اسرائيليات

الثّلاثاء 05 مايو 2026 1:38 مساءً - بتوقيت القدس

تحركات لتشكيل تحالف بين ليبرمان وآيزنكوت للإطاحة بحكومة نتنياهو

تشهد الساحة السياسية في إسرائيل تحركات متسارعة تهدف إلى إعادة ترتيب أوراق المعارضة، حيث كشفت مصادر مطلعة عن وجود مباحثات جدية بين رئيس حزب 'إسرائيل بيتنا' أفيغدور ليبرمان، وعضو الكنيست غادي آيزنكوت. وتأتي هذه التحركات في ظل السعي المستمر لإيجاد صيغة سياسية قادرة على إنهاء حكم بنيامين نتنياهو وتفكيك ائتلافه الحالي.

وأفادت مصادر بأن هذه الاتصالات برزت بشكل أوضح عقب الإعلان عن التحالف بين نفتالي بينيت ويائير لابيد، وهو ما فتح آفاقاً جديدة لآيزنكوت لاستكشاف خيارات بديلة. ويبدو أن التقارب بين ليبرمان وآيزنكوت يهدف إلى سد الثغرات في 'كتلة التغيير' ومنع تشتت الأصوات في الانتخابات المقررة في أكتوبر المقبل.

وعلى الرغم من أن المباحثات لا تزال في مراحلها الأولية، إلا أن الرسائل المتبادلة بين الطرفين تشير إلى رغبة مشتركة في توحيد القوائم قبل إغلاق باب الترشح. ولم تتطرق النقاشات الحالية بشكل تفصيلي إلى مسألة القيادة ومن سيترأس القائمة الموحدة، بانتظار نضوج التفاهمات الأساسية.

ويضع أفيغدور ليبرمان شرطاً أساسياً لإتمام هذا التحالف، يتمثل في ضمان أن تؤدي هذه الخطوة إلى زيادة قوة المعارضة بمقعدين على الأقل في الكنيست. ويرفض ليبرمان فكرة الاندماج لمجرد الاندماج إذا كان ذلك سيؤدي إلى تآكل قوة الأحزاب المنضوية تحت لواء الكتلة الجديدة.

وتشير التقارير إلى أن الهدف الاستراتيجي لهذا التحرك هو الوصول إلى 'الرقم الذهبي' المتمثل في 61 مقعداً، وهو الحد الأدنى المطلوب لتشكيل حكومة صهيونية بديلة. ويرى القائمون على هذه المبادرة أن إزاحة نتنياهو تتطلب ائتلافاً قوياً ومتماسكاً يتجاوز الخلافات الشخصية الضيقة.

في المقابل، يعيش غادي آيزنكوت حالة من التردد بشأن مستقبله السياسي، حيث يوازن بين خيار الترشح ضمن قائمة مستقلة أو الانضمام إلى تحالف قائم. وتلعب استطلاعات الرأي دوراً حاسماً في توجهات آيزنكوت، الذي يسعى لضمان أكبر تأثير ممكن في الخارطة السياسية القادمة.

وكشفت مصادر مقربة من الطرفين عن وجود حالة من الاستياء تجاه الطريقة التي أدار بها بينيت ولابيد تحالفهما الأخير بعيداً عن بقية شركاء المعارضة. هذا الشعور بخيبة الأمل دفع ليبرمان وآيزنكوت للتفكير بشكل أكثر جدية في تنسيق خطواتهما بشكل منفصل لتعزيز موقفهما التفاوضي.

ويرى مراقبون أن تحالف ليبرمان وآيزنكوت قد يغير موازين القوى داخل معسكر المعارضة نفسه، خاصة مع طموح ليبرمان المعلن لتولي منصب رئيس الوزراء. وتطرح هذه الطموحات تساؤلات حول مدى قدرة الأطراف المختلفة على التنازل عن الأنا السياسية لصالح الهدف المشترك.

ومن المتوقع أن يعقد اجتماع حاسم بين ليبرمان وآيزنكوت خلال الأسبوع الجاري لوضع النقاط على الحروف بشأن إمكانية العمل المشترك. وسيركز الاجتماع على دراسة الجدوى الانتخابية للتحالف ومدى قدرته على جذب شرائح جديدة من الناخبين المحبطين من الأداء الحكومي.

وتشير المصادر إلى أن آيزنكوت لا يستبعد أي سيناريو، بما في ذلك العمل تحت قيادة شخصيات أخرى مثل بيني غانتس، إذا كان ذلك يخدم مصلحة الكتلة. ومع ذلك، فإن التنسيق مع ليبرمان يظل الخيار الأكثر إثارة للجدل نظراً للاختلافات الأيديولوجية في بعض الملفات الداخلية.

إن السلوك السياسي لبينيت ولابيد وصفه مقربون من آيزنكوت بأنه 'مخيب للآمال'، حيث كانا يتوقعان انضمامه الفوري لهما دون نقاش حقيقي حول الشروط. هذا التوتر الصامت داخل معسكر التغيير قد يؤدي إلى انقسام الكتلة إلى قطبين متنافسين بدلاً من جبهة واحدة موحدة.

ويبقى السؤال الأهم في الشارع الإسرائيلي حول مدى صمود هذه التحالفات أمام اختبار الزمن والمصالح الحزبية الضيقة مع اقتراب موعد الانتخابات. فالتجارب السابقة أثبتت أن التحالفات التي تُبنى فقط على أساس 'إسقاط شخص' غالباً ما تواجه صعوبات في الاستمرار بعد تحقيق الهدف.

الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد شكل الخارطة الحزبية، حيث ستظهر نتائج استطلاعات الرأي المعمقة مدى تقبل الجمهور لتحالف يجمع بين يمين ليبرمان ووسطية آيزنكوت. وإذا ما ثبتت جدوى هذه الخطوة رقمياً، فإن الإعلان الرسمي عن الكتلة الجديدة قد لا يتأخر كثيراً.

ختاماً، يظل نتنياهو يراقب هذه التحركات عن كثب، مدركاً أن أي توحد في صفوف خصومه يمثل تهديداً مباشراً لاستقرار حكومته. وفي ظل هذه التعقيدات، تبدو السياسة الإسرائيلية مقبلة على صيف ساخن من التحالفات والانشقاقات التي ستحدد وجهة البلاد للسنوات القادمة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 05 مايو 2026 1:38 مساءً - بتوقيت القدس

مجزرة التضامن السورية: بين مطرقة المحاسبة وسندان خطاب التطبيع مع الجريمة

شهدت الساعات الأولى من صباح الرابع والعشرين من نيسان 2026 تطوراً قضائياً بارزاً، حيث أعلنت وزارة الداخلية السورية إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الأول في ارتكاب مجزرة حي التضامن الشهيرة. وتأتي هذه الخطوة بعد سنوات طويلة من توثيق الجريمة عبر مقاطع فيديو أظهرت إعدام مدنيين عزل وإحراق جثثهم في حفر جماعية.

رغم الإعلان الرسمي عن القبض على الجاني، برزت في الفضاء الرقمي أصوات تحاول تبرير هذه الفظائع تحت ذريعة 'الدفاع عن الدولة'. وادعى مروجو هذا الخطاب أن أفعال يوسف جاءت في سياق الحرب، مما يكشف عن ظاهرة خطيرة تتمثل في محاولة التطبيع مع المجازر وشرعنتها سياسياً.

تستند بعض محاولات التبرير إلى حجج واهية، منها الزعم بأن القتلة ينتمون لخلفيات طائفية متنوعة، في محاولة لنفي صبغة الاستهداف الممنهج عن الجريمة. وكأن اشتراك أطراف مختلفة في القتل يسقط عن الواقعة صفتها كمجزرة وحشية استهدفت الأبرياء دون تمييز.

تعود جذور هذه المأساة إلى نيسان 2013، حين شهد شارع نسرين في حي التضامن جنوب دمشق إعدامات ميدانية بشعة نفذها عناصر من المخابرات العسكرية. وقد ظلت هذه الجريمة طي الكتمان لسنوات، حتى فجرتها مصادر صحفية دولية في عام 2022 بنشر فيديوهات مسربة وثقت اللحظات الأخيرة للضحايا.

أظهرت المقاطع المسربة أساليب سادية في القتل، حيث كان يتم إيهام الضحايا المعصوبي الأعين بوجود قناص يترصدهم ويُطلب منهم الركض للنجاة. وبمجرد بدئهم بالركض، كان الرصاص ينهمر عليهم ليسقطوا في حفرة أُعدت مسبقاً، ثم تُضرم فيها النيران لإخفاء معالم الجريمة.

في اعترافاته الأولية، حاول أمجد يوسف حصر المسؤولية في شخصه، مدعياً أنه تصرف بقرار فردي دون أوامر من القيادة العليا. وزعم أن إحراق الجثث كان يهدف فقط لمنع انبعاث الروائح الكريهة، وهي حجة تهاوت أمام حجم الأدلة التي تشير إلى عمل مؤسساتي ممنهج.

كشفت تقارير أمنية سابقة في شباط 2025 عن تورط شبكة أوسع في هذه الجرائم، حيث تم اعتقال ثلاثة آخرين اعترفوا بتصفية أكثر من 500 مدني. هذه الأرقام الصادمة تؤكد أن ما حدث في التضامن لم يكن مجرد تصرف فردي طائش، بل كان جزءاً من آلة قتل منظمة.

يتجلى التطبيع مع المجزرة في محاولة اختزال الجريمة الكبرى إلى فعل فردي بسيط، مما يفتح الباب أمام التساؤل عن مفهوم 'الواجب العسكري'. فمن الخطورة بمكان تحويل إعدام المدنيين إلى جزء من المهام الوظيفية التي يُكافأ عليها الجندي بدلاً من محاسبته.

إن إضفاء شرعية الدولة على مثل هذه الجرائم يمثل احتيالاً سياسياً يهدف لدمج مفهوم النظام بكيان الدولة الشامل. هذا التوجه يحول الضحية تلقائياً إلى عدو مفترض، ويجعل من المجزرة مجرد 'عملية أمنية' ضرورية للحفاظ على الاستقرار المزعوم.

يمتد خطر خطاب التبرير إلى ما بعد اللحظة السياسية الراهنة، حيث يراهن المدافعون عن القتلة على عامل الزمن لغسل الدماء من الذاكرة الجمعية. ويهدف هذا المسعى إلى تحويل المحاسبة القانونية إلى مجرد 'تصفية حسابات سياسية' لإفراغ العدالة من مضمونها الأخلاقي.

يمكن استحضار مفهوم 'تفاهة الشر' الذي صاغته حنة أرندت لتفسير سلوك أمجد يوسف وشركائه في حي التضامن. فقد نفذ هؤلاء عمليات الإعدام والحرق بروتين قاتل، وكأنهم موظفون يؤدون مهاماً مكتبية روتينية دون أي وازع أخلاقي أو تفكير نقدي.

إن غياب التفكير النقدي والخضوع المطلق للأوامر هو ما سمح لهؤلاء القتلة بتبرير إحراق البشر بمنطق 'النظافة العامة'. هذا الفراغ الأخلاقي هو الجوهر الحقيقي للشر الذي يجعل من المجرم أداة صماء في يد منظومة القمع دون شعور بالذنب.

تعتبر معركة الذاكرة هي الحصن الأخير ضد محاولات التطبيع مع الجرائم الكبرى في التاريخ السوري الحديث. فإصرار أهالي الضحايا والناشطين على توثيق الحقائق هو ما يمنع تحويل المجزرة إلى مجرد حادثة عابرة يمكن تجاوزها مع مرور الوقت.

في الختام، يظل الخيار أمام المجتمع السوري والدولي واضحاً بين العدالة الناجزة أو القبول بالإفلات من العقاب. فمجزرة التضامن ليست مجرد ذكرى أليمة، بل هي اختبار حقيقي للقدرة على حماية الحياة الإنسانية من تغول خطاب التبرير والنسيان.

فلسطين

الثّلاثاء 05 مايو 2026 1:38 مساءً - بتوقيت القدس

توسع عسكري غير مسبوق.. إسرائيل تعيد رسم 'حدودها الأمنية' في ثلاث دول عربية

كشفت تقارير صحفية دولية عن توسع عسكري إسرائيلي غير مسبوق منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث بسط الاحتلال سيطرته على مساحات شاسعة تصل إلى 530 ميلاً مربعاً خارج حدوده المعترف بها. وتأتي هذه التحركات في إطار استراتيجية تهدف إلى إنشاء 'مناطق عازلة' متقدمة داخل أراضي قطاع غزة ولبنان وسوريا، لضمان ما تصفه تل أبيب بالأمن الوقائي.

وأفادت مصادر إعلامية بأن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تعد تقتصر على التوغل المؤقت، بل تحولت إلى فرض واقع جغرافي جديد عبر السيطرة على شريط أرضي متصل في جنوب لبنان يمتد لمسافة 130 ميلاً. ويبدأ هذا الحزام الأمني من ساحل البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى الجانب السوري من جبل الشيخ، مشكلاً خط دفاع أمامي يهدف لعزل التهديدات الصاروخية.

وفي الجبهة الشمالية، استغلت القوات الإسرائيلية حالة عدم الاستقرار في سوريا عقب انهيار النظام السابق في ديسمبر 2024 لتعزيز تواجدها الميداني. وبررت سلطات الاحتلال هذا التوغل بوجود خلل في الالتزامات الأمنية على الحدود، رغم تأكيدات القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع على الرغبة في السلام مع اشتراط الانسحاب الإسرائيلي الكامل.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال بات يسيطر حالياً على نحو ثلثي مساحة قطاع غزة، مع تركيز الكتلة السكانية الفلسطينية في مناطق حضرية ضيقة بجهة الغرب. هذا التغيير الديموغرافي والجغرافي يتزامن مع تدمير واسع للبنية التحتية، مما يجعل العودة إلى حدود ما قبل الحرب أمراً معقداً في ظل الشروط الإسرائيلية الحالية.

ووصف وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، العمليات الجارية في القرى اللبنانية الواقعة جنوب نهر الليطاني بأنها 'استنساخ لغزة'، في إشارة واضحة إلى استخدام سياسة الأرض المحروقة والجرافات العسكرية لتغيير معالم المنطقة. وتهدف هذه السياسة إلى جعل المناطق الحدودية 'معقمة' أمنياً وخالية من أي تواجد عسكري للفصائل المسلحة.

من جانبه، أوضح الخبير الأمني كوبي مايكل أن سياسة المناطق العازلة لم تعد مجرد خيار تكتيكي، بل أصبحت استراتيجية أمنية عليا لإبعاد التهديدات عن العمق الإسرائيلي. وأضاف أن الهدف هو السيطرة المباشرة على البيئة المحيطة ومنع أي جماعات مسلحة من إعادة التموضع قرب الحدود، خاصة بعد فشل نظرية الردع التقليدي.

وفي سياق متصل، تبرز مخاوف دولية من أن تكون هذه التحركات العسكرية غطاءً لأجندات أيديولوجية تتبناها أطراف في الحكومة الإسرائيلية، مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش. حيث يدفع هؤلاء باتجاه مفهوم 'إسرائيل الكبرى' الذي يتجاوز الحدود الحالية ليشمل أجزاءً من دول الجوار، وهو ما يثير قلقاً من صراع إقليمي طويل الأمد.

وتؤكد مصادر مطلعة أن إسرائيل تضع شرطاً تعجيزياً للانسحاب من هذه المناطق، وهو النزع الكامل لسلاح حزب الله وحركة حماس، وهو أمر يراه المراقبون بعيد المنال في المدى المنظور. هذا التعنت يبقي المناطق العازلة في حالة عسكرية مفتوحة، ويحولها إلى نقاط احتلال دائم تحت مسميات أمنية.

وعلى الصعيد الإنساني، تسببت هذه السياسة في نزوح جماعي هائل، حيث تقدر الأمم المتحدة عدد النازحين في لبنان بنحو 1.3 مليون شخص تركوا قراهم الحدودية. وفي غزة، يعيش نحو مليوني فلسطيني في ظروف قاسية داخل مربعات أمنية ضيقة، وسط سيطرة إسرائيلية محكمة على الممرات الاستراتيجية والحدود.

وفي سوريا، شملت المناطق التي دخلها الجيش الإسرائيلي تجمعات سكانية متنوعة، حيث تحاول تل أبيب اللعب على الوتر الطائفي عبر ادعاء حماية بعض الأقليات. ومع ذلك، يظل الموقف السوري الرسمي متمسكاً بضرورة استعادة السيادة الوطنية، معتبراً التواجد الإسرائيلي خرقاً صريحاً للقوانين الدولية.

ويرى المحلل ناثان براون أن التفكير الأمني الإسرائيلي شهد تحولاً جذرياً بعد صدمة أكتوبر، حيث انتقل من العمليات الاستباقية إلى السيطرة المباشرة على الأرض. وأشار إلى أن ما كان يُعتبر في البداية رد فعل مؤقت، أصبح الآن جزءاً أصيلاً من بنية القرار الأمني والعسكري في إسرائيل.

ورغم وجود انقسام داخل المجتمع الإسرائيلي بين الرؤية الأمنية البحتة والتوجهات الاستيطانية، إلا أن المؤسسة العسكرية لا تزال هي المحرك الرئيسي للقرار. وتركز هذه المؤسسة على فرض واقع ميداني يصعب التراجع عنه في أي مفاوضات مستقبلية، مما يكرس احتلالاً جديداً بملامح القرن الحادي والعشرين.

إن الجدل حول هذه المناطق العازلة يتجاوز البعد العسكري ليصل إلى أبعاد ديموغرافية وسياسية تهدف لإعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط. فالتدمير الممنهج للقرى والبلدات الحدودية يوحي برغبة في منع عودة السكان الأصليين، مما يمهد الطريق لسيطرة طويلة الأمد قد تمتد لعقود.

ختاماً، تظل المبادرات الدولية لإعادة الإعمار أو التوصل لاتفاقات سلام تصطدم بالواقع المعقد الذي فرضه الاحتلال على الأرض في ثلاث دول عربية. ومع استمرار العمليات العسكرية، يبدو أن مفهوم 'الحدود الأمنية' الإسرائيلية بات مرناً وقابلاً للتوسع في أي لحظة تحت ذريعة الضرورة الاستراتيجية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 05 مايو 2026 12:23 مساءً - بتوقيت القدس

تقييمات استخباراتية: الضربات العسكرية لم تحقق اختراقاً حاسماً في تعطيل نووي إيران

أفادت مصادر مطلعة بأن تقييمات أجهزة الاستخبارات الأمريكية تشير إلى أن الجدول الزمني الذي تحتاجه إيران لتطوير سلاح نووي لم يطرأ عليه تغيير جوهري منذ الصيف الماضي. ويأتي هذا التقييم رغم الهجمات الجوية الواسعة التي شنتها القوات الأمريكية والإسرائيلية، والتي كان يُعتقد أنها أدت إلى تأخير البرنامج النووي الإيراني لمدة تصل إلى عام كامل.

وذكرت المصادر أن التقديرات الخاصة بقدرات طهران النووية ظلت مستقرة إلى حد كبير، حتى بعد مرور شهرين على العمليات العسكرية التي أطلقتها إدارة الرئيس دونالد ترمب. ويعكس هذا الثبات في الإطار الزمني تحدياً كبيراً أمام الأهداف المعلنة للحرب، والتي كان على رأسها منع الجمهورية الإسلامية من امتلاك القنبلة النووية بشكل نهائي.

ويرى محللون أن إحداث تعطيل حقيقي ومستدام في البرنامج النووي الإيراني يتطلب ما هو أكثر من القصف الجوي، إذ يستلزم الأمر تدمير أو إزالة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب بالكامل. وأوضحت التقارير أن هذا الهدف لم يتحقق حتى الآن، مما يترك البنية التحتية المعرفية والمادية للبرنامج قادرة على التعافي والعمل ضمن أطر زمنية متقاربة.

وكانت وكالات الاستخبارات قد قدرت، قبيل اندلاع المواجهة العسكرية في يونيو 2025 أن إيران قادرة على إنتاج يورانيوم كافٍ لصنع قنبلة واحدة خلال فترة تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر. ومع استهداف منشآت حيوية مثل نطنز وفوردو وأصفهان، تمدد هذا الجدول الزمني ليصبح ما بين تسعة أشهر وسنة، وهو تأخير يوصف بأنه 'محدود' مقارنة بحجم الهجمات.

وفي سياق متصل، أعربت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن قلقها إزاء عدم قدرتها على تحديد موقع نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. وترجح التقديرات الدولية أن هذه الكميات قد جرى نقلها وتخزينها في منشآت حصينة تحت الأرض في منطقة أصفهان، وذلك منذ تعليق عمليات التفتيش الدولية التي كانت متبعة سابقاً.

وتشير بيانات الوكالة الدولية إلى أن المخزون الإيراني الحالي من اليورانيوم عالي التخصيب قد يكون كافياً لإنتاج نحو عشر قنابل نووية في حال اتخاذ قرار برفع مستويات التخصيب إلى درجات الأسلحة. هذا المخزون يمثل العقبة الأكبر أمام الجهود الدولية الرامية لتحجيم الطموحات النووية الإيرانية عبر الوسائل العسكرية التقليدية فقط.

من جانبها، صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، أوليفيا ويلز، بأن العمليات العسكرية الأخيرة نجحت في تدمير أجزاء واسعة من المنشآت النووية الإيرانية. وأكدت ويلز أن إدارة ترمب لا تزال ملتزمة بمنع طهران من امتلاك أي سلاح نووي، مشددة على أن الضغط العسكري سيستمر حتى تحقيق كافة الأهداف الاستراتيجية المرسومة.

وعلى صعيد الأهداف العسكرية، أوضح مسؤولون أمريكيون، من بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس أن الحرب استهدفت بشكل مباشر إنهاء التهديد النووي الإيراني. إلا أن التباين في النتائج يعود إلى تركيز الضربات الإسرائيلية على المواقع النووية، بينما انصبت الهجمات الأمريكية على تدمير القدرات العسكرية التقليدية والبنية التحتية للصناعات الدفاعية.

وفي تحليل للموقف، قال إريك بروير، المحلل السابق في الاستخبارات الأمريكية إن إيران لا تزال تحتفظ بالمواد النووية الأساسية رغم القصف. وأضاف بروير أن طهران نجحت على ما يبدو في توزيع مخزونها على مواقع عميقة وشديدة التحصين يصعب الوصول إليها عبر الضربات الجوية التقليدية، مما يمنحها قدرة على الصمود والمناورة.

وتشير تقارير إلى أن مسؤولين في واشنطن ناقشوا خيارات أكثر تصعيداً للتعامل مع هذا الملف، بما في ذلك إمكانية تنفيذ عمليات برية خاصة. وتهدف هذه العمليات المقترحة إلى استعادة أو تدمير مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب الموجودة في المنشآت الموجودة تحت الأرض، وتحديداً في المجمعات المحصنة بمدينة أصفهان.

من جهة أخرى، تواصل إيران نفيها القاطع للسعي نحو امتلاك أسلحة فتاكة، مؤكدة أن برنامجها مخصص للأغراض السلمية فقط. وتستند طهران في دفاعها إلى تقارير سابقة أشارت إلى توقف برنامج تطوير الرؤوس الحربية منذ عام 2003، رغم استمرار الشكوك الغربية حول احتفاظها بملفات وعناصر تقنية من ذلك البرنامج.

وختاماً، يرى خبراء دوليون مثل ديفيد أولبرايت أن عمليات اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين قد تترك أثراً أعمق من القصف الجوي على المدى الطويل. وأوضح أولبرايت أن فقدان الخبرات البشرية الفنية يزيد من حالة عدم اليقين بشأن قدرة طهران على تجميع سلاح نووي فعال، مؤكداً أن 'المعرفة لا تموت' ولكن القدرة على تنفيذها تتأثر بشدة.

فلسطين

الثّلاثاء 05 مايو 2026 11:53 صباحًا - بتوقيت القدس

ألبانيزي تطلق كتابها 'عندما ينام العالم' في أثينا وتتهم الاحتلال باستغلال مخاوف اليونان

شهدت العاصمة اليونانية أثينا فعالية ثقافية وسياسية بارزة لإطلاق الكتاب الجديد للمقررة الأممية الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي. يحمل الكتاب عنوان 'عندما ينام العالم – قصص وكلمات وجراح فلسطين'، ويسعى إلى تسليط الضوء على الواقع المعيشي للفلسطينيين بعيداً عن الروايات التي تهمش معاناتهم الإنسانية.

وخلال كلمتها في الحفل، وجهت ألبانيزي انتقادات حادة لسياسات الاحتلال، مشيرة إلى أن تل أبيب تسعى لاستغلال هواجس اليونان الأمنية لتعزيز مصالحها الخاصة في المنطقة. وأكدت أن كتابها يضم عشر حكايات واقعية تمنح الفلسطينيين صوتاً وملامح إنسانية واضحة في مواجهة آلة الحرب التي تحاول طمس هويتهم وحقوقهم الأساسية.

