الإثنين 01 يونيو 2026 1:09 مساءً - بتوقيت القدس

ترامب يشدد شروط الاتفاق مع إيران ويدفع بمسودة معدلة لإنهاء الحرب

أفادت مصادر إعلامية بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أجرى تعديلات جوهرية وأكثر تشدداً على إطار مقترح لاتفاق يهدف إلى وضع حد للعمليات العسكرية الجارية مع إيران. وتأتي هذه الخطوة في سياق محاولات واشنطن تكثيف الضغوط على طهران لإرغامها على قبول صيغة التفاهم المطروحة بشكل أسرع، خاصة في ظل حالة الركود التي تهيمن على مسار الردود الدبلوماسية.

وذكرت تقارير صحفية نقلاً عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية أن النسخة المعدلة من مسودة الاتفاق جرى إرسالها بالفعل إلى الجانب الإيراني لدراستها والرد عليها. ورغم عدم الكشف عن التفاصيل الدقيقة للنصوص الجديدة، إلا أن التوجه العام يشير إلى صرامة أكبر في التعامل مع الملفات العالقة بين الطرفين.

وأبدى الرئيس ترامب تحفظات واضحة على بعض البنود التي تضمنها المقترح الأصلي، لا سيما تلك المتعلقة بآلية تجميد أو الإفراج عن الأموال الإيرانية في الخارج. ويعكس هذا الموقف انتقادات ترامب الدائمة للاتفاقات السابقة التي أُبرمت في عهد إدارة باراك أوباما، والتي يراها غير كافية لردع الطموحات الإيرانية.

ونقلت مصادر مطلعة أن البيت الأبيض يشعر بانزعاج متزايد من البطء الذي تتسم به الردود الإيرانية على المقترحات التي تُقدم عبر الوسطاء. ويرى الجانب الأمريكي أن المماطلة في تقديم إجابات واضحة تعيق جهود التوصل إلى تهدئة مستدامة في المنطقة التي تشهد توتراً عسكرياً متصاعداً.

وتشير المعلومات إلى أن صياغة هذا الإطار التفاوضي لم تكن مباشرة، بل تمت عبر قنوات خلفية معقدة وبمشاركة فاعلة من وسطاء دوليين، من بينهم أطراف باكستانية. ويسعى هؤلاء الوسطاء إلى تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران في محاولة لتجنب انفجار الأوضاع بشكل أوسع.

ووفقاً للمصادر، فإن التعديلات الأخيرة التي وُصفت بالصارمة تهدف بالأساس إلى استحثاث رد فعل من المرشد الأعلى الإيراني، الذي يُعتبر صاحب الكلمة الفصل في هذه الملفات. ومع ذلك، تبرز تحديات لوجستية وسياسية في الوصول المباشر إلى القيادة العليا في طهران، مما يهدد بمزيد من التأخير في الجدول الزمني للمفاوضات.

وفي سياق متصل، عقد الرئيس ترامب اجتماعاً مطولاً استمر لنحو ساعتين داخل غرفة العمليات في البيت الأبيض، ضم كبار مستشاري الأمن القومي والسياسة الخارجية. وتركز النقاش حول استراتيجية إنهاء الحرب والخيارات المتاحة في حال استمرار الرفض أو المماطلة الإيرانية تجاه المقترحات الأمريكية المعدلة.

ورغم أهمية الاجتماع، إلا أنه انتهى دون صدور أي إعلان رسمي أو بيان يوضح النتائج التي تم التوصل إليها، مما يترك الباب مفتوحاً أمام التكهنات بشأن الخطوات التصعيدية أو الدبلوماسية القادمة. وتلتزم الإدارة الأمريكية حالياً بسياسة التكتم على تفاصيل المداولات الداخلية لضمان نجاح المسار التفاوضي.

ويتضمن الإطار العام للاتفاق المحتمل بنداً رئيسياً يقضي بوقف الحملة العسكرية المشتركة التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الأهداف الإيرانية. وفي المقابل، يُطلب من طهران الالتزام برفع كافة القيود التي فرضتها مؤخراً على الملاحة الدولية في مضيق هرمز الاستراتيجي.

ويُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً لتجارة الطاقة العالمية، حيث كان مفتوحاً بشكل طبيعي أمام ناقلات النفط والغاز قبل اندلاع العمليات العسكرية في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. وتهدف واشنطن من هذا البند إلى تأمين تدفق إمدادات الطاقة وضمان استقرار الأسواق العالمية التي تأثرت بالنزاع.

وتشير التقديرات إلى أن القضايا الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها مستقبل البرنامج النووي الإيراني وتطوير الصواريخ الباليستية، لن يتم حسمها في هذه المرحلة. ومن المتوقع أن يتم ترحيل هذه الملفات الخلافية الكبرى إلى جولات تفاوضية لاحقة، شريطة النجاح في التوصل إلى تفاهم مبدئي لوقف إطلاق النار.

ويرى مراقبون أن استراتيجية ترامب تعتمد على مبدأ 'الضغط الأقصى' حتى في اللحظات الأخيرة من التفاوض، لضمان الحصول على أكبر قدر من التنازلات. وتعتبر الإدارة الأمريكية أن أي اتفاق لا يضمن مصالحها الأمنية ومصالح حلفائها في المنطقة لن يكون قابلاً للاستمرار أو التوقيع.

من جانبها، تترقب الأوساط الدولية طبيعة الرد الإيراني على هذه التعديلات المتشددة، وما إذا كانت طهران ستعتبرها عرقلة للمسار الدبلوماسي أم ستتعامل معها كأمر واقع. وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الشروط الجديدة إلى تصلب المواقف داخل دوائر صنع القرار في إيران، مما قد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.

ختاماً، يبقى الوضع الميداني والسياسي رهناً بما ستسفر عنه الأيام القادمة من اتصالات، في ظل سباق مع الزمن لتفادي توسع رقعة الحرب. وتستمر المصادر في مراقبة التحركات الدبلوماسية في العواصم المعنية، بانتظار إشارة واضحة حول إمكانية حدوث خرق في جدار الأزمة الإيرانية الأمريكية.

الإثنين 01 يونيو 2026 1:09 مساءً - بتوقيت القدس

عبد الرحمن أبو زهرة.. رحيل آخر الرجال المحترمين وفارس الالتزام الفني

خيم الحزن على منصات التواصل الاجتماعي والأوساط الإعلامية عقب الإعلان عن رحيل الفنان القدير عبد الرحمن أبو زهرة. ويمثل رحيله نهاية حقبة ذهبية تميزت بالتنوير والجمال والالتزام الفني الذي قل نظيره في العصر الحديث.

كان الراحل يحمل اسماً على مسمى، حيث جسد في مسيرته زهرة الإبداع الملتزم كخيار وجودي وفلسفي. ولم يكن أبو زهرة من الفنانين الذين تغريهم الأضواء أو بريق الشهرة للتنازل عن قناعاتهم الراسخة التي شكلت هويتهم.

برز مصطلح الالتزام في حياة أبو زهرة كمنهج عملي، حيث انحاز دوماً للمتن والشكل في أعماله الفنية. وقد انعكس هذا الالتزام في مواقفه الوطنية والسياسية، حيث ظل متمسكاً بمبادئه منذ بداياته الأولى وحتى اللحظات الأخيرة من حياته.

تشير شهادات المقربين منه إلى ندرة أخلاقه وتماسك فلسفته الإنسانية التي جعلته في مواجهة مباشرة مع تيارات السلطة المتعاقبة. وقد دفع الفنان الراحل ثمناً باهظاً جراء مواقفه الصلبة التي رفض فيها المهادنة على حساب حرية التعبير.

من أبرز المحطات التي سجلت صدامه مع السلطة كانت فترة بروفات مسرحية 'الحسين ثائراً وشهيداً' من إخراج كرم مطاوع. عُرضت هذه المسرحية على المسرح القومي لمدة ثلاثين ليلة تحت مسمى 'بروفة' للالتفاف على الرقابة آنذاك.

تفاقمت الأزمة عندما قررت السلطة إحالة العمل المسرحي إلى مشيخة الأزهر برئاسة الشيخ عبد الحليم محمود للبت في أمره. وهنا تفجرت ثورة أبو زهرة الرافضة لتدخل المؤسسة الدينية في الشؤون الفنية والإبداعية بشكل قطعي.

اعتبر الفنان الراحل أن استدعاء المؤسسة الدينية كان مراوغة من نظام السادات لحرمان الجمهور من عمل يناقش قيم الحرية. ولم تمر هذه المواجهة دون تبعات، حيث بدأت مرحلة من التهميش المتعمد والإقصاء بحق النجم القدير.

عاش أبو زهرة سنوات صعبة اتسمت بقلة العمل والتضييق، لكنه ظل صامداً ولم ينحنِ للعواصف السياسية التي أحاطت به. ومع مرور الوقت، بدأت الانفراجات الفنية تتوالى لتعيد الاعتبار لموهبته الفذة التي لا يمكن طمسها.

جاءت شخصية 'المعلم سردينة' في مسلسل 'لن أعيش في جلباب أبي' لتعيد تقديم أبو زهرة للجمهور بشكل عبقري. وقد حفرت هذه الشخصية مكاناً بارزاً في ذاكرة الدراما العربية، مؤكدة على قدراته التمثيلية الاستثنائية.

