنية وتوجيه السكان، مما يفشل أهداف الحرب المعلنة. هذا الواقع يؤكد أن التفوق العسكري التكنولوجي لا يترجم بالضرورة إلى نصر سياسي أو استقرار أمني على الأرض، خاصة في ظل المقاومة المستمرة.

ويختتم الكاتب تحليله بالتأكيد على أن إسرائيل، كدولة صغيرة يقطنها 10 ملايين نسمة، لا يمكنها منطقياً الهيمنة على إقليم يضم نصف مليار نسمة. إن الاستمرار في ملاحقة هذا 'الهدف الوهمي' لن يؤدي إلا إلى استنزاف الموارد القومية الإسرائيلية وتقويض الأمن الذي يزعم نتنياهو حمايته، مما يضع مستقبل الدولة في خطر داهم.

إن التحول في الرأي العام العالمي، وخاصة في الولايات المتحدة، يمثل التهديد الأكبر لإسرائيل على المدى البعيد، حيث لم تعد الرواية الإسرائيلية هي الوحيدة المسيطرة. ومع تزايد الوعي بالمعاناة الفلسطينية، تجد إسرائيل نفسها في سباق مع الزمن لإصلاح علاقاتها الدولية التي تضررت بشدة بسبب سياسات الحكومة الحالية المتطرفة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 26 مايو 2026 5:17 مساءً - بتوقيت القدس

طهران تتهم واشنطن بخرق الهدنة في هرمزغان ومفاوضات الدوحة تبحث تحرير 24 مليار دولار

وجهت وزارة الخارجية الإيرانية اتهامات مباشرة للولايات المتحدة بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار الهش في محافظة هرمزغان الساحلية جنوبي البلاد. وأكدت طهران أن هذه الخروقات وقعت خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، محذرة من أن أي اعتداء لن يمر دون رد حاسم لحماية السيادة الوطنية والأمة الإيرانية.

في المقابل، كشفت القيادة المركزية الأمريكية عن تنفيذ عمليات استهدفت مواقع صاروخية وزوارق إيرانية، بدعوى محاولتها زرع ألغام بحرية في مياه الخليج. وتزامن هذا التصريح مع إعلان الحرس الثوري الإيراني عن تصديه لطائرات أمريكية حاولت اختراق الأجواء الإيرانية، مما يعكس حالة من التوتر الميداني المتصاعد رغم المساعي الدبلوماسية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، يواصل وفد إيراني رفيع المستوى مشاوراته في العاصمة القطرية الدوحة، ضمن مسار يهدف إلى وضع حد للحرب المندلعة منذ أواخر فبراير الماضي. ويضم الوفد شخصيات وازنة، من بينها عباس عراقجي ومحافظ البنك المركزي، بالإضافة إلى رئيس البرلمان الإيراني الذي يوصف بأنه مهندس هذه المفاوضات.

تتركز المباحثات الحالية على ملف شائك يتعلق بالأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، حيث تسعى طهران لاستعادة نحو 24 مليار دولار. وتشير التقارير إلى وجود مذكرة تفاهم تتألف من 14 بنداً تنظم عملية الإفراج عن هذه الأموال، وهو ما تعتبره إيران شرطاً أساسياً للمضي قدماً في أي اتفاق سياسي.

أفادت مصادر مطلعة بأن المفاوضات في قطر حققت تقدماً ملموساً فيما يخص الجوانب التقنية والمالية، خاصة حول آلية الوصول إلى تلك الأصول. وأوضحت المصادر أن الخلاف الجوهري المتبقي بين واشنطن وطهران يتركز في تفاصيل التحويلات البنكية وضمانات وصول الأموال دون عوائق قانونية أو سياسية جديدة.

من جهتها، نفت دولة قطر بشكل قاطع الأنباء التي تحدثت عن تقديمها عرضاً مالياً بقيمة 12 مليار دولار لإيران كحافز لتوقيع الاتفاق. وأكدت مصادر رسمية أن هذه المبالغ هي في الأصل أموال إيرانية مجمدة، وأن دور الدوحة يقتصر على تيسير التفاوض والوساطة لتقريب وجهات النظر بين الطرفين المتصارعين.

تشير المعطيات الميدانية إلى سماع دوي انفجارات في مدينة بندر عباس التابعة لإقليم هرمزغان، مما يعزز الرواية الإيرانية حول وقوع احتكاكات عسكرية. وتأتي هذه التطورات في وقت حساس للغاية، حيث يحاول الوسطاء الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة لتجنب انهيار التفاهمات الأولية التي تم التوصل إليها سابقاً.

المسار الأمني في مضيق هرمز يمثل ركيزة أساسية في نقاشات الدوحة، حيث يسعى الطرفان لتحديد قواعد اشتباك تضمن سلامة الملاحة الدولية. ويتضمن هذا المسار وضع جداول زمنية واضحة لتطبيق الالتزامات المتبادلة، بما يضمن خفض التصعيد العسكري في الممرات المائية الحيوية التي تشهد احتكاكات مستمرة.

إلى جانب الملف الأمني، تبرز قضية العقوبات الاقتصادية كعقبة رئيسية تتطلب حلولاً جذرية وشاملة لضمان استدامة أي اتفاق مستقبلي. ويبحث المفاوضون حالياً في كيفية رفع القيود تدريجياً، بالتزامن مع تنفيذ إيران لخطوات تقنية تتعلق ببرنامجها وأنشطتها الإقليمية التي تثير قلق الجانب الأمريكي وحلفائه.

أفادت مصادر إعلامية بأن الخطة العملية لتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق الوشيك باتت شبه جاهزة، وهي نتاج أسابيع من المفاوضات السرية والعلنية في إسلام آباد. وتتضمن هذه المرحلة إجراءات بناء ثقة متبادلة، تشمل تبادل سجناء أو تسهيلات تجارية محدودة قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيداً.

رغم التفاؤل الذي أبداه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في وقت سابق حول إمكانية التوصل لتسوية، إلا أن التصعيد الإسرائيلي الأخير ألقى بظلاله على المشهد. فقد أدى تكثيف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان إلى تعقيد الحسابات الإقليمية، وزيادة الضغوط على صانع القرار في طهران وواشنطن على حد سواء.

يرى مراقبون أن الغارات الأمريكية الأخيرة التي استهدفت مواقع داخل إيران قد تهدف إلى تحسين شروط التفاوض أو الضغط على طهران لتقديم تنازلات إضافية. ومع ذلك، فإن هذه التحركات العسكرية تزيد من مخاطر الانزلاق نحو مواجهة شاملة قد تطيح بكل الجهود الدبلوماسية المبذولة في العواصم العربية والإقليمية.

تظل آلية تسليم الأموال الإيرانية هي الاختبار الحقيقي لجدية واشنطن في إنهاء الأزمة، حيث تصر طهران على الحصول على ضمانات بعدم تجميدها مجدداً. ويشارك خبراء ماليون وقانونيون في اجتماعات الدوحة لصياغة نصوص دقيقة تمنع أي تلاعب مستقبلي ببنود الاتفاق المالي المرتقب بين البلدين.

في ختام المشهد، يبقى الترقب سيد الموقف بانتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة في الدوحة، وما إذا كانت الدبلوماسية ستنجح في احتواء التصعيد الميداني. إن نجاح هذا المسار لا يعني فقط إنهاء الحرب بين إيران وأمريكا، بل قد يمهد الطريق لإعادة ترتيب التوازنات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط برمتها.

فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 5:17 مساءً - بتوقيت القدس

بإرادة تتحدى الإعاقة.. خياطون وحلاقون ينسجون ملامح العيد من قلب ركام غزة

في أزقة قطاع غزة المثقلة بآثار الحرب، لم يعد العيد يُشترى من الأسواق المكدسة بالبضائع، بل يُصنع داخل ورش صغيرة وخيام نزوح متواضعة. يقود هذه المهمة أشخاص من ذوي الإعاقة وضحايا العدوان المستمر، الذين أصروا على ممارسة مهنهم رغم الإصابات الجسدية البليغة، محاولين رسم ملامح الفرح على وجوه أثقلها الحصار والنزوح.

يجلس الخياط يحيى النجار، البالغ من العمر 56 عاماً، خلف ماكينة خياطة وحيدة هي كل ما تبقى له بعد تدمير مصنعه الذي كان يضم عشر ماكينات. النجار الذي فقد حاسة السمع وأصيب بكسور بليغة في قدمه استدعت تركيب بلاتين، يواصل عمله بدقة متناهية، محولاً قطع القماش القديمة إلى ملابس جديدة تليق ببهجة العيد المنتظرة.

تلعب ياسمين، ابنة الخياط يحيى، دوراً حيوياً كجسر تواصل بين والدها والزبائن، حيث تترجم لغة إشارته إلى كلمات وتكتب التفاصيل الفنية على الورق. هذه الشراكة العائلية تتحدى شح الموارد وغلاء أسعار الخيوط والإبر، وتعمل على تلبية احتياجات العائلات التي تبحث عن 'ستر' جديد لأطفالها من بين الركام.

تتحدث ياسمين عن قصص مؤثرة تمر بورشة والدها، منها أم أحضرت ثوباً مهترئاً استخرجته من تحت أنقاض منزلها لتطلب تحويله إلى ملابس لطفلتيها. هذه اللحظات تختصر واقع الحال في غزة، حيث تتحول الغرزة الواحدة إلى فرصة للحياة، والتعديل البسيط في القماش يصبح طريقاً وحيداً لإسعاد طفل في صباح العيد.

وعلى جبهة أخرى من الصمود، يقف الحلاق الشاب محمد أبو حسين (20 عاماً) على ساق واحدة، مستنداً إلى عكازه داخل خيمة نزوح ضيقة. أبو حسين الذي بترت قدمه في قصف استهدف مخيم جباليا، لم يستسلم للإعاقة، بل عاد لممارسة مهنته التي تتطلب وقوفاً طويلاً لساعات تتجاوز الـ13 ساعة يومياً خلال موسم العيد.

يصف أبو حسين معاناته اليومية مع التوازن والألم الذي يتراكم في ساقه السليمة، مؤكداً أن ابتسامة الأطفال بعد الحلاقة تنسيه تعب الجسد. ورغم وقوعه المتكرر في البداية، إلا أن إرادته كانت أقوى من العكاز، حيث يرى في تنسيق شعر الشباب والأطفال واجباً وطنياً للحفاظ على كرامة المظهر العام في العيد.

وفي حي الرمال، أقام الحلاق محمد الشعراوي خيمة متواضعة لتكون صالوناً بديلاً عن مشروعه الذي دمره الاحتلال في نوفمبر 2023. الشعراوي لم يفقد مكانه فحسب، بل فقد شقيقه وشريكه 'نادر'، وهو اليوم يعيل عائلته وعائلة شقيقه الشهيد، مستعيناً بابن أخيه يوسف لتعليمه أصول المهنة والحفاظ على إرث والده.