ويركز العمل الأدبي والتوثيقي الجديد على ثلاثة محاور جوهرية، تبدأ من التأكيد على إنسانية الشعب الفلسطيني وحقه الأصيل في الكرامة والمساواة. كما يشدد الكتاب على ضرورة تفعيل آليات المحاسبة الدولية ضد قادة الاحتلال الإسرائيلي المتورطين في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، مع المطالبة بعدالة غير انتقائية للضحايا.

وتستعرض ألبانيزي عبر فصول كتابها تفاصيل الحياة اليومية تحت وطأة الحصار والعدوان في قطاع غزة، والظروف القاسية التي يواجهها سكان القدس خلف الجدار العازل والحواجز العسكرية. كما يتطرق الكتاب إلى تصاعد عنف المستوطنين والجيش في مدن الضفة الغربية مثل الخليل ونابلس، موثقاً معاناة الأطفال والمدنيين في تلك المناطق.

وفي سياق سياسي متصل، حذرت المقررة الأممية من تحول الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى 'مختبر تجارب' للتقنيات العسكرية الإسرائيلية وبرمجيات التجسس المتطورة. وأوضحت أن هذه الأسلحة يتم اختبارها ميدانياً على أجساد وحياة الفلسطينيين قبل أن يتم تصديرها وتسويقها للدول الأخرى كمنتجات أثبتت كفاءتها في الميدان.

واختتمت ألبانيزي الفعالية بالدعوة إلى تحرك دولي جاد لمحاسبة الحكومات والشركات التي تبرم صفقات أسلحة أو تبادلات تجارية مع منظومة الاحتلال. وشددت على أهمية دور الصحافة الاستقصائية والتحقيقات البرلمانية في كشف هذه التجاوزات، مؤكدة أن استمرار الصمت العالمي هو ما يغذي الجرائم المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.

فلسطين

الثّلاثاء 05 مايو 2026 11:39 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد عام ونصف من إعلان استشهاده.. عائلة غزية تتلقى نبأ وجود ابنها حياً في سجون الاحتلال

سادت حالة من الذهول الممزوج بالدموع في منزل عائلة أبو الشعر بمدينة غزة، عقب تلقي الأم مها أبو الشعر اتصالاً هاتفياً من محامية تؤكد فيه أن ابنها عيد ما يزال على قيد الحياة. هذا الخبر جاء بعد عام ونصف من الغموض الذي لف مصير الشاب، حيث سادت اعتقادات جازمة لدى العائلة والجهات المحيطة بأنه قد استشهد خلال أحداث الحرب المستمرة.

بدأت فصول المعاناة في الخامس عشر من ديسمبر عام 2024، حين خرج الشاب عيد للبحث عن فرصة عمل بالقرب من منطقة محور نتساريم وسط قطاع غزة ولم يعد من حينها. ومنذ تلك اللحظة، انقطعت كافة سبل الاتصال به، مما دفع العائلة لرحلة بحث مضنية شملت المستشفيات ومراكز الصليب الأحمر الدولي دون جدوى، لتصلهم لاحقاً أنباء غير رسمية تفيد باستشهاده.

تروي الأم بمرارة كيف أنها عاشت شهوراً طويلة من الألم، لكنها رفضت بشكل قاطع إقامة صلاة الغائب على روح ابنها، مؤكدة أن إحساس الأم كان يوجهها نحو الأمل. وبمجرد سماع صوت المحامية وهي تؤكد الخبر، دخلت الأم في نوبة بكاء هستيرية، متوسلة التأكد من المعلومة التي انتظرتها آلاف العائلات الفلسطينية التي لا تزال تجهل مصير أبنائها المفقودين.

من جانبه، أوضح صالح أبو الشعر، ابن عم الأسير أن العائلة طرقت كل الأبواب الممكنة وتواصلت مع مختلف الجهات المختصة منذ لحظة اختفائه في ديسمبر 2024. وأشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي تعمد إخفاء أي معلومة حول مصيره طوال الفترة الماضية، قبل أن يسمح مؤخراً بتسريب معلومة وجوده داخل مراكز الاحتجاز التابعة له.

والد الأسير استذكر رحلة البحث القاسية التي قادته إلى ثلاجات الشهداء في مختلف مستشفيات القطاع، حيث كان يبحث عن أي أثر لابنه البكر بين الضحايا. وأكد الوالد أن المعلومات التي وصلت العائلة قبل نحو شهر بدأت تشير إلى وجوده في سجن 'عوفر'، وهو ما تم تثبيته رسمياً عبر الزيارة القانونية والاتصالات الأخيرة التي أجرتها المحامية مع العائلة.

وفي مشهد يعكس التقاليد الاجتماعية الفلسطينية في التعامل مع الفقد، أشار جد الأسير إلى أن العائلة كانت قد أقامت بالفعل بيت عزاء لحفيدهم بعد فقدان الأمل في العثور عليه حياً. واليوم، انقلب بيت العزاء إلى مجلس للفرح وتوزيع الحلويات، وسط أمنيات بأن تكتمل هذه الفرحة بخروج عيد من الأسر وعودته الفعلية إلى منزله في غزة.

وشددت العائلة في حديثها لمصادر صحفية على أن ابنها الشاب لا ينتمي لأي تنظيم سياسي أو عسكري، وأن خروجه يوم اختفائه كان بدافع البحث عن لقمة العيش في ظل الظروف الاقتصادية الطاحنة. وتأتي هذه الحادثة لتسلط الضوء مجدداً على ملف المفقودين في قطاع غزة، والذي يعد من أكثر الملفات تعقيداً في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على القطاع منذ أكتوبر 2023 قد خلفت عشرات آلاف الشهداء والجرحى، فضلاً عن آلاف المفقودين تحت الأنقاض أو في سجون الاحتلال. وتنتظر آلاف الأسر الفلسطينية معجزة مشابهة لتلك التي حدثت مع عائلة أبو الشعر، لإنهاء حالة القلق والترقب التي تنهش قلوبهم منذ سنوات.

عربي ودولي

الثّلاثاء 05 مايو 2026 11:08 صباحًا - بتوقيت القدس

أوباما: نتنياهو كرر مع ترامب نفس مبررات الحرب على إيران التي قدمها لي سابقاً

كشف الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عن كواليس الضغوط التي يمارسها رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لدفع واشنطن نحو مواجهة عسكرية مع طهران. وأوضح أوباما في مقابلة صحفية حديثة أن نتنياهو قدم للرئيس الحالي دونالد ترامب ذات الذرائع والحجج التي سبق وأن طرحها عليه خلال فترة رئاسته، بهدف التحريض على شن حرب شاملة ضد إيران، مؤكداً أن رؤيته السابقة تجاه هذه المطالب لا تزال دقيقة وثابتة.

وأعرب أوباما عن شكوكه العميقة تجاه الجدوى الاستراتيجية لهذه التحركات، متسائلاً عما إذا كانت أهداف نتنياهو تخدم في حقيقتها مصالح الشعب الإسرائيلي أو الأمن القومي الأمريكي. وأشار إلى أن الخلافات بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي موثقة تاريخياً، خاصة فيما يتعلق بالاتفاق النووي الذي أُبرم عام 2015، والذي اعتبره أوباما وسيلة لمنع التصعيد، بينما سعى نتنياهو لتقويضه حتى نجح في إقناع ترامب بإلغائه عام 2018.

وتطرق الرئيس الأسبق إلى التداعيات الكارثية التي تلت انهيار الاتفاق النووي، حيث سعت إيران منذ ذلك الحين لتعزيز قدراتها النووية بشكل متسارع. وأوضحت مصادر أن هذا المسار التصادمي أدى في نهاية المطاف إلى اندلاع مواجهتين عسكريتين كبيرتين، بدأت الأولى في صيف عام 2025، بينما اندلعت الثانية في أواخر فبراير من عام 2026، مما يعكس فشل سياسة الضغوط القصوى في تحقيق الاستقرار الإقليمي.

وفي سياق انتقاده للخطاب السياسي الحالي، علق أوباما على التهديدات العنيفة التي وجهها دونالد ترامب ضد إيران مؤخراً، والتي لوح فيها بإبادة حضارة كاملة. واعتبر أوباما أن مثل هذه التصريحات تفتقر إلى الاحترام الأساسي لكرامة الإنسان، مشدداً على أن مسؤولية القيادة الأمريكية تقتضي حماية الأبرياء حتى في الدول التي تحكمها أنظمة مستبدة، بدلاً من الانجراف وراء لغة التدمير الشامل.

واختتم أوباما حديثه بالتحذير من مغبة التخلي عن القيم الجوهرية والوقوع في فخ الغطرسة والأنانية السياسية في إدارة الأزمات الدولية. وحذر من أن غياب الحكمة في التعامل مع الملفات الشائكة قد يؤدي إلى انهيار النظام العالمي بطرق كارثية لا يمكن التنبؤ بها، داعياً إلى ضرورة التحصن بالقيم الإنسانية لضمان عدم ارتكاب أخطاء استراتيجية يدفع ثمنها العالم أجمع.

فلسطين

الثّلاثاء 05 مايو 2026 10:23 صباحًا - بتوقيت القدس

بين 2006 و2026.. كيف غيرت التكنولوجيا وجه الحرب في لبنان؟

يستعيد اللبنانيون اليوم تفاصيل قاسية من ذاكرة حرب تموز 2006، واضعين إياها في مرآة المواجهة الحالية عام 2026. ورغم تشابه مشاهد الدمار والتهجير، إلا أن الأدوات العسكرية شهدت تحولاً جذرياً جعل من الحرب الحالية أكثر تعقيداً وقسوة على المدنيين والطواقم الميدانية.

لقد شكلت حرب الـ 33 يوماً في عام 2006 محطة مفصلية انتهت بالقرار الدولي 1701، لكن صراع عام 2026 جاء كامتداد لتصعيد بدأ في أكتوبر 2023. هذا الواقع الجديد فرض تحديات أمنية وإنسانية غير مسبوقة، خاصة مع استمرار الخروقات الإسرائيلية التي لم تتوقف رغم إعلانات الهدنة المتكررة.

يروي المسعف ربيع عيسى، صاحب الخبرة الطويلة في الدفاع المدني، كيف تباينت تجربته بين الحربين رغم ثبات الهدف الإنساني. فبينما كان القصف الجوي التقليدي هو السائد في 2006، برز الاعتماد الكلي على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في عام 2026 لتنفيذ عمليات اغتيال دقيقة وملاحقة التحركات الميدانية.

تطورت منظومة الإسعاف في كشافة الرسالة الإسلامية من عمل تطوعي بسيط إلى منظومة احترافية تدير غرف عمليات مركزية. ومع ذلك، يواجه المسعفون في 2026 ضغوطاً نفسية وجسدية أكبر بسبب استخدام تقنيات المسح الميداني الحديثة التي تسبق الدخول إلى مواقع الاستهداف.

في الجانب المدني، يصف 'أبو علي' من بلدة سلعا الجنوبية حرب 2006 بأنها 'لا شيء' مقارنة بأهوال عام 2026. ويرى أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة المراقبة اللصيقة التي تفرضها الطائرات المسيرة، والتي باتت تتعقب أدق تفاصيل الحياة اليومية داخل القرى والبلدات.

لقد تحولت المسيرات إلى مصدر رعب دائم يلاحق السكان في منازلهم وطرقاتهم، مما دفع الكثيرين لتقليل حركتهم إلى الحد الأدنى. وباتت التكنولوجيا أداة تهديد يومي تجعل من الصعب التنبؤ بلحظة الاستهداف، بخلاف ما كان عليه الحال في الحروب السابقة.

المصور الصحفي لطف الله ضاهر، الذي واكب حروب لبنان منذ عام 1978، يؤكد أن الأمان غاب تماماً في مواجهة 2026. ويشير إلى أن الكاميرا نفسها باتت سبباً محتملاً للخطر، حيث لم يعد الصحفي قادراً على توقع الضربة كما كان يفعل في زمن الطيران الحربي التقليدي.

يستذكر ضاهر حادثة نزوح قافلة تضم 2500 شخص في عام 2006، وكيف تعرضت للقصف الإسرائيلي رغم وجود فرق الإسعاف. هذه الذاكرة الأليمة تعزز قناعة السكان بالبقاء في أرضهم في 2026، رغم أن الخطر بات يداهمهم داخل بيوتهم وبصمت مطبق.

على الصعيد العسكري والسياسي، لا تزال حادثة ثكنة مرجعيون عام 2006 تثير نقاشات واسعة حول هيبة الدولة اللبنانية. تلك الحادثة التي شهدت دخول القوات الإسرائيلية للثكنة وتقديم الشاي للجنود، تظل جرحاً في الذاكرة الوطنية يُستعاد عند كل منعطف أمني جديد.

أفادت مصادر عسكرية كانت متواجدة داخل الثكنة آنذاك بأن العسكريين اللبنانيين اضطروا للمغادرة بعد مفاوضات شاقة تحت ضغط الاحتلال. وقد تعرضت القافلة التي ضمت هؤلاء العسكريين والمدنيين للقصف لاحقاً، مما أدى إلى سقوط ضحايا وإصابات في صفوف النازحين.

بعد عقدين من الزمن، عزز الجيش اللبناني حضوره في الجنوب، لكن طبيعة المواجهة في 2026 فرضت واقعاً ميدانياً مختلفاً تماماً. فالانتشار العسكري التقليدي يواجه اليوم تحديات التكنولوجيا السيبرانية والمسيرات الانتحارية التي لا تعترف بحدود جغرافية واضحة.

تتقاطع روايات المسعفين والمدنيين والصحفيين لتشكل صورة واحدة لحربين تجمعهما المعاناة وتفرقهما الوسائل. فبينما كانت حرب 2006 مواجهة كبرى واضحة المعالم، تبدو حرب 2026 صراعاً تكنولوجياً يستنزف الحياة اليومية اللبنانية ببطء وقسوة.

إن المقارنة بين الزمنين تكشف عن هشاشة الإنسان أمام آلة الحرب المتطورة التي لم تعد تكتفي بتدمير الحجر، بل باتت تراقب الأنفاس. هذا التحول جعل من 'نصف الحرب' القائمة واقعاً مريراً يفرضه الاحتلال عبر خروقاته اليومية المستمرة.

في الختام، يبقى السؤال حول مستقبل الاستقرار في لبنان معلقاً بين قرارات دولية لم تُنفذ بالكامل وتطور عسكري لا يتوقف. وبين عامي 2006 و2026، يظل المواطن اللبناني هو الشاهد الوحيد على ضريبة الدم التي تُدفع في سبيل البقاء على الأرض.

اسرائيليات

الثّلاثاء 05 مايو 2026 10:23 صباحًا - بتوقيت القدس

مشروع الممر الاقتصادي: إسرائيل تستعد للتحول إلى جسر بري يربط الهند بأوروبا

تستعد الحكومة الإسرائيلية خلال الفترة القريبة للمصادقة على قرار عملي هو الأول من نوعه لتنفيذ مشروع الممر الاقتصادي (IMEC)، الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي جو بايدن في سبتمبر 2023. ويهدف هذا المشروع الطموح إلى إنشاء محور ارتباط قاري يمتد من الهند عبر دول الشرق الأوسط وصولاً إلى أوروبا، مع تحويل إسرائيل إلى جسر بري حيوي يربط بين الشرق والغرب.

وتعمل الوزارات الحكومية المعنية حالياً على تسريع الخطط الخاصة بالقسم الإسرائيلي من المبادرة، والتي تتضمن إنشاء سكة حديد مخصصة لنقل البضائع القادمة من الهند عبر موانئ البحر المتوسط. ولا تقتصر الخطة على النقل البري فحسب، بل تشمل مد بنى تحتية متطورة للاتصالات والطاقة، مثل الألياف البصرية وأنابيب نقل الوقود والغاز بمحاذاة مسار القطار.

وأظهرت دراسة أجرتها وزارة المالية الإسرائيلية وجود إمكانات اقتصادية هائلة لهذا المحور، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي واجهتها المضائق البحرية مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس. ويسعى المشروع لخلق طريق جغرافي بديل يضمن تدفق البضائع الحساسة للوقت وتجنب التأخيرات الناجمة عن إغلاق الممرات المائية الدولية.

وتشير التقديرات الأولية إلى أن التنفيذ المحدود للمشروع كفيل بضخ نحو مليار شيكل سنوياً إلى خزينة الدولة من رسوم العبور والتشغيل فقط. كما يتوقع الخبراء أن يؤدي تدفق البضائع بحجوم ضخمة إلى خفض تكاليف المعيشة في إسرائيل، نتيجة تحسن كفاءة سلاسل التوريد وتقليل تكاليف الشحن الدولي.

وفي إطار المرحلة التنفيذية الأولى، ستبدأ وزارة المواصلات بالتخطيط المفصل لشق سكة حديد بطول 12 كيلومتراً تصل بين مدينة بيسان ومعبر نهر الأردن (الشيخ حسين). وتهدف هذه الخطوة إلى استكمال الربط السككي مع الجانب الشرقي، بما يضمن انسيابية حركة القطارات بين إسرائيل وجيرانها في المنطقة ضمن الشبكة الإقليمية.

وتتضمن الخطط أيضاً دراسة جدوى لمضاعفة خطوط السكك الحديدية المؤدية إلى ميناء حيفا لاستيعاب الزيادة المتوقعة في شحنات البضائع. وبالتوازي مع ذلك، سيتم العمل على توسيع قدرة المعابر الحدودية، حيث يخطط لزيادة استيعاب معبر نهر الأردن من 50 ألف شاحنة سنوياً إلى أكثر من 210 آلاف شاحنة، مع إنشاء موانئ برية ومناطق لوجستية متطورة.

وعلى الصعيد الأمني، تعمل الحكومة على تطوير منظومات حراسة تكنولوجية متقدمة تتيح فحص القطارات والشحنات بدقة عالية دون الحاجة لإنزالها أو تعطيل حركتها. وتهدف هذه التقنيات لضمان أمن التجارة الإقليمية والحفاظ على مصداقية المسار البري الجديد كخيار آمن وسريع للشركات العالمية والمستثمرين.

من جانبه، أكد وزير المالية سموتريتش أن هذا المشروع يمثل اختراقاً استراتيجياً يعزز مكانة إسرائيل الأمنية والاقتصادية في المنطقة. وأشار خلال مباحثات مع الجانب الهندي إلى ضرورة تسريع الخطوات التنفيذية، معتبراً أن المشروع ينسجم مع رؤية أوسع تشمل مشاريع طاقة مشتركة مثل أنبوب الغاز المقترح بين السعودية وإسرائيل.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:52 صباحًا - بتوقيت القدس

إخفاق المفاوضات انعكاس لفشل الحرب


ما زالت المفاوضات الإيرانية الأمريكية عالقة، لأنها تعكس نتائج الحرب الأمريكية الفاشلة ضد إيران، حيث الحصيلة: الصمود الإيراني ما زال بائناً، والضربات الأمريكية الموجعة على إيران لم تدفعها نحو الرضوخ والاستسلام، وعدم قبول الشروط الأمريكية، التي وضعها الرئيس ترامب من 15 بنداً.
الحرب الأمريكية بأدوات عسكرية التي بدأت في جولتها الأولى يوم 28 شباط/ فبراير 2026، استمرت 40 يوماً حتى توقفت يوم 7 نيسان 2026، وخلالها وبها لم تحقق للولايات المتحدة أهدافها، وعليه انتقلت الحرب إلى أشكال أخرى ذات طابع مدني سياسي تفاوضي مقروناً بالحصار الاقتصادي البحري، مقابل قرار إيران تعطيل عمل مضيق هرمز ومنع مرور السفن بالاتجاهين: الدخول والخروج.
المفاوضات الإيرانية الأمريكية المباشرة وغير المباشرة متواصلة، والمواجهة في الحصار والتعطيل متواصل.
إيران متضررة من الحصار البحري، مقابل تعرض الولايات المتحدة  لضغوط من جميع بلدان العالم المتضررة من تعطيل العمل لدى مضيق هرمز، والصراع بينهما على طريقة: "العض على الأصابع"، من الذي سيتوجع قبل الآخر، ومن يطلب المساومة للتعجيل في وقف الحصار مقابل وقف التعطيل؟
حرب أمريكا ضد إيران، وحّدت الشعب الإيراني، ليكون متماسكاً في مواجهة العدو الواحد المشترك، بينما شعب الولايات المتحدة بدت عليه الاحتجاجات بسبب ارتفاع السلع، وكلفة الحرب والطاقة، بينما قياداته الحزبية والسياسية مقسمة بين الجمهوريين والديمقراطيين، إضافة إلى إخفاق تحقيق أهداف الحرب كما أعلنها الرئيس ترامب، وتعرية دوافعها على أنها تمت استجابة للتحريض الإسرائيلي وضغوط اللوبي الصهيوني، وعدم شرعية قرارها من خلال عدم أخذ موافقة الكونغرس على إشعال الحرب.
لقد بدأت المفاوضات بين طهران وواشنطن، بعد قرار قبولهما بوقف إطلاق النار، وبدءاً من جولة مساومة بين مشروعي البلدين للتفاوض: المشروع الإيراني ذي النقاط العشر، والمشروع الأمريكي ذي البنود الخمسة عشر، والذي سبق لإيران أن رفضته، وبذلك فشلت جولة المفاوضات الأولى، حيث لم تقبل واشنطن الاقتراحات الإيرانية، وطهران تمسكت برفضها للمشروع الأمريكي، ولكن الطرفين واصلا التفاوض المفتوح ودراسة كل منهما حجم التنازلات المتبادلة.
وأخراً قدمت إيران اقتراحاً من 14 بنداً، يتضمن الخطوط العريضة بهدف إنهاء الحرب:
ضمانات عدم قيام الولايات المتحدة والمستعمرة الإسرائيلية بأي عدوان عسكري جديد، سحب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط، رفع الحصار البحري، الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، دفع تعويضات الحرب، رفع العقوبات الاقتصادية، إنهاء الحرب بشكل دائم على جميع الجبهات بما فيها لبنان، آلية جديدة لإدارة مضيق هرمز.
تعقيدات المفاوضات، وإخفاق التوصل إلى اتفاق بينهما يعكس تماماً نتائج الحرب غير الحاسمة لصالح طرف ضد طرف آخر.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