توالت النجاحات الفنية بمشاركته في أعمال متميزة مثل مسلسل 'أوان الورد'، حيث ترك بصمة فنية لا تمحى. وتنوعت أدوار الراحل بين المسرح والتلفزيون والسينما، محافظاً في كل منها على سوية فنية عالية جداً.

لم يقتصر إبداع أبو زهرة على التمثيل المباشر، بل امتد ليشمل عالم الدبلجة الصوتية التي وصل فيها إلى العالمية. فقد اختارته شركة ديزني كأفضل صوت جسد شخصية الأسد 'سكار' في النسخة العربية من فيلم 'الأسد الملك'.

أكدت تقارير ديزني أن أداء أبو زهرة الصوتي كان الأفضل على الإطلاق بين جميع اللغات التي دبلج إليها الفيلم. وهذا التقدير الدولي جاء تتويجاً لمسيرة فنان اهتم بأدق تفاصيل عمله الفني وأخلص لأدواته الإبداعية.

رحل عبد الرحمن أبو زهرة تاركاً خلفه إرثاً غنياً من القيم والمواقف التي تدرس للأجيال القادمة في معنى احترام الفن. فقد أثبت طوال عقود أن الفنان الحقيقي هو من يرفض المقايضة على مبادئه مهما كانت التحديات.

تظل سيرة هذا الفنان الملتزم شاهدة على حقبة من النضال الفني في سبيل الكلمة الحرة والجمال المطلق. رحم الله 'أبو زهرة' الذي عاش وفياً لفلسفته، ورحل تاركاً فراغاً كبيراً في ساحة الإبداع العربي الرصين.

فلسطين

الإثنين 01 يونيو 2026 1:09 مساءً - بتوقيت القدس

مفتي سلطنة عُمان يدعو لتكثيف أساطيل كسر الحصار عن غزة

حث مفتي عام سلطنة عُمان، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، على ضرورة استمرارية وتكثيف إرسال القوافل البحرية الهادفة لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة. وأوضح الخليلي أن التحركات الشعبية والدولية الأخيرة أثبتت قدرتها على تحريك الرأي العام العالمي وتسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني.

جاءت تصريحات المفتي خلال زيارة تضامنية قام بها لنشطاء عُمانيين كانوا ضمن طاقم "أسطول الصمود العالمي"، والذين أطلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي سراحهم قبل أيام قليلة. وأثنى الخليلي على شجاعة المشاركين، معتبراً أن تضحياتهم ساهمت في إيصال رسالة قوية للمجتمع الدولي حول ضرورة إنهاء العزلة المفروضة على القطاع.

وأكد الشيخ الخليلي في حديثه للنشطاء أن الأثر الذي تركه الأسطول لم يكن محدوداً، بل أحدث صدىً واسعاً في مختلف العواصم، مشدداً على أن التوجه الحالي يجب أن يركز على الإسراع في تنظيم رحلات بحرية مماثلة لضمان بقاء قضية الحصار حية في الضمير العالمي وللضغط من أجل فتح الممرات المائية أمام المساعدات الإنسانية.

فلسطين

الإثنين 01 يونيو 2026 12:54 مساءً - بتوقيت القدس

أفران غزة تلتهم ملابس النازحين: أزمة غاز الطهي تدفع السكان لخيار 'الدخان القاتل'

تتصاعد مأساة النازحين في مخيم الجندي المجهول بقلب مدينة غزة، حيث تحولت الملابس البالية وأكواب الورق المستعملة وكراتين المحلات التجارية إلى الوقود الوحيد المتاح لتشغيل أفران الخبز. يأتي هذا التحول القسري في ظل انعدام شبه كامل لغاز الطهي والحطب، مما يجسد عمق الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع الذين فقدوا أدنى مقومات الحياة الكريمة.

وأفادت مصادر ميدانية بأن المتطوع محمد رائد يقضي نحو ست ساعات يومياً أمام لهيب الفرن المشتعل بما يجمعه من أقمشة ممزقة، ليتمكن من توفير الخبز لما يقارب 15 عائلة يومياً. ورغم كونه رب أسرة مكونة من ستة أفراد، إلا أنه يرفض تقاضي أي مقابل مادي لقاء عمله، محاولاً سد الفجوة الكبيرة التي خلفها شح الإمدادات الرسمية في المخيم.

وتشير الأرقام إلى ارتفاع جنوني في أسعار البدائل التقليدية، حيث وصل سعر كيلو الحطب إلى ما بين 11 و13 شيكلاً، وهو مبلغ يعجز عن توفيره معظم سكان المخيم الذين يعانون من فقر مدقع. هذا الارتفاع تزامن مع ندرة الحطب في الأسواق نتيجة استمرار قطع خطوط الإمداد والقيود المفروضة على دخول المواد الأساسية إلى مناطق شمال القطاع.

وفي مشهد يدمي القلوب، يضطر الآباء لإرسال أطفالهم في ساعات الفجر الأولى للبحث عن قطع الكرتون والورق المقوى أمام المحلات وفي أكوام القمامة قبل أن يسبقهم إليها آخرون. ويؤكد رائد أن طفله البالغ من العمر سبع سنوات يشارك يومياً في هذه المهمة الشاقة لتأمين وقود الفرن، في ظل غياب أي بدائل آمنة أو متاحة للطهي.

وتتضاعف المعاناة الصحية نتيجة استنشاق الأدخنة الكثيفة والسامة الناتجة عن احتراق الألياف الصناعية والأقمشة، حيث بدأ المتطوعون وسكان الخيام المجاورة يعانون من آلام حادة في الصدر وضيق تنفس. ويضطر العاملون على الأفران للتوقف عن العمل قبل العصر لتفادي اختناق الجيران، خاصة النساء والأطفال المصابين بالربو والأمراض الصدرية المزمنة.

وعلى صعيد التوزيع، يضم مخيم الجندي المجهول نحو 146 عائلة، إلا أن كميات الخبز التي تصل عبر نقاط التوزيع الرسمية لا تتجاوز في كثير من الأحيان 20 رغيفاً للمخيم بأكمله. هذا الشح الحاد دفع المتطوعين لفتح أفرانهم البديلة لكل من يملك كمية بسيطة من الطحين، حتى لو كانت مستعارة من الجيران، لضمان بقاء العائلات على قيد الحياة.

ويطرح السكان بدائل تقشفية قد تكون أقل ضرراً، مثل إدخال زيت الطهي لاستخدامه كوقود للأفران، حيث تكفي القنينة الواحدة لإنتاج نحو 50 رغيفاً دون انبعاثات خانقة. ومع ذلك، تبقى هذه الحلول مؤقتة ولا تغني عن الحاجة الملحة لإدخال غاز الطهي بشكل منتظم وبكميات كافية تلبي احتياجات مئات آلاف النازحين في مراكز الإيواء.

من جانبها، كشفت الهيئة العامة للبترول عن أرقام صادمة تتعلق بخرق بنود اتفاقات توريد الوقود، حيث لم يدخل إلى القطاع سوى 307 شاحنات غاز منذ مطلع فبراير 2026. ويمثل هذا الرقم نحو 20% فقط من الكمية المتفق عليها والبالغة 1500 شاحنة، مما يفسر استمرار لجوء العائلات الفلسطينية لحرق النفايات والبلاستيك لإعداد وجباتهم اليومية.

فلسطين

الإثنين 01 يونيو 2026 12:39 مساءً - بتوقيت القدس

بين مطرقة الاحتلال وسندان الاحتيال.. رحلة السفر من غزة تتحول إلى معجزة مستحيلة

تحول الحق في التنقل لسكان قطاع غزة إلى معضلة إنسانية كبرى، حيث يجد المواطن نفسه عالقاً بين إجراءات الاحتلال الإسرائيلي التعجيزية وشبكات احتيال منظمة. هذه الشبكات تستغل رغبة السكان في النجاة من الواقع الصعب عبر إعلانات ممولة تروج لخدمات هجرة وهمية على منصات التواصل الاجتماعي.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الاحتلال يتبنى سياسات مزدوجة تهدف في جوهرها إلى دفع أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين نحو التهجير القسري. وفي الوقت ذاته، تنشط مؤسسات مجهولة الهوية تدعي القدرة على تسهيل إجراءات المغادرة مقابل مبالغ مالية باهظة، مستغلة حالة اليأس السائدة.

وروى أحد المواطنين تجربته المريرة مع هذه الجهات، موضحاً أنه بدأ البحث عن وسيلة رسمية للسفر عبر الإنترنت قبل أن يصطدم بمؤسسات تفتقر لأي عناوين واضحة أو أرقام تواصل موثوقة. وأشار إلى أن الغموض يلف آلية عمل هذه المكاتب التي تعتمد مسارات غير معلنة تثير الريبة والقلق.

وعلى الرغم من حصول البعض على موافقات مبدئية، إلا أن الكثيرين يتراجعون في اللحظات الأخيرة بسبب التكاليف المرتفعة جداً وضبابية الإجراءات. هذا الواقع يترك آلاف العائلات في حالة من الترقب والانتظار دون وجود أفق واضح لتأمين خروج آمن وقانوني من القطاع المحاصر.

وفي سياق متصل، برزت جهات مشبوهة تحاول انتحال صفة منظمات دولية مرموقة لمنح عملياتها صبغة شرعية زائفة. وقد حذرت مصادر حقوقية من الانسياق وراء هذه الادعاءات التي تهدف فقط لابتزاز المواطنين وسلب مدخراتهم تحت مسمى تسهيل الهجرة أو اللجوء.