يواجه الحلاقون في غزة تحديات اقتصادية خانقة، حيث قفزت أسعار المعدات الأساسية إلى مستويات جنونية نتيجة الحصار وإغلاق المعابر. فقد ارتفع سعر ماكينة الحلاقة من 500 شيكل إلى نحو 3000 شيكل، بينما وصلت تكلفة الكيلو واط الواحد من الكهرباء إلى 12 دولاراً، مما يجعل تشغيل الصالونات المتنقلة عبئاً مالياً كبيراً.

أما مهنة 'الإسكافي' فقد استعادت بريقها كضرورة ملحة في ظل تراجع القدرة الشرائية وغياب الدخل الثابت لمعظم الأسر. خالد الجوجو، الذي يعيل ستة أفراد، يقضي يومه في ترميم الأحذية المتهالكة تحت سقف من الشوادر، مؤكداً أن الناس باتوا يفضلون إصلاح القديم بـ 5 شواكل بدلاً من شراء الجديد الذي يتجاوز سعره 100 شيكل.

يشير الجوجو إلى أن معظم زبائنه هم من الآباء الذين يضحون بمظهرهم الشخصي من أجل توفير أحذية جديدة لأطفالهم، مما يجعل ورشته مساحة للتكافل الاقتصادي. ويعتمد الإسكافي في عمله على مخزون قديم من الخيوط والإبر التي احتفظ بها خلال رحلات النزوح المتكررة، في ظل الشح الشديد في مستلزمات الحرفة بالأسواق المحلية.

يأتي هذا العيد في وقت يحرم فيه سكان قطاع غزة من أداء فريضة الحج ومن السفر بسبب السيطرة الصارمة على المعابر، بما فيها معبر رفح. هذا الحرمان يضاف إلى سلسلة من الضغوط النفسية والاقتصادية التي يمارسها الاحتلال، وسط تراجع الاهتمام الإعلامي الدولي بالمعاناة الإنسانية المتفاقمة في القطاع.

ورغم استمرار عمليات الاغتيال واستهداف المنشآت الحيوية، تظهر الحاضنة الشعبية في غزة صموداً أسطورياً يجهض محاولات زرع الفتن الداخلية. الحرفيون من ذوي الإعاقة يمثلون رأس الحربة في هذا الصمود، حيث يحولون إعاقاتهم الجسدية إلى طاقة إنتاجية ترفض الاستسلام لواقع الإبادة والتهجير.

إن هذه المهن البسيطة في ظاهرها، تمثل في جوهرها أدوات للمقاومة الشعبية والحفاظ على النسيج الاجتماعي الفلسطيني. فكل حذاء يُرمم، وكل ثوب يُخاط، وكل قصة شعر تُنجز، هي رسالة تحدٍ واضحة للاحتلال بأن الحياة في غزة مستمرة، وأن العيد سيُحتفل به رغم أنف الدمار والحصار.

وفي ختام المشهد، تظل غزة بورشها المتنقلة وخيامها الصامدة، تقدم نموذجاً فريداً في التغلب على المستحيل. هؤلاء الحرفيون، بأطرافهم المبتورة وأجسادهم المتعبة، يثبتون أن 'هيئة العيد' لا تُستورد من الخارج، بل تُصاغ بعرق الجبين وإرادة لا تعرف الانكسار، بانتظار فجر جديد ينهي معاناة طال أمدها.

فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 5:17 مساءً - بتوقيت القدس

شهيدان وجرحى في غارة إسرائيلية استهدفت مركبة غرب خان يونس

أفادت مصادر طبية ومحلية باستشهاد مواطنين فلسطينيين وإصابة عدد آخر بجروح متفاوتة، إثر غارة جوية نفذتها طائرة مسيرة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي ظهر اليوم الثلاثاء. واستهدف القصف بشكل مباشر مركبة مدنية كانت تسير قرب منطقة 'دوار أبو علاء' الواقعة في الجهة الغربية لمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، مما أحدث دماراً واسعاً في المكان.

وذكرت مصادر ميدانية أن الصاروخ الذي أطلقته المسيرة أصاب السيارة في منطقة مكشوفة ومكتظة نسبياً، مما أدى إلى وقوع إصابات إضافية في صفوف المارة والمتواجدين في محيط الاستهداف. وقد هرعت سيارات الإسعاف إلى الموقع فور وقوع الغارة، حيث جرى انتشال جثامين الشهداء ونقل الجرحى إلى المستشفيات القريبة لتلقي العلاج الطارئ وسط حالة من الذعر بين السكان.

وفي سياق متصل، واصلت طواقم الدفاع المدني والفرق الإغاثية عملياتها الميدانية في موقع القصف لتأمين المنطقة وإزالة الركام الناتج عن تدمير المركبة، لضمان سلامة المواطنين وتسهيل حركة المرور. وتزامن هذا الهجوم مع تقارير طبية أكدت استشهاد طفلة فلسطينية متأثرة بجراح سابقة أصيبت بها خلال قصف استهدف منطقة المواصي في وقت سابق، مما يرفع حصيلة الضحايا في المحافظة الجنوبية.

ويأتي هذا التصعيد العسكري الجديد ليزيد من معاناة سكان مدينة خان يونس التي تعرضت لسلسلة من الضربات الجوية العنيفة خلال الفترة الماضية، مما فاقم الأزمات الإنسانية والأمنية. وتستمر هذه الهجمات في ظل ظروف معيشية قاسية يواجهها النازحون والمقيمون في المناطق الجنوبية للقطاع، مع تواصل الخروقات العسكرية التي تستهدف المدنيين والبنى التحتية بشكل متكرر.

اسرائيليات

الثّلاثاء 26 مايو 2026 4:47 مساءً - بتوقيت القدس

التحالف الإسرائيلي الإماراتي: مسارات السر والعلن في مواجهة الأزمات الإقليمية

تواجه إسرائيل في المرحلة الراهنة موجة غير مسبوقة من العزلة الدولية عقب الحرب على قطاع غزة، حيث اتخذت دول عدة قرارات بقطع العلاقات الدبلوماسية وسحب السفراء. ورغم هذا الضغط السياسي والاقتصادي المتزايد، تبرز متانة العلاقات بين تل أبيب وأبو ظبي كاستثناء لافت، حيث تبدو الإمارات اليوم كأوثق الحلفاء الإقليميين لإسرائيل في المنطقة العربية.

لم تكن اتفاقيات التطبيع الموقعة في عام 2020 وليدة اللحظة، بل جاءت تتويجاً لعقد من التقارب الهادئ الذي بدأ في عام 2010 عبر قنوات استخباراتية بعيدة عن الأضواء. وقد استند هذا التقارب إلى نظرية 'العدو المشترك'، حيث تلاقت المصالح في مواجهة الطموحات النووية الإيرانية من جهة، والتصدي لحركات الإسلام السياسي التي برزت بعد أحداث الربيع العربي من جهة أخرى.

شكلت 'زيارات الظل' المحرك الحقيقي لهذا التحالف قبل إعلانه رسمياً، حيث كشفت تقارير عن زيارات سرية قام بها مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى، من بينهم نفتالي بينيت ويائير لابيد. هدفت تلك اللقاءات المبكرة إلى وضع الأسس اللوجستية للتعاون الأمني، ومناقشة صفقات التسلح وأنظمة المراقبة المتقدمة التي مهدت الطريق للاختراق الدبلوماسي اللاحق.

استمر هذا المسار السري حتى في ظل الأزمات الإقليمية المعقدة، حيث تشير المعلومات إلى زيارة غير معلنة قام بها بنيامين نتنياهو إلى الإمارات في مارس 2026. ركزت هذه الزيارة على تعزيز التنسيق العسكري الميداني المباشر، وضمان حماية ممرات الطاقة والملاحة الدولية، بالإضافة إلى تثبيت قواعد الدفاع الجوي المشترك التي باتت تغطي مناطق حيوية في الإقليم.

على الصعيد التقني، شهدت الفترة بين عامي 2014 و2016 قفزات نوعية في التعاون الثنائي، حيث اعتمدت أبو ظبي على برمجيات مراقبة متطورة من شركات إسرائيلية مثل مجموعة 'NSO'. هذا التعاون التكنولوجي عزز الأمن الرقمي الإماراتي وفتح الباب أمام أول تمثيل دبلوماسي رسمي عبر افتتاح بعثة إسرائيلية لدى الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) في عام 2015.

جاء عام 2020 ليمثل نقطة التحول من العمل السري إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة بموجب 'اتفاقيات أبراهام'. وبحلول عام 2021، تحولت العلاقة إلى إطار مؤسسي بتبادل السفراء والزيارات العلنية، مما جعل التحالف بين الطرفين يتجاوز تقلبات الحكومات في تل أبيب ويصبح ركيزة أساسية في سياسة البلدين الخارجية.

رغم هذا التلاحم الرسمي، تبرز فجوة عميقة بين توجهات القيادة السياسية ونبض الشارع العربي الذي يعبر عن سخط عارم تجاه هذا التحالف. ويرى مراقبون أن الموقف الإماراتي يُنظر إليه شعبياً كخروج عن الثوابت القومية، خاصة في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعدوان المتكرر على غزة.

في الداخل الإماراتي، تشير تقارير حقوقية واستطلاعات رأي مستقلة إلى تراجع ملحوظ في تأييد اتفاقيات التطبيع بين المواطنين. ويعيش المجتمع الإماراتي حالة من الصراع الهوياتي بين السياسات الرسمية للدولة وانتمائه العروبي، مما يجعل هذا الاحتقان الصامت تحدياً مستقبلياً لاستدامة التحالف الذي يفتقر للظهير الشعبي.

يمتد تأثير التنسيق الإسرائيلي الإماراتي ليشمل ملفات إقليمية شائكة تثير قلق دول الجوار، لا سيما في السودان واليمن. وتتحدث تقارير عن دعم مشترك لبعض القوى العسكرية في السودان، مما يهدد استقرار الدولة السودانية ويضع ضغوطاً أمنية إضافية على الحدود الجنوبية لجمهورية مصر العربية.

لا يتوقف التعاون عند الملفات العسكرية، بل يمتد ليشمل دعم حركات انفصالية في مناطق استراتيجية مثل 'أرض الصومال' واليمن. كما يثير الموقف المشترك من قضايا حيوية مثل 'سد النهضة' تساؤلات حول مدى تأثير هذا التحالف على الأمن المائي المصري، وهو ما يعزز المخاوف من إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح ضيقة.

في الشأن الفلسطيني، تبرز اتهامات بالتنسيق لدعم فصائل وعصابات غير قانونية داخل قطاع غزة بهدف زعزعة الاستقرار الداخلي. وتسعى هذه التحركات، بحسب مصادر، إلى صناعة بدائل سياسية مشبوهة تتماشى مع الرؤية الأمنية للتحالف الجديد، بعيداً عن التوافق الوطني الفلسطيني العام.

إن التحول الذي شهده هذا المحور الاستراتيجي يعكس رغبة في إعادة صياغة خارطة الشرق الأوسط السياسية والأمنية. ومع ذلك، فإن تجاهل الحقوق الفلسطينية وتصاعد الغضب الشعبي يضعان علامات استفهام كبرى حول قدرة هذا المحور على الصمود أمام التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة.