10,000 فرصة في الذكاء الاصطناعي.. و500 ألف عاطل: أين الخلل؟



خريج جامعي في نابلس، يجلس أمام شاشة حاسوبه، يسمع عن آلاف الفرص في الذكاء الاصطناعي… لكنه لا يرى فرصة واحدة أمامه. هذا المشهد لم يعد استثناءً، بل أصبح انعكاساً لحالة عامة يعيشها آلاف الشباب الفلسطيني اليوم، حيث يتقاطع الأمل الرقمي مع واقع اقتصادي شديد التعقيد.
عشرة آلاف فرصة في الذكاء الاصطناعي. رقم يبدو للوهلة الأولى كبيراً ومُبشراً. لكن عندما تضع هذا الرقم في سياقه الحقيقي، أمام نحو 280 ألف عاطل عن العمل في الضفة الغربية وحدها، وأمام نسبة بطالة بين الشباب الخريجين تبلغ 37.5%، يتضح أننا أمام فجوة عميقة. وإذا أضفنا إليها غزة، فنحن أمام ما أعلنته وزيرة العمل الفلسطينية  من 500,000 عاطل على مستوى فلسطين كاملة، واصفةً إياه بأنه "رقم غير مسبوق بحجم الاقتصاد الفلسطيني". السؤال الحقيقي هنا ليس: هل ستحل هذه الفرص أزمة البطالة؟ بل: هل هي البذرة الأولى لاقتصاد رقمي يستحق الرهان عليه، أم مجرد مسكّن جديد بأدوات حديثة؟
في "أسبوع فلسطين للذكاء الاصطناعي 2026"، أعلنت الحكومة عن هدف طموح يتمثل في تدريب 10,000 شاب وشابة على المهارات المستقبلية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتأهيل وتشغيل نحو 1,000 خريج سنوياً. هذا الإعلان يأتي في توقيت يختنق فيه الاقتصاد الفلسطيني، حيث تراجعت قدرة السوق المحلية على توليد وظائف جديدة، ليرتفع معدل البطالة العام إلى مستويات غير مسبوقة. اسأل أي خريج جامعي عاطل عن العمل عن رأيه في الذكاء الاصطناعي، وستجد في إجابته خليطاً من الأمل في الخلاص من واقع مرير، وسخرية من حلول تبدو وكأنها تحلق في سماء لا تمس أرض الواقع.
الذكاء الاصطناعي يطرح نفسه اليوم كطوق نجاة. نظرياً، هو القطاع الوحيد الذي لا يعترف بالحواجز العسكرية والجغرافية، ولا يحتاج إلى تصاريح مرور. شاب في الخليل أو جنين يمتلك حاسوباً واتصالاً بالإنترنت ومهارة متقدمة، يمكنه أن يعمل مع شركة في سيليكون فالي، أو أوروبا، أو دبي. هذا هو "التحرر الاقتصادي الرقمي" الذي نحتاجه، والذي يحمل إمكانيات حقيقية لخلق مصادر دخل مستقلة. لكن الواقع أكثر تعقيداً من هذه الصورة الرومانسية المتفائلة.
التحدي الأول الذي يواجه هذه المبادرة هو "فجوة المهارات". الذكاء الاصطناعي ليس دورة تدريبية سريعة في استخدام برامج المحادثة؛ إنه يتطلب بنية تحتية معرفية صلبة في الرياضيات، والخوارزميات، والبرمجة. عندما نعلم أن النسبة الأكبر من الخريجين العاطلين عن العمل في فلسطين يأتون من تخصصات إنسانية وإدارية وتربوية لا ترتبط مباشرة بهذه المجالات، يصبح من الواضح أن تحويلهم إلى خبراء في الذكاء الاصطناعي يتطلب ما هو أعمق بكثير من مجرد "برامج تدريبية" مكثفة وقصيرة الأمد. إننا نحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة لنظام التعليم من الأساس، بدءاً من المدارس وصولاً إلى الجامعات.
التحدي الثاني، والأكثر حساسية، يكمن في طبيعة هذه "الفرص" ذاتها. المبادرة تتحدث عن "تدريب" 10 آلاف شاب، مقابل "تشغيل" ألف فقط سنوياً. هذا يعني بلغة الأرقام أن 90% من المستفيدين سيحصلون على مهارة جديدة، لكنهم سيعودون أدراجهم إلى طابور الانتظار الطويل، وسيبقون خارج سوق العمل. التدريب وحده لا يخلق وظيفة إذا لم تكن هناك قاعدة اقتصادية قادرة على استيعاب هذه المهارات. الاقتصاد الفلسطيني الحالي، بطبيعته الاستهلاكية والخدمية المحدودة، لا يمتلك قطاعاً تقنياً ناضجاً ومندمجاً في سلاسل القيمة العالمية بما يكفي لامتصاص هذا العدد من المتدربين.
وهنا نصل إلى جوهر الإشكالية الاقتصادية: هل المشكلة في نقص المهارات وتفعيل برامج لاستقبال طلبات العاطلين وتدريبهم، أم في ضعف الطلب عليها وتوسيع القاعدة الاقتصادية نفسها؟
برامج التدريب، مهما كانت متطورة ومهما حملت من عناوين براقة، تبقى حلولاً "على جانب العرض" (Supply-side). إنها تفترض ضمناً أن المشكلة تكمن في أن الخريج غير مؤهل، وأنه بمجرد تأهيله وصقل مهاراته ستتخاطفه الشركات والمؤسسات. لكن الأزمة الحقيقية والعميقة في فلسطين هي "على جانب الطلب" (Demand-side). الشركات لا تنمو بالقدر الكافي، الاستثمارات تتراجع في ظل حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي، والقدرة الشرائية للمواطن تتآكل يوماً بعد يوم. في ظل هذا الانكماش الهيكلي، حتى أمهر المبرمجين سيجدون صعوبة بالغة في العثور على فرصة عمل محلية تليق بمهاراتهم وطموحاتهم، أو قد يتجهون نحو الهجرة.
أي أننا لا نحل الأزمة… بل نعيد تسميتها بلغة رقمية.
هذا التحليل لا يعني بأي حال من الأحوال التقليل من أهمية المبادرة أو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. على العكس تماماً، فإن بناء نواة تقنية تتألف من 10,000 شاب وشابة هو خطوة استراتيجية لا غنى عنها في رحلة التحول الرقمي. هذه النواة قد تكسر الحاجز النفسي، وتثبت للعالم أن الشباب الفلسطيني قادر على المنافسة في أدق مجالات التكنولوجيا وأكثرها تعقيداً. وقد تجذب هذه الكفاءات، إذا ما تم تسويقها بالشكل الصحيح، شركات إقليمية ودولية للاستثمار في "التعهيد" (Outsourcing) إلى فلسطين، مستفيدة من الكفاءات الشابة والتكلفة التنافسية.
لكن لكي تنجح هذه المبادرة في إحداث اختراق حقيقي وتاريخي في جدار البطالة، يجب ألا تُترك معلقة في الفراغ التقني. يجب أن تترافق مع حزمة متكاملة من السياسات الاقتصادية والمالية القادرة على تحفيز الطلب. نحتاج إلى حوافز ضريبية قوية وجريئة للشركات التقنية المحلية والدولية، وتسهيلات غير مسبوقة لإنشاء الشركات الناشئة.
إلى جانب ذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى بيئة تشريعية مرنة ومواكبة. العمل الحر عبر المنصات العالمية، والتعاقد الرقمي، والأهم من ذلك كله: سياسة وطنية واضحة لتشجيع "العمل الحر الرقمي" (Freelancing). هذا يتطلب حلاً جذرياً لمشكلة استقبال الحوالات والمدفوعات المالية من الخارج، وتخفيف القيود المصرفية والتنظيمية التي تخنق الكثير من المبدعين الشباب اليوم وتدفعهم إما لليأس أو للبحث عن فرص خارج الوطن. تسهيل هذه العمليات ليس مسألة تقنية، بل قرار اقتصادي استراتيجي، يحدد ما إذا كان الشباب قادرين على تحويل مهاراتهم إلى دخل فعلي.
في النهاية، الذكاء الاصطناعي ليس عصا سحرية ستمحو البطالة بلمسة واحدة، ولن يكون بديلاً عن إصلاحات اقتصادية عميقة. يمكن أن يكون أداة قوية لإعادة تشكيل جزء من الاقتصاد، لكنه لن ينجح إذا بقي معزولاً عن سياق أوسع يشمل التعليم، والتشريعات، والسياسات الاقتصادية. إذا اكتفينا بالتدريب كهدف بحد ذاته، دون توسيع القاعدة الاقتصادية وربطها الفاعل بالاقتصاد العالمي، فإننا ببساطة سننتقل من تخريج عاطلين يحملون شهادات في الإدارة والآداب، إلى تخريج عاطلين يحملون شهادات في الذكاء الاصطناعي.
المعركة ليست في تعلم الذكاء الاصطناعي… بل في بناء اقتصاد يحتاجه.



أقلام وأراء

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:50 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تُجرى الانتخابات كي لا يتغيّر شيء !



في الحالة الفلسطينية، لم تعد الانتخابات تُجرى للإجابة عن سؤال: من يُختار؟
بل للإجابة عن سؤال أكثر تواضعاً، وأشد خطورة وهو كيف نُدير غياب الاختيار، وكيف نبعد الاهتمام بالرئيسي " التوافق الوطني والانتخابات العامة الشاملة" من خلال إشغال الناس بالمسائل الأقل أهمية أو حتى الوهمية.
ما جرى في انتخابات المجالس المحلية في الضفة الغربية ليس تفصيلاً عابراً، بل تعبير مكثّف عن حالة أوسع وصفتُها سابقاً بـ”الشرعية المُعلّقة والفعل المُعطَّل”. فعندما تتعطّل الشرعية الوطنية الشاملة، لا تختفي الحاجة إليها، بل يُعاد تفكيكها إلى مستويات أدنى، تُصمَّم فيها بدائل جزئية قابلة للضبط والسيطرة.
بهذا المعنى، بدت الانتخابات المحلية الأخيرة محاولة لتعويض الغياب الكبير عبر “شرعيات” صغيرة مُفصّلة سلفاً. وقد بدأ ذلك باقرار نهج إقصائي يضمن هيمنة لون واحد، من خلال قانون انتخابي يستبعد من حيث المبدأ مشاركة قوى سياسية واجتماعية فاعلة من خلال شروط تمس الحقوق الدستورية للمواطنين. هذا في وقت يتراجع فيه الاهتمام الشعبي، تسجيلاً و اقتراعاً، بشكل ملحوظ مقارنة بالدورات السابقة، والتي لم تكن أصلاً محل حماسة واسعة.
ويبدو أن هذا المسار لا يقتصر على الانتخابات المحلية في سياق هندسة أوسع للنظام السياسي. فقد سبق أن امتدّ إلى النقابات المهنية، تمهيداً لهندسة "تمثيلها " في المجلس الوطني، وفق النسق الإقصائي ذاته، بديلاً عن الانتخابات العامة البرلمانية والرئاسية، في إطار توافق وطني حقيقي يضمن أوسع مشاركة شعبية، ويحوّل الانتخابات ليس فقط مدخلًا لتجديد الشرعيات المتآكلة، بل وإلى رافعة لنهوض وطني حقيقي، لا أداة لإعادة إنتاج الإقصاء.
لنأخذ الوقائع كما هي: أكثر من 50٪ من الهيئات المحلية لم تشهد انتخابات أصلاً.
السبب هو هندسة "توافق” على نحوٍ يُفرِّغُها من معناها. فهذا “التوافق” لم يكن نتاج حوار مجتمعي حر، بل صيغة متذاكية لتعليق التنافس، وفصل الخدمة عن بعدها السياسي المرتبط بتعزيز الصمود بوصفه معياراً جوهريًا للتقييم ولمبرر وجود المؤسسات الوطنية. فحين تُفرض قائمة واحدة، لا يعود هناك ما يُحسم، بل ما يُعلَن فقط بعيداً عن الصندوق.
في نابلس، لم يُمنع التنافس بقرار صريح، بل جرى تفريغه من شروطه حتى بات مجرد احتمال نظري. وفي رام الله، التي طالما قُدّمت نموذجاً للتعددية، غابت الانتخابات كلياً، لا لعجزٍ عن إجرائها، بل لأن التنافس نفسه لم يعد خياراً مرغوباً.
لسنا هنا أمام خلل تقني، بل أمام إعادة تعريف للمجال العام من فضاء مفتوح للتعدد، إلى ساحة مُدارة بنتائج مصمّمة سلفاً، في خدمة مسار سياسي يُعيد إنتاج نفسه. ذلك لا يُعفي قوى سياسية ومجتمعية أخرى تماهت مع هذا النسق، سواء بالمشاركة الشكلية الملحقة أو باللامبالاة.
المفارقة،ذات البعد الكوميدي المرّ، أن كل ذلك جرى تحت عنوان “تعزيز الديمقراطية المحلية”؛ ديمقراطية لا تحتاج إلى انتخابات في نصف الحالات، ولا إلى منافسة برنامجية في النصف الآخر، ولا إلى مفاجآت في أيٍّ منهما.
في هذا السياق، لا تعود المجالس المحلية مجرد مؤسسات خدمية، بل تتحول إلى أدوات ضمن معادلة أوسع جوهرها كيف يُدار مجتمع حيّ بأدوات سياسية مُعطّلة؟ وكيف يُحافظ على مظهر الشرعية في ظل غياب شروط إنتاجها؟
هنا يتقاطع المحلي مع الوطني مباشرة. فتعطُّل الفعل الفلسطيني في قمته يتسرّب إلى بقية مستوياته. والحكم المحلي، بدلاً من أن يكون مدخلاً للنهوض واستعادة السياسة، يتحول إلى مختبر لإدارتها وهي مُفرَّغة من مضمونها.
قد يبدو ذلك كله تفصيلاً ثانوياً في ظل حرب مفتوحة، وضغوط غير مسبوقة، وانسداد سياسي شامل. لكن المجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود في وجه الخارج، بل أيضاً بقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي وتجديد أدواتها السياسية. وهنا تكمن المعضلة المتمثلة باختلال ترتيب الأولويات. فبدلاً من إعادة بناء الشرعية الوطنية الجامعة، وفتح المجال العام، وتعزيز الثقة، يجري الاستثمار في إدارة هوامش مضبوطة قابلة للتحكم، لكنها عاجزة عن إنتاج فعل حقيقي.
المشكلة، في المحصلة، ليست في انتخابات جرت أو لم تجرِ، ولا في مجالس تُشكَّل بهذه الطريقة أو تلك، بل في اختلال ترتيب الأولويات الوطنية نفسها. ففي لحظة يواجه فيها الشعب الفلسطيني أخطر تحدياته "حرباً مفتوحة على الوجود، وانسداداً سياسياً، وتآكلاً في التمثيل" يجري الانشغال بإدارة هوامش قابلة للضبط، بدلاً من الاشتباك مع الأسئلة المصيرية، بحيث تصبح الانتخابات أداة للنهوض لا وسيلة لإعادة إنتاج السيطرة.
إعادة الاعتبار للأولوية الوطنية لا تعني إلغاء المحلي، بل تحريره من كونه بديلاً مُقزّماً عن السياسة، وإعادته إلى وظيفته الأصلية كمساحة لتعزيز الصمود، وبناء الثقة، وتمكين المجتمع.
الفعل الفلسطيني لن يُستعاد بقرار مفاجئ، بل عبر مراكمة إنجازات ملموسة تعيد ربط المواطن بالسياسة بوصفها أداة تأثير، لا مجرد إجراء شكلي. يبدأ ذلك بفتح المجال العام، واحترام التعدد، ووقف هندسة التمثيل، وصولاً إلى مسار ديمقراطي شامل يمنح الشرعية معناها، لا شكلها فقط. أما الاستمرار في إدارة الواقع كما هو، فلن ينتج نهوضاً، بل مزيداً من التآكل الصامت.
وهنا يبرز السؤال الذي لم يعد ممكناً تأجيله: أي نظام سياسي نريد؟
هل نريد نظاماً يُعاد فيه إنتاج هيمنة اللون الواحد، رغم ما أثبته من عجز وفشل، ويُغلق فيه المجال أمام ظهور اجتهادات وتيارات قادرة على التصويب والمساءلة؟ أم نريد نظاماً يفتح المجال للتعدد الحقيقي، لا بوصفه ترفاً، بل شرطاً لبقاء المجتمع متماسكاً وقادراً على الصمود؟
الخوف من التعدد يُقدَّم أحياناً كحرص على الوحدة، لكنه في الواقع يُنتج هشاشة. فالمجتمع الذي لا يُسمح له بتصحيح ذاته من الداخل يصبح أكثر عرضة للتفكك مع أول اختبار.
في السياق الفلسطيني، لا يمكن تجاهل أن إسرائيل تعمل منهجياً على تفكيك هذه الجبهة. لكن الأخطر أن بعض ما يجري داخلياً يلتقي، موضوعياً، مع هذه الغاية، حين يُغلق المجال العام، ويُقوَّض التمثيل، ويُدجَّن التنافس، وتُقصى البدائل.
تحصين الداخل لا يكون بإلغاء السياسة، بل بإحيائها؛ ولا بمنع البدائل، بل بفتح الطريق أمامها؛ ولا بإعادة إنتاج الفشل، بل بتمكين المجتمع من تجاوزه.
في المحصلة، لا يكون الخطر فقط فيما يُفرض علينا، بل فيما نقبل به. ولا يكون الرهان على انتخابات بلا اختيار، بل على القدرة الجماعية على استعادة الفعل، وإعادة ترتيب الأولويات، وتحويل الهوامش إلى مسارات تراكمية للتغيير.
في لحظة كهذه، لا يكون التعدد ترفاً سياسياً، بل شرطاً للحماية من الانهيار، ولا يكون فتح المجال العام خياراً إجرائياً، بل الطريق الوحيد لبناء نهوض وطني حقيقي. فإما أن تُستعاد إرادة الناس في الاختيار بوصفها جوهر السياسة، أو يُستكمل هذا الفراغ بإدارة العجز حتى يتحول إلى قدر. عندها، لن يكون الخطر في غياب النتائج، بل في ترسيخ العجز نفسه بوصفه نظاماً دائماً.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:50 صباحًا - بتوقيت القدس

الناخبون الأمريكيون.. نظرة سلبية تجاه إسرائيل


أظهرت استطلاعات رأي حديثة أجرتها عدة مؤسسات أبحاث رأي عام وطنية، وشملت ناخبين أمريكيين، انخفاضاً حاداً في الدعم العام لإسرائيل. فعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع «غالوب» في فبراير الماضي، أنه عند سؤال المشاركين عن أكثر من يتعاطفون معه، اختار 41% منهم الفلسطينيين، مقابل 36% فقط ممن اختاروا إسرائيل. ويتناقض ذلك بشكل ملحوظ مع نتائج استطلاع «غالوب» نفسه عام 2023، حيث أعرب 54% من المشاركين عن تعاطفهم مع إسرائيل، بينما أبدى 36% تعاطفهم مع الفلسطينيين. ثم، قبل أسابيع قليلة، نشر مركز «بيو» للأبحاث استطلاعاً أظهر أن 60% من المشاركين لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل.
ولفهم تلك التغيرات في آراء الناخبين بشكل أفضل، ودور حروب إسرائيل مع لبنان والفلسطينيين في تشكيل وجهات نظرهم، وكيف يرغب الناخبون في تعامل الحكومة الأمريكية وأعضاء الكونجرس مع هذا الملف، كلف المعهد العربي الأمريكي ومنظمة «ناخبون من أجل العدالة في فلسطين»، في ولاية كارولاينا الشمالية، شركة «جون زغبي ستراتيجيز» بإجراء استطلاع رأي على مستوى الولايات المتحدة حول تلك القضايا. وشمل الاستطلاع 1001 ناخب أمريكي محتمل (بهامش خطأ +/- 3.2).
ويتضح أن السلوكيات الإسرائيلية لم تعد تحظى بقبول أغلبية الناخبين الأمريكيين، حتى أنها قوبلت بالرفض من جانب مؤيدي إسرائيل. فعلى سبيل المثال، يرى 41% من الناخبين أن الإجراءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين «مفرطة وترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية»، بينما يعارض ذلك 32% فقط. الفارق بين «الديمقراطيين» أكبر بكثير. وتُظهر الإجابات عن سؤال حول ما إذا كان ينبغي على الولايات المتحدة بذل المزيد من الجهود للضغط على إسرائيل لإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية نتائج مماثلة.
وتلقى تلك القضايا وغيرها المتعلقة بسلوك إسرائيل معارضة مستمرة لسياسات إسرائيل، والتي تأتي أساساً من الناخبين «الديمقراطيين» أو المستقلين. وتقود هذه المعارضة فئات فرعية من الناخبين الشباب أو غير البيض. كما يوجد انقسام ديموغرافي عميق بين الناخبين «الجمهوريين»، حيث يُبدي «الجمهوريون» الشباب «أقل من 45 عاماً» مواقف سلبية تجاه أفعال إسرائيل أقرب إلى مواقف «الديمقراطيين» منها إلى مواقف «الجمهوريين» الأكبر سناً.وفي الواقع، في غالبية أسئلة الاستطلاع تقريباً، تشكل قاعدة الدعم الحقيقية الوحيدة، التي يمكن لإسرائيل الاعتماد عليها، الناخبون «الجمهوريون» البيض الأكبر سناً. وهذه المجموعة تُشكل أقلية متضائلة في عموم الناخبين. كما تُظهر نتائج الاستطلاع أن هناك تبعات انتخابية مرتبطة بهذه التحولات، إذ يرى أغلبية الناخبين أنهم سيكونون أكثر ميلاً لدعم المرشحين الذين يدعون إلى تقليص أو إنهاء المساعدات العسكرية لإسرائيل «45% مقابل 27%»، أو الذين يرفضون التمويل أو الدعم القادم من مصادر مرتبطة باللجنة الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة. وتكون نسب الرفض أعلى بكثير «أكثر من الضعف» بين «الديمقراطيين» والمستقلين والناخبين غير البيض.
ويتفق غالبية «الديمقراطيين» و«الجمهوريين» والمستقلين «وجميع الفئات الديموغرافية الرئيسية» على ضرورة محاسبة إسرائيل ومحاكمتها على مقتل مواطنين أمريكيين، إذ يعتقد 58% من الناخبين المحتملين بضرورة محاسبة إسرائيل، مقابل 16% فقط ممن يعارضون محاكمتها. وينطبق الأمر نفسه على قصف إسرائيل للبنان، إذ يعتقد الناخبون الأمريكيون المحتملون، بنسبة اثنين إلى واحد، أنه يتعين على الإدارة الأمريكية بذل المزيد من الجهود للضغط على إسرائيل لوقف القصف والانسحاب من جنوب لبنان. بنسبة تقارب اثنين إلى واحد، يعرب الناخبون عن قلقهم من أن قصف إسرائيل للبنان واحتلالها له يضر بمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وفي الحالتين، تنطبق هذه النسب على جميع الفئات الديموغرافية الرئيسية باستثناء «الجمهوريين»، الذين ينقسمون حولها.
وبينما يعبر الناخبون عن آراء سلبية واضحة تجاه سلوكيات إسرائيل ويدعمون سياسة أمريكية تمارس ضغوطاً لكبح جماح إسرائيل ومحاسبتها على أفعالها، يُظهر الاستطلاع أيضاً أن أقلية كبيرة «بين ربع وثلث جميع المستطلعين» صادقة في اعترافها بضرورة توفير المزيد من المعلومات قبل اتخاذ قرارات بشأن بعض القضايا السياسية المطروحة.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، تظهر مؤشرات على أن نفور الناخبين من إسرائيل وسياساتها، بدأ يؤثر بالفعل على الكونجرس وعلى انتخابات التجديد النصفي المقبلة. ففي الشهر الماضي، صوت 40 من أصل 47 عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي، من «الديمقراطيين» أو المتحالفين معهم، لصالح منع وصول بعض الإمدادات العسكرية إلى إسرائيل، وهو عدد غير مسبوق من المسؤولين المنتخبين الذين اتخذوا مثل هذا الموقف في عام انتخابي.
وشمل ذلك أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ من اليهود الأمريكيين.كما تعهد عشرات من أعضاء الكونجرس علناً برفض دعم جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في حملات إعادة انتخابهم. رغم أن بعض هؤلاء الأعضاء كانوا في السابق من كبار متلقي التمويل من جهات مانحة مؤيدة لإسرائيل. وتعتبر تلك تطورات مهمة وذات مغزى، ومن المهم ملاحظتها في المستقبل.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:49 صباحًا - بتوقيت القدس

المؤتمر الثامن: "فتح" على مفترق الطرق.. سلطةٌ تُمسك بالمؤسسات.. وحركةٌ تفقد الشارع


منذ انطلاقتها في أواخر خمسينيات القرن الماضي، شكّلت حركة فتح العمود الفقري للنضال الوطني الفلسطيني، ورافعةً أساسية لإعادة صياغة الهوية السياسية للشعب الفلسطيني في مرحلةٍ كانت فيها القضية مهددة بالتهميش. في لحظة التأسيس، برزت مجموعة من القادة الذين شكّلوا البنية الفكرية والتنظيمية للحركة، وكان لهم دورٌ حاسم في رسم مسارها الأول. فقد مثّل ياسر عرفات الوجه الأبرز والقيادة الجامعة التي نقلت فتح إلى موقعها المركزي داخل منظمة التحرير الفلسطينية، فيما ساهم خليل الوزير (أبو جهاد) في بناء الإطار العسكري والتنظيمي للعمل الفدائي وتطوير أدوات المقاومة. أما صلاح خلف (أبو إياد)، فقد لعب دورًا محوريًا في تأسيس البنية الأمنية والسياسية وربط العمل التنظيمي بالدبلوماسية والنشاط الخارجي. وقد أسهم هذا الجيل المؤسس في تحويل فتح من تنظيم ناشئ إلى مشروع وطني شامل، جمع بين الكفاح المسلح والعمل السياسي والدبلوماسي، وأعاد وضع القضية الفلسطينية في قلب الاهتمام العربي والدولي.
ومع صعودها داخل منظمة التحرير الفلسطينية، تحوّلت فتح من مجرد فصيل إلى عنوانٍ جامعٍ للنضال، يمزج بين العمل المسلح والفعل السياسي والدبلوماسي.
في المشهد الفلسطيني المتشظّي اليوم، تقف فتح ككيانٍ مزدوج الملامح: سلطةٌ راسخة في مؤسسات الحكم، وحركةٌ سياسية تتآكل تدريجيًا في وجدان الشارع. هذا التناقض ليس طارئًا، بل هو نتيجة مسار طويل من التحولات، خصوصًا بعد دخولها معادلة الحكم عبر السلطة الوطنية الفلسطينية.
تمسك الحركة بمفاصل القرار داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وتدير شبكة واسعة من المؤسسات الأمنية والإدارية في الضفة الغربية. هذا الحضور يمنحها قوة تنظيمية واضحة، لكنه يضعها أيضًا في مواجهة مباشرة مع تحديات الحياة اليومية للمواطن من الاقتصاد إلى الأمن، وهو ما ينعكس على صورتها الشعبية.
على مستوى القيادة، يبرز محمود عباس كرمزٍ للاستمرارية، لكن غياب آليات التجديد السياسي وتأجيل الانتخابات خلقا حالة من الجمود، وفتحا الباب أمام تنافس داخلي بين تيارات متعددة داخل الحركة.
في المقابل، تواجه فتح تحديًا متصاعدًا من قوى أخرى، أبرزها حركة حماس، التي استطاعت تعزيز حضورها، خاصة في قطاع غزة، مستفيدةً من خطاب مختلف وأدوات تأثير بديلة.
أما سياسيًا، فما زالت الحركة تراهن على المسار الدبلوماسي، مستندة إلى إرث اتفاقية أوسلو، رغم تعثّر هذا المسار وتراجع الثقة به لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين.