من جانبها، نفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشكل قاطع أي صلة لها بهذه الأنشطة أو بوسطاء ينظمون رحلات السفر من غزة. وأكدت اللجنة في بيان رسمي أنها رصدت حالات احتيال متعددة استخدمت اسمها وشعارها لتضليل الراغبين في مغادرة القطاع، داعية الجميع لتوخي الحذر.

ويؤكد الصحفي محمد الشبات، المتابع لهذا الملف أن هناك شبكات منظمة تدعي تقديم استشارات قانونية وبرامج هجرة دولية متخصصة. وتبين لاحقاً أن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة، وأن القائمين عليها لا يملكون أي صفة رسمية تخولهم القيام بهذه المهام الحساسة.

ميدانياً، لا يزال معبرا رفح وكرم أبو سالم هما المنفذين الوحيدين للقطاع، وكلاهما يخضع لرقابة أمنية إسرائيلية صارمة تتحكم في حركة الأفراد والبضائع. هذا التحكم المطلق يجعل من عملية الخروج مرتبطة بمزاجية الاحتلال ومعاييره الأمنية المعقدة التي تزيد من معاناة العالقين.

وتشير البيانات الرسمية إلى وجود قوائم انتظار طويلة تضم أكثر من 20 ألف مريض يحتاجون لتدخلات طبية عاجلة خارج القطاع. وبالإضافة إلى المرضى، هناك آلاف الطلاب وحملة الإقامات الأجنبية الذين تتعطل مصالحهم ومستقبلهم بسبب استمرار إغلاق المعابر أو تقييد الحركة عبرها.

ويرى باحثون ومختصون أن إسرائيل تستخدم ملف السفر كأداة للضغط السياسي والعقاب الجماعي ضد سكان غزة منذ سنوات طويلة. إن استمرار هذا الوضع يساهم في تفاقم الأزمات الإنسانية ويفتح الباب واسعاً أمام الأسواق الموازية التي تقتات على أوجاع الناس وحاجتهم الماسة للحرية.

أقلام وأراء

الإثنين 01 يونيو 2026 12:29 مساءً - بتوقيت القدس

في ظل انخفاض الدولار والمحروقات، لماذا لا تنخفض الأسعار!


تواجه الأسواق الفلسطينية مفارقة اقتصادية واضحة؛ فخلال عام كامل، سجل الدولار الأمريكي تراجعاً حاداً أمام الشيكل الإسرائيلي بنسبة بلغت (23%)، وهو ما يعادل ربع قيمته تقريباً. وفي ظل المعطيات الاقتصادية، وتقارير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، والتي تشير إلى عجز دائم في الميزان التجاري والاعتماد الكبير على الواردات الخارجية مقارنة بالصادرات، فإن القواعد الاقتصادية تفرض انخفاضاً تلقائياً في أسعار السلع المستوردة نتيجة الانخفاض الحاد لسعر صرف الدولار مقابل الشيكل، حتى مع مراعاة اعتبارات المخزون القائم، والصفقات المسبقة، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وغيرها من العوامل المؤثرة.

بالتوازي مع هذا التراجع، شهدت أسعار المحروقات في فلسطين مع مطلع شهر حزيران 2026 انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بمطلع نيسان الماضي؛ حيث هبط سعر السولار بنسبة (11.5%)، وتراجع سعر أسطوانة الغاز المنزلي (12 كغم) بنسبة (15.8%)، وهي مشتقات حيوية تمثل عصب قطاعات إنتاجية واقتصادية مختلفة، ومنها النقل العام في فلسطين.

أمام هذه المستجدات، باتت الجهات الرسمية، وعلى رأسها وزارتا الاقتصاد الوطني والنقل والمواصلات، وجمعية حماية المستهلك، إضافة الى النقابات المختلفة، مطالبة بإجراءات فورية لإعادة تقييم الأسعار والتعرفات المقرّة في نيسان الماضي. وتبرز الحاجة الملحة لضبط الأسعار وتخفيض تعرفة النقل العام التي تعتمد أساساً على السولار، بعد أن أثقلت الارتفاعات السابقة كاهل الفئات المجتمعية الأكثر احتياجاً وتهميشا في المجتمع الفلسطيني، وفي مقدمتهم طلبة المدارس والجامعات والموظفون المضطرون للتنقل اليومي، والفئات المجتمعية الفقيرة التي لا تمتلك سيارات خاصة ومضطرة للتنقل عبر النقل العام، ان كان بين المدن والبلدات الفلسطينية، او في داخلها.

ان سياسة الاستجابة السريعة لرفع الأسعار عند أي صعود في اسعار مدخلات الإنتاج أو المحروقات، مقابل التباطؤ في خفضها عند التراجع، تضاعف من معاناة المواطن الفلسطيني. وتتزايد الأهمية للتدخل الحكومي العاجل لحماية المستهلك في وقت تتفاقم فيه الأزمة المالية والاقتصادية نتيجة سياسة الخنق الاقتصادي الإسرائيلي للشعب الفلسطيني، والتي تشمل احتجاز أموال المقاصّة بشكل كامل منذ أكثر من عام، وحرمان العمال الفلسطينيين من مصادر رزقهم داخل الخط الأخضر، فضلاً عن الحصار الاسرائيلي المشدد عبر نحو 1000 حاجز وبوابة تقطع أوصال الضفة الغربية، واعتداءات المستوطنين المستمرة على القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، بل وعلى ممتلكات المواطنين في اطراف المدن والقرى الفلسطينية، وبمنحى تصاعدي خطير.

كما لا بدّ من دور للقطاع الخاص في فلسطين، في تحمّل مسؤولياته الاجتماعية، والتخفيف عن كاهل المواطنين، وكذلك دور لمؤسسات المجتمع المدني في خلق حراك من اجل تعزيز العدالة الاجتماعية وحقوق الفئات المهمشة والفقيرة، ممن لا صوت لهم.





تحليل

الإثنين 01 يونيو 2026 12:24 مساءً - بتوقيت القدس

المعادلة الصعبة: كيف يهدد الاتفاق الأمريكي الإيراني الاستراتيجية الإسرائيلية؟

تشير القراءات السياسية الحالية إلى أن الولايات المتحدة قد تمضي قدماً في إبرام اتفاق مع إيران بمعزل عن الرغبة الإسرائيلية المعلنة، إلا أن هذا لا يعني تغييب المصالح الإسرائيلية كلياً، بل يضعها في قلب معادلة معقدة تحكمها علاقة إدارة ترامب بحكومة الاحتلال. وتتداخل في هذا المشهد دوافع الطرفين من المواجهة مع طهران، وسط متغيرات إقليمية فرضت معادلات جديدة لم تكن قائمة من قبل.

ويبدو في الأفق أن خيار الحرب الشاملة ذات الأبعاد الإقليمية أو العالمية بات مستبعداً في الوقت الراهن، حيث يُنظر إليه كمغامرة غير محسوبة العواقب بالنسبة للإدارة الأمريكية الجديدة. ويأتي هذا التراجع في ظل فشل الجولات السابقة في تحقيق أهدافها الجوهرية، بالإضافة إلى ضغوط داخلية وعوامل دولية أبرزها الدور الصيني المتنامي في المنطقة.

وفي ظل استبعاد التوصل إلى سلام شامل ودائم نظراً للفجوة العميقة في الشروط والمواقف، يبرز خيار الاتفاق الجزئي والمؤقت كحل عملي وحيد متاح حالياً. هذا الاتفاق، رغم هشاشته المتوقعة، قد يكون الوسيلة التي تفضلها واشنطن لتخفيف حدة التوتر أو كأداة للضغط على طهران لتحسين شروط التفاوض في مراحل لاحقة.

بالنسبة لإسرائيل، يمثل توقيع واشنطن على مثل هذا الاتفاق إخفاقاً استراتيجياً مدوياً، حيث يكرس عجزها عن تحويل فائض القوة العسكرية والدعم الأمريكي المطلق إلى إنجازات سياسية ملموسة. ويعني هذا الفشل بقاء جبهات غزة ولبنان وإيران مفتوحة كبؤر استنزاف دائمة، بدلاً من إنهاء التهديدات كما خططت تل أبيب بعد السابع من أكتوبر.

إن انتهاء المواجهة العسكرية عبر مسار دبلوماسي أمريكي يثبت حقيقة أن قرار الحرب والسلم في الشرق الأوسط قد سُحب من يد بنيامين نتنياهو وحكومته. وأصبح هذا القرار رهناً برؤية ترامب وفريقه، خاصة إذا ما امتدت التفاهمات لتشمل الساحة اللبنانية، مما يقلص هامش المناورة الإسرائيلي إلى مستويات غير مسبوقة.

ويتزايد القلق الوجودي داخل الأوساط الإسرائيلية نتيجة هذه التحولات، حيث ترى أن بقاءها طويل الأمد مرتبط بنظام دولي ودعم غربي يمر بمرحلة من التحول وعدم اليقين. وتخشى تل أبيب من انغلاق 'النافذة التاريخية' التي كانت تتيح لها فرض وقائع ميدانية يصعب تغييرها مستقبلاً، مما يدفعها للتحرك العنيف في الوقت الضائع.