تظل العلاقة بين تل أبيب وأبو ظبي نموذجاً فريداً للتحالفات القائمة على المصالح الأمنية والتقنية البحتة، متجاوزةً الأطر التقليدية للصراع العربي الإسرائيلي. ولكن هذا النموذج يواجه اختباراً حقيقياً في ظل تزايد التحديات الإقليمية واتساع الهوة مع الشعوب التي لا تزال ترى في القضية الفلسطينية بوصلتها الأساسية.

في الختام، يبقى السؤال قائماً حول مدى قدرة تحالف 'النخبة' على مواجهة ضغوط 'القاعدة' المتصاعدة في العالم العربي. فبينما تستمر الغرف المغلقة في نسج تفاهمات أمنية جديدة، يظل الواقع الميداني والاحتقان الشعبي هما الحكمان النهائيان على استمرارية هذا المسار في ظل بيئة إقليمية شديدة الانفجار.

اسرائيليات

الثّلاثاء 26 مايو 2026 4:47 مساءً - بتوقيت القدس

اتهامات رسمية لرئيس ديوان نتنياهو بعرقلة العدالة في قضية التسريبات الأمنية

أعلنت المدعية العامة في دولة الاحتلال، غالي بهاراف ميارا، عن نيتها توجيه لائحة اتهام رسمية ضد تساحي برافرمان، رئيس ديوان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وتتضمن اللائحة تهماً ثقيلة تتعلق بعرقلة سير العدالة، والاحتيال، وخيانة الأمانة، وذلك في أعقاب تحقيقات مطولة حول تسريب وثائق أمنية حساسة. وقد أبلغت النيابة العامة محامي برافرمان بهذا القرار، مشيرة إلى أن الإجراءات القانونية ستستكمل بعد جلسة استماع رسمية مقررة لاحقاً.

وتتمحور القضية حول محاولات برافرمان التدخل لتعطيل تحقيق جارٍ بشأن تسريب وثائق عسكرية سرية من جيش الاحتلال إلى مكتب رئيس الحكومة، ومن ثم وصولها إلى صحيفة 'بيلد' الألمانية. وتكشف التحقيقات عن لقاء سري عُقد في أكتوبر 2024 داخل موقف للسيارات بمقر وزارة الأمن 'الكرياه'، حيث اجتمع برافرمان بالمستشار الإعلامي لنتنياهو، إيلي فيلدشتاين. وخلال هذا اللقاء، حذر برافرمان المستشار من تحقيقات أمن المعلومات وعرض عليه التدخل المباشر لوقف أي إجراءات قانونية ضده.

هذه التطورات القضائية أدت بشكل مباشر إلى تجميد المسار المهني لبرافرمان، حيث تم توقيفه عن ممارسة مهامه الحالية في ديوان رئاسة الوزراء. كما تسبب القرار في منعه من الانتقال إلى العاصمة البريطانية لندن، حيث كان قد عُين مؤخراً في منصب سفير الاحتلال لدى المملكة المتحدة. وتعتبر هذه الضربة القانونية جزءاً من سلسلة أزمات تلاحق الدائرة الضيقة المحيطة بنتنياهو منذ اندلاع فضيحة التسريبات الأمنية.

وفي سياق متصل، كشفت مصادر مطلعة عن تهرب بنيامين نتنياهو من الإدلاء بشهادته في هذه القضية الحساسة رغم المصادقة القضائية على استدعائه منذ فبراير الماضي. وتذرع مكتب رئيس الوزراء بظروف الحرب والتوترات الأمنية السابقة لتأجيل الموعد، إلا أنه استمر في الامتناع عن الرد حتى بعد هدوء الجبهات العسكرية. وتواجه الشرطة صعوبات بالغة في تحديد موعد نهائي لاستجواب نتنياهو حول علمه المسبق بعمليات التسريب أو دوره في توجيهها.

وتشير لوائح الاتهام المرتبطة بالقضية إلى أن إيلي فيلدشتاين والضابط في قوات الاحتياط أري روزنفيلد، قاما بتسريب الوثائق بهدف التلاعب بالرأي العام الداخلي. وكان الهدف من نشر هذه المعلومات في وسائل إعلام أجنبية هو إضعاف الحراك الشعبي المطالب بإبرام صفقة لتبادل الأسرى، من خلال الترويج لادعاءات تزعم أن الاحتجاجات تضر بالمسار التفاوضي. وتظهر التحقيقات أن العملية تمت بتنسيق مع أطراف مقربة جداً من مركز صنع القرار في مكتب نتنياهو.

كما تلاحق السلطات القضائية 'إسرائيل أينهورن'، وهو أحد المقربين من نتنياهو، للاشتباه في تورطه بنقل الوثائق المسربة إلى الخارج. ويتواجد أينهورن حالياً في صربيا، حيث ترفض السلطات هناك تسليمه أو خضوعه للتحقيق حتى الآن، مما يزيد من تعقيد المشهد القانوني. وتعد هذه القضية من أخطر القضايا التي واجهت حكومة الاحتلال، كونها تمس أمن المعلومات العسكرية وتوظفها لأغراض سياسية حزبية ضيقة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 26 مايو 2026 4:32 مساءً - بتوقيت القدس

مجزرة في سوق حدودي.. مقتل 14 مدنياً معظمهم نساء بغارة مسيرة غربي السودان

شهدت بلدة الطينة الواقعة على الحدود السودانية التشادية هجوماً دموياً أسفر عن مقتل 14 شخصاً، معظمهم من النساء، إثر غارة نفذتها طائرة مسيرة استهدفت سوقاً شعبياً مكتظاً. وأفادت مصادر حكومية وشهود عيان بأن القصف طال تجمعاً لبائعات الشاي والطعام في المنطقة، مما أدى إلى وقوع هذه الحصيلة الثقيلة من الضحايا في صفوف المدنيين العزل.

وأكد مسؤول حكومي وقوع الهجوم، موضحاً أن السلطات المحلية تعمل حالياً على حصر الأعداد النهائية للضحايا وتوثيق الأضرار الناجمة عن الغارة. وتأتي هذه الحادثة في ظل انقطاع واسع لشبكات الاتصالات في المنطقة، حيث اضطر الناجون لاستخدام الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية لنقل تفاصيل المجزرة التي هزت البلدة الحدودية.

ونقلت مصادر عن أحد الناجين قوله إن السكان هرعوا إلى موقع القصف ليجدوا جثث الضحايا متناثرة في أرجاء السوق، مشيراً إلى أن الاستهداف كان مباشراً لمواقع تجمع النساء اللواتي يعلن عائلاتهن من خلال البيع البسيط. وأضاف الشاهد أن حالة من الذعر سادت المنطقة عقب الانفجارات التي خلفت دماراً واسعاً في الممتلكات والمحال التجارية.

وتشير أصابع الاتهام في هذا الهجوم إلى قوات الدعم السريع، التي تسيطر على أجزاء واسعة من إقليم دارفور وتخوض نزاعاً مسلحاً مع الجيش السوداني منذ أكثر من عام. وتكررت في الآونة الأخيرة حوادث استهداف المواقع المدنية والأسواق في مختلف الولايات السودانية، مما أثار تنديداً واسعاً من المنظمات الحقوقية الدولية.

وتواجه مدينة الطينة، التي تعد نقطة عبور حيوية للفارين من النزاع نحو تشاد، ظروفاً إنسانية بالغة التعقيد وخطر مجاعة وشيكاً بحسب تحذيرات الأمم المتحدة. وقد أدى استمرار العمليات العسكرية في أقصى غرب دارفور إلى نزوح آلاف الأسر عبر الحدود، بحثاً عن الأمان في ظل تدهور الأوضاع الأمنية والمعيشية.

وعلى الصعيد الإقليمي، كان النزاع السوداني قد ألقى بظلاله على الجارة تشاد، التي اتخذت قراراً بإغلاق حدودها مع السودان في فبراير الماضي. وجاءت هذه الخطوة عقب تسجيل توغلات متكررة لمجموعات مسلحة داخل الأراضي التشادية، مما هدد الاستقرار الأمني في المناطق الحدودية المشتركة بين البلدين.

وسبق أن سجلت الحدود السودانية التشادية اشتباكات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى من الجيش التشادي، وهو ما وصفته نجامينا حينها بالعدوان غير المبرر. ورغم اعتذار قوات الدعم السريع عن بعض تلك الحوادث ووصفتها بأنها أخطاء غير متعمدة أثناء ملاحقة مجموعات مسلحة، إلا أن التوتر لا يزال سيد الموقف على طول الشريط الحدودي.

وتقدر جهات إنسانية دولية أن حصيلة ضحايا الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 قد تجاوزت 200 ألف قتيل، في ظل صعوبة الحصول على إحصائيات دقيقة. وتستمر المعاناة الإنسانية مع استهداف البنى التحتية والأسواق، مما يجعل المدنيين هم الحلقة الأضعف في هذا الصراع المستمر الذي يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي للبلاد.

عربي ودولي

الثّلاثاء 26 مايو 2026 4:32 مساءً - بتوقيت القدس

تطورات متسارعة في إيران: تفاصيل إصابة مجتبى خامنئي وإسقاط مسيرة في الخليج

أعادت وسائل الإعلام الإيرانية تسليط الضوء على ملفات داخلية حساسة عقب عودة تدفق المعلومات بشكل كامل، حيث برزت تقارير طبية توضح الحالة الصحية لمجتبى خامنئي. وأفادت مصادر طبية رسمية بأن نجل المرشد الأعلى نُقل إلى أحد مستشفيات العاصمة طهران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي إثر تعرضه لإصابات خلال الهجمات الجوية الأخيرة. وأكد المتحدث باسم وزارة الصحة أن الفحوصات أظهرت وجود جروح في مناطق الوجه والرأس والساقين، مشدداً على أن حالته مستقرة ولم تتطلب تدخلات جراحية معقدة أو عمليات بتر.

وعلى الصعيد الميداني، أعلنت القوات المسلحة الإيرانية عن نجاح دفاعاتها الجوية في اعتراض وإسقاط طائرة مسيرة مجهولة في أجواء منطقة الخليج. واستخدمت القوات الإيرانية في هذه العملية منظومة دفاعية حديثة تدخل الخدمة لأول مرة، في خطوة وُصفت بأنها رسالة ردع مباشرة للقوى الإقليمية والدولية. وأوضحت مصادر عسكرية أن هذا التحرك يأتي للتأكيد على أن أي اختراق للأجواء السيادية سيواجه برد حاسم وفوري من قبل وحدات الدفاع الجوي المنتشرة على السواحل الجنوبية.

وفي سياق متصل، شدد اللواء علي عبد اللهي، قائد مقر 'خاتم الأنبياء' المركزي، على أن الجاهزية القتالية للجيش والحرس الثوري بلغت مستويات متقدمة لمواجهة التحديات الراهنة. وأشار عبد اللهي إلى أن عمليات التحديث تشمل كافة القطاعات البحرية والجوية والصاروخية لضمان التفوق في أي مواجهة محتملة. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة توترات أمنية متزايدة، مما دفع القيادة العسكرية الإيرانية إلى تسريع وتيرة المناورات واختبار الأسلحة النوعية الجديدة.