المؤتمر الثامن: لحظة الاختبار المؤجل

في هذا السياق، يكتسب انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح أهميةً استثنائية، ليس بوصفه استحقاقًا تنظيميًا فحسب، بل كفرصةٍ نادرة لإعادة بناء الحركة من الداخل، غير أن هذا المؤتمر لا يُقاس فقط بقدرته على ترتيب البيت التنظيمي، بل بمدى استجابته لتوقعات الشارع الفلسطيني، الذي لم يعد معنيًا بتوازنات الأطر بقدر ما يبحث عن إجاباتٍ ملموسة.
فالفلسطيني “الوطني”—بمعناه الواسع—لا ينتظر شعاراتٍ جديدة، بل تحولاتٍ حقيقية: قيادة تُجدَّد عبر آليات ديمقراطية شفافة، ومحاسبة فعلية تعيد الاعتبار لفكرة المسؤولية، ودورًا سياسيًا واضحًا يخرج من ضبابية المسار القائم. كما يتطلع إلى حركةٍ تستعيد صلتها اليومية بهموم الناس، لا بوصفها سلطة تدير الأزمات، بل كإطارٍ وطني يقود مشروعًا.
وهذا يشمل إعادة تعريف العلاقة بين العمل الدبلوماسي وأشكال المقاومة الشعبية، بما يعكس نبض الشارع لا حسابات الجمود. كذلك، يبقى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية مطلبًا مركزيًا، ليس كشعارٍ توافقي، بل كخطوة عملية تعيد ترتيب البيت الفلسطيني.
المطلوب من هذا المؤتمر، إذًا، يتجاوز الشعارات إلى قرارات حاسمة: تجديد القيادة عبر آليات ديمقراطية حقيقية، وإدماج جيل الشباب في مراكز القرار، ووضع حدٍ لحالة التكلس التنظيمي التي أضعفت الحيوية الداخلية. كما يُنتظر أن يعيد المؤتمر صياغة البرنامج السياسي للحركة، بما يوازن بين الثوابت الوطنية ومتغيرات الواقع، ويحدد بوضوح أدوات النضال -بين الدبلوماسية والمقاومة الشعبية- بدل تركها في حالة ضبابية.
في هذا المعنى، لا يُقاس نجاح المؤتمر بما يعلنه من قرارات، بل بقدرته على الإجابة عن سؤال بسيط يطرحه الفلسطيني اليوم: هل ما زالت فتح قادرة على تمثيل مشروع وطني جامع، أم أنها باتت أسيرة دورها كسلطة؟
في لحظةٍ تاريخية تتآكل فيها المسلمات وتُعاد صياغة موازين القوة، لم تعد أزمة حركة فتح مجرد تراجعٍ تنظيمي أو خلافٍ داخلي، بل تحوّلت إلى سؤالٍ وجودي يمسّ جوهر المشروع الوطني الفلسطيني ذاته. فالحركة التي صنعت مرحلة، تجد نفسها اليوم أمام امتحان القدرة على صناعة مرحلةٍ جديدة لا عبر استدعاء الماضي، بل عبر كسر أنماطه.
إما أن يشكّل المؤتمر الثامن نقطة انعطاف حقيقية تعيد ضخّ الحياة في جسد الحركة، أو أن يتحول إلى محطةٍ أخرى في مسار التأجيل وإدارة الأزمة. وفي هذا المفترق الحاد، لا يكون التردد خيارًا: فالتاريخ لا ينتظر، والشارع لا يغفر طويلًا، والفرص حين تضيع لا تعود بالصيغة نفسها.
هنا، لم يعد السؤال إن كانت فتح ستبقى، بل إن كانت ستبقى حركة تحرر، أم تتحول نهائيًا إلى سلطةٍ بلا مشروع.
*أكاديمي وباحث سياسي

أقلام وأراء

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

نحو عقد تنظيمي جديد لحركة "فتح"


لم تعد الأزمة التي تواجهها حركة "فتح" أزمة أداء ظرفي يمكن معالجتها بإجراءات جزئية أو مزاجية، بل هي أزمة بنيوية تمس طبيعة العلاقة بين الأطر التنظيمية وآليات اتخاذ القرار ودور الحركة في النظام السياسي الفلسطيني، كما تمس قدرتها على الاستجابة للتحديات الإجتماعية والإقتصادية المتصاعدة في حياة الناس تحت الاحتلال ومسلسل جرائمه المتصاعدة.
لقد أفرزت السنوات الماضية حالة من التداخل بين الحركة والسلطة، وبين التنظيم والإدارة، ما أدى إلى تآكل الحدود بين الدور النضالي والوظيفة البيروقراطية، وأضعف قدرة الحركة على المبادرة والتجديد، وانعكس ذلك على حضورها السياسي المقاوم والاجتماعي في آنٍ واحد.
من هنا، فإن الحديث عن الإصلاح والتطوير لم يعد كافياً، بل المطلوب هو إعادة تأسيس عقد تنظيمي جديد داخل الحركة، يعيد تعريف العلاقة بين القيادة والقاعدة، وبين التنظيم ودوره الوطني، وبين الحركة وجماهيرها وكافة ابناء شعبنا، ضمن رؤية متكاملة لا تفصل بين السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
وبرأيي، يقوم هذا العقد على مرتكزات أساسية، من أهمها :
أولاً، تجديد الشرعية التنظيمية عبر تفعيل الديمقراطية الداخلية، وضمان دورية الانتخابات وتفعيل كافة الهيئات القيادية وتحديد أدارها بوضوح، وتوسيع المشاركة في صنع القرار، بما يعيد الثقة بين الكادر والقيادة، وبين الحركة وقواعدها وجماهيرها، ومع أبناء شعبنا في الوطن والشتات ومع الأسرى في زنازين الاحتلال.
ثانياً، إعادة تعريف العلاقة بين الحركة والسلطة الوطنية، بما يحفظ لـ"فتح" دورها كحركة تحرر وطني دون سقف "اتفاقيات أوسلو"، ويمنع ذوبانها في متطلبات الإدارة اليومية، مع الحفاظ على دورها في دعم الصمود الأجتماعي والاقتصادي، وتعزيز العدالة والكرامة المعيشية لشعبنا، بما يترجم إلى سياسات عملية في دعم فرص العمل، ومساندة الفئات الأكثر تضرراً، وتطوير الخدمات الأساسية من الصحة والتعليم أساساً.
ثالثاً، تطوير معايير القيادة على أساس الكفاءة، والعطاء النضالي، والرؤية، والقدرة على الفعل، إضافة إلى فهم الإحتياجات الوطنية المختلفة، بعيداً عن التوازنات الضيقة.
رابعاً، ترسيخ مبدأ المساءلة التنظيمية باعتباره شرطاً لأي تطوير حقيقي وتعزيز دور الرقابة الحركية.
خامساً، بناء منابر فكرية تسمح بتعدد منظم للرؤى داخل الحركة في إطار الالتزام بوحدتها، وتحويل الإختلاف إلى مصدر قوة، لا إلى حالة خلاف أو تشرذم أو مراكز نفوذ، دون أن يكون ذلك بديلاً عن الأطر التنظيمية والإلتزام بوحدة القرار السياسي والتنظيمي.
سادساً، تطوير البنية التنظيمية وتحديث النظام الداخلي باتجاه أشكال أكثر مرونة أفقية وشبكية، عبر المجالس الحركية في الأقاليم، وتفعيل المجلس الحركي العام، واللجان والمكاتب والمفوضيات القطاعية والتخصصية، بما يستوعب من لم يجدوا مواقع تنظيمية لهم في وقت سابق، وكذلك الطاقات الجديدة، وخاصة الشبابية منها تعزيزاً للمقاومة الشعبية.
وفي ظل اقتراب الاستحقاقات الوطنية المقبلة، وفي مقدمتها انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني والرئاسية بعد إقرار دستور دولة فلسطين الذي يجب ان يضمن مبادئ المواطنة المدنية وفصل السلطات وشفافية المؤسسات وديمقراطية النظام السياسي، تبرز أهمية استخلاص الدروس من التجارب السابقة، بما فيها انتخابات المجلس التشريعي والهيئات المحلية، لتفادي إعادة إنتاج مكامن الضعف، سواء في إدارة العملية التنظيمية أو في قراءة نتائجها السياسية والانتخابية.
كما يطرح هذا الاستحقاق بوضوح سؤال المرحلة القادمة، وتعريف دور الحركة، بما يحفظ توازنها بين كونها إطاراً وطنياً جامعاً واسعاً، وبين عدم تحولها إلى مجرد امتداد لمفهوم "حزب السلطة"، على حساب دورها التاريخي كحركة تحرر وطني في نظام سياسي ديمقراطي/ جمهوري نيابي.
إن إعادة بناء "فتح" على هذه الأسس ليست مسألة تنظيمية داخلية، بل شرط لاستعادة دورها كقوة قائدة للمشروع الوطني التحرري والنواة الصلبة للحركة الوطنية الفلسطينية، وقادرة على التفاعل مع التحولات العميقة في المجتمع الفلسطيني والإقليم والنظام الدولي المتغير. كما ترتبط هذه المهمة بمواجهة التحديات الراهنة، من التوسع الاستعماري والفصل الجغرافي، ومحاولات فرض نماذج إدارية على حساب الهوية الوطنية في غزة والضفة الغربية بما فيها القدس ومحاولات كي الوعي الجمعي بمقابل روايتنا التاريخية وتاريخ ثورتنا المعاصرة، وما يستدعيه ذلك من نقاش جدي حول جدلية الدولة الفلسطينية بين المبدأ وواقع التطبيق في ظل تصعيد محاولات تنفيذ رؤية المشروع الاستعماري الصهيوني في كل أرض فلسطين التاريخية، بما يضمن الوصول بشعبنا إلى حقه في تقرير المصير، وحل قضية اللاجئين ومنع التهجير وإنهاء الاحتلال أولاً من خلال تعزيز الوحدة الوطنية الواسعة في اطار منظمة التحرير بموازاة تطوير دورها كجبهة وطنية عريضة.
وفي ظل اقتراب انعقاد المؤتمر الثامن، فإن السؤال لم يعد حول الحاجة المجردة إلى التغيير والتطوير، بل حول كيفية إنجازه بوعي ومسؤولية، بما يحفظ وحدة الحركة، ويعزز قدرتها على التجدد والديمومة، ويعيد تموضعها السياسي محلياً وإقليمياً ودولياً على اساس القرار المستقل.
إن التحدي الحقيقي لم يعد في إدارة الواقع، بل في صناعته، وفي الانتقال من التكيف مع الأزمات إلى تجاوزها، عبر رؤية تنظيمية وسياسية مبادرة، لا تكتفي بردود الفعل، ورؤية اجتماعية واقتصادية متكاملة للبناء الوطني، تعيد الاعتبار للفعل الجماعي، وتؤسس لمرحلة أكثر تماسكاً وفاعلية، تستعيد فيها "فتح" دورها كقوة قائدة للمشروع الوطني التحرري والبناء المؤسسي الديمقراطي.
إن ما تحتاجه "فتح" اليوم ليس فقط إعادة ترتيب داخلي، بل وضوح في الاتجاه السياسي، إرادة وجرأة في اتخاذ القرار، واستعداد حقيقي لتحمل المسؤولية الوطنية في هذه المرحلة الدقيقة. فالحركة التي قادت المشروع الوطني التحرري لعقود، مطالبة اليوم بأن تعيد إنتاج ذاتها، لا كاستجابة للأزمة، بل كمبادرة لصياغة مستقبل أبناء شعبنا.
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح".

أقلام وأراء

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس

المؤتمر الثامن: رهان على مستقبل الحركة


يُنعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح ونحن في مرحلة لا تحتمل أن نكون أقل من المستوى المطلوب. المؤتمر يحمل في طياته فرصة حقيقية، لكنه يحمل أيضاً أسئلة لا يجوز تجاوزها.
وما تمر به قضيتنا اليوم لا يحتمل أن تكون الحركة مشغولة بنفسها بعيدة عن الناس وهمومهم. التماسك مع الجماهير وبناء الثقة معهم لن ينجح إن لم يكن الصف الداخلي متماسكاً بثقة وقناعة.
كثيرون من كادر الحركة لم يجدوا مكاناً لهم في عضوية المؤتمر، وهذا أمر مفهوم في حركة بحجم فتح وبهذا الكم من المناضلين الذين قدّموا وضحّوا. المؤتمر لا يتسع للجميع، وهذه حقيقة لا جدال فيها.
لكن المسؤولية هنا تقع على القيادة في كيفية التعامل مع هؤلاء الكوادر. من لم يجد مقعداً في المؤتمر لا يحتاج خطاباً ومجاملة عابرة، يحتاج تواصلاً حقيقياً يعترف بدوره وتضحياته بما يليق به، ويفتح أمامه المجال للمشاركة في أطر الحركة المختلفة.
الفرص يجب أن تتسع لأكبر عدد من الكادر، لا أن تبقى محصورة في عدد معين أو فئة بعينها.
الظاهرة الثانية هي حجم الترشح الكبير لعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري. هذا حق أصيل لكل عضو في المؤتمر ولا يملك أحد سلبه، لكن هذا الحجم من الترشح يقول شيئاً يجب أن نسمعه.
هذا التزاحم يكشف أن هناك جيلاً كاملاً من الكادر ينتظر دوره منذ سنوات، ولم تُفتح أمامه مساحة حقيقية بعد. وهذا ليس ترفاً تنظيمياً، بل هو أزمة تحتاج معالجة قبل أن تتعمق.
من هنا أرى أن من نال ثقة الرئيس في موقع رسمي متقدم -وزيراً أكان أم سفيراً أم وكيلاً أم محافظاً- عليه أن يُفسح المجال لغيره من الكادر في المواقع التنظيمية القيادية.
الجمع بين الموقعين لا يُنصف أياً منهما، وفي ظل أزمة تدافع الأجيال التي تعيشها الحركة، فإن حصر المواقع في أشخاص بعينهم يُعمّق الأزمة ويحرم كادراً على حساب كادر آخر.
العمل التنظيمي ليس موقعاً شرفياً، بل مسؤولية تتطلب حضوراً دائماً في الميدان بين الناس. ومن أراد الترشح للعمل التنظيمي القيادي فعليه أن يتفرغ له كاملاً، لأن العمل التنظيمي الحقيقي لا يُمارَس من بعيد.
وبالمنطق ذاته، من أخذ فرصته في عضوية المؤتمر والترشح، فمن الواجب أن يُفسح المجال لزميله في عضوية المجلس الوطني أو المركزي.
لا يستقيم في ظل هذا التزاحم أن يجمع شخص واحد عضوية المجلس الثوري والمجلس المركزي والمجلس الوطني في آنٍ واحد، بينما كوادر كثيرة لم تجد فرصة للمشاركة.
الكادر الذي يرى أن الفرص لا تصله يخف حماسه شيئاً فشيئاً حتى يصبح لا مبالياً لا يكترث. وحركة تُشعر كوادرها بالإقصاء أو بأنهم غير مُقدَّرين، تفقد معهم شيئاً لا تعوضه لا الخطب ولا البيانات ولا المجاملات مهما قيل فيها.
استعادة ثقة الشارع الفلسطيني لا تبدأ من خطاب سياسي أو موقف ميداني. تبدأ من داخل الحركة نفسها، من كادر يشعر أنه شريك حقيقي لا رقم في قائمة يُستحضر وقت الحاجة ويُنسى بعدها.
فتح التي صمدت عقوداً أمام أقسى الضغوط الخارجية، لا يجوز أن تستنزفها إشكاليات داخلية كان يمكن معالجتها بقرار واضح وإرادة صادقة. من لا يثق بنفسه من الداخل لن يقنع أحداً في الخارج.
فتح بتاريخها ونضالها تملك ما لا تملكه حركات أخرى- كادراً إنسانياً هائلاً من المناضلين والمضحين. المهم ليس إن كانت تملك هذا الرصيد، بل إن كانت تُحسن الاستثمار فيه والحفاظ عليه، بما يحقق التوازن بين الحق الفردي والمصلحة الجماعية.
المؤتمر الثامن يجب أن يكون نقطة تحول حقيقية نحو إعادة العمل التنظيمي الميداني لمكانته الحقيقية وبناء الثقة مع جماهير شعبنا، لأن الناس لا يثقون بمن لا يرونه بينهم ويحمل همهم.
لا يحتاج الأمر إلى تعقيد أو قرارات صعبة. يحتاج إلى قرار واضح وشجاعة في تطبيقه. الكادر الحقيقي لفتح يستحق أكثر من وعود، يستحق أن يرى التغيير بعينيه ويلمسه في التطبيق.
المؤتمر الثامن فرصة نهوض وطني يبدأ من الكادر وتماسكه. إن نجح في الخروج بمخرجات تجمع كادر الحركة وتحافظ عليه، فإن انعكاس ذلك سيطول كافة القضايا الوطنية. وإن أخفق، فالخسارة ليست تنظيمية فحسب، بل وطنية بامتياز.
"فتح" أثبتت على مدى عقود أنها أكبر من أي أزمة تمر بها. جماهير شعبنا مهما عتبت عليها تعود وتلتف حولها حين تشتد الأمور، لأنها تعرف في قرارة نفسها أن "فتح" هي الضمانة الوطنية الحقيقية وصمام الأمان للقرار الفلسطيني المستقل. هذه الحركة ليست حزباً بين أحزاب، بنهضتها ينهض الكل الفلسطيني. ومن هذا الإيمان تحديداً تأتي هذه الكلمات، لأن من يؤمن بفتح يريدها في أفضل حال.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس

هل تغيّرت طبيعة الحرب في الشرق الأوسط؟ من تدمير القوة إلى منع إنتاجها


لماذا تُقصف الجامعات؟
ولماذا لا يقتصر الاستهداف على المقاتلين، بل يمتد إلى المدن والبنية التحتية والعقول؟
هذه الأسئلة لم تعد هامشية في فهم ما يجري في الشرق الأوسط، بل أصبحت مفتاحًا لفهم نمط جديد من الحروب، يتجاوز فكرة "هزيمة العدو" إلى ما هو أعمق: منع العدو من أن يصبح قويًا أصلًا. لم تعد الحرب كما كانت
في التصور التقليدي، كانت الحروب تدور حول: تدمير قدرات العدو العسكرية، أو ردعه ومنعه من الهجوم. لكن ما نشهده اليوم في أكثر من ساحة يشير إلى شيء مختلف. لم يعد الهدف فقط تحييد االعدو، بل التأثير في البيئة التي تسمح له بالظهور والاستمرار.
بمعنى أبسط: لم يعد الصراع على "ما يملكه العدو الآن"، بل على "ما يمكن أن يمتلكه في المستقبل".
فائض القوة… حين تتحول القوة إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع
عندما تمتلك دولة تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا كبيرًا، فإنها لا تكتفي بالدفاع عن نفسها. بل تصبح قادرة على التأثير في محيطها بشكل أعمق.
هذا ما يمكن تسميته بـفائض القوة: أي القوة التي تتجاوز الحاجة المباشرة للدفاع، وتُستخدم لإعادة تشكيل البيئة المحيطة.
في هذا الإطار، يمكن فهم السلوك الإسرائيلي في المنطقة ليس فقط كاستجابة لتهديدات، بل كمحاولة مستمرة لضبط مستوى القوة لدى الآخرين، بحيث لا يصلون إلى مرحلة التوازن.
ما الذي يتم استهدافه فعليًا؟ إذا نظرنا إلى ما يحدث في عدة ساحات، سنلاحظ نمطًا متكررًا: تدميراً واسعاً للمدن والبنية التحتية، استهداف الجامعات والمؤسسات التعليمية، اغتيال قيادات عسكرية وعلمية، قد يبدو هذا للوهلة الأولى كجزء طبيعي من الحرب، لكن عند النظر إليه ككل، تظهر صورة مختلفة.
فالمدينة ليست مجرد مبانٍ، بل هي المكان الذي تتشكل فيه العلاقات الاقتصادية والاجتماعية. وتدميرها لا يعني فقط خسارة مادية، بل تفكيك المجتمع نفسه.
والجامعة ليست مجرد مبنى تعليمي، بل هي مصنع المعرفة. واستهدافها يعني ضرب القدرة على التفكير والتطوير في المستقبل.
أما اغتيال الكفاءات والقيادات، فهو لا يستهدف الأشخاص فقط، بل يقطع الطريق على تحويل المعرفة والخبرة إلى قوة فعلية.

من غزة إلى العراق وسوريا.. نمط يتكرر
ما يعطي هذا التحليل وزنه هو أنه لا يقتصر على حالة واحدة.
في فلسطين، لا يقتصر الاستهداف على الفصائل المسلحة، بل يمتد إلى المجتمع ككل، بما في ذلك البنية الحضرية والاقتصادية.
في العراق، أدى تفكيك مؤسسات الدولة بعد 2003 إلى إضعاف قدرتها على العمل كدولة مؤثرة.
في سوريا، ساهمت سنوات الحرب في إعادة تشكيل الدولة ضمن ظروف ضعف عميقة.
وفي لبنان، يتداخل الضغط العسكري مع الأزمة الاقتصادية والاغتيالات، بما يؤثر على قدرة المجتمع والدولة معًا.
أما في إيران، فإن استهداف العلماء والبرامج الاستراتيجية يشير إلى محاولة تعطيل مسار التحول إلى قوة أكبر.
هل هذا مقصود أم مجرد نتيجة للحرب؟ قد يقول البعض إن كل هذا مجرد نتيجة طبيعية للحروب، خصوصًا عندما تكون غير متكافئة. وهذا صحيح جزئيًا.
لكن عندما يتكرر نفس النمط في أماكن مختلفة -استهداف المدن، المعرفة، والقيادات- يصبح من الصعب اعتباره صدفة.
الأقرب للواقع أننا أمام طريقة معينة في استخدام القوة، حتى لو لم تكن مكتوبة في خطة معلنة.

حرب على المستقبل لا على الحاضر
الفرق الجوهري هنا هو أن الصراع لم يعد فقط على ما يحدث الآن، بل على ما يمكن أن يحدث لاحقًا.
فبدلًا من انتظار ظهور قوة معادية ثم مواجهتها، يتم العمل على:
إضعاف البيئة التي قد تنتج هذه القوة، تقليل فرص التعافي والنهوض، تعطيل مسار التطور.
بمعنى آخر: منع المشكلة قبل أن تولد، لكن هل تنجح هذه الاستراتيجية دائمًا؟
ليس بالضرورة. التاريخ يُظهر أن الضغط الشديد قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية: ظهور أشكال جديدة من المقاومة، تطوير أدوات غير تقليدية، إعادة بناء القدرة بطرق مختلفة، وهذا يعني أن محاولة التحكم في "قدرة الآخرين" قد تنجح مؤقتًا، لكنها ليست ضمانة دائمة.
الخلاصة: ما الذي تغيّر فعلًا؟
ما نشهده اليوم في الشرق الأوسط قد يكون تحولًا حقيقيًا في طبيعة الصراع:
من تدمير القوة إلى منع إنتاجها، ومن استهداف الفاعل إلى استهداف البيئة، ومن معركة على الحاضر إلى صراع على المستقبل.
وهنا يصبح السؤال الأهم ليس فقط من يملك القوة اليوم، بل من سيُسمح له بامتلاكها غدًا. الحرب اليوم لا تُخاض لهزيمة العدو، بل لمنعه من أن يكون عدواً أصلًا.
*باحث في العلاقات الدولية


أقلام وأراء

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:45 صباحًا - بتوقيت القدس

على حافة الانفجار: كيف يقرأ الإسرائيليون التصعيد.. وكيف يدفعون نحوه؟


ليس جديداً أن يحذر  محللون عسكريون إسرائيليون من خطر التصعيد، لكن الجديد هو الطريقة التي يُصاغ بها هذا التحذير، حيث تختلط نبرة القلق الحقيقي بقدر محسوب من التشويق الدرامي، في سياق محاولة واضحة لإعادة ترتيب المسؤوليات، بحيث تبدو إسرائيل وكأنها تقف على الهامش تراقب، لا كطرف فاعل يساهم في تشكيل مسار الأحداث.

في كثير من القراءات الإسرائيلية، يتحول الخليج إلى ما يشبه مسرحاً مفتوحاً، وتُستدعى استعارات من عالم السينما لتوصيف ما يجري، وكأننا أمام “فيلم أكشن على ضفاف هرمز”. غير أن هذه اللغة ليست بريئة، بل تعكس ذهنية ترى في الحرب حدثاً يمكن التحكم بإيقاعه، أو حتى استثماره، طالما أنه لا يرتد مباشرة على الداخل الإسرائيلي، وطالما تبقى كلفته موزعة على ساحات أخرى.