وتعمل إسرائيل حالياً على مسارين لتقليل خسائرها؛ الأول هو المحاولة الميدانية والسياسية لإفشال أي تقارب أمريكي إيراني عبر التصعيد العسكري في لبنان والتحريض المستمر ضد طهران. أما المسار الثاني فهو الضغط على إدارة ترامب لضمان عدم إبرام أي صفقة لا تلبي الحد الأدنى من المتطلبات الأمنية الإسرائيلية كما تراها الحكومة الحالية.

وتسعى حكومة الاحتلال للحصول على ما يمكن تسميته 'جائزة ترضية' في حال أُبرم الاتفاق رغماً عنها، وتتمثل هذه الجائزة في انتزاع ضوء أخضر أمريكي يمنحها 'حرية الحركة'. هذا المفهوم يعني استمرار الاعتداءات والخروقات العسكرية تحت ذريعة الأمن، حتى في ظل وجود اتفاقات رسمية لوقف إطلاق النار، كما حدث في تجارب سابقة.

المعطيات الميدانية في لبنان خلال الأيام الماضية تعكس بوضوح الرغبة الإسرائيلية في عرقلة أي مسار دبلوماسي لا يضمن لها التفوق الكامل. وتستخدم تل أبيب التصعيد كأداة لابتزاز الإدارة الأمريكية أو دفعها لتبني مواقف أكثر تشدداً تجاه الملف الإيراني، مستغلة التداخل الأيديولوجي والسياسي مع فريق ترامب.

ورغم أن إسرائيل فقدت استقلالية قرارها الاستراتيجي لصالح واشنطن، إلا أنها لا تزال تمتلك أدوات تأثير قوية داخل الدوائر الأمريكية. وتراهن تل أبيب على أن الدعم العسكري والسياسي لن يتوقف، بل قد يتخذ أشكالاً جديدة تتناسب مع طبيعة المرحلة المقبلة التي تتسم بالاتفاقات الهشة والهدن المؤقتة.

يجب الإشارة إلى أن الصراع الحالي هو في جوهره مواجهة 'إسرائيلية أمريكية' مشتركة ضد المحور الإيراني، وإن اختلفت الحسابات التكتيكية بين الحليفين. فبينما تبحث واشنطن عن استقرار يخدم مصالحها الكبرى، تسعى إسرائيل لتثبيت وجودها عبر القوة العسكرية المفرطة، مما يجعل التباين في الأهداف أمراً حتمياً.

إن أي اتفاق قادم لن ينهي الصراع بل قد يعيد صياغته، حيث ستبقى المنطقة مرشحة لموجات جديدة من التصعيد في حال شعرت إسرائيل أن مصالحها الحيوية مهددة. ويبقى الرهان الإسرائيلي على استغلال الدعم الأمريكي لتحقيق أقصى قدر من المكاسب الميدانية قبل أن تفرض الدبلوماسية كلمتها الأخيرة.

وفي المحصلة، تجد إسرائيل نفسها في موقف الخاسر استراتيجياً على المدى البعيد إذا ما استمرت إيران في تعزيز نفوذها الإقليمي عبر القنوات الدبلوماسية. هذا الواقع يدفع النخبة السياسية والعسكرية في تل أبيب إلى تبني سياسات أكثر عدوانية لمحاولة تغيير مسار الأحداث قبل فوات الأوان.

ختاماً، يظل المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث أن الحرب المستمرة قد تتخللها هدن مؤقتة، لكن جذور الصراع تظل قائمة وعميقة. ويبقى السؤال حول مدى قدرة إسرائيل على التعايش مع واقع إقليمي جديد تكون فيه طهران طرفاً معترفاً به دولياً، وهو الكابوس الذي تحاول تل أبيب منعه بكل الوسائل المتاحة.

الإثنين 01 يونيو 2026 12:24 مساءً - بتوقيت القدس

كواليس العملية البرية شمال الليطاني: تخطيط استمر عاماً وتعديلات فرضتها الميدان

أفادت مصادر إعلامية عبرية بتفاصيل موسعة حول العملية البرية التي ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي في عمق جنوب لبنان، وتحديداً في المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني. وأوضحت التقارير أن هذه العملية لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت نتاج تخطيط عسكري دقيق بدأ منذ نحو عام كامل، خضع خلاله المسار العملياتي لعدة تعديلات فرضتها التطورات الميدانية.

تعتمد الاستراتيجية الحالية للجيش الإسرائيلي على توغل بري واسع النطاق يتجاوز الخطوط التقليدية، حيث أُسندت مهام حيوية لوحدات الهندسة القتالية. وقامت هذه الوحدات بفتح طرق ومسارات جديدة وسط تضاريس جبلية وعرة وغابات كثيفة كانت تُصنف سابقاً كعوائق طبيعية صعبة الاختراق، مما يسهل حركة الآليات الثقيلة.

شملت التجهيزات الهندسية إنشاء جسور مؤقتة وفوق نهر الليطاني لضمان استمرارية الإمدادات العسكرية وتحرك القوات عبر محاور متعددة. وتهدف هذه الخطوة إلى تأمين موطئ قدم ثابت للقوات الإسرائيلية في مناطق لم تصلها العمليات البرية منذ سنوات طويلة، لضمان السيطرة على المرتفعات الحاكمة في المنطقة.

وفقاً لما نقلته مصادر عبرية، فإن الغاية الاستراتيجية الكبرى من هذا التوغل هي تحييد قدرات حزب الله الصاروخية، وتحديداً الصواريخ الموجهة والمضادة للدبابات. وترى القيادة العسكرية الإسرائيلية أن السيطرة على هذه الجغرافيا ستقلص بشكل كبير التهديدات المباشرة التي تواجه المستوطنات والبلدات في منطقة الجليل الأعلى.

كشفت التقارير أن الجيش الإسرائيلي حاول تنفيذ عملية مشابهة قبل نحو شهرين باستخدام الفرقة 98، إلا أن تلك المحاولة لم تكلل بالنجاح المطلوب. واصطدمت القوات حينها بمقاومة ميدانية شرسة ووقعت في كمائن محكمة نُسبت لعناصر حزب الله، مما أجبر القيادة الشمالية على سحب القوات وإعادة تقييم الموقف.

عقب الإخفاق الأول، قررت قيادة جيش الاحتلال نقل مسؤولية التخطيط والتنفيذ إلى الفرقة 36، التي وضعت تصوراً جديداً يتناسب مع طبيعة التحديات الميدانية. وبدأت الفرقة الجديدة بتنفيذ الخطة المعدلة التي تعتمد على القوة النارية الكثيفة والتقدم التدريجي لتجنب الوقوع في فخاخ المقاومة اللبنانية التي عرقلت المحاولات السابقة.

مع انطلاق المرحلة الجديدة من العملية، اندلعت اشتباكات ضارية في الساعات الأولى بين القوات المتقدمة ومقاتلي حزب الله على خطوط التماس الأولى. وأقرت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات الإسرائيلية نتيجة هذه المواجهات المباشرة، قبل أن تبدأ رقعة التوغل في التوسع نحو العمق اللبناني.

أشارت المعطيات الميدانية الأخيرة إلى وصول القوات الإسرائيلية إلى خطوط تلال استراتيجية ومواقع مرتفعة تطل على مساحات واسعة من الجنوب اللبناني. وتركزت هذه التحركات في مناطق يوشمور وبوفورت وزوتار، وهي نقاط جغرافية تمنح الجيش الإسرائيلي ميزة الرصد والسيطرة النارية على القرى المحيطة.

بالتزامن مع التقدم البري، صعد الجيش الإسرائيلي من ضغوطه على المدنيين في المناطق المستهدفة، حيث وجه تحذيرات عاجلة لسكان مدينة النبطية. وشملت أوامر الإخلاء عدداً من القرى المجاورة للمدينة، في مؤشر على نية الاحتلال توسيع نطاق العمليات العسكرية لتشمل مراكز ثقل سكانية وإدارية في الجنوب.

تؤكد المصادر أن العمليات الهندسية الجارية شمال الليطاني تهدف إلى خلق واقع جغرافي جديد يصعب تجاوزه في أي مفاوضات سياسية مستقبلية. ويسعى الاحتلال من خلال شق الطرق والجسور إلى تحويل المنطقة إلى منطقة عازلة فعلياً تحت سيطرته النارية، مع استمرار ملاحقة خلايا إطلاق الصواريخ.

يبقى الميدان هو الحكم في مدى نجاح الفرقة 36 في تحقيق أهدافها، في ظل استمرار الرشقات الصاروخية من لبنان باتجاه العمق الإسرائيلي. وتراقب الأوساط العسكرية قدرة حزب الله على استيعاب الصدمة الأولى للتوغل والتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد في التضاريس التي تم تجهيزها مسبقاً لمواجهة مثل هذه السيناريوهات.

فلسطين

الإثنين 01 يونيو 2026 12:24 مساءً - بتوقيت القدس

سنابل الصمود: مزارعو غزة يتحدون الركام بالحصاد اليدوي لتأمين لقمة العيش

بأدوات بدائية وإرادة صلبة، يكافح المزارعون الفلسطينيون في قطاع غزة لجني محصول القمح، متحدين آثار الدمار الهائل الذي خلفته الحرب المستمرة. وتأتي هذه الجهود في ظل نقص حاد في الموارد الأساسية واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية التي لم تتوقف رغم إعلان تفاهمات وقف إطلاق النار.