وضمن جهود تعزيز الترسانة الدفاعية، كشفت طهران عن إدخال تحديثات تقنية واسعة على منظومة 'خرداد 15' المخصصة للدفاع الجوي بعيد المدى. وتعتمد هذه المنظومة المتطورة على صواريخ من عائلة 'صياد' المحلية الصنع، والتي تم تطويرها عبر مؤسسات الصناعات الجوية الفضائية الوطنية. وتتميز النسخة المحدثة بقدرات فائقة على الرصد والتعامل مع الأهداف المعادية ذات البصمة الرادارية المنخفضة، مما يعزز من حماية المنشآت الحيوية الإيرانية من التهديدات الجوية المختلفة.

وتشير البيانات الفنية للمنظومة المحدثة إلى قدرتها على تتبع ستة أهداف معادية في وقت واحد، مع إمكانية الاشتباك المباشر والمتزامن مع خمسة منها بدقة عالية. ويعكس هذا التطور التقني استراتيجية إيران في الاعتماد على التصنيع المحلي لمواجهة العقوبات الدولية المفروضة على قطاع التسليح. ويرى مراقبون أن التزامن بين الكشف عن الحالة الصحية للقيادات العسكرية والسياسية وبين استعراض القوة في الخليج يهدف إلى طمأنة الجبهة الداخلية وإرسال إشارات قوة للخارج.

فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 4:02 مساءً - بتوقيت القدس

حرب الاحتلال على الجمعيات الخيرية بالضفة.. خناق اقتصادي يلاحق الفقراء قبيل العيد

تواجه الفئات الأكثر عوزاً في الضفة الغربية واقعاً مريراً مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، جراء تصاعد حملة الاحتلال الإسرائيلي الممنهجة لإغلاق لجان الزكاة والجمعيات الإغاثية. ففي مدينة جنين، وجد مئات المواطنين أنفسهم أمام أبواب موصدة بلحام الأكسجين، بعد أن داهمت قوات الاحتلال مقر لجنة الزكاة المركزية وعاثت فيه خراباً وصادرت وثائقه المالية والإدارية.

هذا الإغلاق لم يكن مجرد إجراء إداري، بل مثل ضربة قاصمة لآلاف العائلات التي تعتمد على اللجنة في تأمين الدواء والغذاء. الشاب ياسر عارف والمسنة 'سعدة' كانا من بين العشرات الذين صدموا بالقرار، حيث كانا يأملان في صرف وصفات طبية لأمراض مزمنة تعجز مديريات الصحة عن توفيرها بسبب أزمة نقص المستلزمات الطبية الحادة التي تضرب الضفة.

وتشير الشهادات الميدانية إلى أن لجنة زكاة جنين كانت تشكل شريان حياة للأسر المتعففة، حيث قدمت في موسم العيد الماضي وحده قرابة 150 ألف دولار كعيديات ومساعدات نقدية. واليوم، تجد هذه الأسر نفسها محرومة من 'كسوة العيد' وطرود اللحوم التي كانت توزع بانتظام، مما يضاعف من وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة.

رئيس اللجنة، سمير السوقي، أكد أن الاحتلال بدد آمال آلاف العائلات دون سابق إنذار أو مبرر قانوني، مشيراً إلى أن اللجنة تعمل منذ أكثر من 40 عاماً في خدمة الأيتام والفقراء. وأوضح أن الاستهداف طال الملفات المالية وبيانات المستفيدين، مما أربك العمل الإغاثي وحرم الأيتام من مخصصاتهم المالية التي كان من المقرر صرفها قبيل العيد.

ولا يقتصر هذا الاستهداف على جنين وحده، بل يمتد ليشمل مدن الضفة كافة؛ فقبل أسابيع أغلقت قوات الاحتلال لجنة زكاة بلدة إذنا في الخليل، وجمعية مديد الخيرية في نابلس. هذه السياسة تهدف، بحسب مراقبين، إلى تجفيف منابع العمل الخيري وترهيب المتبرعين من داخل وفلسطين وخارجها، مما يهدد استمرارية البرامج الإغاثية الدولية.

وفي ظل هذه التضييقات، سجلت معدلات البطالة في الضفة الغربية مستويات قياسية بلغت 27.5% خلال العام الجاري، بينما قفزت نسب الفقر إلى نحو 58%. هذا التدهور المعيشي يتزامن مع ارتفاع جنوني في أسعار الأضاحي، حيث وصل سعر الكيلوغرام من اللحم الحي إلى 50 شيكلاً، مما جعل إحياء شعائر العيد حلماً بعيد المنال للأغلبية الساحقة.

ويرى محللون سياسيون أن استهداف المؤسسات الإغاثية يندرج ضمن مخطط لتفكيك النسيج المجتمعي الفلسطيني وضرب الكينونة المؤسساتية. الاحتلال يسعى من خلال هذه الإجراءات إلى إشغال الفلسطينيين بلقمة عيشهم وصرف أنظارهم عن المشاريع التهويدية المتسارعة في القدس والضفة، عبر دفعهم نحو خط الفقر المدقع.

وبالتوازي مع خنق الضفة، يواصل الاحتلال عدوانه الوحشي على قطاع غزة، حيث أفادت مصادر ميدانية باستشهاد 5 فلسطينيين في قصف مسيرة إسرائيلية استهدف مواطنين شرق مخيم المغازي. الضحايا كانوا يحاولون التصدي لمجموعات مسلحة مدعومة إسرائيلياً حاولت اقتحام منازل المواطنين في المنطقة، مما أدى لوقوع إصابات بليغة وصلت لمستشفى شهداء الأقصى.

وفي خان يونس، لا تزال آلة القتل الإسرائيلية تحصد أرواح الأطفال، حيث استشهدت الطفلة فاطمة عبد الهادي الخطيب (14 عاماً) متأثرة بجراحها جراء قصف خيام النازحين. كما انضمت الطفلة منة الله نبيل أبو لبدة والمواطنة حنان عبد الناصر إلى قائمة الشهداء، في ظل استمرار القصف المدفعي والجوي الذي لا يفرق بين مدني ومنشأة حيوية.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن حصيلة خروقات اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر الماضي بلغت 904 شهداء، فيما تجاوزت الحصيلة الإجمالية للعدوان منذ أكتوبر 2023 حاجز 72 ألف شهيد. هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في ظل صمت دولي وتراجع الاهتمام الإعلامي العالمي بالقضية.

وعلى الصعيد الإنساني في غزة، يفاقم إغلاق المعابر، لا سيما معبر رفح، من معاناة السكان الذين حرموا هذا العام من أداء فريضة الحج. السيطرة الإسرائيلية الصارمة على حركة الأفراد والبضائع حولت القطاع إلى سجن كبير، حيث تمنع المساعدات الطبية والغذائية من الدخول بشكل كافٍ، مما يهدد بانتشار المجاعة والأوبئة.

ورغم الحديث الدولي عن مساعي التهدئة، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى استمرار عمليات الاغتيال الممنهجة واستهداف البنية التحتية. وتقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار ما دمره الاحتلال في غزة بنحو 70 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الدمار الهائل الذي طال كافة مناحي الحياة في القطاع المحاصر.

وفي سياق المحاولات السياسية، تواصل الإدارة الأمريكية الترويج لمشاريع تحت مسمى 'السلام' و'القبة الإبراهيمية'، وهي مشاريع يراها الفلسطينيون محاولة لتصفية قضيتهم. ورغم كل هذه الضغوط الاقتصادية والعسكرية، تظهر الحاضنة الشعبية للمقاومة صموداً لافتاً، مجهضة محاولات الاحتلال لزرع الفتن الداخلية أو كسر إرادة الشعب.

إن إغلاق لجان الزكاة في الضفة الغربية ليس مجرد إجراء أمني، بل هو جزء من حرب شاملة تستهدف الوجود الفلسطيني. فبين مطرقة القصف في غزة وسندان الحصار الاقتصادي في الضفة، يبقى المواطن الفلسطيني متمسكاً بأرضه، رغم حرمان آلاف الأيتام من 'عيدية' العيد وحرمان المرضى من جرعة دواء كانت توفرها جمعية خيرية.

تحليل

الثّلاثاء 26 مايو 2026 4:02 مساءً - بتوقيت القدس

ابن بطوطة.. عبقرية الرحلة وتجليات الهوية الحضارية في اللسان العربي

أعاد الإعلان عن المتوجين بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة لعام 2026 تسليط الضوء على المكانة الرفيعة التي يحتلها هذا الفن الأدبي في الوجدان العربي والعالمي. وتكشف هذه الجائزة عن تجذر ظاهرة الترحال كسمة حضارية ميزت المنطقة المغاربية، حيث برز اسم ابن بطوطة ورفيقه في التدوين ابن جزي كعلمين ساهما في تخليد تفاصيل جغرافية وبشرية معقدة بلسان عربي مبين.

منذ بواكير الفتح الإسلامي للمغرب والأندلس، لم يكن المشروع مجرد تمدد جغرافي، بل كان تحولاً جوهرياً في مفهوم الإنسان وعلاقته بالآخر. فقد أرسى الإسلام رؤية تقوم على المساواة وتفكيك الامتيازات العرقية، مما أدى إلى تقارب فريد بين الأمازيغ والعرب داخل إطار حضاري جامع. هذا الانصهار لم يلغِ الخصوصيات المحلية، بل أعاد صياغتها لتصبح جزءاً من نسيج ثقافي وديني مشترك يتجاوز حدود النسب.

تجلت هذه المرونة الحضارية في الأندلس بشكل أكثر ثراءً، حيث تشكل مجتمع متعدد المكونات يضم المسلمين والمسيحيين واليهود في فضاء واحد. وقد تشابكت في هذا الفضاء اللغات والعادات والمعارف، مما جعل من الاختلاف مصدراً للتكامل لا الصراع. وانعكس هذا الواقع الحي في الأسواق والمساجد والمدارس، حيث تراجعت الحواجز الإثنية لصالح هوية مرنة استوعبت التنوع دون أن تفقد وحدتها.

في ظل هذا المناخ المنفتح، برزت قامات فكرية مثل ابن خلدون الذي أعاد تعريف التاريخ كعلم لفهم حركة المجتمعات، مستفيداً من بيئته المغاربية المتعددة الأعراق. كما جسد الإدريسي هذا التمازج في أعماله الجغرافية التي جمعت بين معارف الشرق والغرب، مقدماً خرائط لم تكن مجرد رسومات، بل تعبيراً عن عالم متداخل لا تفصله الحدود الصارمة، مما جعل الحضارة الإسلامية نموذجاً للتراكم المعرفي العابر للأجناس.

وعلى الرغم من إغفال بعض المستشرقين للبعد الروحي، إلا أن الإسلام مثل قوة عميقة أعادت تشكيل الذائقة الفنية والأدبية للإنسان. فلم تكن الرحلة في هذا السياق مجرد انتقال مكاني، بل كانت بحثاً مستمراً عن المعرفة والمعنى الروحي. هذا الارتباط بين الجمال والتأمل ظهر بوضوح في العمارة والأدب، حيث أصبح الإحساس بالتوازن والتناغم معياراً أساسياً للرقي الإنساني والمعرفي.