ضمن هذه السردية، يجري اختزال المشهد في شخصية واحدة هي دونالد ترامب، الذي يُقدَّم بوصفه صاحب القرار النهائي، القادر وحده على دفع المنطقة إلى الحرب أو إعادتِها إلى التهدئة. هذا الاختزال يبدو مريحاً لإسرائيل، لأنه ينقل مركز الثقل إلى واشنطن ويخفف من حضورها كطرف ضاغط، رغم أن سلوكها الفعلي يشير إلى العكس.

ففي الواقع، يكشف سلوك ترامب عن تناقض واضح بين الخطاب والممارسة؛ إذ يلوّح بتدمير إيران، لكنه يتجنب الانخراط في حرب شاملة، ويصعّد سياسياً وعسكرياً في الوقت نفسه الذي يبحث فيه عن مخرج. هذا التناقض لا يمكن فصله عن السياق الداخلي الأميركي، حيث يتزايد التعب من الحروب، ويتقدم القلق من انعكاساتها الاقتصادية، خاصة في ما يتعلق بأسعار الطاقة. وبذلك، يبدو أن ترامب يسعى إلى تحقيق إنجاز سياسي دون الانجرار إلى كلفة الحرب، وهي معادلة هشة بطبيعتها، لأنها تدفع الطرف المقابل إلى اختبار حدودها باستمرار.

في المقابل، لا تبدو إيران بعيدة عن هذا المنطق، إذ تمارس شكلاً من التصعيد المحسوب الذي يقترب من حافة المواجهة دون أن يتجاوزها. فالضربات التي تستهدف مصالح نفطية أو ممرات بحرية لا تُقصد بها بالضرورة إشعال حرب شاملة، بقدر ما تهدف إلى تثبيت معادلة ردع وإيصال رسائل دقيقة حول القدرة على الإيذاء. ومع ذلك، فإن هذا النوع من “التوازن الحرج” يظل محفوفاً بالمخاطر، لأن تراكم الخطوات المحسوبة قد يؤدي في لحظة ما إلى فقدان السيطرة.

في هذا السياق تحديداً، تبدو إسرائيل كـ“حاضر غائب” في الخطاب، لكنها في الواقع فاعل أساسي في الدفع نحو توسيع دائرة التوتر. فبنيامين نتنياهو لا يكتفي بدعم خيار المواجهة مع إيران، بل يعمل بالتوازي على إبقاء الجبهات المحيطة في حالة اشتعال منخفض الوتيرة، سواء في لبنان أو في قطاع غزة.

في لبنان، لا يمكن اعتبار وقف إطلاق النار قائماً بالمعنى الفعلي، إذ تستمر الضربات ضمن حدود مرسومة بعناية، تُبقي التصعيد تحت السيطرة دون إنهائه. هذه الحالة لا تعكس استقراراً بقدر ما تعبّر عن إدارة مستمرة للتوتر، حيث يبقى احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائماً في أي لحظة، خاصة في ظل هشاشة قواعد الاشتباك.

وبين هاتين الجبهتين، لا تبدو حدود التصعيد مرسومة فقط باعتبارات ميدانية، بل أيضاً بسقف سياسي أوسع تفرضه واشنطن. فالإيقاع الذي تتحرك ضمنه العمليات، في لبنان كما في غزة، لا ينفصل عن حسابات الإدارة الأميركية، التي تحاول ضبط مستوى الاشتباك ومنع انزلاقه إلى مواجهة إقليمية شاملة. بذلك، لا يعود السؤال مرتبطاً فقط بما تريده إسرائيل أو ما ترد به القوى الأخرى، بل بمدى استعداد دونالد ترامب للسماح بتجاوز هذه الحدود، أو إعادة رسمها وفقاً لمصالحه وتوازناته الداخلية.

أما في غزة، فتتخذ الأمور طابعاً أكثر وضوحاً، حيث تتراكم المؤشرات على وجود تحضير لمرحلة تصعيد جديدة، من خلال تصعيد الخطاب السياسي والعسكري، وإعادة طرح أهداف لم تُحسم في الجولات السابقة. وفي هذا الإطار، لا تبدو غزة مجرد ساحة مواجهة منفصلة، بل جزءاً من منظومة ضغط أوسع تُستخدم ضمن الحسابات الإقليمية، وهو ما ينطبق أيضاً على الجبهة اللبنانية.

بهذا المعنى، لا تكتفي إسرائيل بمتابعة التصعيد، بل تساهم في تشكيل بيئته، من خلال الإبقاء على حالة توتر دائمة تسمح لها بالمناورة، وتُبقي خيارات المواجهة مفتوحة دون تحمل كلفة الانفجار الشامل.
ورغم كل هذا التصعيد، لا يغيب مسار آخر أقل حضوراً في الإعلام، يتمثل في استمرار قنوات التفاوض غير المباشر، ما يكشف أن المنطقة لا تتجه بالضرورة نحو حرب حتمية، بل تعيش حالة من المساومة المستمرة تحت ضغط النار. فإيران تربط أي تقدم برفع الحصار، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى انتزاع تنازلات في الملف النووي، في حين يستخدم كل طرف أدوات التصعيد لتحسين شروطه التفاوضية.

غير أن هذا التداخل بين التفاوض والتصعيد يخلق وضعاً بالغ الهشاشة، حيث يصبح الاستقرار مرهوناً بقدرة جميع الأطراف على ضبط الإيقاع بدقة، وهو أمر لا يمكن ضمانه في ظل تعدد الجبهات وتداخل المصالح.
في ضوء ذلك، لا يكمن الخطر في نية واضحة لشن حرب شاملة، بل في طبيعة المرحلة نفسها، حيث تتقاطع حسابات متناقضة: إدارة أميركية تبحث عن إنجاز دون كلفة، وإيران تمارس سياسة حافة الهاوية، وإسرائيل تدفع نحو توسيع دائرة الاشتباك دون أن تكون ساحته المباشرة.

وفي مثل هذه البيئة، لا تحتاج الحروب إلى قرارات كبرى بقدر ما تحتاج إلى خطأ صغير. عندها، لن تبقى المواجهة محصورة في الخليج، ولن تظل الجبهات منفصلة، بل قد تتحول المنطقة بأكملها إلى ساحة مفتوحة يصعب احتواؤها أو التنبؤ بمآلاتها.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:45 صباحًا - بتوقيت القدس

مشروع الحرية.. ليست كل إسرائيل وليست كل أمريكا

معادلة

توقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران منذ نحو شهر، دون أن تتوقف الحرب، لا في الكلام و التهديدات، و لا في حصارات الموانئ بالأساطيل و البوارج و حاملات الطائرات.
انخفضت بالطبع احتمالات استئناف القصف المتركزة كلياً تقريباً في يد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فأعطى للديبلوماسية والمفاوضات حبل غاربها، ووصل به الأمر في حال التعثر أن يبقي الوضع على ما هو عليه، لا حرب و لا سلم، فجاء بقرار عملي ينهي الحصار عن السفن المحتجزة -نحو 400 سفينة- لم يكن لها ناقة ولا جمل في الصراع المحتدم، و هناك نحو عشرين ألفاً من البحارين محتجزين هناك منذ أواخر شباط الماضي.
لكن إيران أعلنت بوضوح، وأكثر من مرة، أن بإمكان هذه السفن غير المتورطة حكوماتها في العدوان عليها بالمرور من خلال التنسيق مع الدولة الإيرانية، وقد فعلت ذلك سفن هندية وصينية ويونانية... إلخ، بمعنى أن من يحتجز حركة هذه السفن المحايدة والمسالمة، هو الأسطول الأمريكي الذي حاصر المضيق المحاصر. ولا يحتاج الأمر بالطبع إلى حماية من البحرية الحربية الأمريكية، لطالما أن إيران متوافقة مع ذلك، ولا نظن أن السفن المحتجزة يمكن أن تغامر بالمغادرة لأن أمريكا هي من سيحميها، بل عندما تسمع أن إيران وافقت على مغادرتها. أمريكا لن تستطيع حمايتها في ذاك الخليج، بل بدون موافقة إيران، ستكون هذه السفن هي الخاسر الأكبر لأسباب تتعلق بحمولتها الكبيرة وسرعتها البطيئة.
ولا نظن أن إيران سترفض ما طلبته من قبل حتى لو جاء على لسان أمريكا كقرار من رئيسها ترمب، بدون شروط، لأنها ليست هي التي تحول أو تمنع هذه السفن من المغادرة، لكننا نظن أن قرار ترمب جاء من هذا المخرج الإنساني، و"مشروع الحرية" للنزول عن الشجرة، بل عن الشجرات التي صعد عليها ليقطف ثمارها، فلما وصل إلى قممها اكتشف أنها بلا ثمر، شجرة اليورانيوم المخصب، شجرة الصواريخ البالستية، شجرة قلب النظام، شجرة المنظمات الإرهابية، و أخيراً شجرة المضيق. ثم اكتشف أن النزول عنها أصعب من صعودها، ليس لأن النزول أصعب من الصعود، بل لأن استحقاقات النزول باهظة، وأن شعار أمريكا عادت الى عظمتها قد سقط، وان العلاقة مع النيتو قد انفرطت، وأن الانتخابات النصفية قد انحسمت، وأن الجهة الوحيدة التي تقف إلى جانب أمريكا هي إسرائيل، وليس كل إسرائيل، وليس كل أمريكا.  
   


أقلام وأراء

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤتمر "فتح" الثامن وحق العضوية


على قدمٍ وساقٍ تجري الاستعدادات لعقد مؤتمر حركة "فتح" الثامن في رام الله، وسط واقعٍ صعب وظروفٍ مستحيلة، إلا أننا كشعبٍ يبدو أننا اعتدنا ممارسة الديمقراطية في أحلك الظروف وأكثرها سخونة. فبعد انتخابات البلديات وما شهدته من حراكٍ وانقسامٍ وتدافعٍ وتنافر، ونِسَب مشاركةٍ بالكاد وصلت إلى النصف أو تعدّته بقليل، يجري الاستعداد لعقد مؤتمر فتح الثامن على طريق الديمقراطية الفلسطينية التي تأتي في ظل كل ما نشهده من واقعٍ على الأرض، وما يعيشه الإقليم والعالم بشكلٍ عام.
يقول أحدهم التقيت به صدفةً على قارعة الطريق: "الفلس عام وطام، ونحن راكضون خلف صندوق الاقتراع".
ويقول آخر صادفته بباب المصعد وأنا ذاهبٌ إلى عملي: الهدف من الانتخابات هو تجديد الشرعيات وتجديد الأشخاص وإحداث تغيير نحو الأفضل، ولا هذا ولا ذاك يحدث في بلادنا؛ نكرر نفس الشرعيات وذات الأشخاص، بذات الكلمات ونصدق الوعود، ثم نعود لنندب حظنا. وأردف قائلًا: "البين يطسنا".
ضحكت، وقلت: سأجرب الكتابة حول ما أعارتني المصادفات من أفكارٍ شكّاءةٍ في ظاهرها، حقيقيةٍ في مضمونها وأثرها، ويبدو أنها تشغل بال الكثيرين ممن آمنوا بالفكرة ولم يحظوا بالعضوية في مؤتمرات الحركة الثمانية.
من المعلوم أن حركةً جماهيريةً لا يمكنها أن تحمل كافة أعضائها وقادتها وطلائعها، شبانها وشيبها وشبيبتها، ممن أفنوا من أعمارهم عقودًا من الزمن منضبطين وملتزمين، ولم يجنحوا يومًا أو يخرجوا عنها، ولكن كان المطلوب نوعًا من العدالة في الاختيار، بحيث تضمن لعضوٍ أمضى ثلاثة أو أربعة أو خمسة عقودٍ منتميًا لـ"فتح" أن يحظى بعضوية مؤتمرٍ واحدٍ من مؤتمراتها الثمانية. أما ولم يحدث ذلك، فإن في الأمر خللًا، ليس في "فتح"، بل في من يضعون منهاج الاختيار وفق قواعد وشروط وقوانين غير منصفة، بل وظالمة؛ لأنها تجعل رجلًا يحمل على كتفيه ثقل عمرٍ من التضحيات، وقد قضى حياته في "فتح" منضبطًا وملتزمًا بالعهد والقسم والولاء، لا يجد كلامًا يقوله لأحفاده، وهم يسألونه عن عدم وجوده عضوًا في المؤتمر، وفي المقابل ابن الجيران، الذي لم يبلغ العشرين بعد، استحق العضوية.
لو وقف أحد القادة ممن أُوكلت إليهم مهمة وضع شروط العضوية مكان الرجل أمام أحفاده، لعرف كيف يكون الظلم صفعةً على خد كهلٍ عجوزٍ تغنّى بالحركة طيلة حياته، ولم يخرج عليها يومًا.
كان يمكن لـ"فتح" أن تحفظ للكثيرين مهابتهم أمام أعين أحفادهم وأبنائهم، لكنها، كما في كل مؤتمر، لم تفعل؛ ليس لأن "فتح" لا تريد، بل لأن من وضع النظام لم يُعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه.
كان بالإمكان استيعاب المزيد من القامات والهامات والطاقات الفتحاوية داخل عضوية المؤتمر، وكان ذلك سيضفي على المؤتمر قاعدة أوسع وأشمل، وحريٌّ بـ"فتح" فعل ذلك لأنها ليست حركة هامشية، بل متجددة الأثر في مواكبة الأجيال. فالاتساع في التمثيل لا يُضعف القرار، بل يمنحه شرعيةً أعمق، ويجعل مخرجات المؤتمر أكثر التصاقًا بروح القاعدة التي صنعت تاريخ الحركة.
إن "فتح"، بتاريخها وحضورها، قادرةٌ على أن تقدّم نماذجًا في إدارة الاختلاف وتوسيع دوائر المشاركة، بحيث يشعر كل من انتمى إليها يومًا، أن له مكانًا محفوظًا في بيتها الكبير. فحركات التحرر تقاس بقدرتها على احتواء أبنائها، وصون كرامتهم، ومنحهم الإحساس بأن ما بذلوه لم يذهب سدىً، وأن أبوابها مفتوحةً لكل من طرقها بإخلاص.
سمعت شكاوى محقة كثيرة، وكم أحزنتني تلك الكلمات التي أصابت المعنى من قامات فتحاوية عايشتها. ليس عتبًا فحسب، بل حزنًا على مآلات كان يمكن تجاوزها، لو أعدنا الأشياء لبساطتها الأولى.


فلسطين

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:41 صباحًا - بتوقيت القدس

جريمة قتل الطفل نعيم.. تساؤلات حول الحماية المجتمعية من العنف


د. عمار دويك: القضية يجب عدم اختزالها بتحقيق مع الجاني بل أن تشمل نقاشاً وطنياً شاملاً يحدد مواطن الخلل بالسياسات والتشريعات وآليات الإبلاغ والاستجابة
طه الإيراني: هذه الجريمة "سلوك فردي شاذ" لا يعبر عن المجتمع الفلسطيني وهي ناتجة عن تعاطي المخدرات وليست خللاً في التشريعات أو منظومة الحماية
د. خولة فضل الله: 7617 قضية عنف أسري سُجلت خلال عام 2025 وهناك ارتفاع ملحوظ في حالات العنف داخل الأسرة بنسبة تزيد على 20%
خالد قزمار: هذه الجريمة تعكس واقعاً اجتماعياً يتعامل مع الطفل كملكية خاصة للأسرة إلى جانب حالة من اللامبالاة المجتمعية تجاه حالات العنف والإهمال
د. سماح جبر: المجتمع يعاني من "تطبيع خطير مع العنف الأسري" يقوم على فكرة أن الأطفال "ملكية خاصة" للأهل وهو ما يمنع التدخل ويُضعف منظومة الحماية
الشيخ إبراهيم عوض الله: ينبغي أن لا نقتصر على شجب الجريمة بل استخلاص العبر ووضع خطة لتجنب وقوع جرائم من هذا القبيل في مجتمعنا
الشيخ عبد الله سليمان: يجب توفير بدائل آمنة للأطفال بحالات النزاع الأسري الحاد سواء عبر تدخل العائلة الممتدة أو المؤسسات المختصة لضمان حمايتهم



رام الله – خاص بـ"القدس" – لا تزال الصدمة الواسعة ماثلة بعد جريمة مقتل الطفل نعيم أحمد الشامي (11 عاماً) مساء السبت، على يد والده في بلدة بيت عور التحتا غرب رام الله، وتفتح باب التساؤلات حول واقع حماية الأطفال في المجتمع الفلسطيني، وضرورة استخلاص العبر لمنع تكرار مثل هذه الحوادث المؤلمة الغريبة عن واقع الشعب الفلسطيني. ويرى مسؤولون ومختصون ورجال دين وإصلاح في أحاديث مع "ے"، أن ما حدث بحق الطفل نعيم، يجب التعامل معه كإنذار يكشف عن ثغرات في التعامل مع العنف الأسري، خاصة أن الطفل كان يعيش ظروفاً صعبة وسط عنف متكرر، دون تحرك فعّال من المحيط الاجتماعي أو الجهات المختصة، ما يعكس ضعف ثقافة التبليغ المبكر، مشددين على ضرورة مراجعة آليات الحماية وتعزيز دور المجتمع في الوقاية من هكذا حوادث.


صدمة مجتمعية كبيرة

يؤكد مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" د.عمار دويك أن الجريمة البشعة التي راح ضحيتها طفل على يد والده غرب رام الله تمثل صدمة مجتمعية كبيرة، وتكشف في الوقت ذاته عن ثغرات خطيرة وضعف واضح في منظومة الحماية الوطنية للأطفال في فلسطين.
وبحسب دويك، فإن هذه الحادثة المؤلمة التي هزت المجتمع الفلسطيني يجب أن تشكل فرصة جدية لإعادة طرح مشروع قانون حماية الأسرة من العنف، بما يضمن وضع آليات واضحة وفعالة للتعامل مع حالات العنف داخل الأسرة، خصوصاً تلك الموجهة ضد الأطفال، إلى جانب تعزيز آليات التحويل والحماية، بما يشمل توفير بدائل آمنة في حالات الأسر المفككة.

مسؤولية الدولة بحماية الأطفال

ويشدد دويك على أن الأصل في الحماية أن تكون داخل الأسرة، إلا أن انهيارها أو تحولها إلى مصدر للعنف يفرض مسؤولية مباشرة على الدولة لتأمين الحماية اللازمة للأطفال، إلى جانب دور مؤسسات المجتمع المدني، مثل الجمعيات الخيرية ومؤسسات رعاية الأطفال التي توفر الإيواء والحماية.
ويعتبر دويك أن ما حدث يعكس ضعفاً شديداً في هذا المجال، داعياً إلى فتح نقاش وطني واسع حول منظومة حماية الطفل، وتقييم آليات الاستجابة الحالية، داعياً إلى التحقق مما إذا كانت الجهات الرسمية المختصة، مثل وحدات حماية الأسرة في الشرطة ووزارة التنمية الاجتماعية، على علم مسبق بحالة العنف داخل الأسرة، وما هي الإجراءات التي تم اتخاذها لحماية الأطفال قبل وقوع الجريمة.
ويشير إلى أن المعلومات المتداولة تفيد بأن الطفل كان يتعرض للعنف داخل أسرته، وأن محيطه الاجتماعي كان على دراية بذلك، متسائلاً عن أسباب غياب التدخل في الوقت المناسب.
ويؤكد دويك أن القضية لا ينبغي أن تُختزل في تحقيق جنائي مع الجاني فقط، بل يجب أن تشمل نقاشاً وطنياً شاملاً يحدد مواطن الخلل في السياسات والتشريعات وآليات الإبلاغ والاستجابة، بهدف استخلاص العبر ومنع تكرار مثل هذه الجرائم بحق أطفال آخرين في المستقبل.

حادثة شاذة لا يمكن تعميمها

يؤكد وكيل وزارة التنمية الاجتماعية طه الإيراني أن جريمة مقتل الطفل على يد والده تُعد "سلوكاً غير معهود وغير نمطي في المجتمع الفلسطيني"، كما أنها حادثة شاذة لا يمكن تعميمها على المجتمع الفلسطيني أو البناء عليها في تقييم منظومة الحماية أو التشريعات.
ويوضح الإيراني أن القوانين الفلسطينية الخاصة بحماية الطفولة "ناظمة وواضحة" وتكفل حقوق الأطفال وآليات حمايتهم، مشيراً إلى أن الإشكالية في هذه القضية لا تعود إلى التشريع أو إلى ضعف النظام، بل إلى "سلوك فردي خارج عن السيطرة".
ويشدد الإيراني على أن كل المؤشرات المتداولة تفيد بأن الجاني كان يعاني من تعاطي المخدرات، وهو ما أدى إلى سلوك عنيف متكرر داخل أسرته، مشيراً إلى أنه سبق أن تم حجزه من قبل الشرطة وأُخذت منه تعهدات بعدم التعرض لأفراد أسرته قبل وقوع الحادثة الأخيرة، ولم يكن للوزارة علم بذلك.
ويشدد الإيراني على أن الحادثة "مرفوضة دينياً وأخلاقياً واجتماعياً"، مؤكداً أنها لا تعكس السلوك العام للمجتمع الفلسطيني المحب لأطفاله والحريص عليهم.
ويشير الإيراني إلى أن التدخلات الحكومية في حالات العنف الأسري قائمة من خلال شرطة حماية الأسرة ودوائر الطفولة التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية، حيث يتم التعامل مع الحالات عبر الإيواء أو الرعاية أو التأهيل عند تلقي البلاغات من الجهات المختصة، مؤكداً أن المنظومة "جاهزة للتدخل الفوري" عند وصول المعلومات.
وفي تفسيره لعدم تدخل الوزارة في هذه القضية قبل وقوع الجريمة، يؤكد الإيراني أن الحالة المتعلقة بقضية أسرة الطفل في بيت عور التحتا لم تُبلّغ رسمياً لوزارة التنمية الاجتماعية، وأن ما جرى كان في البداية ضمن نطاق الشرطة كحالة نزاع أو مشكلة أسرية، ولم يتم تحويل الملف للجهات المختصة بالحماية.
ويشير الإيراني إلى أن مسؤولية الإبلاغ تقع على المجتمع والمؤسسات المحلية، حيث أن المجتمع الفلسطيني أحياناً يميل إلى التغطية على القضايا الاجتماعية الحساسة، وهو ما يؤدي إلى تفاقم المشكلات بدلاً من معالجتها بشكل جذري، محذراً من أن هذا السلوك يتيح المجال لتطور العنف داخل بعض الحالات.
ويلفت الإيراني إلى أهمية محاربة ظاهرة المخدرات باعتبارها "الآفة الأساسية" التي تقود إلى سلوكيات خطرة وخارجة عن السيطرة، مؤكداً أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تشديد العقوبات وتعزيز الجهود الوقائية.
ويؤكد الإيراني أن مسؤولية حماية الأطفال مشتركة بين الدولة والمجتمع، وأن أي شخص يشكل خطراً على نفسه أو على الآخرين يجب التعامل معه ضمن إطار القانون، مشدداً على ضرورة رفع الوعي المجتمعي بآليات التبليغ وعدم انتظار وقوع الحوادث للتدخل، قائلاً: "إن الوزارة تواجه مشكلة بأن التدخل غالباً يأتي بعد وقوع الحدث وليس قبله، بسبب ثقافة المجتمع القائمة على محاولة الاحتواء في داخل الأسرة فقط".

