فلسطين

الجمعة 12 يونيو 2026 12:43 مساءً - بتوقيت القدس

سجن وإبعاد وتهم فضفاضة.. كيف يواجه صحفيو القدس حرب الرواية؟

تتحول الكاميرا في أزقة مدينة القدس المحتلة من أداة لنقل الخبر إلى جبهة صراع مفتوحة على الرواية والسيادة، حيث يواجه الصحفيون المقدسيون حملة قمعية تهدف إلى عزل المدينة المقدسة وتغييب الحقائق عما يجري داخل أسوارها. وتأتي هذه الممارسات في ظل تصعيد غير مسبوق يستهدف حرية الحركة والعمل الصحفي، وتحويل المهنة إلى تهمة تستوجب الملاحقة الأمنية والقضائية.

وكشفت معطيات نقابة الصحفيين الفلسطينيين عن أرقام صادمة تعكس حجم الاستهداف، حيث بلغت الانتهاكات المسجلة منذ السابع من أكتوبر 2023 نحو 3983 انتهاكاً. وتوزعت هذه الجرائم تصاعدياً لتصل ذروتها في عامي 2024 و2025، بينما سجل مطلع العام الجاري 2026 وحده نحو 300 انتهاك، مما يشير إلى استمرارية نهج التضييق الممنهج ضد الكوادر الإعلامية.

وفي سابقة قضائية تعكس حدة الملاحقة، أصدرت محاكم الاحتلال حكماً بالسجن الفعلي لمدة 20 شهراً بحق الصحفية المقدسية بيان الجعبة، بعد قضائها نحو عام ونصف في الحبس المنزلي. ويعد هذا الحكم من أطول الأحكام الصادرة بحق صحفيات مقدسيات في الآونة الأخيرة، مما يترك آثاراً اجتماعية وإنسانية بالغة على عائلتها وأطفالها في مخيم شعفاط.

ولم تقتصر الملاحقة على الأحكام القضائية، بل برزت سياسة الإبعاد كأداة رئيسية لتقييد العمل الصحفي، خاصة في المسجد الأقصى والبلدة القديمة. وأفادت مصادر نقابية بتسجيل 14 حالة إبعاد لصحفيين منذ بداية العام الجاري، كان من أبرزهم الصحفي سيف القواسمي، في محاولة لفرض تعتيم إعلامي كامل على الأحداث الميدانية والمناسبات الدينية.

وعلى الصعيد الرقمي، بات الفضاء الإلكتروني ساحة أخرى للمطاردة، حيث تخضع حسابات الصحفيين لمراقبة دائمة وتهم جاهزة بـ 'التحريض'. وأشار مركز 'صدى سوشال' إلى أن نحو 29% من الانتهاكات الرقمية الموثقة استهدفت الصحفيين بشكل مباشر، وشملت حذف الحسابات وتقييد الوصول إلى المحتوى الفلسطيني، بالإضافة إلى مئات المحاولات لاختراق الصفحات الشخصية.

وفي تطور خطير، أصدر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في أبريل 2026 أمراً عسكرياً يصنف خمس منصات إعلامية فلسطينية كـ 'منظمات إرهابية'. وتزعم سلطات الاحتلال ارتباط هذه المؤسسات بجهات مقاومة، وهي ذريعة تُستخدم لتشريع إغلاق المكاتب الصحفية ومصادرة المعدات وتجريم العاملين فيها تحت غطاء قانوني.

من جانبه، أكد بلال كسواني، رئيس لجنة القدس في نقابة الصحفيين أن عام 2023 وما تبعه يمثل الحقبة الأكثر عنفاً في تاريخ الصحافة المقدسية. وأوضح أن سلطات الاحتلال ترفض الاعتراف بالبطاقات الصحفية الفلسطينية، وتتعمد استهداف الطواقم خلال المناسبات الدينية، كما حدث في شهر رمضان الأخير من تضييق واسع على التغطية الإعلامية.

ويروي الصحفي سيف القواسمي تجربته مع الملاحقة المستمرة منذ عام 2018، مؤكداً تعرضه لـ 12 استدعاءً للتحقيق وحملات تحريض من قبل المستوطنين. وأشار القواسمي إلى أن وتيرة هذه الملاحقات تصاعدت بشكل حاد بعد الحرب على غزة، حيث تم التوسع في استخدام قوانين الطوارئ والاعتقال الإداري لترهيب الإعلاميين وثنيهم عن التغطية الميدانية.

وتطال هذه الضغوط أيضاً مصادر المعلومات، حيث بات المواطنون المقدسيون يخشون الحديث لوسائل الإعلام خوفاً من الملاحقة الأمنية أو المساس بمصالحهم المعيشية. هذا الواقع خلق تحدياً كبيراً أمام الصحفيين في الحصول على الشهادات الميدانية، مما يدفع المؤسسات الإعلامية لبذل جهود مضاعفة لتوثيق الانتهاكات اليومية في المدينة.

وفي سياق استهداف المؤسسات الدينية، أوضح فراس دبس، المسؤول السابق في الأوقاف الإسلامية أن القيود طالت حتى موظفي الإعلام داخل المسجد الأقصى. وذكر دبس أنه تعرض للإبعاد عن المسجد نحو 10 مرات منذ عام 2015، كان آخرها أمراً بالإبعاد لمدة ستة أشهر بتهمة التحريض، وهي تهمة تُستخدم بشكل فضفاض ضد كل من يوثق الاعتداءات.

وتشير الشهادات الميدانية إلى أن عمليات التحقيق غالباً ما تتضمن مصادرة الهواتف المحمولة والكاميرات والمعدات المهنية، والتي نادراً ما يتم استعادتها. ويهدف هذا الإجراء إلى استنزاف الصحفيين مادياً وتقنياً، وتعطيل قدرتهم على مواكبة الأحداث المتسارعة في القدس والمسجد الأقصى بشكل خاص.

ورغم هذه البيئة العدائية، يؤكد الصحفيون المقدسيون تمسكهم برسالتهم المهنية وضرورة الحفاظ على حضور الرواية الفلسطينية في المحافل الدولية. ويرى هؤلاء أن محاولات الترهيب والاعتقال لن تنجح في طمس الحقائق، بل تزيد من إصرارهم على توثيق ما يصفونها بـ 'جرائم التهويد' والاعتداءات المستمرة على المقدسات.

وتأتي هذه التطورات في وقت شهدت فيه الساحة الفلسطينية استشهاد 204 صحفيين خلال الحرب المستمرة على قطاع غزة، مما يضع الصحافة الفلسطينية أمام أكبر تحدٍ وجودي في تاريخها. وتطالب النقابات المهنية والمؤسسات الحقوقية بضرورة توفير حماية دولية للصحفيين وضمان حرية العمل الإعلامي في الأراضي المحتلة.

إن ما يحدث في القدس اليوم هو محاولة لإعادة صياغة الواقع الجغرافي والديموغرافي بعيداً عن أعين الكاميرات، من خلال تحويل العمل الصحفي إلى مغامرة محفوفة بالاعتقال أو الإبعاد. ومع ذلك، تظل الكلمة والصورة السلاح الوحيد المتبقي للمقدسيين في مواجهة آلة القمع التي تسعى لفرض الصمت على المدينة المقدسة.

دلالات

شارك برأيك

سجن وإبعاد وتهم فضفاضة.. كيف يواجه صحفيو القدس حرب الرواية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.