أقلام وأراء

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس

المؤتمر الثامن: رهان على مستقبل الحركة


يُنعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح ونحن في مرحلة لا تحتمل أن نكون أقل من المستوى المطلوب. المؤتمر يحمل في طياته فرصة حقيقية، لكنه يحمل أيضاً أسئلة لا يجوز تجاوزها.
وما تمر به قضيتنا اليوم لا يحتمل أن تكون الحركة مشغولة بنفسها بعيدة عن الناس وهمومهم. التماسك مع الجماهير وبناء الثقة معهم لن ينجح إن لم يكن الصف الداخلي متماسكاً بثقة وقناعة.
كثيرون من كادر الحركة لم يجدوا مكاناً لهم في عضوية المؤتمر، وهذا أمر مفهوم في حركة بحجم فتح وبهذا الكم من المناضلين الذين قدّموا وضحّوا. المؤتمر لا يتسع للجميع، وهذه حقيقة لا جدال فيها.
لكن المسؤولية هنا تقع على القيادة في كيفية التعامل مع هؤلاء الكوادر. من لم يجد مقعداً في المؤتمر لا يحتاج خطاباً ومجاملة عابرة، يحتاج تواصلاً حقيقياً يعترف بدوره وتضحياته بما يليق به، ويفتح أمامه المجال للمشاركة في أطر الحركة المختلفة.
الفرص يجب أن تتسع لأكبر عدد من الكادر، لا أن تبقى محصورة في عدد معين أو فئة بعينها.
الظاهرة الثانية هي حجم الترشح الكبير لعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري. هذا حق أصيل لكل عضو في المؤتمر ولا يملك أحد سلبه، لكن هذا الحجم من الترشح يقول شيئاً يجب أن نسمعه.
هذا التزاحم يكشف أن هناك جيلاً كاملاً من الكادر ينتظر دوره منذ سنوات، ولم تُفتح أمامه مساحة حقيقية بعد. وهذا ليس ترفاً تنظيمياً، بل هو أزمة تحتاج معالجة قبل أن تتعمق.
من هنا أرى أن من نال ثقة الرئيس في موقع رسمي متقدم -وزيراً أكان أم سفيراً أم وكيلاً أم محافظاً- عليه أن يُفسح المجال لغيره من الكادر في المواقع التنظيمية القيادية.
الجمع بين الموقعين لا يُنصف أياً منهما، وفي ظل أزمة تدافع الأجيال التي تعيشها الحركة، فإن حصر المواقع في أشخاص بعينهم يُعمّق الأزمة ويحرم كادراً على حساب كادر آخر.
العمل التنظيمي ليس موقعاً شرفياً، بل مسؤولية تتطلب حضوراً دائماً في الميدان بين الناس. ومن أراد الترشح للعمل التنظيمي القيادي فعليه أن يتفرغ له كاملاً، لأن العمل التنظيمي الحقيقي لا يُمارَس من بعيد.
وبالمنطق ذاته، من أخذ فرصته في عضوية المؤتمر والترشح، فمن الواجب أن يُفسح المجال لزميله في عضوية المجلس الوطني أو المركزي.
لا يستقيم في ظل هذا التزاحم أن يجمع شخص واحد عضوية المجلس الثوري والمجلس المركزي والمجلس الوطني في آنٍ واحد، بينما كوادر كثيرة لم تجد فرصة للمشاركة.
الكادر الذي يرى أن الفرص لا تصله يخف حماسه شيئاً فشيئاً حتى يصبح لا مبالياً لا يكترث. وحركة تُشعر كوادرها بالإقصاء أو بأنهم غير مُقدَّرين، تفقد معهم شيئاً لا تعوضه لا الخطب ولا البيانات ولا المجاملات مهما قيل فيها.
استعادة ثقة الشارع الفلسطيني لا تبدأ من خطاب سياسي أو موقف ميداني. تبدأ من داخل الحركة نفسها، من كادر يشعر أنه شريك حقيقي لا رقم في قائمة يُستحضر وقت الحاجة ويُنسى بعدها.
فتح التي صمدت عقوداً أمام أقسى الضغوط الخارجية، لا يجوز أن تستنزفها إشكاليات داخلية كان يمكن معالجتها بقرار واضح وإرادة صادقة. من لا يثق بنفسه من الداخل لن يقنع أحداً في الخارج.
فتح بتاريخها ونضالها تملك ما لا تملكه حركات أخرى- كادراً إنسانياً هائلاً من المناضلين والمضحين. المهم ليس إن كانت تملك هذا الرصيد، بل إن كانت تُحسن الاستثمار فيه والحفاظ عليه، بما يحقق التوازن بين الحق الفردي والمصلحة الجماعية.
المؤتمر الثامن يجب أن يكون نقطة تحول حقيقية نحو إعادة العمل التنظيمي الميداني لمكانته الحقيقية وبناء الثقة مع جماهير شعبنا، لأن الناس لا يثقون بمن لا يرونه بينهم ويحمل همهم.
لا يحتاج الأمر إلى تعقيد أو قرارات صعبة. يحتاج إلى قرار واضح وشجاعة في تطبيقه. الكادر الحقيقي لفتح يستحق أكثر من وعود، يستحق أن يرى التغيير بعينيه ويلمسه في التطبيق.
المؤتمر الثامن فرصة نهوض وطني يبدأ من الكادر وتماسكه. إن نجح في الخروج بمخرجات تجمع كادر الحركة وتحافظ عليه، فإن انعكاس ذلك سيطول كافة القضايا الوطنية. وإن أخفق، فالخسارة ليست تنظيمية فحسب، بل وطنية بامتياز.
"فتح" أثبتت على مدى عقود أنها أكبر من أي أزمة تمر بها. جماهير شعبنا مهما عتبت عليها تعود وتلتف حولها حين تشتد الأمور، لأنها تعرف في قرارة نفسها أن "فتح" هي الضمانة الوطنية الحقيقية وصمام الأمان للقرار الفلسطيني المستقل. هذه الحركة ليست حزباً بين أحزاب، بنهضتها ينهض الكل الفلسطيني. ومن هذا الإيمان تحديداً تأتي هذه الكلمات، لأن من يؤمن بفتح يريدها في أفضل حال.

دلالات

شارك برأيك

المؤتمر الثامن: رهان على مستقبل الحركة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.