خلل عميق في منظومة المسؤولية المجتمعية

تؤكد مدير إدارة حماية الأسرة والأحداث في الشرطة الفلسطينية العميد د.خولة جمال فضل الله، أن جريمة مقتل الطفل نعيم الشامي تكشف عن خلل عميق في منظومة المسؤولية المجتمعية، مشددة على أن حماية الأطفال لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تشمل الأسرة والمجتمع والمؤسسات كافة.
وتوضح أن مؤشرات الخطر كانت حاضرة قبل وقوع الجريمة، حيث كان الطفل يبيت في المسجد لعدة أيام ويتلقى الطعام من الأهالي، دون أن يتم الإبلاغ عن حالته للجهات المختصة، معتبرة أن هذا السلوك يعكس غياب الوعي والحس بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية.
وتبيّن فضل الله أن إدارة حماية الأسرة والأحداث تمثل خط الدفاع الأول عن الفئات الأكثر عرضة للخطر، وعلى رأسها الأطفال والنساء، وتعمل وفق آليات مهنية تشمل استقبال الشكاوى بسرية تامة، وتوفير الحماية الفورية، وتأمين الإيواء عند الحاجة، إلى جانب تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، ومتابعة الإجراءات القانونية بالتعاون مع الجهات الشريكة، وعلى رأسها وزارة التنمية الاجتماعية.
وتشير فضل الله إلى أن والدة الطفل كانت قد تقدمت بشكوى إيذاء ضد الزوج عام 2024، وتم تحويل الملف كاملاً إلى النيابة العامة، مؤكدة أن دور الشرطة ينتهي عند هذه المرحلة، لتبدأ الإجراءات القضائية.
وتلفت فضل الله إلى أن غياب مؤشرات الخطر الواضحة لدى الجهات المختصة، وعدم الإبلاغ المستمر من قبل المحيط الاجتماعي، ساهما في عدم اتخاذ إجراءات وقائية أكثر صرامة.
وتشدد فضل الله على أهمية التبليغ المبكر، داعية المواطنين إلى استخدام خط المساعدة 106، الذي يعمل على مدار الساعة ويضمن السرية الكاملة، إلى جانب رقم الشرطة 100، ومنصات التواصل الرقمي لإدارة حماية الأسرة والأحداث، مؤكدة أن التدخل المبكر يمكن أن ينقذ حياة الأطفال ويوفر لهم الحماية اللازمة.
وتكشف فضل الله عن تسجيل 7617 قضية عنف أسري خلال عام 2025، منها 4276 قضية تخص الأسر، و3341 قضية تتعلق بالأحداث، إضافة إلى تلقي أكثر من 2232 بلاغاً عبر خط 106، علاوة على وجود مؤشر لارتفاع العنف الأسري منذ مطلع العام الحالي، مشيرة إلى أن هذه الأرقام تعكس ارتفاعاً ملحوظاً في حالات العنف، بنسبة تزيد عن 20% داخل الأسرة مقارنة بالعام 2024، وهو ما يعزى جزئياً إلى زيادة الوعي المجتمعي وثقة المواطنين بآليات التبليغ.
وترجع فضل الله أسباب تصاعد العنف إلى عوامل متعددة، أبرزها الأوضاع الاقتصادية الصعبة، والضغوط النفسية الناتجة عن فقدان مصادر الدخل، إلى جانب تأثيرات الواقع السياسي، والتقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي الذي خلق تحديات جديدة لدى الأسرة، مؤكدة أن هذه العوامل تنعكس سلباً على استقرار الأسرة وعلاقاتها الداخلية.
وتؤكد فضل الله أن حادثة مقتل الطفل نعيم، رغم كونها "شاذة عن طبيعة المجتمع الفلسطيني"، لكنها تشكل مؤشراً خطيراً يستدعي إعادة تقييم آليات الحماية، وبناء نظام أكثر فاعلية لرصد مؤشرات الخطر والتعامل معها قبل تفاقمها.

ناقوس خطر حقيقي

يؤكد المدير العام السابق للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال – فلسطين خالد قزمار أن الجريمة التي أودت بحياة الطفل تمثل "ناقوس خطر" حقيقي لما يعيشه المجتمع الفلسطيني من خلل عميق في منظومة حماية الطفولة، مؤكداً أن القضية لا يجوز التعامل معها كحادثة عابرة، مشيراً إلى أن هذه الجريمة تعكس واقعاً اجتماعياً يتعامل مع الطفل باعتباره ملكية خاصة للأسرة، إلى جانب حالة من اللامبالاة المجتمعية تجاه حالات العنف والإهمال، ما يضاعف من حجم المسؤولية الأخلاقية والقانونية على مختلف الأطراف.
ويوضح قزمار أن المسؤولية الأساسية تقع على المستوى الرسمي، إلى جانب المجتمع المدني بمفهومه الواسع الذي يشمل المجتمع المحلي، مشيراً إلى أن مؤشرات الإهمال كانت واضحة، إذ كان الطفل يتردد بشكل متكرر على المسجد ويعيش في ظروف صعبة ويعتمد على الصدقات، دون أن يتم التحقق من حالته أو متابعة أوضاعه.
ويتساءل قزمار عن غياب المتابعة المجتمعية والرسمية، قائلاً: "إن مواقع مثل المسجد والمحيط الجغرافي كان يجب أن تشكل نقاط إنذار مبكر، إلى جانب مسؤولية المدرسة التي كان يفترض أن يكون الطفل ضمن إطارها التعليمي، فأين المدرسة من هذا الطفل؟ وأين دورها في الحماية؟"، مشيراً إلى أن الجهات الرسمية، بما فيها وزارة التنمية الاجتماعية عبر مرشدي الحماية، والشرطة، وشبكات الحماية، إضافة إلى الحكم المحلي، تتحمل مسؤولية مباشرة، لافتاً إلى أن القضية ليست جديدة بل سبق الحديث عنها دون اتخاذ إجراءات جدية.
ويعتبر قزمار أن الطفل ضحية تداخل ثلاث دوائر من الإهمال: الأسري، والمجتمعي، والرسمي، داعياً إلى تحويل هذه الجريمة إلى نقطة مراجعة شاملة لنظام الحماية.
ويشدد قزمار على ضرورة تفعيل دور النيابة العامة في تطبيق قانون حماية الأحداث وقانون الطفل الفلسطيني، خاصة فيما يتعلق بإلزامية التبليغ عن أي حالة انتهاك، مؤكداً أن الامتناع عن الإبلاغ يشكل مخالفة قانونية صريحة، داعياً إلى محاسبة كل من كان على علم بحالة الطفل ولم يتدخل، سواء في المجتمع المحلي أو المؤسسات الرسمية، معتبراً أن تفعيل المساءلة هو الطريق الوحيد لمنع تكرار مثل هذه الجرائم مستقبلاً.

خلل بنيوي بثقافة المجتمع بالتعامل مع هذه الحوادث

تؤكد استشارية الطب النفسي، د. سماح جبر أن جريمة مقتل الطفل لا يمكن التعامل معها كحادثة فردية معزولة، مشددة على أنها تعكس خللاً بنيوياً واسعاً في ثقافة المجتمع بالتعامل مع هذه الحوادث قبل وقوعها، وكذلك منظومة حماية الطفل، إضافة إلى ضعف فعالية الأنظمة الوقائية قبل وقوع العنف.
وبحسب جبر، فإن الميل الأول بعد وقوع مثل هذه الجرائم هو إلقاء المسؤولية على الفرد فقط، وأحياناً اختزالها في تفسير مرض نفسي، وهو ما يؤدي إلى طمس الأسباب العميقة المرتبطة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي والمؤسساتي، وغياب أنظمة حماية فعالة ورقابة مبكرة، مشيرة إلى أن ما يغيب بشكل متكرر هو ضعف منظومة حماية الأسرة، وغياب التبليغ المبكر عن حالات العنف ضد الأطفال، متسائلة عن أسباب صمت المجتمع في حالات يكون فيها العنف واضحاً ومستمراً، مثل تعنيف الأب لأطفاله أمام الجيران والأقارب دون تدخل.
وتعتبر جبر أن المجتمع يعاني من "تطبيع خطير مع العنف الأسري"، يقوم على فكرة أن الأطفال "ملكية خاصة" للأهل، وهو ما يمنع التدخل ويُضعف منظومة الحماية، مشيرة إلى أن هذا الصمت المجتمعي يسمح بتفاقم العنف تدريجياً وصولاً إلى جرائم قاتلة، موضحة أن ردود الفعل غالباً لا تأتي إلا بعد وقوع الكارثة، في حين يتم التغاضي عن الإشارات المبكرة.
وتؤكد جبر أن مسؤولية الحماية تقع على مستويات متعددة، تشمل الجهات الرسمية والمجتمع والأفراد، داعية إلى تفعيل أنظمة الحماية بشكل فوري للأطفال المعرضين للخطر، وخاصة الذين لديهم سوابق تعنيف أو يعيشون في بيئات مضطربة نفسياً أو مرتبطة بالإدمان أو العنف.
وتشدد جبر على أهمية دور المعلمين والأطباء والممرضين والمرشدين الاجتماعيين في رصد علامات الإساءة والإبلاغ عنها، مؤكدة أن عدم التبليغ يشكل خللاً مهنياً وقانونياً، في إشارة إلى قانون حماية الطفل الذي يفرض الإبلاغ عن أي حالة خطر، داعية إلى عدم الاكتفاء بالمحاسبة بعد وقوع الجريمة، بل تطوير منظومة وقائية تشمل دعم الأسر التي تعاني من العنف، وتقديم برامج علاج وتأهيل للأهل المعنفين، معتبرة أن كثيراً من حالات العنف ترتبط بضعف المهارات لدى الوالدين وليس بالضرورة بوجود مرض نفسي، في حين شددت على ضرورة تقديم دعم نفسي شامل لكل من له علاقة بالطفل الضحية، بحيث يمتد إلى الأم، والإخوة، وزملاء المدرسة، والجيران، باعتبار أن الحوادث الصادمة تترك أثراً مجتمعياً واسعاً.
وتدعو جبر إلى ضرورة دمج خدمات الصحة النفسية ضمن الرعاية الأولية، وتطوير خطوط دعم سرية وفعالة للأسر، إضافة إلى حملات توعية حول التربية غير العنيفة، وآليات طلب المساعدة، بما يساهم في الوقاية المبكرة من العنف، محذرة من ضعف المنظومة الحالية التي غالباً ما تتفاعل بعد وقوع الحوادث بدلاً من منعها، مؤكدة أن هذا القصور يترك شقوقاً في نظام الحماية يقع فيها الأطفال دون تدخل مبكر.
وتشدد جبر على أن هذه الحوادث، رغم فظاعتها، يجب أن تتحول إلى فرصة لإعادة بناء منظومة حماية أكثر فعالية، تقوم على الكشف المبكر، والتبليغ الإلزامي، والدعم النفسي، وتغيير الثقافة المجتمعية التي تتسامح مع العنف داخل الأسرة، مؤكدة أن الوقاية هي الخطوة الأساسية لمنع تكرار مثل هذه الجرائم مستقبلاً.

جريمة تناقض المبدأ الفطري العام

يقول نائب المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية ومفتي محافظة رام الله والبيرة الشيخ إبراهيم عوض الله: "مع رفض هذه الجريمة مهما كانت أسبابها وظروفها، فإن معرفة الأسباب التي دفعت لها أمر في غاية الأهمية لأخذ العبرة، والعمل على الوقاية من تكرارها، ومثل هذه الجريمة إما أن تصدر عن فاقد عقل أو دين، وفاقد العقل رُفع عنه القلم، لكن ينبغي لمن حوله الحذر منه ومن عدوانه، والعمل على تجنب شره، بالتعاون بين عناصر الأسرة أنفسهم، وبينهم وبين المحيطين بهم، والجهات ذات العلاقة في المجتمع".
أما الذي يقترف مثل هذه الجريمة بسبب ضغط الظروف، أو الانتقام من بعض أفراد الأسرة، أو في ظروف حماقة وعصبية، أو عقاب الضحية بظلم، فيؤكد عوض الله أن كل ذلك وما شابهه ينبع من انحراف وغياب الخوف من حساب الله وعقابه، والتغافل عن النهايات والمآلات في الدنيا والآخرة، متسائلاً: "كيف يمكن لمن يقدم على قتل فلذة كبده ذكراً كان أو أنثى أن يعيش ما بقي من عمره في ظل الحسرة التي ستلاحقه وخزاتها وآلامها على ما اقترفت يداه؟!".
ويقول عوض الله: "لم يكن ذكر الفقر أو الخشية منه مصادفة خلال الشجب القرآني لقتل الأبناء، فالحياة تعتريها بطالة ومشكلات وصعاب، ويعتريها حرمان، وذلك وغيره ينبغي أن لا يكون مبرراً أو دافعاً للجرائم، ويحرم الركون لقسوة الحياة للانحراف في السلوك، فالدنيا في النهاية لن تدوم لحد، ولن تكون بدون جراح وآلام، فعلينا بالصبر والروية والتركيز على العواقب، التي تكون وخيمة ومؤلمة لمَّا تُسبق بالجريمة".
ويؤكد عوض الله أن "الابن أمانة في رقاب والديه، يحرم أن يعامل بإهمال، فكيف بجريمة قتله والتخلص من وجوده؟! وكيف كذلك إذا تمت جريمة قتله بصورة بشعة تقشعر لهولها الأبدان، وتعتصر للحزن منها القلوب؟!".
ويقول عوض الله: "حتى نكون من المتعظين والمعتبرين، ينبغي أن لا نقتصر على شجب هذه الجريمة النكراء، بل علينا أخذ الدروس منها، واستنتاج ما يلزم بالخصوص من خلاصات دقيقة، ووضع خطة معالجة بهدف العمل الجاد لتجنب وقوع جرائم من هذا القبيل في مجتمعنا، وهذا الشأن مطلوب من الجهات المسؤولة عن أمن المجتمع وسلامته وتوفير الحياة الكريمة لعناصره، ويطلب من الإعلام وأهل الوعظ والإرشاد والتربية والتعليم بمناهجها وكوادرها تناول القضايا المتعلقة بمثل هذه الحوادث بحكمة ومعالجات بناءة، والتركيز على الوازعين المنطقي والديني للوقاية منها، ويطلب من رعاة الأسر وعناصرها التنبه للظروف التي تتنامى فيها دوافع الجريمة، لقلعها من جذورها والحذر من تداعياتها، وعدم إهمالها، قبل أن تقع الفأس بالرأس، سائلين الله العلي القدير أن يجنبنا وشعبنا المآسي صغيرها وكبيرها، وأن يلهم أهل هذه الضحية الصبر والسلوان".

العبء الأكبر يتحمله المحيط العائلي

 يؤكد عضو لجنة الإصلاح في القرى الغربية لمحافظة رام الله والبيرة، الشيخ عبد الله عمران سليمان، أن الجريمة المروّعة التي هزّت الشارع الفلسطيني، والمتمثلة بمقتل الطفل نعيم أحمد الشامي (11 عاماً) من بلدة بيت عور التحتا غرب رام الله على يد والده، يتحمّل مسؤوليتها الجميع.
ويوضح سليمان أنه على الرغم من أن المسؤولية "تقع على الجميع، كلٌّ في موقعه"، لكن العبء الأكبر يتحمله المحيط العائلي القريب من الجاني، نظراً لمعرفتهم المسبقة بسلوكياته العنيفة والخطرة، علماً بأن عائلة الشامي عائلة محترمة جداً ولا يمثلها ما جرى وترفضه.
ويشير سليمان إلى أن الطفل كان يتعرض لأشكال متعددة من التعنيف، بما في ذلك الضرب والتعذيب، ما كان يدفعه إلى الهروب من المنزل لأيام، واللجوء إلى مسجد الدعوة في البلدة طلباً للمأوى والطعام.
ويشير سليمان إلى أن التساؤلات الجوهرية التي تطرح نفسها تتمثل في غياب تدخل العائلة والمجتمع في الوقت المناسب، إلى جانب محدودية قدرة الجهات الرسمية على الاحتواء طويل الأمد، رغم قيامها ببعض الإجراءات.
ويلفت سليمان إلى أن الجاني سبق أن أقدم على سلوكيات خطرة، من بينها إشعال النار في منزله أثناء وجود أطفاله داخله، في حادثة استدعت تدخل الأهالي لإنقاذهم، وفي حالات عديدة تم اعتقال الجاني سابقاً عدة مرات لأيام ويتم الإفراج عنه بتعهدات عدم العودة لهذه الأفعال لكن دون جدوى.
وبحسب ما أورده سليمان استناداً إلى ما هو متداول في التحقيقات وشهادات محلية، فإن الجريمة وقعت في منطقة نائية تُعرف بـ"القرعة" بين قريتي صفا ودير إبزيع غرب رام الله، حيث أقدم الأب على اصطحاب نجله إلى هناك بعد أن التُقطت له صور عبر كاميرات المراقبة وهو يحمل أدوات يُشتبه باستخدامها في الجريمة، بينها فأس وحبل ووعاء يعتقد أنه وقود، وقيد الطفل واعتدى عليه بالفأس، ثم أضرم النار بجثمانه، واتصل بنجله الأكبر وأبلغه بأنه قتل شقيقه وفر من المكان، لكن الأجهزة الأمنية تمكنت من القبض عليه.
ويعتبر سليمان أن المجتمعات الريفية، بحكم ترابطها، تتحمل دوراً أساسياً في المراقبة والتدخل، منتقداً التردد في التدخل تحت ذريعة "الخصوصية"، ومؤكداً أن الحالات التي تنطوي على خطر حقيقي لا يمكن اعتبارها شأناً خاصاً، وهو ما يتطلب ضرورة تبرؤ العائلات من جرائم أبنائها ومحاصرتهم اجتماعياً.
ويقول سليمان: "حين تصل الأمور إلى تهديد حياة الأطفال، يصبح التدخل واجباً أخلاقياً ومجتمعياً"، مشيراً إلى أن الجاني كان يمر بظروف بينها إصابته بمرض السرطان، وخلافات أسرية انتهت بالانفصال عن زوجته، إضافة إلى شبهات حول تعاطي مواد مخدرة أو مهلوسة بعد مشاكله الصحية والأسرية، وفق ما هو متداول، وهو ما زاد من خطورة حالته.
ويلفت سليمان إلى أن الزوجة كانت تشعر بخوف حقيقي منه، ما جعلها غير قادرة على تأمين بيئة آمنة لأطفالها، حتى في حال الابتعاد عنه، ما اضطرها للتخلي عن أطفالها بعد الطلاق.
وفي معرض حديثه عن سبل الوقاية من مثل هذه الجرائم، يرى سليمان ضرورة إدخال فحوصات نفسية وسلوكية وكذلك خلوه من التعاطي من المخدرات ضمن إجراءات الزواج، على غرار الفحوصات الطبية المعمول بها حالياً، معتبراً أن التأكد من خلوّ المقبلين على الزواج من الإدمان أو الاضطرابات الخطرة بات أمراً ضرورياً لحماية الأسر مستقبلاً.
ويشدد سليمان على أهمية عدم تزويج الفتيات لأشخاص تظهر عليهم مؤشرات عدم الاستقرار النفسي أو السلوكي، أو تعاطي المخدرات.
ويدعو سليمان الأهالي إلى تشديد الرقابة على أبنائهم، ومعرفة دوائرهم الاجتماعية وتحركاتهم اليومية، خاصة المخدرات كون الشعب الفلسطيني يعيش ظروفاً استثنائية تحت الاحتلال.
ويشدد سليمان على ضرورة توفير بدائل آمنة للأطفال في حالات النزاع الأسري الحاد، سواء عبر تدخل العائلة الممتدة أو المؤسسات المختصة، لضمان حمايتهم من أي تهديد محتمل.
ويدعو سليمان إلى تفعيل دور المحاكم الشرعية والأجهزة الأمنية في اتخاذ إجراءات استباقية أكثر فاعلية، وكذلك أهمية دور رجال الدين بالوعظ وتوعيه الناس في المساجد لخطورة ما يجري ولتحصين الأسر بشكل أكبر.
ويؤكد سليمان أن العائلات مطالبة بإعلان موقف واضح برفض مثل هذه الجرائم والتبرؤ منها، حفاظاً على السلم الأهلي ومنع تكرارها، مشيراً إلى أن "الصدمة المجتمعية يجب أن تتحول إلى دافع للإصلاح، لا مجرد رد فعل عابر".
ويشدد سليمان على أن معالجة هذه الظواهر تتطلب تكاملاً بين الأطر القانونية والمجتمعية، إلى جانب تعزيز الوعي والرقابة، معتبراً أن الدرس الأهم يكمن في ضرورة التدخل المبكر قبل وقوع الكارثة، "حتى لا نجد أنفسنا أمام ندم لا ينفع".

أقلام وأراء

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:40 صباحًا - بتوقيت القدس

حيدر عبييف: "الحفاظ على الاستقلال هو أصعب من الحصول عليه"