ويعتمد المزارعون في حصادهم على السواعد البشرية والوسائل التقليدية البسيطة، في مشهد يعيد الذاكرة إلى طرق الحصاد القديمة. ويأتي هذا التحول القسري نتيجة تعطل المعدات الزراعية الحديثة ومنع دخول الوقود اللازم لتشغيل الحاصدات الآلية منذ فترات طويلة.

في المناطق الشرقية لمدينة دير البلح، وتحديداً بالقرب من نقاط التماس مع قوات الاحتلال، يتسابق المزارعون مع الزمن لجمع السنابل. وتجري عمليات الحصاد تحت أشعة الشمس الحارقة وفي ظل مخاطر أمنية محدقة نتيجة القرب من مناطق العمليات العسكرية الإسرائيلية.

ويروي المزارع محمد جمال أن رحلة زراعة هذا المحصول استمرت لنحو ستة أشهر، واجهوا خلالها صعوبات بالغة في تأمين البذور الصالحة للزراعة والمياه اللازمة للري. وأكد أن الإصرار على إكمال الموسم كان الدافع الوحيد لمواجهة شح المبيدات والأسمدة التي يمنع الاحتلال دخولها.

ويوضح جمال أن المزارعين يسعون للاستفادة القصوى من كل سنبلة يتم حصادها، حيث يتم تحويل القمح إلى طحين لسد فجوة الغذاء الكبيرة. كما يتم استخدام القش والتبن كأعلاف للحيوانات التي تعاني هي الأخرى من نقص حاد في التغذية نتيجة الحصار المطبق.

وفي منطقة الجعفراوي، يضطر المزارعون إلى اللجوء للحصاد المبكر قبل اكتمال نضج المحصول في بعض الأحيان، وذلك خشية صدور أوامر إخلاء إسرائيلية مفاجئة. ويقول المزارع عادل أبو ظاهر إن التهديدات المستمرة تجعل من العمل في الحقول مغامرة محفوفة بالمخاطر اليومية.

وأشار أبو ظاهر إلى أن غياب الحاصدات الآلية والوقود جعل من الحصاد اليدوي الخيار الوحيد المتاح أمامهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. كما لفت إلى أن مساحات واسعة من الأراضي الخصبة باتت خارج الخدمة بسبب وقوعها ضمن المناطق المصنفة كخطورة عالية.

وتفرض قوات الاحتلال سيطرة ميدانية على نحو 60% من مساحة القطاع عبر ما يسمى 'الخط الأصفر'، وهو ممر أمني استحدثه الجيش بعد انسحاباته الجزئية. هذا الخط بات يعزل المزارعين عن أراضيهم ويمنعهم من استغلال المساحات التي كانت تمثل سلة الغذاء الرئيسية للقطاع.

وتشير المعطيات الرسمية الصادرة عن مصادر محلية إلى أن الاحتلال دمر بشكل ممنهج أكثر من 94% من الأراضي الزراعية في غزة. وقد أدى هذا التدمير الواسع إلى انهيار حاد في القدرة الإنتاجية، حيث انخفض المحصول من مئات آلاف الأطنان إلى بضعة آلاف فقط.

وتؤكد تقارير دولية صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن المساحات المتاحة للزراعة تقلصت إلى أقل من 5% من إجمالي المساحة السابقة. هذا التدهور الخطير يضع مئات الآلاف من العائلات الفلسطينية أمام خطر المجاعة الحقيقية في ظل فقدان مصادر الدخل والإنتاج.

من جانبها، ذكرت وكالة 'الأونروا' أن القطاع الزراعي تعرض لضربة قاضية جعلت الوصول إلى الحقول أمراً شبه مستحيل في معظم المناطق. وتسبب هذا الواقع في ارتفاع جنوني بأسعار المواد الغذائية الأساسية، مما زاد من معاناة السكان الذين يعيشون تحت وطأة الفقر والنزوح.

وتقدر الخسائر المادية المباشرة التي لحقت بالقطاع الزراعي بنحو 2.8 مليار دولار، شملت تدمير الآبار الارتوازية وشبكات الري. كما طال الدمار أكثر من 85% من الدفيئات الزراعية التي كانت تنتج الخضروات للاستهلاك المحلي والتصدير قبل اندلاع الحرب.

ولم تقتصر الأضرار على النباتات والمحاصيل، بل شملت تدمير 1233 بئراً زراعية، مما أدى إلى جفاف مساحات واسعة وتملح التربة. وتتعمد قوات الاحتلال استهداف البنية التحتية المائية لمنع إعادة إحياء النشاط الزراعي في المناطق التي انسحبت منها جزئياً.

وعلى الرغم من هذه الأرقام الكارثية وحرب الإبادة التي خلفت عشرات آلاف الشهداء والجرحى، يصر مزارعو غزة على البقاء في أراضيهم. وتجسد مشاهد الحصاد اليدوي وسط الركام رسالة صمود فلسطينية تؤكد التمسك بالأرض كخيار وحيد للبقاء ومواجهة سياسات التجويع.

عربي ودولي

الإثنين 01 يونيو 2026 12:24 مساءً - بتوقيت القدس

تقارير تكشف عن إسقاط مقاتلة F-15 أمريكية بصاروخ صيني فوق الأراضي الإيرانية

أفادت مصادر إعلامية دولية بأن التحقيقات الأولية في حادثة سقوط طائرة مقاتلة أمريكية من طراز (F-15) جنوب غرب إيران تشير إلى إصابتها بصاروخ صيني الصنع. وأوضحت التقارير أن الهجوم الذي وقع خلال العمليات العسكرية الجارية، نُفذ بواسطة منظومة دفاع جوي محمولة على الكتف، مما أثار قلقاً واسعاً في الأوساط العسكرية الأمريكية حول فاعلية هذه الأسلحة ضد المقاتلات المتطورة.

وذكرت المصادر أن التقديرات الاستخباراتية تشير إلى احتمالية قيام بكين بتزويد طهران بأنظمة رادار متطورة توفر إنذاراً مبكراً بعيد المدى. وتتميز هذه الرادارات بقدرتها العالية على رصد الطائرات التي تعتمد تقنيات التخفي أو ما يعرف بـ 'الشبحية'، وهو ما قد يكون مهد الطريق لاستهداف المقاتلة الأمريكية بدقة رغم تحصيناتها التكنولوجية الكبيرة.

وحول المواصفات الفنية للسلاح المستخدم، بينت المعلومات أن الصاروخ يبلغ طوله نحو 2.2 متراً ويزن قرابة 18 كيلوغراماً، مما يجعله سهل التنقل والاستخدام الميداني. وتعتبر هذه النوعية من الصواريخ وسيلة منخفضة التكلفة لكنها شديدة الفعالية في تحييد الأهداف الجوية التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، مما يشكل تهديداً مباشراً لسلاح الجو في مناطق النزاع.

ولا يزال الغموض يكتنف توقيت وصول هذه الأسلحة إلى الترسانة الإيرانية، حيث تجري الأجهزة المختصة تحقيقات مكثفة لمعرفة ما إذا كانت الشحنات قد وصلت مؤخراً. ويفحص المحققون فرضية أخرى تشير إلى أن هذه الصواريخ قد تكون جزءاً من مخزونات عسكرية قديمة تسلمتها إيران قبل سنوات طويلة ولم يتم رصدها سابقاً.

من جانبها، ردت السفارة الصينية في واشنطن ببيان رسمي أكدت فيه أن بكين تلتزم بأقصى درجات الحذر والمسؤولية فيما يتعلق بتصدير المعدات العسكرية الحساسة. وشدد المتحدث باسم السفارة على أن بلاده تمارس رقابة صارمة وشاملة وفقاً للقوانين المحلية والالتزامات الدولية المتعلقة بمراقبة الصادرات، نافياً وجود أي خروقات في هذا الصدد.

واختتمت السفارة الصينية تصريحاتها برفض قاطع لما وصفته بـ 'التشهير المغرض' والربط غير المستند إلى حقائق بين صادراتها العسكرية والقضايا الميدانية الشائكة. وأكدت بكين أن هذه الاتهامات تفتقر إلى الأدلة الملموسة وتأتي في سياق محاولات تشويه صورة السياسة الخارجية الصينية والتعاون التقني مع الدول الأخرى.

فلسطين

الإثنين 01 يونيو 2026 12:09 مساءً - بتوقيت القدس

قوات الاحتلال تقتحم جامعة القدس وتنفذ تحقيقات ميدانية مع الطلبة

اقتحمت آليات عسكرية تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم الاثنين، حرم جامعة القدس في بلدة أبو ديس الواقعة جنوب شرق القدس المحتلة. وأفادت مصادر محلية بأن الجنود المدججين بالسلاح انتشروا في مرافق الجامعة وأثاروا حالة من الذعر بين الطلبة والهيئة التدريسية، حيث أوقفوا عدداً من الطلاب وأخضعوهم لتحقيقات ميدانية قبل انسحاب القوات من المكان دون تسجيل حالات اعتقال داخل الحرم الجامعي.

وفي سياق التضييق المستمر على المقدسيين، شنت قوات الاحتلال حملة اعتقالات طالت سيدة فلسطينية عند المدخل الشرقي لبلدة العيسوية، حيث جرى مصادرة مركبتها الخاصة واقتيادها إلى جهة مجهولة. كما اعتقلت القوات أربعة شبان أثناء مرورهم عبر حاجز الزعيم العسكري شمال المدينة، تزامن ذلك مع تشديد الإجراءات العسكرية ونصب حواجز إضافية في محيط بلدة حزما، مما أدى إلى عرقلة حركة المواطنين بشكل كبير.