لقد لعبت اللغة العربية دوراً محورياً في توحيد هذا التنوع العرقي، إذ تحولت إلى لغة عالمية قادرة على احتضان تجارب شعوب مختلفة من أفريقيا إلى آسيا. وتعد رحلة ابن بطوطة وثيقة تاريخية تعكس هذا الامتداد، حيث ساهمت الكتابة المشتركة مع ابن جزي في تقديم نص يمثل خلاصة التفاعل بين الأصول المتباينة. وبالمثل، تبرز 'ألف ليلة وليلة' كنموذج لامتزاج الحكايات الهندية والفارسية في قالب عربي عالمي.

إن التمازج العرقي تحت ظل الحضارة الإسلامية لم يكن ظاهرة عابرة، بل ركيزة أساسية في بناء إرث إنساني متعدد الأبعاد. لقد سمح هذا التداخل بتطوير الفنون والآداب وحفظ التجارب البشرية من الاندثار عبر التدوين والرحلة. وفي نهاية المطاف، تظل الكتابة مرآة لحضارة جعلت من التنوع قوة ومن الاختلاف إبداعاً، واضعة الإنسان في قلب التاريخ والمعرفة.

تحليل

الثّلاثاء 26 مايو 2026 4:02 مساءً - بتوقيت القدس

أوجلان وأكراد سوريا.. قراءة في جدلية 'الأب الروحي' والإنكار التاريخي

غالباً ما تتستر الشعارات السياسية البراقة خلف وجوه أكثر قتامة، ويبرز هنا اسم عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني، الذي يُنظر إليه كأب روحي لمشروع 'الأمة الديمقراطية'. ومع ذلك، يكشف تفكيك خطابه تجاه أكراد سوريا عن حقيقة صادمة، حيث يظهر كمنكر لوجودهم التاريخي ومستثمر لمعاناتهم في صفقات سياسية معقدة.

تعود جذور هذا الموقف إلى الأسس الفكرية للحزب التي تأسست عام 1978، والقائمة على محاربة التيار الكردي المحافظ والتقليدي. أوجلان سعى لاستبدال النماذج العشائرية والدينية بنموذج يساري علماني، محملاً القيادات التاريخية مثل الشيخ سعيد بيران مسؤولية فشل الحركات الكردية السابقة.

بالنسبة لأوجلان، كان الأكراد السوريون يمثلون عبئاً مزدوجاً، فهم في نظره نتاج موجات لجوء أعقبت فشل انتفاضات كردستان تركيا. هذا التصور جعلهم في عقله مجرد 'لاجئين' يفتقرون للأصالة الجغرافية، مما سهل عليه استخدامهم كوقود لمشروعه الخاص بعيداً عن تطلعاتهم الوطنية المحلية.

تجسدت هذه النظرة الفوقية في حواراته الموثقة بوضوح، حيث أعلن صراحة أن الغالبية الكردية في سوريا نزحت من الشمال التركي هرباً من الاستبداد العثماني. وبذلك، جرد أوجلان هذا المجتمع من صفة 'الأصالة'، محولاً إياهم إلى أقلية طارئة لا تملك حق تقرير المصير في الجغرافيا السورية.

هذا المحو المعرفي لم يكن مجرد تنظير فكري، بل تحول إلى ممارسة سياسية تجلت في التحالف المشبوه مع نظام حافظ الأسد. فقد فتحت دمشق أبوابها لأوجلان في ذروة صراعها مع المعارضة الداخلية في أوائل الثمانينيات، مما يثير تساؤلات حول طبيعة هذه المقايضة.

بينما كان أوجلان يتمتع بالرعاية الأمنية في دمشق ومعسكرات البقاع اللبناني، كان أكراد سوريا يواجهون أبشع أنواع القمع الثقافي والسياسي. فقد منعت الأجهزة الأمنية السورية التحدث باللغة الكردية أو الاحتفال بالأعياد القومية، في مفارقة عجيبة بين حماية الزعيم وسحق أتباعه المفترضين.

لم يكن صمت أوجلان عن انتهاكات النظام السوري مجرد حياد سياسي، بل كان ثمناً مدفوعاً للبقاء آمناً ومحمياً. لقد طوع أيديولوجيته لتخدم رواية النظام، مقدماً غطاءً فكرياً يصادر حق الأكراد السوريين في أي خطاب قومي يهدد وحدة الدولة السورية المركزية.

في كتابه 'مانيفستو الحضارة الديمقراطية'، اعتبر أوجلان الدولة القومية أصلاً للعدوان، وهو ما وفر ذريعة للنظام السوري لتهميش المطالب القومية الكردية. هذه الرؤية حولت الشباب الكرد إلى أدوات في مشروع عابر للحدود، بينما ظل حليفه في دمشق مرتاحاً لغياب التهديد الانفصالي.

لقد عمّد هذا التحالف شقاقاً قومياً مزمناً بين العرب والأكراد في سوريا، وهو إرث مسموم لا تزال البلاد تعاني من تبعاته حتى اليوم. أوجلان لم يكن مجرد مراقب، بل كان شريكاً في هندسة هذا الانقسام الذي انفجر في المنعطفات السياسية الكبرى.

المفارقة العبثية تظهر اليوم في مناطق 'الإدارة الذاتية' بشمال شرق سوريا، حيث تُقدس القوى العسكرية والسياسية هناك شخصية أوجلان. هؤلاء الأتباع يتبنون أفكار رجل أنكر وجودهم التاريخي في تلك الأرض واعتبرهم مجرد جماعات لاجئة طارئة.

إن قصة أوجلان مع أكراد سوريا هي شهادة على خيانة مزدوجة، بدأت بإنكار الهوية وانتهت بالصمت على القمع الممنهج. لقد دفع الأكراد السوريون ثمناً باهظاً من دمائهم وحقوقهم لضمان استمرار نفوذ 'الأب الروحي' في صراعاته الإقليمية.

هذا الإرث من المقايضة الرخيصة بين البعث وحزب العمال الكردستاني ترك جروحاً غائرة في النسيج المجتمعي السوري. فالسياسات التي نُهجت في الثمانينيات والتسعينيات أسست لواقع معقد يصعب تجاوزه دون مواجهة هذه الحقائق التاريخية المرة.

يبقى التساؤل قائماً حول كيفية استمرار تقديس هذه الرموز في ظل الوثائق التي تثبت تلاعبها بالمصير القومي من أجل مكاسب تنظيمية. إن مراجعة هذه الحقبة ضرورية لفهم جذور الصراع الحالي وتفكيك الألغام التي زرعها الحليفان القديمان.

في الختام، يظل التاريخ شاهداً على أن التحالفات المبنية على حساب الشعوب لا تنتج إلا مزيداً من الهوان والتمزق. وأكراد سوريا، الذين كانوا ضحية لإنكار أوجلان وقمع الأسد، لا يزالون يكابدون سموم هذا الإرث الذي كُتب بالدم والصفقات السرية.

فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 4:02 مساءً - بتوقيت القدس

في يوم عرفة.. مئات المستوطنين يقتحمون الأقصى ويؤدون طقوساً تلمودية بحماية مشددة

اقتحم مئات المستوطنين الإسرائيليين باحات المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس المحتلة، صباح اليوم الثلاثاء الذي يصادف يوم عرفة لدى المسلمين. وجرت هذه الاقتحامات تحت حماية مشددة من شرطة الاحتلال التي أمنت مسارات المقتحمين ومنعت المصلين من حرية الحركة داخل المسجد، في خطوة اعتبرتها فعاليات مقدسية استفزازاً لمشاعر العالم الإسلامي في هذه الأيام المباركة.

وأفادت مصادر محلية ومركز معلومات وادي حلوة أن عدد المقتحمين في الفترة الصباحية وحدها وصل إلى 302 مستوطناً، حيث تعمدوا تنظيم جولات استفزازية في المنطقة الشرقية والرواق الغربي. وأظهرت توثيقات ميدانية قيام المجموعات الاستيطانية بأداء صلوات تلمودية بصوت مرتفع قرب باب القطانين، وذلك ضمن احتفالاتهم بما يسمى 'عيد الأسابيع' العبري الذي يتزامن هذا العام مع موسم الحج.

بالتوازي مع الانتهاكات في المسجد الأقصى، صعدت قوات الاحتلال من مضايقاتها بحق السكان المقدسيين، حيث اقتحمت عناصر الشرطة منزل المواطن عبد الحليم الشلودي في حي وادي حلوة ببلدة سلوان. ويواجه الشلودي خطر الإخلاء القسري من منزله لصالح الجمعيات الاستيطانية التي تسعى للسيطرة على العقارات الفلسطينية المحيطة بالبلدة القديمة، ضمن سياسة التهجير الممنهجة التي تنتهجها سلطات الاحتلال.

وكانت مدينة القدس قد شهدت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت البشر والحجر، شملت عمليات هدم لمنشآت فلسطينية وحملة اعتقالات واسعة. كما وزعت الإدارة المدنية التابعة للاحتلال إخطارات بوقف البناء ومصادرة عشرات الدونمات من الأراضي الزراعية في قرى المحافظة، في محاولة لتوسيع الرقعة الاستيطانية وتضييق الخناق على التمدد العمراني الفلسطيني.

وتشير المعطيات الرسمية الصادرة عن محافظة القدس إلى تصاعد وتيرة هذه الاقتحامات بشكل مطرد، حيث سجل شهر أبريل الماضي وحده دخول أكثر من 4100 مستوطن إلى باحات المسجد. وتأتي هذه التطورات في ظل تحذيرات فلسطينية مستمرة من محاولات الاحتلال فرض واقع جديد يهدف إلى التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، مستغلاً الأعياد اليهودية لتكثيف الوجود الاستيطاني داخل الحرم القدسي.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 مايو 2026 3:19 مساءً - بتوقيت القدس

صراع النخب في الإقليم: كيف تُصنع القوة وتُهدر الأوطان؟

تشير التحولات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة والعالم إلى أن معايير القوة التقليدية، المعتمدة على الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي، لم تعد كافية وحدها لتفسير صعود الدول أو أفولها. فالتجارب المعاصرة تبرهن أن النخب السياسية والفكرية هي المحرك الأساسي الذي يحول الموارد الخام إلى مشاريع نفوذ وحضور تاريخي فاعل.

إن جوهر الصراع الإقليمي الدائر اليوم يتجاوز النزاع على الحدود أو الموارد، ليصبح في عمقه صراعاً بين رؤى ونخب تمتلك تصورات استراتيجية واضحة. فالنخبة التي تنجح في بناء المؤسسات وإدارة المعرفة وربط الهوية بالمصالح الوطنية، تستطيع فرض دولتها كلاعب إقليمي مؤثر حتى في ظل محدودية الإمكانات.

تبرز التجربة التركية كنموذج لإعادة تعريف دور الدولة، حيث نجحت النخبة هناك في الموازنة بين الهوية القومية والطموح الجيوسياسي. وقد استثمرت أنقرة بشكل مكثف في الصناعات الدفاعية والتعليم والاقتصاد الإنتاجي، مما منحها قدرة عالية على المناورة في ملفات شائكة تمتد من شرق المتوسط إلى إفريقيا.