كلمة


إلهام نظرلي
رئيس مكتب تمثيل جمهورية أذربيجان لدى دولة فلسطين


حظيت أذربيجان بفرصة إنشاء دولتها المستقلة ذات السيادة مرتين خلال القرن الماضي. ويفتخر الشعب الأذربيجاني بتأسيس جمهورية أذربيجان الديمقراطية في 28 مايو/أيار 1918، وهي أول دولة ديمقراطية وقانونية وعلمانية في الشرق الإسلامي. ومع ذلك، وبسبب التدخل الخارجي والصراعات الداخلية ونقص الدعم الدولي، لم توجد جمهورية أذربيجان الديمقراطية سوى 23 شهرًا. ولو تم الحفاظ على الاستقلال الذي تحقق عام 1918، لكانت أذربيجان بفضل مواردها الطبيعية الغنية وموقعها الجغرافي المتميز، قد أصبحت من الدول المتقدمة في العالم خلال تلك الفترة. تجدر الإشارة إلى أن أول بئر نفط صناعي في العالم حُفر في باكو عام 1846، وقد أرسى حفر هذا البئر أساساً لصناعة النفط العالمية. ومنذ ذلك الحين أصبح نفط باكو يشكل جزءاً كبيراً من إنتاج النفط العالمي حتى منتصف القرن العشرين. وكذلك، مرّت إحدى أهمّ اتجاهات "طريق الحرير العظيم" التاريخي بين الشرق والغرب، عبر أراضي أذربيجان. انطلاقاً من الصين، مروراً بالهند وآسيا الوسطى، واستمراراً عبر أراضي أذربيجان، نقل هذا الطريق البضائع التجارية، بما في ذلك الحرير الصيني والثقافة والعلوم والقيم الدينية إلى الغرب. وكانت المدن الأذربيجانية القديمة مثل غنجا وشاماخي وباكو وناختشيفان وبردعه من أهم نقاط على هذا الطريق.                                              
وعلى الرغم من عمرها القصير، أثبتت جمهورية أذربيجان الديمقراطية مرة أخرى أن شعبنا هو من الشعوب المحبة للحرية والتقدمية في العالم، وحققت عديداً من الأشغال المهمة لأيامنا هذه. 28 مايو 1918 هو تاريخ مهم باعتباره اليوم الذي تأسست فيه الحكومة ومؤسسات الدولة والقوات المسلحة لأذربيجان، وتم تنظيم البرلمان الأذربيجاني المنتخب ديمقراطياً، وتم اعتماد العلم الوطني لأذربيجان وغيره من السمات الرسمية للدولة.
حصل الشعب الأذربيجاني على فرصة ثانية لإنشاء دولته المستقلة ذات سيادة في عام 1991. وذلك قبل حوالي 35 عامًا في 18 أكتوبر 1991، اعتمد المجلس الأعلى لأذربيجان القانون الدستوري بشأن استقلال الدولة. وبهذه الوثيقة أعلنت أذربيجان استعادة استقلالها. ويُحتفل حاليًا بيوم 28 مايو/أيار من كل عام بعيد الاستقلال في جمهورية أذربيجان، ويوم 18 أكتوبر/تشرين الأول بعيد استعادة الاستقلال.
ومع ذلك، في السنوات الأولى بعد استعادة استقلال الدولة، مرّت أذربيجان بمرحلة تاريخية بالغة الصعوبة. إن الشعب الأذربيجاني الذي واجه في تلك السنوات خطر فقدان استقلال الدولة مجددًا، أظهر عزمًا وإرادة قوية وتولى مسؤولية مصيره. إن عودة الزعيم الوطني حيدر علييف إلى السلطة السياسية في عام 1993 بإرادة الشعب، أنقذت استقلال أذربيجان من الخطر. وإن الزعيم الوطني، الشخصية الفذة والحكيمة، والسياسي العالمي الشهير حيدر علييف كان يقول: "الحفاظ على الاستقلال أصعب من الحصول عليه".
إن فترة نشاط القائد الوطني للشعب الأذربيجاني حيدر علييف، التي تغطي الأعوام 1993-2003، هي السجلات الذهبية لتاريخ أذربيجان. خلال هذه السنوات، أنقذ القائد العظيم أذربيجان من التفكك والانقلابات والتعسف، ومنح شعبنا حياة جديدة ومزدهرة وأذربيجان المستقلة والقوية.
جهود حيدر علييف في اتجاه الحفاظ على استقلال الدولة الأذربيجاني وتعزيزه، يواصلها خليفه المستحق الرئيس إلهام علييف. إن الإنجازات التاريخية لجمهورية أذربيجان بقيادة فخامة الرئيس إلهام علييف في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية، بما في ذلك في العالم الدولي، تثبت مرة أخرى أن سياسة حيدر علييف متجذرة في اختبارات الزمن، وهي مبني على الذكاء والعقل العميق، ويهدف إلى تقدم وسعادة الشعب والوطن.
خلال فترة قيادة الرئيس إلهام علييف، حققت أذربيجان نجاحات باهرة في مختلف المجالات، بما في ذلك بناء الجيش والتنمية الاقتصادية والمجالات الإنسانية. واليوم تمتلك أذربيجان جيشاً قوياً من حيث المعدات والتجهيزات التقنية والقدرات القتالية. كما تشهد أذربيجان نموًا اقتصاديًا غير مسبوق على الصعيد العالمي، وتُعدّ من أبرز المساهمين في المشاريع الاقتصادية الدولية. ولأول مرة في التاريخ، تم ربط بحر قزوين بالبحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط عبر خطوط أنابيب النفط. تم بناء خطوط أنابيب النفط والغاز باكو- تبليسي- جيهان، باكو- تبليسي- أرضروم، باكو- سوبسا بمبادرة من أذربيجان. واليوم أصبحت أذربيجان دولة مهمة ليس فقط في المنطقة، بل على المستوى العالمي من حيث أمن الطاقة. أصبحت أذربيجان واحدة من مراكز النقل الهامة في العالم.                                            
تحت قيادة فخامة الرئيس والقائد الأعلى إلهام علييف، حقق الجيش الأذربيجاني نصرًا تاريخيًا في الحرب الوطنية التي استمرت 44 يومًا في عام 2020 وفي عملية مكافحة الإرهاب المحلية التي استمرت 24 ساعة في سبتمبر 2023. وانتهى احتلال الأراضي الأذربيجانية الذي استمر قرابة 30 عاما، وطرد العدو من أراضينا، وتمت استعادة سيادة جمهورية أذربيجان ووحدة أراضيها بالكامل.
وفي أراضينا المحتلة، تم تدمير جميع المدن والقرى، ودمر 65 مسجدا من أصل 67 مسجدا بالكامل، وارتكبت أعمال تخريب، وأصبح أكثر من مليون من مواطنينا لاجئين ومشردين.
وفي الوقت الحاضر، تجري أعمال إعادة إعمار واسعة النطاق في أراضينا المحررة من الاحتلال. يتم تنفيذ برنامج العودة الكبرى لعودة اللاجئين والمشردين إلى ديارهم الأم بنجاح كبير. إن الأعمال التي تم إنجازها في تلك المناطق في فترة قصيرة من الزمن، تظهر قدرة الدولة الأذربيجانية وقوتها والفرص الاقتصادية التي تتمتع بها.
تسعى أذربيجان إلى تحقيق سلام مستدام في جنوب القوقاز، وتم اتخاذ خطوات هامة نحو تطبيع العلاقات بين أرمنيا وأذربيجان. في 8 أغسطس 2025 في القمة المشتركة التي عقدت بين زعماء أذربيجان والولايات المتحدة الأمريكية وأرمينيا في الولايات المتحدة، تم التوصل إلى اتفاق سلام تاريخي بين جمهورية أذربيجان وجمهورية أرمينيا، وتم توقيع إعلان مشترك من قبل الزعماء. وفي تلك القمة تم التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية السلام بين أذربيجان وأرمينيا، وكذلك تم توقيع دعوة مشتركة لحل مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا والهياكل ذات الصلة. ويتضمن الإعلان المشترك أيضًا مادة بشأن إنشاء ممر خالٍ من العوائق ذي أهمية دولية (ممر زانجيزور) يربط الجزء الرئيسي لأذربيجان بمنطقتها نخجوان في جنوب القوقاز. لقد تعهد الجانب الأرميني في دستوره بإلغاء مطالباته الإقليمية ضد أذربيجان. ويُعد كل هذا انتصارًا دبلوماسيًا كبيرًا لجمهورية أذربيجان بعد استعادة سيادتها الكاملة وسلامة أراضيها نتيجة الحرب الوطنية التي استمرت 44 يومًا وعملية مكافحة الإرهاب التي استمرت حوالي 24 ساعة، ويساهم في ضمان السلام المستدام في جنوب القوقاز والتنمية الاقتصادية والازدهار في المنطقة.
تربط جمهورية أذربيجان ودولة فلسطين علاقات تاريخية ودية وأخوية. وتدعم جمهورية أذربيجان حل القضية الفلسطينية على أساس مبدأ الدولتين، وفقًا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، بإقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا موقف بلادنا واضح لا لبس فيه ولا تغيير. وتظهر جمهورية أذربيجان دائمًا موقفًا داعمًا للموقف العادل الفلسطيني في جميع المحافل الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، وحركة عدم الانحياز، ومنظمة التعاون الإسلامي.
إن اللقاءات بين الزعيم الوطني للشعب الأذربيجاني حيدر علييف والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في 14 ديسمبر 1994 في الدار البيضاء (القمة السابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي)، وفي 22 أكتوبر 1995 في نيويورك (حدث مخصص للذكرى الخمسين للأمم المتحدة)، وفي 8 ديسمبر 1997 في طهران (القمة الثامنة لمنظمة المؤتمر الإسلامي) وضعت الأساس للعلاقات بين البلدين. وتستمر العلاقات الودية والتعاونية بين أذربيجان وفلسطين بنجاح من قبل فخامة رئيس جمهورية أذربيجان السيد إلهام علييف وفخامة رئيس دولة فلسطين السيد محمود عباس. ولقد أعطت الزيارة الرسمية التي قام بها فخامة الرئيس محمود عباس إلى جمهورية أذربيجان يومي 28 و29 يونيو 2011 ولقاءه مع فخامة الرئيس إلهام علييف في إطار تلك الزيارة دفعة كبيرة لمواصلة تطوير التعاون بين بلدينا.
ويُعد افتتاح سفارة دولة فلسطين في أذربيجان (منذ يونيو 2011) ومكتب تمثيل جمهورية أذربيجان في فلسطين (منذ سبتمبر 2023) رمزًا للصداقة والتعاون بين شعبينا وحكومتينا.    
استضافت جمهورية أذربيجان فعاليات دولية متعلقة بفلسطين، أقيمت في العاصمة باكو "مؤتمر المانحين لتمويل الخطة الاستراتيجية لتنمية مدينة القدس الشريف" و"إنشاء شبكة أمان مالية إسلامية لدعم دولة فلسطين" في عام 2013، و"المؤتمر الدولي حول القدس" عام 2017، والاجتماع السنوي للسفراء المعتمدين لدولة فلسطين في آسيا عام 2018.
أذربيجان إلى جانب وقف العمليات العسكرية التي تعرض حياة المدنيين في قطاع غزة للخطر، وتدعم الخطة التي اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الصراع في غزة. وقمة شرم الشيخ للسلام التي عقدت في مصر في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2025 برئاسة مشتركة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتي تم في إطارها توقيع اتفاق السلام لإنهاء الحرب في قطاع غزة، هي حدث تاريخي هام. وشارك فخامة رئيس جمهورية أذربيجان السيد إلهام علييف في تلك القمة التي حضرها زعماء أكثر من 20 دولة، وقام فخامته بلقاء ودي فيها مع فخامة رئيس دولة فلسطين السيد محمود عباس.
تُثير الأزمة الإنسانية المستمرة في قطاع غزة قلقًا بالغًا لدى أذربيجان. وقد قدّمت جمهورية أذربيجان مساهمة مالية قدرها مليوني دولار أمريكي عام 2023 للسكان الذين يعانون في قطاع غزة. في يناير/كانون الثاني 2025 قدمت أذربيجان مساعدة غذائية لسكان غزة المتضررين من النزاع، وذلك بتنظيم مشترك من الأونروا، والهيئة الخيرية الهاشمية الأردنية، والمنظمة الإسلامية للأمن الغذائي. وستواصل جمهورية أذربيجان دعمها لتحسين الوضع الإنساني للشعب الفلسطيني الشقيق الذي يعاني من النزاع.                                                                                                                                        
وتواصل جمهورية أذربيجان دعمها لدولة فلسطين الصديقة في مجال التعليم. في إطار برنامج "منحة حيدر علييف الدولية"، يتم تخصيص المنح الدراسية سنوياً لطلاب من دولة فلسطين للدراسة في مؤسسات التعليم العالي في بلدنا. تسعة من الطلبة الحاصلين على المنح الدراسية للعام الدراسي 2024-2025 كانوا من قطاع غزة ولم يتمكنوا من السفر إلى جمهورية أذربيجان بسبب الصعوبات التي سببتها الحرب. أُتيحت لهؤلاء الطلاب فرصة الاستفادة من برنامج المنح الدراسية للعام الدراسي 2025-2026 في حال تمكنهم من زيارة بلدنا. وكذلك 6 من كل 10 طلاب حصلوا على منح دراسية للعام الدراسي 2025-2026، كانوا من قطاع غزة. في 17 سبتمبر/أيلول 2025 تم إجلاء 14 طالبًا فلسطينيًا من قطاع غزة إلى جمهورية أذربيجان. وقد التزمت جمهورية أذربيجان ببناء مدرسة في فلسطين.                                                        
وجاء في رسالة من الرسائل التي وجهها فخامة رئيس جمهورية أذربيجان السيد إلهام علييف إلى فخامة رئيس دولة فلسطين السيد محمود عباس العام الماضي ما يلي:    
" تربط شعبي أذربيجان وفلسطين روابط صداقة وأخوّة.  والمستوى الرفيع لعلاقاتنا السياسية، والاحترام والدعم المتبادلان بيننا من أهم سمات العلاقات بين الدولتين. نأمل أن يُحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني قريبًا، وأن يسود السلام والأمن في المنطقة. خلال رئاسة أذربيجان لحركة عدم الانحياز، كانت قضية إقامة دولة فلسطينية مستقلة محل اهتمام دائم، حيث أبدت تضامنها الدائم مع القضية الفلسطينية. تدعم أذربيجان حلها القائم على مبدأ الدولتين، وفقًا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. وسنواصل تقديم المساعدات الإنسانية لفلسطين. وأثق بأننا سنواصل جهودنا المشتركة في تعزيز العلاقات بين أذربيجان وفلسطين، وتعميق تعاوننا على المستويين الثنائي والمتعدد الأطراف، وفقا لمصالح شعبينا".      

أقلام وأراء

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:40 صباحًا - بتوقيت القدس

بين نبض الانتخابات واحتضار السياسة

في لحظة تبدو فيها الحياة السياسية الفلسطينية وكأنها تترنح بين الجمود والتآكل، تبرز بعض الاستحقاقات الانتخابية كنبض خافت يحاول إعادة الدم إلى الشرايين. ليست انتخابات البلديات ولا انتخابات حركة فتح مجرد إجراءات تنظيمية روتينية، بل يمكن قراءتها كإشارات، ولو محدودة، على إمكانية إنعاش واقع سياسي يقترب من مرحلة الاحتضار.

على مستوى البلديات، تمثل الانتخابات مساحة نادرة يلتقي فيها المواطن مع السياسة بعيدًا عن الشعارات الكبرى والانقسامات الحادة. هنا، تصبح قضايا الماء والطرق والنفايات مدخلًا لإعادة بناء الثقة، ولو جزئيًا، بين الناس والمؤسسات. وحين يذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع ليختار مجلسًا محليًا، فهو لا يمارس حقًا إداريًا فقط، بل يختبر أيضًا إمكانية التغيير من داخل النظام، بدل الارتهان الكامل لحالة العجز العامة.

لكن هذه المساحة، رغم أهميتها، تبقى محدودة الأثر إذا لم تُستكمل بإصلاحات أعمق. فالبلديات، مهما نجحت، لا تستطيع وحدها تعويض غياب الأفق السياسي العام أو حل أزمة التمثيل الوطني. ومع ذلك، فإن مجرد انتظام العملية الانتخابية، ووجود تنافس، وإن كان جزئيًا أو محكومًا بقيود، يُعد كسرًا لحالة الركود الطويلة.

أما على صعيد حركة فتح، فإن أي انتخابات داخلية تحمل دلالات تتجاوز الإطار التنظيمي. الحركة التي شكّلت تاريخيًا العمود الفقري للنظام السياسي الفلسطيني، تجد نفسها اليوم أمام تحدي إعادة تعريف دورها واستعادة حيويتها. الانتخابات الداخلية ليست فقط آلية لاختيار قيادات جديدة، بل هي اختبار لقدرة الحركة على تجديد نفسها، واستيعاب التحولات، وإعادة ضخ شرعية داخلية افتقدتها مع مرور الزمن.

غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل هذه الانتخابات تعكس إرادة حقيقية للإصلاح، أم أنها مجرد إعادة ترتيب داخل نفس البنية؟ فالتجديد لا يقاس فقط بتغيير الأسماء، بل بمدى القدرة على إنتاج رؤية سياسية مختلفة، والانفتاح على مشاركة أوسع، والتعامل بجدية مع أزمات الثقة المتراكمة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية ألا تتحول الفصائل الفلسطينية إلى عائق أمام الوعي الجماهيري، أو حاجزٍ يحدّ من قدرته على التفاعل مع المتغيرات السياسية والاقتصادية والتنظيمية والإدارية. فالجمهور لم يعد مجرد متلقٍ سلبي، بل بات شريكًا في إدراك التعقيدات اليومية وصناعة الموقف. وعليه، فإن المطلوب من هذه الفصائل ليس مصادرة هذا الوعي أو احتواؤه قسرًا، بل احتضانه والتماهي مع تطلعاته، بما يضمن إعادة بناء الثقة بين القاعدة الشعبية والبنى التنظيمية، بدل توسيع الفجوة بينهما.

ما بين البلديات وفتح، تتشكل لوحة معقدة: هناك حراك، لكنه حذر؛ وهناك انتخابات، لكنها محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن أي فعل انتخابي، في سياق يعاني من الانقطاع، يمثل بحد ذاته فعل مقاومة للجمود.

ربما لا تكفي هذه الاستحقاقات لإنقاذ واقع سياسي يحتضر، لكنها تذكّر بأن الحياة لم تغادره بالكامل بعد. في التفاصيل الصغيرة، وفي صناديق الاقتراع المحلية والتنظيمية، قد تبدأ ملامح استعادة تدريجية لسياسة فقدت بوصلة التمثيل، لكنها لم تفقد بعد إمكانية استعادتها.

غير أن هذا النبض الخافت، مهما بدا واعدًا، لن يكون كافيًا لإعادة الحياة إلى النظام السياسي الفلسطيني ما لم يُستكمل باستحقاقاته الكبرى: انتخابات رئاسية وتشريعية حرة، تُعيد تعريف الشرعية وتفتح الباب أمام تداول حقيقي للسلطة. فالمشكلة لم تعد فقط في غياب الآليات، بل في ضيق الأفق السياسي الذي حوّل العملية الديمقراطية إلى استثناء بدل أن تكون قاعدة.

إن أي محاولة لإنعاش الواقع السياسي دون تجديد شامل ستبقى أشبه بترميم سطحٍ متصدع، بينما الأساسات نفسها تحتاج إلى إعادة بناء. من هنا، تبرز ضرورة تشجيع نشوء أحزاب سياسية جديدة، متحررة من إرث ثقيل كبّل الخيال السياسي لعقود، وأعاق قدرة النظام على التكيف مع التحولات العميقة التي طرأت على المجتمع الفلسطيني، سواء داخليًا أو في علاقته مع محيطه.

فالمرونة يجب أن تكون عنوان المرحلة، لا كشعار، بل كممارسة فعلية تُترجم في البرامج والسياسات وآليات العمل. ولم يعد مقبولًا أن تكتفي الحركات التقليدية بتغيير مسمياتها أو إعادة تدوير خطابها، بينما تظل أهدافها وأساليبها حبيسة الماضي. التغيير الحقيقي يقتضي مراجعة جذرية: في الرؤية، وفي أدوات الفعل السياسي، وفي شكل العلاقة مع الجمهور.

لقد راكمت هذه الحركات إرثًا نضاليًا لا يمكن إنكاره، لكنه تحول مع الوقت إلى عبء حين أُحيط بهالة من القدسية والكاريزما، جعلت النقد الداخلي صعبًا، والتجديد مخاطرة مؤجلة. وهنا تكمن المفارقة: فبينما تدرك هذه القوى، بدرجات متفاوتة، عمق الأزمة التي تواجهها، إلا أن استجابتها ما تزال دون مستوى التحدي.

ولكن لن تعود الحياة إلى النظام السياسي الفلسطيني إلا بانتخابات رئاسية وتشريعية حرة، مع التشجيع على إنشاء أحزاب جديدة متحررة من إرث قد يكون ثقيلاً وعائقًا أمام التغيير ومواكبة التغيرات التي ألمّت بالشعب الفلسطيني. المرونة يجب أن تكون عنوان المرحلة، بل ضرورة وجودية. وحتى الحركات القديمة مطالبة بأن تتبنى توجهات ومقاربات تفضي إلى التغيير، ليس فقط في مسمياتها، بل في أهدافها وأساليبها وآليات عملها للتوافق مع المرحلة الحالية. فالإرث الجامد الذي اكتسب قدسية وكاريزما جعل العديد من الحركات تتمسك بأمجادها أكثر مما تنفتح على المستقبل، ومع أن هناك إدراكًا داخلها لهذا الواقع، إلا أن التغيير لا يزال دون المستوى المطلوب.

قد يعتقد المراقبون أن هذه الاستحقاقات اختيارية، ولكن على التنظيمات، وعلى رأسها فتح، أن تعي أن الإبقاء على هذا النمط أو إعادة إنتاج الفشل لن يمر دون كلفة سياسية، بل قد يدفع الشعب الفلسطيني إلى تجاوزها إذا لم يحدث تغيير جوهري يصنع الأمل ويُبشّر بقدرات حقيقية على المبادرة وتمكين الصمود.

التغيير لا يحدث بالوعي وحده، بل بالإرادة السياسية والقدرة على اتخاذ قرارات قد تكون مكلفة على المدى القصير، لكنها ضرورية للبقاء على المدى الطويل. أما الاكتفاء بإدارة الأزمة، أو تأجيل المواجهة مع استحقاقات الإصلاح، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين النظام السياسي والمجتمع.

وفي هذا السياق، لا تبدو انتخابات البلديات أو حتى الانتخابات الداخلية للفصائل سوى خطوة أولى في مسار طويل. المسار الذي، إن لم يُستكمل بإعادة بناء شاملة تقوم على التعددية، والتجديد، والانفتاح، سيبقى عاجزًا عن إنقاذ واقع لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل.

إن اللحظة الراهنة لا تتطلب فقط إصلاحًا، بل شجاعة سياسية تعيد تعريف الممكن، وتكسر القوالب الجامدة، وتُفسح المجال أمام أجيال جديدة تحمل تصورات مختلفة. وحدها هذه الدينامية قادرة على تحويل الإشارات الخافتة إلى مسار حقيقي يعيد للسياسة معناها، وللمجتمع ثقته، وللنظام قدرته على الاستمرار.

اقتصاد

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:08 صباحًا - بتوقيت القدس

بالأرقام.. أعباء العاصمة الإدارية تستنزف موازنة مصر المنهكة للعام 2026/2027

تواجه الموازنة العامة المصرية للعام المالي 2026/2027 ضغوطاً غير مسبوقة، حيث كشفت الأرقام الرسمية عن عجز يتجاوز حاجز التريليون جنيه. وفي مفارقة لافتة، قفزت تكلفة تشغيل الحي الحكومي في العاصمة الإدارية الجديدة إلى 12.03 مليار جنيه، مسجلة زيادة بنسبة 177% مقارنة بالعام المالي الحالي.

وتشير البيانات التحليلية للموازنة إلى أن بنود أقساط وفوائد الديون المحلية والأجنبية تلتهم نحو 5.227 تريليون جنيه، بزيادة تقارب 20% عن العام الماضي. ويعتمد هيكل الموارد في الموازنة الجديدة على الاقتراض بنسبة تصل إلى 49.1%، بينما تشكل الضرائب نحو 43.2% من إجمالي الإيرادات.

ومن أبرز البنود المثيرة للجدل في الموازنة الجديدة، تخصيص مبلغ 7 مليارات جنيه مقابل حق انتفاع الوزارات والهيئات بمباني الحي الحكومي. ويأتي هذا البند كعبء جديد كلياً، حيث لم تكن الموازنات السابقة تتضمن أي مبالغ لهذا الغرض، مما يحول الحكومة من مالك للأصول إلى مستأجر.

ولم تتوقف الزيادات عند حق الانتفاع، بل شملت رصد 3.8 مليار جنيه لمصروفات صيانة مباني الحي الحكومي، بزيادة قدرها 600 مليون جنيه عن العام الحالي. وتثير هذه الأرقام تساؤلات حول جودة التنفيذ الإنشائي للمباني الحديثة التي تتطلب مبالغ طائلة للصيانة في سنوات تشغيلها الأولى.

كما تضمنت الموازنة تخصيص نحو 678.1 مليون جنيه لبدلات انتقال الموظفين الذين جرى نقلهم من المقار القديمة في القاهرة إلى العاصمة الجديدة. بالإضافة إلى ذلك، تم رصد 554.8 مليون جنيه كبدل سكن لهؤلاء الموظفين، مما يعكس التكاليف التشغيلية المستمرة لعملية النقل الإداري.

ويرى مراقبون أن هذه الأرقام تكشف عن فجوة عميقة بين خطاب التقشف الحكومي وواقع الإنفاق المتصاعد على المشاريع الكبرى. ويؤكد خبراء أن تحويل إيجارات المباني لصالح شركة العاصمة الإدارية، المملوكة بنسبة أغلبية لجهات سيادية، يمثل ضغطاً إضافياً على الخزانة العامة للدولة.

وفي هذا السياق، وصف الخبير الاقتصادي أحمد خزيم الوضع بـ 'الدائرة الجهنمية'، مشيراً إلى أن المواطن المصري هو من يدفع الفاتورة النهائية لهذه السياسات. وأوضح أن زيادة كلفة تشغيل حي إداري واحد بهذه النسب الضخمة يقتطع مباشرة من مخصصات قطاعات حيوية كالتعليم والصحة.

من جانبه، أكد الأكاديمي أشرف دوابه أن استئجار الدولة لمبانٍ مقامة على أراضٍ تملكها هو إجراء يخالف القواعد الاقتصادية الرشيدة. وتساءل عن الجدوى من تحمل الموازنة المنهكة بالديون أعباء إيجارية لمقرات كان من المفترض أن تؤول ملكيتها للدولة مقابل الأراضي المخصصة للمشروع.

وعلى الصعيد البرلماني، برزت انتقادات حول غياب الشفافية في إدارة استثمارات العاصمة الإدارية، خاصة مع تعطل بعض المرافق الحيوية مثل أنظمة الطاقة الشمسية. وأشار برلمانيون إلى وجود شبهات حول سوء إدارة المال العام في ظل غياب الرقابة الفعالة على عقود الصيانة والتشغيل.

وتشير التقارير إلى أن شركة العاصمة الإدارية التي تأسست عام 2016، تمتلك محفظة أراضي شاسعة تصل إلى 184 ألف فدان. وتتوزع ملكية الشركة بين هيئة المجتمعات العمرانية وجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة وجهاز الخدمة الوطنية، مما يمنحها استقلالية مالية بعيداً عن رقابة الموازنة العامة.

وفي ظل هذه التطورات، يتساءل الشارع المصري عن مصير أموال بيع المقار الوزارية القديمة في قلب القاهرة التي ضُمت لصندوق مصر السيادي. وكان قد جرى نقل ملكية مقرات 13 وزارة وجهة حكومية رئيسية للصندوق تمهيداً لطرحها للاستثمار أو تحويلها لفنادق عالمية.

الحي الحكومي الذي يمتد على مساحة 360 فداناً، صُمم ليكون مركزاً إدارياً ذكياً يضم كافة مفاصل الدولة المصرية. ومع ذلك، فإن تكلفة هذا التحول الرقمي والإداري بدأت تظهر كأرقام مليارية في بنود الموازنة، مما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي المتأزم أصلاً.

وتشير مصادر إعلامية دولية إلى أن تكلفة المرحلة الأولى من العاصمة الإدارية تجاوزت 50 مليار دولار، وهو رقم يفوق بكثير التقديرات الأولية المعلنة. ومع استمرار التوسع في المرحلتين الثانية والثالثة، تتزايد المخاوف من تحول المشروع إلى ثقب أسود يبتلع الموارد الشحيحة للدولة.

ختاماً، يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة المصرية هو موازنة طموحاتها الإنشائية مع واقع مالي يفرضه عجز الموازنة وتفاقم الديون. فبينما تفتخر الدولة بالحي الحكومي كواجهة حضارية، تظل الأرقام الواردة في موازنة 2026/2027 شهادة على حجم الأعباء التي سيتحملها الاقتصاد المصري لسنوات قادمة.

فلسطين

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:08 صباحًا - بتوقيت القدس

سموتريتش يشارك المستوطنين طقوساً استفزازية بالخليل واقتحامات واسعة تطال قرى بيت لحم

شارك وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، مساء الإثنين، آلاف المستوطنين في رقصات وطقوس استفزازية بساحة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل المحتلة. وجاءت هذه المشاركة خلال إحياء ما يسمى 'عيد الشعلة'، حيث ظهر زعيم تيار 'الصهيونية الدينية' وسط حشود المستوطنين في الساحة المقابلة للمسجد التاريخي.

وأفادت مصادر إعلامية بأن الاحتفالات التي قادها سموتريتش تأتي في سياق محاولات فرض السيطرة الكاملة على الحرم الإبراهيمي وتغيير معالمه الإسلامية. ويحيي المستوطنون هذا العيد سنوياً تخليداً لذكرى ثورة يهودية قديمة، مستغلين المناسبة لتكثيف التواجد الاستيطاني في قلب البلدة القديمة بالخليل.