من جانبه، حذر معروف الرفاعي، المتحدث باسم محافظة القدس، من خطورة التصعيد الإسرائيلي الممنهج داخل المسجد الأقصى المبارك. وأوضح في تصريحات صحفية لمصادر إعلامية أن تكثيف الاقتحامات والسماح برفع الأعلام الإسرائيلية يمثل محاولة لفرض واقع زماني ومكاني جديد، يهدف بالأساس إلى سلب صلاحيات الأوقاف الإسلامية وإحكام السيطرة الكاملة على المقدسات.

وكانت باحات المسجد الأقصى قد شهدت انتهاكات واسعة يوم أمس، حيث اقتحم مئات المستوطنين المتطرفين المسجد من جهة باب المغاربة بحماية أمنية مشددة. وذكرت مصادر أن المجموعات المقتحمة وصلت إلى منطقة قبة الصخرة ورفعت الأعلام الإسرائيلية ورددت النشيد الرسمي، تزامناً مع أداء طقوس تلمودية وجولات استفزازية في أرجاء المصلى، مما يعكس حجم الهجمة التهويدية التي تتعرض لها المدينة المقدسة.

أقلام وأراء

الإثنين 01 يونيو 2026 11:36 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطين وإسرائيل: الأمن الذي يولّد الصراع والوعي الذي يعيد إنتاجه

منذ تشكّل إسرائيل في سياق إقليمي مضطرب، دخلت المنطقة في سلسلة طويلة من الصراعات والتوترات والحروب المتكررة، لم تكن فيها الجغرافيا مجرد حدود، بل خطوط تماس دائمة بين مشاريع سياسية وأمنية متعارضة. ومع مرور الزمن، لم ينتج هذا الواقع صدامات عسكرية فقط، بل أسس أيضًا لوعي سياسي متبادل بين الأطراف، أصبح جزءًا من بنية التفكير الإقليمي.

في الحالة الإسرائيلية، لعب استمرار الحروب والتهديدات الأمنية وتعثر مسارات التسوية مع الجوار العربي والفلسطيني دورًا حاسمًا في ترسيخ فكرة مركزية: أن الأمن ليس حالة مؤقتة، بل شرط وجود دائم. ومع تراكم هذا الإدراك، تشكّل وعي سياسي واجتماعي يجعل من الاعتبارات الأمنية محورًا رئيسيًا في صناعة القرار، ويمنح منطق الردع والاستعداد الدائم مكانة تتقدم على غيرها من الأولويات.

هذا المسار التاريخي أنتج عقلية سياسية ترى أن الاستقرار ليس واقعًا جاهزًا، بل حالة يجب إنتاجها باستمرار عبر أدوات سياسية وعسكرية متغيرة. لذلك، لم يعد الأمن هدفًا نهائيًا، بل عملية مستمرة تتكرر داخلها دورات من التوتر والتهدئة، دون الوصول إلى تسوية مستقرة ونهائية.

في المقابل، لم يكن العالم العربي والفلسطيني خارج هذه المعادلة. فقد تطورت داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وفي الإطار العربي العام، مقاربات سياسية بدأت تبتعد تدريجيًا عن منطق المواجهة الشاملة، باتجاه البحث عن تسويات شاملة تعيد صياغة العلاقة مع إسرائيل ضمن إطار إقليمي جديد. هذا التحول لم يكن تنازلًا عن جوهر الصراع، بل محاولة لإعادة تعريف أدواته.

ومن هنا برزت فكرة إدماج إسرائيل في نظام إقليمي قائم على ترتيبات أمنية وسياسية متبادلة، بدل استمرار العزلة والصراع المفتوح. وقد تجسدت هذه الرؤية في مبادرات عربية، أبرزها المبادرة العربية للسلام، التي قامت على معادلة واضحة: الأرض مقابل السلام، وإنهاء الاحتلال مقابل التطبيع والعلاقات الطبيعية.

لكن هذه الرؤية، رغم وضوحها السياسي، اصطدمت دومًا بالفجوة بين الطموح والواقع، وبين التصورات المعلنة وموازين القوى على الأرض، ما جعلها إطارًا سياسيًا قائمًا دون أن يتحول بالكامل إلى واقع مستقر.

في هذا السياق، تشكّل الوعي السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي كنتاج مباشر لتجربة أمنية طويلة ومعقدة، جعلته أكثر حساسية تجاه مفهوم التهديد، وأكثر ميلاً لمنطق الحذر والردع، وأقل استعدادًا للانفتاح غير المشروط. وفي المقابل، تطور داخل الإطار العربي والفلسطيني وعي سياسي يرى في التسوية خيارًا ممكنًا، لكنه مشروط بإنهاء جذور الصراع وتحقيق العدالة السياسية.

ولو افترضنا سيناريو جذريًا يتمثل في سيطرة إسرائيل على كامل الأرض بين البحر والنهر أو غياب الفاعل الفلسطيني كطرف مباشر، فإن السؤال لا يتعلق بزوال الصراع، بل بتحوله. هل يختفي الوعي الأمني مع غياب التهديد المباشر؟

القراءات المقارنة في العلوم السياسية تشير إلى أن هذا الوعي لا يختفي بسهولة، بل يعيد إنتاج نفسه عبر إعادة تعريف مصادر الخطر. فبدل التهديد المباشر، قد ينتقل التركيز إلى البيئة الإقليمية الأوسع: تقلبات سياسية، احتمالات صعود أنظمة معادية، أو عدم استقرار محيط إقليمي متغير. وهكذا يتحول من “تهديد وجودي مباشر” إلى “تهديد استراتيجي إقليمي”، يحافظ على منطق الحذر والاستعداد لكن ضمن نطاق أوسع.

وفي المقابل، قد تؤدي هذه التحولات إلى إعادة تشكيل التعبئة السياسية في الإقليم بشكل غير مباشر، حيث يمكن للتفاعلات العربية والإقليمية أن تنتج سرديات جديدة تستند إلى تاريخ صراع غير محسوم. وهذا قد يساهم في استمرار أو إعادة إنتاج أشكال من التوتر أو الخطاب العدائي، حتى مع تغيّر شكل الصراع الأصلي أو تراجع حضوره المباشر.

لكن الأهم أن هذا كله لا يجعل الصراع أحادي السبب. فاختزاله في الوعي السياسي الإسرائيلي وحده تبسيط مخل، لأن هذا الوعي نفسه يتشكل داخل شبكة معقدة من العلاقات الإقليمية والتاريخية والسياسية. الصراع هنا ليس مواجهة خطية بين طرفين فقط، بل عملية ديناميكية تتأثر بتغير موازين القوى، ومسارات التسوية أو انهيارها، وبنية النظام الإقليمي ككل.

وبالتالي، فإن غياب أحد أطراف الصراع أو تغيّر دوره لا يعني نهايته بالضرورة، بل قد يعيد توزيع التوترات على مستويات أخرى. في النهاية، يبقى مستقبل الاستقرار في المنطقة مفتوحًا على أكثر من مسار، ومحكومًا بتفاعل معقد بين الوعي السياسي، والبنية الإقليمية، وتجارب الصراع والتسوية، لا بعامل واحد منفرد أو اتجاه خطي واضح.


أحدث الأخبار

الإثنين 01 يونيو 2026 11:09 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة "قصر قرطام" تعمق الانقسامات داخل المعارضة المصرية

أثار البيان الأخير الصادر عن الحركة المدنية الديمقراطية في مصر، والذي أدان هدم قصر رجل الأعمال ورئيس حزب المحافظين أكمل قرطام، حالة من الجدل الواسع والانقسام داخل صفوف المعارضة. واعتبرت أطراف داخل الحركة أن صياغة البيان تفتقر إلى التنسيق المؤسسي، خاصة بعد تشبيه واقعة هدم القصر بنضال أهالي جزيرتي الوراق والقرصاية ضد محاولات التهجير القسري.

ونفت أحزاب رئيسية منضوية تحت لواء الحركة، وفي مقدمتها حزب الكرامة، مشاركتها في إعداد أو التوقيع على هذا البيان، مؤكدة أنها لم تُستشر في مضمونه. وأوضح قياديون في الحزب أن الانحياز التاريخي للمعارضة يجب أن يظل لصالح الفقراء والمهمشين، وليس للدفاع عن مصالح شخصية لرجال أعمال تحت غطاء العمل السياسي المعارض.

من جانبها، كشفت مصادر من داخل الحركة أن حزب الدستور كان المحرك الأساسي لإصدار البيان قبل عطلة العيد، وهو ما واجه تحفظات شديدة من الأحزاب اليسارية والقومية. ويرى المعارضون للبيان أن محاولة إضفاء صبغة سياسية على قضية تتعلق بتعديات على أملاك الدولة تضعف مصداقية الحركة أمام الشارع المصري وتشتت بوصلتها الوطنية.