في المقابل، تقدم إيران نموذجاً يعتمد على 'الصبر الاستراتيجي' وتراكم النفوذ عبر عقود من الزمن رغم الحصار الخانق. فقد ركزت النخبة الإيرانية على مركزية العقيدة والهوية، وربطت الأمن القومي بالتصنيع العسكري وبناء شبكات نفوذ إقليمية ممتدة، محولةً العقوبات إلى دافع لبناء قوة ذاتية.

أما الاحتلال الإسرائيلي، فقد بنى مشروعه على معادلة التفوق النوعي الدائم في مجالات التكنولوجيا والأمن والبحث العلمي. واستطاعت نخبته بناء شبكات ضغط قوية في مراكز القرار العالمي، رغم ما يواجهه هذا المشروع من أزمات أخلاقية وانقسامات داخلية تهدد استقراره على المدى البعيد.

وفي القارة الإفريقية، استطاعت النخبة الإثيوبية صياغة طموح قومي تمثل في 'سد النهضة' كرمز للسيادة الوطنية. ورغم التحديات العرقية والفقر، نجحت أديس أبابا في توظيف الجغرافيا والمياه لتعزيز حضورها كقوة إقليمية صاعدة في منطقة القرن الإفريقي.

وعلى النقيض من هذه النماذج، يبدو المشهد العربي مثقلاً بالأزمات التي لا تعود لنقص في الموارد، بل لخلل بنيوي في وظيفة النخبة. فالعالم العربي يمتلك كافة مقومات القوة، لكنه يفتقد للنخب القادرة على صهر هذه العناصر في مشروع حضاري واستراتيجي متماسك يواجه التحديات.

لقد سيطر منطق 'إدارة السلطة' على حساب 'بناء الدولة' لدى قطاعات واسعة من النخب العربية، حيث قُدم الولاء على الكفاءة، والبقاء السياسي على التفكير الاستراتيجي. هذا النهج أدى إلى تحويل الدولة في كثير من الأحيان إلى أداة لحماية الأنظمة بدلاً من حماية المجتمعات وتطويرها.

إن غياب المشروع العربي الجامع أدى إلى تآكل الوزن الإقليمي للدول العربية، مما جعلها ساحات مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية. ورغم أثر الاستعمار والتدخلات الخارجية، إلا أن الفشل في إنتاج نخب وطنية مستقلة يظل السبب الأبرز في استمرار حالة الارتهان والضعف.

تؤكد الوقائع أن الدول التي واجهت ظروفاً قاسية استطاعت بفضل نخبها بناء قدر من الحصانة والفاعلية، وهو ما يضع النخب العربية أمام تساؤل مصيري. فالسؤال الحقيقي اليوم ليس عن حجم التحديات الخارجية، بل عن مدى قدرة هذه النخب على إنتاج مشروع نهضوي يتجاوز عقلية إدارة الأزمات.

إن أي نهضة عربية حقيقية لن تنطلق من وفرة النفط أو ضخامة الجيوش، بل من إعادة بناء العقل السياسي العربي وتطوير نخب تؤمن بالمؤسسية. فالمستقبل يتطلب قيادات تربط بين التعليم والأمن القومي، وتعيد الاعتبار للكفاءة والمعرفة كأدوات أساسية في صراع البقاء.

بناء الدولة الحديثة يتطلب التصالح مع الشعوب وإطلاق طاقاتها المعطلة، بدلاً من الاعتماد على الخوف والولاءات الضيقة التي تستهلك الأوطان. فالدول التي تدرك نخبها كيفية إدارة التاريخ والصراع هي الوحيدة التي ستجد لها مكاناً في الخارطة العالمية القادمة.

ختاماً، فإن معركة المستقبل في المنطقة هي معركة وعي ونخب بامتياز، حيث تتفوق المشاريع المنظمة على العشوائية السياسية. وإنتاج نخبة جديدة تمتلك رؤية استراتيجية وتلتزم بالعدالة الاجتماعية هو السبيل الوحيد للخروج من دوامة التبعية والتهميش الإقليمي.

يبقى الرهان على قدرة المجتمعات العربية في إفراز نخب تدرك أن قوة الدولة لا تُقاس بما تملكه من ثروات تحت الأرض، بل بما تمتلكه من عقول فوقها. فالدول التي تصنعها النخب هي التي تبقى، بينما تتبدد الأوطان حين تصبح مجرد غنيمة لنخب تستهلك مقدراتها.

فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 2:47 مساءً - بتوقيت القدس

كتاب فلسطيني جديد يوثق الذاكرة والهوية تحت الاحتلال البريطاني

أعلن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات عن إصدار كتاب جديد بعنوان 'الحياة الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال البريطاني 1917–1948'. ويسلط هذا العمل الضوء على تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، بما يشمل العادات والتقاليد وأنماط العيش التي شكلت الكيان الإنساني المتجذر في الأرض.

يأتي هذا الإصدار في سياق بحثي وتوثيقي يسعى إلى إبراز حضور الإنسان الفلسطيني وذاكرته الجماعية في مواجهة محاولات الطمس والتشويه. ويعيد الكتاب رسم صورة المجتمع الفلسطيني بوصفه نسيجاً حضارياً متكاملاً، بعيداً عن مجرد كونه ساحة للصراعات السياسية والعسكرية فقط.

أعد هذا الكتاب الباحث الفلسطيني الراحل الدكتور فتحي بشير البلعاوي، الذي لم يتسنَّ له رؤية عمله مطبوعاً. فقد استشهد البلعاوي في غارة إسرائيلية استهدفت مدينة دير البلح في تشرين الأول/أكتوبر 2023، مما أضفى صبغة مأساوية ورمزية كبيرة على هذا المنجز المعرفي.

لم تتوقف المأساة عند رحيل المؤلف، بل امتدت لتشمل المؤرخ الدكتور زكريا السنوار، الذي كان من المفترض أن يضع مقدمة الكتاب. وقد استشهد السنوار أيضاً خلال العدوان المتواصل، ليتحول النص من دراسة أكاديمية إلى وثيقة حياة وشهادة حية على التضحيات التي يقدمها المثقف الفلسطيني.

يقع الكتاب في 512 صفحة مقسمة إلى ستة فصول شاملة، تتناول البنية الاجتماعية في القرى والمدن والبادية الفلسطينية. ويركز العمل على الفضاءات المركزية للتواصل الاجتماعي مثل الأسواق والمضافات والمقاهي، التي كانت تشكل عصب الحياة الثقافية والسياسية في ذلك الوقت.

يستعرض الكتاب بدقة متناهية الطقوس الاجتماعية التي تعد مفاتيح لفهم الشخصية الفلسطينية، مثل مراسم الزواج والخطبة والأعراس الشعبية. كما يوثق عادات الولادة والوفاة، بالإضافة إلى دراسة تفصيلية للأزياء التقليدية وما تحمله من رموز جغرافية واجتماعية تعكس تنوع الهوية.

أبرزت الدراسة حضور المرأة الفلسطينية كفاعل أساسي في المجتمع، حيث شاركت بفعالية في النضال والعمل المجتمعي وحفظ الذاكرة. ويسعى الكتاب من خلال هذا التوثيق إلى تصحيح الصور النمطية التي حاولت بعض القراءات الخارجية فرضها على دور المرأة في تلك الحقبة.

يتوسع العمل في رصد الفنون الشعبية الفلسطينية، من أغاني وأهازيج ورقصات شعبية، معتبراً إياها تعبيرات عن روح جماعية صلبة. كما يتناول الأمثال والحكايات التي حافظت على استمرارية الهوية الفلسطينية رغم العواصف السياسية والتحولات الكبرى التي شهدتها البلاد.

أكد الكتاب على الطابع التعددي للنسيج الثقافي الفلسطيني من خلال تسليط الضوء على المواسم الدينية والأعياد الإسلامية والمسيحية. وتظهر هذه الفصول كيف تشكل التعايش والتداخل الحضاري كقاعدة أساسية للمجتمع الفلسطيني عبر العصور التاريخية المختلفة.

على الصعيد الاقتصادي، يقدم الكتاب قراءة معمقة لبنية الإنتاج والمعيشة، متناولاً حياة الفلاحين والعمال والتجار وأنماط الملكية الزراعية. ويوضح كيف أثرت السياسات البريطانية وبدايات المشروع الصهيوني على البنية الاقتصادية الفلسطينية وحاولت خلخلة استقرارها.

اعتمد الدكتور البلعاوي في دراسته على لغة علمية رصينة ومصادر ووثائق تاريخية متعددة، مما يمنح الكتاب قيمة مرجعية للأكاديميين. ورغم دقة البحث، حافظ المؤلف على سلاسة لغوية تجعل المحتوى متاحاً للقارئ العام المهتم بتاريخ بلاده وهويته.

يمثل الكتاب في جوهره فعلاً مضاداً لسياسات المحو التي تستهدف الإنسان الفلسطيني وفضاءه الرمزي والمادي. ففي ظل حرب الإبادة المتواصلة، يكتسب توثيق تفاصيل الحياة اليومية معنى مضاعفاً كأداة من أدوات البقاء والمقاومة المعرفية.

تتجلى أهمية العمل في كونه يعيد تركيب المشهد الفلسطيني كعالم متكامل يتداخل فيه نمط العيش مع التحولات السياسية القسرية. ويظهر المجتمع هنا ككيان ديناميكي لم يكن ساكناً، بل خاض تحولات تاريخية كبرى تحت ضغوط الاستعمار البريطاني.

في الختام، يثبت هذا الإصدار أن فلسطين لا تزال تُكتب وتُروى رغم الجراح العميقة، وأن المعرفة تظل سلاحاً في الميدان. إن توثيق الذاكرة هو شكل من أشكال الدفاع عن الحق الفلسطيني في الاستمرار والوجود داخل الوجدان الإنساني العالمي.

رياضة

الثّلاثاء 26 مايو 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

المكسيك تستضيف المنتخب الإيراني في المونديال بعد رفض أمريكي

أعلنت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم أن بلادها ستفتح أبوابها لاستضافة المنتخب الإيراني لكرة القدم خلال فترة مشاركته في نهائيات كأس العالم 2026. وجاء هذا القرار بعد تقارير أكدت رفض الإدارة الأمريكية استضافة البعثة الإيرانية على أراضيها طوال مدة البطولة، رغم أن القرعة وضعت مباريات إيران في مدن أمريكية.

وكشفت شينباوم في مؤتمر صحفي أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بادر بالتواصل مع الحكومة المكسيكية لتأمين مقر بديل للمنتخب الإيراني. وأوضحت أن الترتيبات الحالية تقضي بإقامة الفريق في المكسيك، على أن يغادرها فقط في أيام مبارياته الرسمية للعب في الولايات المتحدة ثم العودة فوراً إلى مقره المكسيكي.

من جانبه، أكد مهدي تاج، رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم أن مقر إقامة «تيم ملي» سينتقل رسمياً من ولاية أريزونا الأمريكية إلى مدينة تيخوانا المكسيكية الواقعة على الحدود. وتهدف هذه الخطوة، التي حظيت بمباركة الفيفا، إلى تجاوز التعقيدات المتعلقة بتأشيرات الدخول وضمان انسيابية حركة الفريق عبر الخطوط الجوية الإيرانية.