وتأتي هذه التحركات الاستفزازية استكمالاً لقرار اتخذته السلطات الإسرائيلية في يوليو 2025، يقضي بنقل صلاحيات إدارة الحرم الإبراهيمي من بلدية الخليل الفلسطينية إلى مجلس ديني استيطاني. وقد حذرت جهات رسمية فلسطينية من خطورة هذا الإجراء الذي يهدف إلى شرعنة الوجود الاستيطاني في الحرم وتهميش الدور الفلسطيني التاريخي.

وفي سياق ميداني متصل، صعدت قوات الاحتلال الإسرائيلي من عملياتها العسكرية في محافظة بيت لحم، حيث اقتحمت قرى جورة الشمعة ووادي النيص وأم سلمونة. وداهمت القوات المقتحمة عدداً من منازل المواطنين وعبثت بمحتوياتها، مما أثار حالة من الذعر بين السكان المحليين في تلك المناطق.

وأكدت مصادر أمنية أن جيش الاحتلال اقتحم منزل المواطن عيسى أحمد عيسى في قرية جورة الشمعة، كما داهم منزل المواطن وليد موسى أبو حماد في وادي النيص. ورغم كثافة المداهمات وعمليات التفتيش الدقيقة، لم يبلغ عن وقوع اعتقالات في صفوف المواطنين خلال هذه الجولة من الاقتحامات.

وعلى صعيد التضييق على حركة التنقل، أغلقت قوات الاحتلال بالبوابة الحديدية مدخل الطريق الواصل بين بلدتي تقوع وجناته شرق بيت لحم. ويؤدي هذا الإغلاق إلى عزل القرى عن بعضها البعض ومضاعفة معاناة المواطنين اليومية في الوصول إلى أماكن عملهم ومزارعهم.

وكشف تقرير حديث صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن تصاعد حاد في وتيرة الاعتداءات خلال شهر أبريل المنصرم، حيث سُجل تنفيذ 1637 هجوماً. وتوزعت هذه الاعتداءات بين ممارسات جيش الاحتلال المباشرة وهجمات المستوطنين التي استهدفت المدن والبلدات الفلسطينية بشكل ممنهج.

وأوضح رئيس الهيئة مؤيد شعبان أن الجيش الإسرائيلي كان مسؤولاً عن 1097 اعتداءً، بينما نفذ المستوطنون 540 اعتداءً آخر تحت حماية القوات النظامية. وتركزت هذه الانتهاكات بشكل أساسي في محافظات نابلس والخليل ورام الله والبيرة وبيت لحم، مما يعكس سياسة تصعيدية شاملة في الضفة.

وتشير المعطيات إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي توصف بأنها الأكثر تطرفاً، تعمل على تسريع وتيرة التوسع الاستيطاني بشكل غير مسبوق. ووفقاً لمنظمة 'السلام الآن'، فقد تمت الموافقة على بناء 54 مستوطنة جديدة خلال عام 2025، وهو رقم قياسي يعكس نية الاحتلال في تقويض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية.

ويعيش في البلدة القديمة بالخليل نحو 400 مستوطن يحظون بحماية أمنية مشددة من قرابة 1500 جندي إسرائيلي، مما يحول حياة آلاف الفلسطينيين إلى سجن كبير. وتتزامن هذه الانتهاكات في الضفة الغربية مع استمرار حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة، وسط صمت دولي تجاه الجرائم المرتكبة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 05 مايو 2026 8:38 صباحًا - بتوقيت القدس

إيران تهدد باستهداف المصالح الإماراتية وتحمل واشنطن مسؤولية أحداث الفجيرة

أطلق مصدر عسكري إيراني تحذيرات شديدة اللهجة تجاه دولة الإمارات، مؤكداً أن كافة المصالح الإماراتية ستكون أهدافاً مشروعة للقوات الإيرانية في حال أقدمت أبوظبي على أي تصرف يوصف بغير العقلاني. وأوضح المصدر أن طهران لن تتوانى عن الرد الحازم إذا ما سمحت الإمارات لنفسها بأن تكون أداة بيد إسرائيل لتنفيذ أجندات معادية في المنطقة، مشدداً على أن أي خطأ في الحسابات سيؤدي إلى تلقي درس لن ينسى.

وأشار المسؤول العسكري في تصريحات نقلتها وسائل إعلام رسمية، إلى أن القيادة الإماراتية تدرك تماماً طبيعة وضعها الأمني الذي وصفه بـ 'البيت الزجاجي' الهش، حيث يمثل أي اضطراب أمني خطراً وجودياً على استقرارها. وأضاف أن طهران تراقب التحركات الجارية، محذراً من أن تحول الأراضي الإماراتية إلى منطلق للعمليات الإسرائيلية سيجعلها تعامل معاملة الكيان الإسرائيلي نفسه دون أي اعتبارات دبلوماسية.

وفي سياق التصعيد الكلامي، لوح المصدر بإمكانية التخلي الكامل عن سياسة ضبط النفس التي انتهجتها إيران سابقاً، خاصة إذا ما تكررت سيناريوهات مشابهة لما وصفه بـ 'خطأ حرب الأربعين يوماً'. وأكد أن التعامل مع ما وصفه بـ 'الوكر الإسرائيلي' في المنطقة سيكون مباشراً وقاسياً، معتبراً أن الأمن الإقليمي لا يتجزأ وأن أي تهديد للأمن القومي الإيراني سيقابل برد فعل شامل يتجاوز الحدود التقليدية.

وبشأن التوترات الميدانية، نفى المصدر العسكري وجود أي خطط إيرانية مسبقة لاستهداف المنشآت الحيوية في ميناء الفجيرة الإماراتي، موضحاً أن طهران لا تسعى لتفجير الأوضاع دون مبرر. ومع ذلك، شدد على أن السيادة البحرية في مضيق هرمز والمناطق المحيطة بها خط أحمر، وأن القوات المسلحة الإيرانية في حالة تأهب قصوى لرصد أي خروقات قد تستهدف الممرات المائية الدولية الحساسة.

وحملت طهران الجيش الأمريكي المسؤولية الكاملة عن الحوادث التي وقعت في منشآت النفط بميناء الفجيرة، معتبرة أن ما جرى كان نتيجة مباشرة لمغامرة عسكرية أمريكية غير محسوبة. وأوضحت المصادر أن المحاولات الأمريكية لفتح ممرات عبور غير قانونية للسفن عبر مناطق محظورة في مضيق هرمز هي التي أدت إلى وقوع هذه الاحتكاكات، مما عرض أمن الطاقة العالمي لمخاطر جسيمة.

واختتم المصدر العسكري الإيراني حديثه بمطالبة الإدارة الأمريكية بضرورة الكف عن استخدام لغة القوة والتهديد العسكري في العمليات الدبلوماسية الجارية في المنطقة. ودعا واشنطن إلى التوقف عن ممارساتها التي وصفها بالسيئة في هذه المنطقة النفطية الحساسة، مؤكداً أن استمرار الاستفزازات العسكرية سيؤثر سلباً على اقتصاد كافة دول العالم التي تعتمد على استقرار تدفقات الطاقة من الخليج.

صحة

الثّلاثاء 05 مايو 2026 8:25 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة 'نظام الطيبات' في مصر: تحركات رسمية وتشريعية لمواجهة الفوضى الطبية

تصدر نظام غذائي مثير للجدل يُعرف باسم 'الطيبات' واجهة الأحداث في مصر خلال الساعات الأخيرة، حيث تحول إلى أزمة كبرى تداخلت فيها المؤسسات الطبية والإعلامية والقانونية. بدأت الشرارة عقب تداول لقاءات قديمة للطبيب الراحل ضياء العوضي، روج فيها لمنهج غذائي بديل يزعم الاستغناء عن الأدوية الكيميائية.

سارعت الجهات الرسمية لاتخاذ إجراءات حاسمة، حيث أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قراراً فورياً بحظر نشر أو تداول أي محتوى يخص الطبيب الراحل أو نظامه الغذائي. وجاء هذا التحرك بعد رصد اعتراضات علمية واسعة وتحذيرات من أن المحتوى المتداول يفتقر للمرجعية الطبية الموثقة ويشكل تهديداً مباشراً للمرضى.

من جانبها، دخلت وزارة الصحة المصرية على خط الأزمة ببيانات تحذيرية شديدة اللهجة، شددت فيها على خطورة الانسياق وراء دعوات التوقف عن تناول الأدوية الأساسية. وأكد المتحدث باسم الوزارة، حسام عبد الغفار أن هذه التوصيات تعرض حياة أصحاب الأمراض المزمنة لخطر الموت المحقق.

نقابة أطباء مصر أوضحت موقفها بصرامة على لسان نقيبها أسامة عبد الحي، مشيرة إلى أن استجابة بعض الأجسام لتغيير النمط الغذائي لا تمنح الشرعية لإلغاء البروتوكولات العلاجية. وأضافت النقابة أن الطب يعتمد على دراسات سريرية محكمة وليس على تجارب فردية يتم الترويج لها عبر الشاشات.

ولم تقتصر الأزمة على البالغين، بل امتدت لتشمل حقوق الأطفال، حيث حذر المجلس القومي للطفولة والأمومة من كارثة صحية تهدد الصغار. وأعلن المجلس عن اتخاذ إجراءات قانونية وتحرير محضر رسمي بعد رصد حالة طفل تعرض للخطر نتيجة توقفه عن تناول حقن الإنسولين اتباعاً لهذا النظام.

القطاع الإنتاجي في مصر لم يسلم من الجدل، حيث نفى منتجو الدواجن بشكل قاطع مزاعم العوضي حول حقن الطيور بالهرمونات. واعتبر الخبراء أن مثل هذه التصريحات تثير ذعراً غير مبرر لدى المستهلكين وتضرب قطاعات اقتصادية حيوية دون استناد إلى حقائق مخبرية.

وعلى الصعيد البرلماني، كشف شريف سيف، رئيس لجنة الصحة بمجلس النواب، عن توجه لتشريع جديد يهدف إلى ضبط الفوضى الطبية في وسائل الإعلام. ويتضمن المقترح تغليظ العقوبات الجنائية على كل من يروج لمعلومات طبية مضللة تؤدي إلى الإضرار بصحة المواطنين أو تحريضهم على ترك العلاج.

قانونياً، شهدت القضية تطوراً لافتاً بعد وفاة الطبيب، حيث ألقت السلطات القبض على محاميه مجدي مصطفى بتهمة خرق قرار حظر النشر الإعلامي. ورغم إخلاء سبيله لاحقاً بكفالة مالية، إلا أن الرسالة كانت واضحة بجدية الدولة في منع تداول هذا المحتوى مجدداً.

الإعلامي محمود سعد، الذي كان قد استضاف العوضي في وقت سابق، قام بحذف الحلقة المثيرة للجدل من كافة منصاته الرقمية. وجاءت هذه الخطوة استجابة للتوجيهات الرسمية وحرصاً على عدم المساهمة في نشر محتوى قد يسبب ضرراً صحياً للمتابعين الذين وثقوا في الطرح المعروض.

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بشهادات مؤلمة لضحايا مفترضين لهذا النظام، كان أبرزها ما رواه الدكتور محمود البريدي حول وفاة زوجته الطبيبة. وأوضح البريدي أن زوجته توقفت عن علاج مرض 'الذئبة الحمراء' بناءً على نصيحة العوضي، مما أدى لتدهور حالتها ووفاتها خلال أسابيع.

تفاعل فنانون ومشاهير مع القضية، مما ساهم في زيادة وتيرة النقاش المجتمعي حول ضرورة الرقابة على المحتوى الطبي الرقمي. وطالب مدونون ومختصون بوضع ميثاق شرف إعلامي يمنع استضافة غير المتخصصين أو من يروجون لنظريات طبية خارج إطار المؤسسات العلمية الرسمية.

أعادت هذه الواقعة إلى الأذهان قصصاً تاريخية حول الصراع بين العلم والشعوذة في المجتمع، حيث استشهدت الكاتبة دينا عزت بأعمال أدبية كلاسيكية تناولت هذه الظاهرة. وشددت على ضرورة عودة الثقة في المؤسسات الطبية الأكاديمية بدلاً من الانقياد خلف 'المشعوذين' الجدد تحت ستار الغذاء.

تستمر التداعيات القانونية والطبية لهذه الأزمة في مصر، وسط ترقب لما ستسفر عنه التحركات البرلمانية القادمة لضبط المشهد. وتظل قضية 'نظام الطيبات' درساً قاسياً حول خطورة تداخل الإعلام مع الطب دون ضوابط علمية صارمة تحمي أرواح المواطنين من التضليل.

صحة

الثّلاثاء 05 مايو 2026 8:25 صباحًا - بتوقيت القدس

إرهاق الجهاز العصبي: كيف تواجه ضغوط الحياة العصرية بعيداً عن المصطلحات الشائعة؟

منذ تفشي جائحة كوفيد، اجتاح مصطلح إرهاق الجهاز العصبي منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح البحث عن إعادة الضبط غاية يسعى إليها الملايين حول العالم. ويؤثر الجهاز العصبي اللاإرادي بشكل مباشر على وظائف الجسم الحيوية التي لا تخضع لسيطرتنا الواعية، مثل تنظيم درجة الحرارة والمشاعر وعمل الأعضاء الداخلية.

ينقسم هذا النظام المعقد إلى فرعين أساسيين، أولهما الجهاز العصبي الودي الذي يهيئ الجسم للتعامل مع المواقف الضاغطة عبر استجابات البقاء مثل المواجهة أو الهروب. أما الفرع الثاني فهو الجهاز العصبي اللاودي، والذي يؤدي دوراً عكسياً يهدف إلى إعادة الاستجابات التلقائية إلى وضعها الطبيعي بعد زوال مسببات الإجهاد.

وعلى الرغم من التطور البيولوجي للإنسان، إلا أن نظامنا العصبي يظل قاصراً عن التعامل بفعالية مع الضغوط المزمنة التي تفرضها الحياة العصرية المتسارعة. فأعباء العمل الثقيلة والالتزامات المالية المستمرة تضع الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم لا تتناسب مع قدراته الطبيعية المصممة للتهديدات اللحظية فقط.

يشير مصطلح إرهاق الجهاز العصبي في التداول العام إلى الآثار الجسدية الملموسة للضغط النفسي عندما يشعر الفرد بعجز تام عن التأقلم مع واقعه. ورغم شيوعه، إلا أن هذا المصطلح يفتقر إلى تعريف طبي دقيق، تماماً مثل مصطلح الانهيار العصبي الذي كان يستخدم قديماً لوصف التوقف المفاجئ عن أداء الأدوار الاجتماعية.

لطالما ربط العلم بين اضطرابات الجهاز العصبي والخلل البيولوجي الناتج عن اضطراب ما بعد الصدمة، لكن المفهوم تحول مؤخراً إلى مادة دسمة في كتب المساعدة الذاتية. وقد فندت تقارير حديثة، استندت إلى آراء 39 خبيراً، العديد من الفرضيات المرتبطة بنظرية تعدد الأعصاب المبهمة التي تروج لها بعض المنصات.

يرى مختصون أن استخدام مصطلحات طبية لوصف الإرهاق الشديد قد يسهل على الأفراد التعبير عن معاناتهم دون الشعور بالخجل أو الوصمة الاجتماعية. ومع ذلك، فإن المبالغة في التفسيرات البيولوجية قد تولد شعوراً بأن هذه المشاكل خارجة عن السيطرة البشرية، مما يعيق عملية التعافي الفعالة.

إن إعادة تعريف إجهاد الجهاز العصبي بوصفه توتراً مزمناً يفتح الباب أمام حلول أكثر واقعية وأقل تكلفة من الناحية المادية والعلمية. وتؤكد الدراسات أن تغييرات بسيطة في نمط الحياة اليومي يمكن أن تصنع فارقاً جوهرياً في مستويات الصحة النفسية والجسدية للفرد.

تعد ممارسة النشاط البدني بانتظام والحصول على قسط كافٍ من النوم من أهم الركائز التي تساهم في الحد من تداعيات التوتر المزمن. كما أن اتباع نظام غذائي متوازن يدعم قدرة الجسم على استعادة توازنه الهرموني والفسيولوجي بعد فترات الإجهاد الطويلة.

أثبتت ممارسات اليقظة الذهنية وتمارين التنفس العميق قدرة فائقة على خفض مستويات هرمون الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر، في الجسم. كما أن قضاء وقت كافٍ في أحضان الطبيعة يساهم في خفض ضغط الدم وتحسين الحالة المزاجية بشكل ملحوظ وموثق علمياً.

لا تقتصر الحلول على الجوانب البدنية، بل تمتد لتشمل ممارسة الفنون بمختلف أنواعها، من الموسيقى إلى الفنون البصرية، كأدوات فعالة لإدارة الضغوط. وفي حالات الضيق الشديد، يظل اللجوء إلى المتخصصين النفسيين هو الخيار الأمثل للحصول على علاجات قائمة على الأدلة العلمية تضمن التغيير المستدام.

منوعات

الثّلاثاء 05 مايو 2026 8:24 صباحًا - بتوقيت القدس

خلف أبواب الثلاجة.. لماذا نتفقد الطعام دون شعور بالجوع؟

في مشهد يتكرر يومياً داخل معظم المنازل، يقف الكثيرون أمام الثلاجة فاتحين بابها لتفقد محتوياتها دون رغبة حقيقية في تناول الطعام. هذا السلوك البسيط في ظاهره يطرح تساؤلات أعمق حول الدوافع النفسية التي تحرك الإنسان بعيداً عن الحاجة البيولوجية للغذاء.

لم تعد الثلاجة مجرد جهاز لحفظ الأطعمة والمشروبات، بل تحولت إلى جزء أساسي من تفاصيل الحياة اليومية ومحطة متكررة يعود إليها الفرد في أوقات مختلفة. إنها تمنح الشخص لحظة توقف قصيرة تكسر رتابة الساعات، سواء كان ذلك في الصباح الباكر أو في أوقات الليل المتأخرة.

يرى خبراء السلوك أن هذا الحضور الدائم للثلاجة جعل منها مساحة مألوفة تمنح شعوراً مؤقتًا بالسيطرة والقدرة على الاختيار. ففي عالم مليء بالقرارات المعقدة، يمثل اختيار وجبة خفيفة أو مجرد إغلاق الباب قراراً بسيطاً يمنح استراحة ذهنية غير معلنة.

يبرز مصطلح 'الجوع النفسي' كأحد أبرز التفسيرات لهذه الظاهرة، حيث تختلط الحاجة للطعام برغبات أخرى مثل كسر الروتين اليومي. ففي كثير من الأحيان، يكون الهدف هو البحث عن مكافأة بسيطة أو الهروب المؤقت من ضغوط المهام المتراكمة التي ترهق الذهن.

بالنسبة لأولئك الذين يعملون من منازلهم، تتحول الثلاجة إلى محطة فاصلة بين المهام الوظيفية المختلفة ووسيلة لتقطيع الوقت. يستخدم البعض هذا السلوك كأداة لتأجيل مهمة غير مرغوبة، حيث يمنحهم فتح الباب وتفقد المحتويات فاصلاً زمنياً يعيد شحن طاقتهم النفسية.

تكرار فتح الثلاجة خلال فترات القلق يعكس محاولة غير واعية لمراقبة التغير أو البحث عن عنصر جديد يكسر حالة الجمود. ورغم أن المحتوى غالباً ما يكون ثابتاً، إلا أن عملية البحث بحد ذاتها تفرغ جزءاً من التوتر الداخلي الذي يشعر به الفرد.

تندرج هذه السلوكيات ضمن ما يسمى بالطقوس اليومية الصغيرة التي يعتمد عليها الإنسان للتعامل مع ضغوط الحياة المتسارعة. ويشبه المختصون فتح الثلاجة بتفقد الهاتف المحمول أو النظر من النافذة، حيث تعمل هذه الحركات كجسر للانتقال من حالة ذهنية إلى أخرى.

تؤدي هذه الطقوس، رغم عشوائيتها الظاهرة، دوراً حيوياً في إعادة تنظيم الانتباه وتخفيف حدة التوتر النفسي. وفي بيئة مليئة بالمحفزات الرقمية، تصبح هذه اللحظات الفيزيائية البسيطة وسيلة لاستعادة التوازن والهدوء النفسي ولو لثوانٍ معدودة.

يرتبط وجود الطعام داخل الثلاجة بإحساس عميق بالأمان والاستقرار النفسي لدى الإنسان منذ القدم. فامتلاء الرفوف بالمواد الأساسية يمنح شعوراً ضمنياً بالقدرة على تلبية الاحتياجات، بينما قد يثير فراغها مشاعر القلق وفقدان السيطرة على تفاصيل الحياة.

في الختام، لا يعد فتح الثلاجة دون سبب واضح مؤشراً على مشكلة، بل هو تعبير طبيعي عن حاجة الإنسان للتوقف المؤقت. إنها محاولة لإيجاد منافذ صغيرة للهدوء والراحة داخل تفاصيل الحياة الاعتيادية، مما يكشف تداخل الجوانب النفسية مع أبسط عاداتنا.

عربي ودولي

الثّلاثاء 05 مايو 2026 7:40 صباحًا - بتوقيت القدس

مضيق هرمز في عين العاصفة: حسابات القوة وتداعيات 'تيه الأربعين يوماً'

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات دراماتيكية غير قابلة للتوقع، خاصة في ظل المناورات التي يقودها تجار الصفقات الكبرى المدعومين بقوى أمنية وعسكرية. هذه الحالة من عدم اليقين تسيطر على العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث باتت المفاوضات تجري تحت وطأة التهديد المباشر، مما جعل التصريحات الصادرة عن الطرفين تفتقر إلى الثبات والمصداقية المطلقة في ظل تعقيدات الميدان.

لقد تحول مضيق هرمز، الذي ظل لفترة طويلة ممراً حراً للملاحة الدولية، إلى بؤرة لأزمة عالمية خانقة أصابت حركة التجارة الدولية بشلل نصفي. هذا التغير المفاجئ جاء نتيجة تراكمات عسكرية وسياسية أدت إلى إغلاق الشريان الحيوي، مما دفع القوى الدولية لإعادة تقييم استراتيجياتها في التعامل مع أمن الطاقة العالمي الذي تأثر بشكل مباشر بارتفاع أسعار الوقود.

وتشير تقارير إلى وجود إدراك متزايد داخل أروقة صنع القرار في واشنطن، وتحديداً في الكونغرس بجناحيه الديمقراطي والجمهوري، بأن الخيار العسكري ضد إيران كان خطأً استراتيجياً. ويرى مراقبون أن البيت الأبيض حاول توصيف المواجهة كـ 'عملية عسكرية' لتفادي القيود الدستورية وضغوط المشرعين، إلا أن النتائج الميدانية والخسائر الاقتصادية فرضت واقعاً مغايراً للتوقعات الأمريكية الأولية.

إن نتائج ما يُعرف بـ 'عدوان الأيام الأربعين' أثبتت أن استخدام القوة المفرطة لم يساهم في حل المعضلات القائمة، بل زادها تعقيداً وتشابكاً. فالمضيق الذي سعت الولايات المتحدة لفتحه عبر الضغط العسكري انتهى به المطاف مغلقاً، مما يعكس سوء تقدير للعواقب وتضارباً في الخيارات الاستراتيجية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية في التعامل مع الملف الإيراني الشائك.

وفي ظل هذه الأجواء، تبرز أزمة إنسانية وتقنية تتمثل في وجود نحو 600 ناقلة نفط عالقة داخل مياه الخليج منذ قرابة الشهرين، وعلى متنها ما يزيد عن 20 ألف بحار. وبينما يحاول البيت الأبيض تصوير نفسه في دور المنقذ والمحرر لهذه السفن، تؤكد مصادر ميدانية أن خروج هذه الناقلات لا يمكن أن يتم دون تنسيق مباشر ودقيق مع الجانب الإيراني الذي يفرض سيطرته على ممرات الدخول.

وتشترط طهران حالياً على كافة السفن الراغبة في المغادرة ضرورة التنسيق المسبق مع أجهزتها المختصة، حتى في حال وجود تفاهمات دولية عامة. وتوضح الخرائط الملاحية أن ممر الخروج الجنوبي يقع بالقرب من سلطنة عمان، بينما يمر خط الدخول الشمالي عبر المياه الإقليمية الإيرانية بالقرب من بندر عباس، وهو ما يفرض واقعاً جغرافياً لا يمكن تجاوزه في أي عملية تفاوضية.

ختاماً، يبدو أن التنسيق الفعلي يجري حالياً بين طهران ومسقط لتأمين حركة السفن، في حين يقتصر الدور الأمريكي على تقديم إرشادات ملاحية عن بُعد لتجنب حقول الألغام والمناطق الخطرة. وتعكس هذه الحالة رغبة واشنطن في تجنب تصعيد جديد، والبحث عن حلول وسط عبر 'المراسلة' أو الوسطاء، بعد أن أدرك الطرفان أن تكلفة المواجهة المباشرة باتت تفوق قدرة الجميع على الاحتمال.