وتعيش الحركة المدنية حالة من الاستقطاب منذ الانتخابات الرئاسية الماضية، حيث انقسمت إلى جبهتين؛ الأولى ليبرالية تضم حزبي الدستور والمحافظين، والثانية يسارية وقومية تحت مسمى جبهة العدالة الاجتماعية. هذا الانقسام بات يهدد وحدة الموقف المدني تجاه القضايا الاقتصادية والاجتماعية الملحة التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وفي سياق متصل، انتقد مدحت الزاهد، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، غياب الحوار الجاد والتشاور الكافي بين مكونات الحركة قبل اتخاذ مواقف تعبر عن الجميع. وشدد الزاهد على ضرورة احترام القواعد التنظيمية والميثاق الذي تأسست عليه الحركة، لضمان بقائها كإطار جامع يعبر عن تطلعات التغيير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية.

وعلى الصعيد الحقوقي، وجه خالد البلشي، نقيب الصحافيين، انتقادات لاذعة لموقف الحركة، مشيراً إلى ما وصفه بـ"الخجل" المتخفي وراء القضايا العامة في نص البيان. وأكد البلشي أن الدفاع عن قصر رجل أعمال يمتنع عن منح الصحافيين المشردين من مؤسساته حقوقهم القانونية يمثل خللاً سياسياً وأخلاقياً جسيماً لا يمكن التغاضي عنه.

وأشار نقيب الصحافيين إلى أن المهندس أكمل قرطام تلاعب لسنوات بإهدار حقوق عشرات الزملاء الذين صدرت لصالحهم أحكام قضائية بالتعويض، لكنه تهرب من تنفيذها. وأضاف أن تكلفة التعويضات المطلوبة لهؤلاء الصحافيين قد لا تعادل قيمة "شباك واحد" في القصر المهيب الذي تباكت عليه بعض القوى السياسية في بيانها الأخير.

رسمياً، أوضحت وزارة الموارد المائية والري أن قرار الهدم جاء تنفيذاً للقانون رقم 147 لسنة 2021 بشأن حماية مجرى نهر النيل وأملاك الدولة. وأكدت الوزارة في بيان فني أن القصر والمنشآت الملحقة به تقع على مساحة تتجاوز خمسة أفدنة ونصف في منطقة أبو النمرس بمحافظة الجيزة، وهي أراضٍ تابعة للدولة.

وأظهرت نتائج الرفع المساحي أن أكثر من 60% من مساحة القصر، أي ما يعادل 14 ألف متر مربع، هي تعديات صريحة تشمل ردماً داخل مجرى النيل وتجاوزات على جسر شبرامنت. وأشارت المصادر الرسمية إلى أن هذه الإجراءات تأتي ضمن حملة موسعة لتصويب التواجدات غير القانونية على ضفاف النهر الخالد دون استثناء لأي شخصية.

وكان الممثل القانوني لمالك القصر قد طلب في وقت سابق تأجيل أعمال الإزالة الحكومية، متعهداً بتنفيذها على نفقته الخاصة قبل نهاية شهر مايو الماضي. إلا أن المهلة انقضت دون استجابة فعلية من طرفه، مما دفع الأجهزة التنفيذية للتحرك واستخدام المعدات الثقيلة لإزالة التعديات والمباني المخالفة وفقاً للجدول الزمني المحدد.

ويرى مراقبون أن هذه الأزمة كشفت عن عمق الفجوة بين الخطاب الليبرالي والخطاب اليساري داخل المعارضة المصرية، خاصة فيما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والملكية الخاصة. فبينما يراها البعض دفاعاً عن الحق الدستوري في الملكية، يراها آخرون محاولة للي ذراع القانون واستغلال الغطاء السياسي لحماية مكاسب غير مشروعة.

وتواجه الحركة المدنية الآن تحدياً كبيراً في استعادة توازنها الداخلي وترميم الثقة بين أحزابها المختلفة بعد هذا الشرخ العلني. ويطالب نشطاء بضرورة العودة إلى القضايا الجماهيرية الكبرى والابتعاد عن المعارك الجانبية التي تخدم أفراداً على حساب المبادئ العامة التي تأسست من أجلها جبهة المعارضة.

إن مشهد الجرافات وهي تهدم أجزاء من القصر أثار ردود فعل متباينة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسم المغردون بين متعاطف مع قرطام كمعارض سياسي، وبين مؤيد لتطبيق القانون. ومع ذلك، يبقى التساؤل المطروح حول قدرة المعارضة على تقديم بديل سياسي جاد في ظل هذه الانقسامات الهيكلية التي تظهر عند كل منعطف.

ختاماً، تظل قضية "قصر قرطام" نموذجاً للصراع المعقد في المشهد المصري بين إنفاذ القانون والمناورة السياسية، وبين حقوق الأفراد والتزاماتهم تجاه الدولة والمجتمع. وسيكون على القوى المدنية مراجعة آليات اتخاذ القرار داخلها لتجنب مزيد من التآكل في شعبيتها ومصداقيتها أمام الرأي العام الذي يراقب أداءها بدقة.

فلسطين

الإثنين 01 يونيو 2026 10:40 صباحًا - بتوقيت القدس

بؤرة استيطانية جديدة في العوجا ومخطط لبناء 2721 وحدة سكنية بالضفة

أقدمت مجموعات من المستوطنين، اليوم الإثنين، على تأسيس بؤرة استيطانية جديدة في منطقة العوجا الواقعة شمال مدينة أريحا، وذلك في إطار تصاعد محموم لعمليات الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية المحتلة. وأفادت مصادر حقوقية بأن المستوطنين شرعوا في تنفيذ أعمال تجريف واسعة النطاق بهدف فرض واقع استعماري جديد في المنطقة الحيوية من الأغوار الفلسطينية.

وأكد المشرف على منظمة البيدر الحقوقية، حسن مليحان أن منطقة العوجا باتت محاصرة بسبع بؤر استيطانية رعوية، تُستخدم كأدوات استراتيجية للتضييق على المواطنين الفلسطينيين وتهجيرهم. وأشار مليحان إلى أن هذه التحركات تهدد الوجود الفلسطيني في منطقة الأغوار، حيث يسعى الاحتلال لقطع التواصل الجغرافي وتحويل الأراضي إلى مناطق نفوذ للمستوطنين.

وفي سياق متصل، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن توجه سلطات الاحتلال للمصادقة على بناء 2721 وحدة استيطانية جديدة في عدة مستوطنات مقامة على أراضي الضفة الغربية. ومن المقرر أن يعقد ما يسمى بـ 'مجلس التخطيط الأعلى' التابع للإدارة المدنية جلسة يوم الأربعاء المقبل لمناقشة هذه الحزمة الواسعة من المخططات الاستيطانية.

وتتضمن المخططات الجديدة توسيعاً هيكلياً كبيراً، حيث سيتم تخصيص 1006 وحدات سكنية لمستوطنة 'جفعوت' الواقعة غرب مدينة بيت لحم. وتهدف هذه الخطوة إلى تكريس 'جفعوت' كمستوطنة مستقلة تماماً بعد أن جرى فصلها إدارياً عن مستوطنة 'ألون شفوت' في وقت سابق من العام الجاري، مما يعزز البنية التحتية للاستيطان جنوب الضفة.

كما شملت الخرائط الاستيطانية المقترحة بناء 922 وحدة سكنية في مستوطنة 'هار براخا' الجاثمة على أراضي المواطنين جنوب مدينة نابلس، بالإضافة إلى 455 وحدة في مستوطنة 'ميفو دوتان' غرب جنين. ويسعى الاحتلال من خلال هذه التوسعات إلى تكثيف الوجود الاستيطاني في شمال الضفة الغربية وربط الكتل الاستيطانية ببعضها البعض.

وفي جنوب الضفة، يخطط الاحتلال لبناء 234 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنة 'كريات أربع' المقامة على أراضي مدينة الخليل، إلى جانب تعديلات في أنظمة البناء وتغيير استخدامات الأراضي في مستوطنات أخرى. وذكرت مصادر رسمية أن هذه الإجراءات تهدف إلى استكمال البنية القانونية والتخطيطية للمشروع الاستيطاني بالتوازي مع التوسع العمراني الميداني.

وحذرت هيئة مقاومة الجدار من أن هذه المخططات تمثل امتداداً لسياسة 'الضم الزاحف' التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية الحالية، والتي تهدف إلى تقويض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً. وأوضحت الهيئة أن تكثيف الاستيطان في هذه المرحلة يستهدف عزل التجمعات الفلسطينية وتحويلها إلى كانتونات محاصرة بالمستوطنات.

وتشير البيانات الإحصائية إلى وجود نحو 542 منشأة استيطانية في الضفة الغربية، تتوزع بين 192 مستوطنة و350 بؤرة استيطانية، يقطنها أكثر من 780 ألف مستوطن. وقد شهدت الفترة التي تلت أكتوبر 2023 طفرة غير مسبوقة في إقامة البؤر العشوائية، حيث تم رصد استحداث 165 بؤرة جديدة، منها 59 بؤرة أقيمت منذ مطلع عام 2025.

وتتزامن هذه التوسعات مع تصاعد وتيرة الاعتداءات الميدانية التي ينفذها المستوطنون بحماية مباشرة من جيش الاحتلال، لا سيما في المناطق الريفية والبادية. وقد تحولت العديد من هذه البؤر إلى نقاط انطلاق لشن هجمات منظمة تستهدف ممتلكات الفلسطينيين ومزارعهم، مما أدى إلى تهجير آلاف المواطنين من تجمعاتهم البدوية والقروية.