وتأتي هذه التطورات في ظل مناخ سياسي مشحون، حيث سبق للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن صرح في مارس الماضي بأن وجود المنتخب الإيراني داخل الولايات المتحدة قد لا يكون مناسباً. وبرر ترمب هذا الموقف بضرورة الحفاظ على سلامة اللاعبين، رغم ترحيبه بمشاركتهم الرياضية في البطولة العالمية التي تستضيفها ثلاث دول.

وبحسب جدول مباريات المجموعة السابعة، يواجه المنتخب الإيراني تحديات لوجستية كبيرة، حيث سيلعب مواجهتين في مدينة لوس أنجلوس أمام كل من نيوزيلندا في 15 يونيو وبلجيكا في 21 يونيو. ويختتم الفريق دور المجموعات بلقاء مرتقب ضد المنتخب المصري في مدينة سياتل يوم 26 يونيو، مما يتطلب رحلات طيران متكررة بين المكسيك وأمريكا.

ويرى مراقبون أن التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة في فبراير الماضي، إثر ضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت مواقع إيرانية، ألقت بظلال كثيفة على الجانب الرياضي. وقد أثارت تلك الأحداث تساؤلات دولية حول قدرة البعثة الإيرانية على التحرك بحرية وأمان داخل الأراضي الأمريكية خلال الحدث الكروي الأبرز.

وكانت مقترحات قد طفت على السطح في أبريل الماضي تنادي باستبعاد إيران واستبدالها بالمنتخب الإيطالي، إلا أن الاتحاد الدولي لكرة القدم حسم الجدل برفض هذه الفرضية جملة وتفصيلاً. وأكد مسؤولو الفيفا وإيطاليا حينها أن التأهل يُحسم في الميدان، وأن إيران استحقت مقعدها بجدارة رياضية كاملة.

يُذكر أن المنتخب الإيراني نجح في حجز مقعده في المونديال للمرة الرابعة على التوالي، بعد أداء قوي في التصفيات الآسيوية العام الماضي مكنه من تصدر مجموعته. وتطمح الجماهير الإيرانية إلى تحقيق نتائج إيجابية في هذه النسخة رغم الضغوط السياسية واللوجستية التي تحيط بمشاركة فريقهم الوطني.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 26 مايو 2026 2:17 مساءً - بتوقيت القدس

جدل 'الخلايا النائمة' في الجامعات المصرية: نعي الإخوان للدكتور خالد فهمي يثير عاصفة تحريضية

عادت إلى الواجهة في مصر نغمة التحذير من 'الخلايا النائمة' لجماعة الإخوان المسلمين، وذلك في أعقاب نعي أصدره فرع الجماعة الذي يقوده محمود حسين للأكاديمي الراحل الدكتور خالد فهمي. وقد تسبب هذا النعي، الذي وصف الفقيد بأنه من 'أبناء الجماعة'، في انطلاق دعوات تطالب بتطهير الجامعات ممن يوصفون بالعناصر المتخفية التي تتحرك في المجتمع دون إعلان هويتها السياسية.

ويرى مراقبون أن الدكتور خالد فهمي، بصفته أستاذاً للغويات وخبيراً بمجمع اللغة العربية، كان شخصية منفتحة يصعب قولبتها سياسياً ضمن إطار تنظيمي ضيق. فالعلاقات الواسعة التي امتلكها الراحل في الأوساط الأكاديمية والثقافية جعلت من رثائه واجباً اجتماعياً شارك فيه طيف واسع من الشخصيات، بعيداً عن أي حسابات أيديولوجية أو تنظيمية.

إن الأزمة الحالية تكمن في الصياغة المرتبكة لنعي الجماعة، والتي بدت وكأنها محاولة لإثبات الحضور أو توظيف شعبية الفقيد في ظل الانقسامات الداخلية التي تعصف بالتنظيم. هذا التصرف غير المسؤول فتح الباب أمام حملات تحريضية واسعة تستهدف كل من يثبت وجود صلة معرفية أو إنسانية سابقة له مع عناصر محسوبة على التيار الإسلامي.

وبالنظر إلى الواقع الأمني والسياسي، يظهر أن فكرة وجود 'خلايا نائمة' غير معروفة للأجهزة الأمنية هي فرضية تفتقر للدقة، خاصة بعد أحداث عام 2011 التي كانت كاشفة للجميع. فالثورة دفعت معظم المنتمين للتنظيم إلى الكشف عن هوياتهم والمباهاة بانتمائهم، مما جعل قاعدة البيانات الأمنية مكتملة إلى حد كبير بشأن العناصر النشطة أو السابقة.

وتشير التقديرات إلى أن أعداد السجناء من الجماعة تتراوح ما بين 30 إلى 60 ألفاً، بينما غادر آلاف آخرون البلاد، وهو ما يعني أن من تبقى في الداخل يعيشون تحت رقابة دقيقة. إن محاولة تصوير المعارضين السياسيين أو الأكاديميين المستقلين على أنهم 'خلايا نائمة' تندرج غالباً في إطار الدعاية السياسية التي تهدف لتعميم الاتهام وتكميم الأفواه.

لقد كشفت مرحلة ما بعد الثورة أن الكثير من أعضاء الجماعة اعتبروا فترة النشاط السياسي مرحلة استثنائية، وعادوا بعدها لحياتهم الطبيعية بعيداً عن العمل الحركي. هؤلاء الأفراد لا يشكلون تهديداً أمنياً ولا يسعون للصدام، بل إن بعضهم بات يشكك في أهلية القيادات التي انفردت باتخاذ القرارات المصيرية وأدت بالتنظيم إلى مأزقه الحالي.

إن المطالبة بمراجعات فكرية للإخوان تشبه تلك التي قامت بها الجماعة الإسلامية قد لا تكون دقيقة، لأن مشكلة العضو الإخواني تكمن في التنظيم لا في الأفكار. فبمجرد انقطاع الصلة التنظيمية، يعود العضو لممارسة حياته كمواطن عادي لا يختلف سلوكه عن بقية أفراد المجتمع، وهو ما كانت تدركه الدولة المصرية في حقب سابقة.

تاريخياً، تعاملت الدولة مع الشخصيات التي غادرت التنظيم بمرونة، كما حدث في قصة الدكتور عبد العزيز كامل الذي سجن في عهد الملك وعبد الناصر، ثم انتهى به المطاف وزيراً للأوقاف. هذا النموذج يؤكد أن قطع الصلة بالتنظيم كان كافياً في الماضي لدمج الشخصيات الكفؤة في بنية الدولة دون الحاجة لإعلانات توبة مسرحية.

الحملة الإعلامية الحالية تضغط بشكل كبير على عصب الأجهزة الأمنية، وتدفع نحو اتخاذ إجراءات قد تطال أبرياء أو أشخاصاً غادروا العمل السياسي منذ سنوات. ويبدو أن هناك قطاعاً من الإعلاميين يقتات على استمرار 'فزاعة الإخوان' لتبرير وجوده المهني واستمرار الخطاب التحريضي الذي يتبناه منذ سنوات طويلة.

إن غياب الإخوان عن المشهد السياسي بشكل كامل قد يعني فقدان هؤلاء الإعلاميين لوظيفتهم الأساسية، وهي تصوير الجماعة كخطر داهم يهدد العالم بأسره. ومن هنا، جاء بيان فرع الجماعة في الخارج ليقدم خدمة مجانية لهؤلاء المحرضين، عبر الإيحاء بأن التنظيم لا يزال يتغلغل في مفاصل الدولة عبر 'خلايا نائمة' مزعومة.

الواقع يشير إلى أن الاستقرار المجتمعي مقدم على الرغبة في الانتقام السياسي، خاصة تجاه الأفراد غير الحركيين الذين اختاروا العودة لسيرتهم الأولى. فالمبالغة في الملاحقة بناءً على تصنيفات فضفاضة قد تؤدي إلى فتنة داخلية لا تخدم أحداً، وتزيد من حالة الاحتقان في الأوساط الأكاديمية والمهنية.

الدكتور خالد فهمي، سواء كان عضواً سابقاً أو مجرد متعاطف، كان يمثل قيمة علمية كبيرة في مجال فقه اللغة والدراسات العربية، ونعيه من قبل أطراف مختلفة يعكس مكانته العلمية. إن محاولة اختزال مسيرته الأكاديمية في 'بيان نعي' ملتبس هي جناية على العلم وعلى أسرته التي قد تدفع ثمن صراعات سياسية لا ناقة لها فيها ولا جمل.

وفي الختام، يظل التحدي الأكبر أمام الدولة هو التمييز بين العمل التنظيمي المحظور وبين الحق في الوجود المهني والإنساني لمن لا يمارسون أي نشاط سياسي. إن الانجرار وراء دعوات الاستئصال العشوائي قد يدمر ما تبقى من جسور الثقة داخل المجتمع المصري، ويحول المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتصفيات السياسية.

رحم الله الدكتور خالد فهمي، الذي رحل وترك خلفه إرثاً لغوياً كبيراً، وفتنة سياسية لم يكن ليرضاها، تسبب فيها بيان غير مسؤول من جهة، وآلة إعلامية لا تتوقف عن التحريض من جهة أخرى. إن الحفاظ على أمن المجتمع يتطلب حكمة في التعامل مع ملفات الماضي، بعيداً عن لغة 'الخلايا النائمة' التي أكل عليها الدهر وشرب.

تحليل

الثّلاثاء 26 مايو 2026 2:17 مساءً - بتوقيت القدس

مشروع الغنوشي الفكري: مراجعات في قضايا المرأة والديمقراطية والدولة المدنية

يواصل الباحث التونسي عبد العزيز التميمي تسليط الضوء على المشروع الإصلاحي للشيخ راشد الغنوشي، معتبراً إياه مختبراً حياً للأسئلة الكبرى التي واجهت الفكر الإسلامي المعاصر. ويرى التميمي أن تجربة الغنوشي ولدت من رحم الجدل الدائم بين المعاناة الشخصية في السجون والمنافي وبين الوعي السياسي والفكري المتراكم عبر العقود.

في كتابه 'المرأة بين القرآن وواقع المسلمين'، يقدم الغنوشي رؤية مقاصدية تحاول ردم الفجوة بين القيم القرآنية التحررية والممارسات الاجتماعية التي همشت المرأة. ويؤكد أن الأزمة تكمن في التقاليد التاريخية التي أعادت إنتاج أنماط الإقصاء تحت غطاء ديني، بينما منح القرآن المرأة مرتبة الإنسان الكامل المسؤول.

يشدد الغنوشي في أطروحاته على أن المرأة شريك أصيل للرجل في الاستخلاف والعمران، ويرفض اختزال دورها في الإنجاب أو التبعية المطلقة. ويرى أن تحررها مرتبط بالتعليم والمشاركة الاقتصادية والفكرية، منتقداً النظم التقليدية التي حصرت نشاطها في أدوار ضيقة ومنعتها من المساهمة الفاعلة في المجال العام.

يتناول الغنوشي قضية الحجاب كجزء من منظومة أخلاقية تعبر عن الهوية والحياء، لكنه يرفض بشكل قاطع تحويله إلى أداة للإكراه السياسي أو الاجتماعي. ويؤكد أن قيمة التدين تنبع من حرية الاختيار والاقتناع الداخلي، مشيراً إلى أن التاريخ الإسلامي حافل بنماذج نسائية فاعلة في السياسة والعلم والجهاد.

أما في كتابه 'الحريات العامة في الدولة الإسلامية'، فيسعى الغنوشي إلى تفكيك الصورة النمطية للدولة الإسلامية كدولة وصاية، مؤكداً أن الاستبداد انحراف تاريخي. ويعتبر أن الحرية هي جوهر التكليف الديني، إذ لا معنى للإيمان القائم على القهر أو الإكراه السلطوي.

يطرح المشروع الفكري للغنوشي مبدأ الشورى كآلية موازية للديمقراطية الحديثة لمنع تغول السلطة وضمان الرقابة الشعبية. ويرى أن الأمة هي المصدر الحقيقي للشرعية السياسية، وأن الحاكم يستمد سلطته من التعاقد الحر والاختيار الشعبي، بعيداً عن مفاهيم التفويض الإلهي أو القوة العسكرية.

يدافع الغنوشي عن التعددية السياسية والفكرية، معتبراً أن المجتمع لا يمكن إدارته بمنطق الحزب الواحد أو احتكار الحقيقة المطلقة. ويؤكد على حق كافة التيارات، بما فيها غير الإسلامية، في العمل السياسي العلني، انطلاقاً من أن الاختلاف سنة إنسانية وقرآنية يجب احترامها في إطار الدولة.

في سياق الحريات الفردية، يقدم الغنوشي قراءة توازن بين هوية المجتمع وحقوق الأفراد في التعبير والنقد والمعارضة. ويرى أن حرية الصحافة ومنظمات المجتمع المدني هي التجسيد المعاصر لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الضمانة الأساسية ضد عودة الأنظمة الشمولية.

حول قضية المواطنة، يؤكد الغنوشي أن الإسلام أقر مبدأ 'لا إكراه في الدين'، مما يستوجب بناء دولة تحفظ حقوق الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم العقدية. ويدعو إلى تعايش يقوم على الاعتراف المتبادل، ورفض أي تمييز قهري يستند إلى الدين أو الفكر في الحقوق والواجبات الوطنية.

على الصعيد الآخر، يبرز نقد حمادي الرديسي في كتابه 'الإسلام المتردد'، حيث يرى أن الحركات الإسلامية تعيش ارتباكاً بين مرجعيتها الدعوية ومتطلبات الدولة الحديثة. ويعتبر الرديسي أن قبول الإسلاميين بالديمقراطية هو قبول إجرائي وبراغماتي، بينما يظلون مترددين تجاه الأسس الفلسفية للحداثة والسيادة الشعبية.

يرد أنصار مشروع الغنوشي على هذا النقد بالقول إن الجمع بين الإسلام والديمقراطية ليس تردداً، بل هو محاولة لإنتاج نموذج حضاري جديد. ويرون أن المراجعات الفكرية التي بدأت منذ الثمانينات كانت نتاج اجتهاد داخلي عميق، وليست مجرد استجابة ظرفية للضغوط السياسية أو الدولية.

أعلن الغنوشي بوضوح عن ضرورة الفصل المنهجي والتخصصي بين المجالين الدعوي والسياسي، معتبراً أن الدين عنصر مؤسس للهوية والقيم العامة. ويهدف هذا التوجه إلى منع احتكار الدين أو توظيفه في الصراعات الحزبية الضيقة، مع الحفاظ على حق المجتمع في التعبير عن مرجعيته الحضارية.

يربط التميمي بين مسار الغنوشي السياسي وتاريخ تونس المعاصر، مشيراً إلى رمزية اعتقاله في ليلة القدر عام 2023 كاستعارة للصراع المستمر من أجل الحرية. ويرى أن تجربة الغنوشي نقلت الإسلام السياسي من منطق الجماعة المغلقة إلى أفق 'الإسلام الديمقراطي' المنفتح على أسئلة الدولة والتنمية.

في الختام، يظل مشروع الغنوشي جزءاً من المخاض التاريخي للمنطقة العربية في انتقالها نحو الدولة المجتمعية الديمقراطية. وتؤكد القراءة التحليلية أن الأفكار التي تربط الدين بالحرية والهوية بالتعددية لن تختفي بالإجراءات الأمنية، بل ستظل محور النقاش حول مستقبل الاستقرار والكرامة في العالم العربي.

عربي ودولي

الثّلاثاء 26 مايو 2026 2:04 مساءً - بتوقيت القدس

صحيفة دولية: طموحات ترامب لتوسيع 'اتفاقيات أبراهام' تصطدم بالواقع الإقليمي المعقد

أفادت تقارير صحفية دولية بأن التحركات الأمريكية الأخيرة لإعادة إحياء ملف توسيع اتفاقيات أبراهام تواجه تحديات بنيوية عميقة في المشهد السياسي الراهن. وأشارت المصادر إلى أن المقترحات التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتقاطع بشكل مباشر مع كواليس المفاوضات الجارية مع إيران، مما يعكس رغبة واشنطن في إعادة صياغة التحالفات الإقليمية.

وذكرت صحيفة 'التليغراف' أن الطموحات التي أبداها ترامب لضم مجموعة واسعة من الدول العربية والإسلامية إلى مسار التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي تفتقر إلى الواقعية السياسية. واعتبرت الصحيفة أن هذه الرؤية تحاول رسم خريطة جديدة للعلاقات في الشرق الأوسط دون النظر بجدية إلى التعقيدات الميدانية والسياسية القائمة حالياً.

وكان ترامب قد استخدم منصته 'تروث سوشيال' لتوجيه دعوة صريحة للدول المنخرطة في مسارات التهدئة الإقليمية للانضمام إلى الاتفاقيات التي أسست لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. ويرى الرئيس الأمريكي أن أي تفاهمات محتملة مع طهران يجب أن تكون حجر زاوية لمرحلة أوسع من التحالفات التي تضمن دمج إسرائيل في المنطقة بشكل كامل.

وتضمنت قائمة الدول التي طرحها ترامب أسماء وازنة في الثقل السياسي الإقليمي، شملت كلاً من المملكة العربية السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن. بل وذهب الطرح الأمريكي إلى أبعد من ذلك بإدراج إيران نفسها ضمن هذا التصور المستقبلي، واصفاً هذه الخطوة بأنها قد تصبح 'أهم اتفاق في تاريخ الشرق الأوسط'.

وأعادت هذه التصريحات تسليط الضوء على المسار الذي بدأ في الولاية الأولى لترامب، والذي أدى إلى توقيع اتفاقيات مع الإمارات والبحرين، وتبعهما لاحقاً المغرب والسودان. ورغم أن تلك الخطوات مثلت تحولاً في العلاقات الدبلوماسية، إلا أن محاولة تعميمها على دول أخرى تواجه اليوم جداراً من الرفض الشعبي والسياسي.

وتشير المصادر إلى أن الخطاب السياسي المرافق لهذه الدعوات يروج لفكرة أن التطبيع هو جزء لا يتجزأ من تسوية إقليمية شاملة تنهي الصراعات المزمنة. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا الطرح يتجاهل العقبة الجوهرية المتمثلة في استمرار الاحتلال وغياب أي أفق سياسي لحل القضية الفلسطينية بشكل عادل.

وتؤكد المواقف الرسمية لعدد من الدول الرئيسية في المنطقة، وفي مقدمتها السعودية، على ضرورة تحقيق تقدم ملموس وحقيقي نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة. ويشكل هذا الشرط حجر عثرة أمام الطموحات الأمريكية التي تسعى لتجاوز الملف الفلسطيني والقفز مباشرة نحو بناء تحالفات أمنية واقتصادية مع الاحتلال.

وفي ظل استمرار العدوان على قطاع غزة، تزايدت حدة التباين في ردود الفعل الإقليمية تجاه هذه المبادرات، حيث تسود حالة من الغضب الشعبي العارم ضد أي تقارب مع إسرائيل. وترى أطراف عديدة أن الظروف الراهنة لا توفر البيئة المناسبة للحديث عن توسيع الاتفاقيات، بل إنها تضع الاتفاقات القائمة تحت مجهر الاختبار.

ولم تخلُ تصريحات ترامب من لغة التهديد المبطن، حيث أشار إلى أن الدول التي ستختار البقاء خارج هذا المسار قد تجد نفسها مستبعدة من الترتيبات الأمنية والسياسية الكبرى. وأثار هذا التوجه تساؤلات جدية حول طبيعة الضمانات التي يمكن أن تقدمها واشنطن، ومدى قدرتها على فرض إرادتها في ظل تراجع نفوذها النسبي.

ويرى محللون أن الربط بين الملف النووي الإيراني واتفاقيات التطبيع هو محاولة لابتزاز الأطراف الإقليمية ودفعها نحو خيارات صعبة. فبينما تسعى بعض الدول لتعزيز الاستقرار عبر الحوار مع طهران، يحاول الطرح الأمريكي تحويل هذا المسار إلى أداة لشرعنة وجود الاحتلال الإسرائيلي في قلب المنظومة الإقليمية.

إن التحديات الواقعية التي تواجه هذا الطرح تبدو معقدة للغاية، خاصة مع تداخل الملفات الساخنة من غزة إلى جنوب لبنان وصولاً إلى البحر الأحمر. هذه الملفات المفتوحة تجعل من الصعب على أي عاصمة عربية أو إسلامية اتخاذ خطوات تطبيعية جديدة في ظل نزيف الدم الفلسطيني المستمر.

كما أن الموقف التركي والباكستاني يبدو بعيداً كل البعد عن هذه التصورات، نظراً للارتباطات العقائدية والسياسية القوية بالقضية الفلسطينية. وتعتبر هذه الدول أن أي انخراط في مسار أبراهام في الوقت الحالي سيمثل انتحاراً سياسياً أمام شعوبها التي تضع فلسطين في قلب أولوياتها الوطنية.

واختتمت التقارير بالاشارة إلى أن مستقبل أي توسع في هذه الاتفاقيات سيظل مرهوناً بتطورات ميدانية لم تُحسم بعد، وبقدرة الإدارة الأمريكية على تقديم حلول حقيقية للصراعات. وبدون معالجة جذور الأزمة في فلسطين، ستبقى دعوات ترامب مجرد شعارات انتخابية أو طموحات معزولة عن الواقع المعقد للشرق الأوسط.

ويبقى التساؤل القائم حول مدى قدرة المؤسسات الأمريكية على تبني هذا النهج في حال عودة ترامب للسلطة، خاصة مع التغيرات الكبيرة التي طرأت على موازين القوى. فالمنطقة اليوم ليست هي ذاتها التي كانت في عام 2020، والوعي الشعبي والسياسي بات أكثر إدراكاً لتبعات هذه الاتفاقيات على الأمن القومي العربي.