وعلى صعيد الخسائر البشرية، سجلت المؤسسات الفلسطينية استشهاد 1168 فلسطينياً في الضفة الغربية منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في أكتوبر 2023. كما أصيب أكثر من 12 ألف مواطن، واعتقل قرابة 23 ألفاً آخرين، في ظل ظروف قاسية تعيشها مدن ومخيمات الضفة جراء الاقتحامات المستمرة والحصار الاقتصادي والميداني.

تحليل

الإثنين 01 يونيو 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس

واشنطن تضغط لاحتواء التصعيد على الجبهة اللبنانية وسط اتهامات لحزب الله وإيران بعرقلة التهدئة

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات -1/6/2026


كشف مسؤول أميركي رفيع، طلب عدم نشر اسمه بسبب حساسية المباحثات الجارية، أن الإدارة الأميركية كثّفت اتصالاتها الدبلوماسية خلال الأيام الماضية مع كل من لبنان وإسرائيل في محاولة لمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع على الجبهة الشمالية، إلا أن الجهود اصطدمت، بحسب وصفه، بما اعتبره "غياباً لالتزام واضح من جانب حزب الله بوقف الهجمات عبر الحدود".


وقال المسؤول في رسالة إلكترونية للسلك الصحفي المعتمد في وزار الخارجية الاميركية، بمن فيهم مراسل جريدة القدس في واشنطن، إن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أجرى اتصالات منفصلة مع الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إطار مساعٍ متواصلة للتوصل إلى تفاهم يفضي إلى خفض التصعيد وتهيئة الظروف لوقف فعلي للأعمال القتالية.


وأوضح المسؤول أن واشنطن طرحت خلال تلك الاتصالات "صيغة واضحة ومتدرجة" تقوم على وقف حزب الله لجميع هجماته ضد إسرائيل كخطوة أولى، مقابل امتناع إسرائيل عن توسيع عملياتها العسكرية أو تنفيذ ضربات تصعيدية في العاصمة اللبنانية بيروت. وأضاف أن هذه الآلية كان من شأنها، لو تم تبنيها، أن تفتح المجال أمام تهدئة تدريجية وتثبيت وقف إطلاق النار على نحو أكثر استدامة.


وبحسب المسؤول، حاول الرئيس اللبناني جوزيف عون الدفع بهذا المقترح والعمل على بلورة تفاهم بين الأطراف المعنية، إلا أن الرد الذي تلقته واشنطن من رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري لم يكن مشجعاً. وقال إن بري أكد استعداده لتقديم ضمانات بشأن التزام حزب الله بوقف إطلاق النار، لكنه اشترط في المقابل أن تبادر إسرائيل أولاً إلى وقف عملياتها العسكرية.


ورأت الإدارة الأميركية، وفق المسؤول نفسه، أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن حزب الله هو الذي بدأ الجولة الحالية من المواجهة في الثاني من آذار الماضي، كما كان الطرف الذي بادر إلى فتح الجبهة اللبنانية خلال حرب غزة في خريف عام 2023، الأمر الذي يجعل تحميل إسرائيل وحدها مسؤولية وقف إطلاق النار أمراً غير واقعي من وجهة النظر الأميركية.


واتهم المسؤول الأميركي حزب الله بالتحرك وفق حسابات إيرانية تتجاوز المصالح اللبنانية الداخلية، قائلاً إن المؤشرات المتوافرة لدى واشنطن تدل على أن طهران لا ترغب في إنهاء التوتر سريعاً، بل تسعى إلى إبقاء الجبهة اللبنانية ورقة ضغط إقليمية تستخدمها في سياق صراعاتها الأوسع مع الولايات المتحدة وحلفائها.


وأضاف أن استمرار الهجمات عبر الحدود يضع المدنيين على جانبي النزاع أمام مخاطر متزايدة، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تتوقع من إسرائيل الاستمرار في تحمل الهجمات الصاروخية أو العسكرية التي تستهدف سكانها، وأن الطريق الأسرع لخفض التصعيد يتمثل في وقف حزب الله لإطلاق النار بشكل فوري وغير مشروط.


وتكشف المواقف المنقولة عن المسؤول الأميركي حجم المعضلة التي تواجهها واشنطن في لبنان. فالإدارة الأميركية تبدو مقتنعة بأن الرئيس جوزيف عون يسعى إلى تثبيت دور الدولة وإبعاد البلاد عن حرب جديدة، لكنها في الوقت نفسه تدرك محدودية قدرة المؤسسات الرسمية على فرض قراراتها الأمنية في ظل استمرار النفوذ العسكري والسياسي لحزب الله. لذلك فإن أي مبادرة دبلوماسية تبقى رهينة قدرة الدولة اللبنانية على ترجمة التفاهمات إلى إجراءات عملية، وهو أمر أثبتت التجارب السابقة أنه أكثر تعقيداً من مجرد التوصل إلى تفاهمات سياسية أو أمنية مؤقتة.


وتعكس الاتهامات الأميركية لإيران قناعة متزايدة داخل واشنطن بأن الجبهة اللبنانية لم تعد تُدار حصراً وفق الحسابات المحلية. فالمسؤولون الأميركيون ينظرون إلى التصعيد باعتباره جزءاً من شبكة أوسع من الضغوط المتبادلة بين طهران وخصومها في المنطقة. ومن هذا المنظور، يصبح وقف النار في جنوب لبنان مرتبطاً بمسارات تفاوضية وإقليمية أخرى، تشمل الملف النووي الإيراني وترتيبات الأمن الإقليمي ومستقبل النفوذ الإيراني في المشرق العربي. وهذا ما يفسر الصعوبة المتزايدة في فصل الساحة اللبنانية عن التوازنات الإقليمية الكبرى.


رغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية، فإن المؤشرات الحالية لا توحي بوجود اختراق وشيك. فكل طرف يطالب الآخر باتخاذ الخطوة الأولى، بينما تتآكل هوامش المناورة السياسية مع كل حادث أمني جديد. وتخشى دوائر صنع القرار في واشنطن من أن يؤدي أي خطأ ميداني أو ضربة واسعة النطاق إلى إشعال مواجهة يصعب احتواؤها لاحقاً. كما أن توسع الحرب لن يقتصر تأثيره على لبنان وإسرائيل فحسب، بل قد يمتد إلى مسارات التجارة والطاقة والاستقرار الأمني في المنطقة بأكملها، ما يرفع كلفة استمرار الوضع الراهن على جميع الأطراف.

تحليل

الإثنين 01 يونيو 2026 9:55 صباحًا - بتوقيت القدس

ضربات متبادلة بين واشنطن وطهران تهدد بانهيار الهدنة الهشة وتوسع دائرة المواجهة الإقليمية

رسالة واشنطن


واشنطن –سعيد عريقات-1/6/2026

تحليل إخباري

تتجه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة أكثر حساسية وخطورة، بعدما تبادل الطرفان ضربات عسكرية جديدة أعادت إلى الواجهة هشاشة وقف إطلاق النار القائم منذ أسابيع، وكشفت أن الطريق نحو تفاهم دائم ما زال مليئاً بالعقبات الأمنية والسياسية. فالتصعيد الأخير يؤكد أن الهدنة الحالية لا تزال عرضة للانهيار في أي لحظة، وأن احتمالات اتساع دائرة الصراع الإقليمي ما زالت قائمة رغم الجهود الدبلوماسية المبذولة لاحتوائه.

وفي أحدث فصول المواجهة، أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، تنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع إيرانية للرادارات وأنظمة التحكم بالطائرات المسيّرة داخل الأراضي الإيرانية، رداً على إسقاط طهران طائرة أميركية مسيّرة من طراز "إم كيو-1 بريداتور" خلال عطلة نهاية الأسبوع. وفي المقابل، أقرت إيران بتنفيذ رد انتقامي على الهجمات الأميركية، فيما أعلنت الكويت أن دفاعاتها الجوية اعترضت طائرات مسيّرة وصواريخ كانت تتجه نحو أراضيها.

وتسلط هذه التطورات الضوء على الطبيعة الهشة للهدنة التي تم التوصل إليها عقب أسابيع من المواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة بين واشنطن وطهران. فعلى الرغم من استمرار الاتصالات السياسية والأمنية الرامية إلى تمديد وقف إطلاق النار ومنع انهياره، فإن العمليات العسكرية المحدودة والمتبادلة لا تزال تقوض فرص تثبيت الاستقرار وتزيد من احتمالات العودة إلى دوامة التصعيد.

ويزداد المشهد تعقيداً مع استمرار إيران في فرض قيود على حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز العالمية. وقد انعكس هذا الوضع على أسواق الطاقة الدولية التي ما زالت تعاني حالة من التوتر وعدم اليقين، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى اضطرابات اقتصادية واسعة تتجاوز حدود المنطقة.

كما تتداخل الأزمة الإيرانية مع بؤر توتر أخرى في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الجبهة اللبنانية الإسرائيلية. فإسرائيل تواصل تعزيز عدوانها ووجودها العسكري شمال نهر الليطاني، بينما يواصل حزب الله تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة ضد أهداف إسرائيلية، ما يضيف بعداً إقليمياً للأزمة ويزيد من احتمالات انزلاق المنطقة إلى مواجهة متعددة الجبهات يصعب احتواؤها.

وقالت القيادة المركزية الأميركية إن الضربات التي نُفذت خلال اليومين الماضيين استهدفت مواقع قرب مدينة جروك وجزيرة قشم، مؤكدة أنها جاءت رداً على "أعمال عدائية إيرانية" تمثلت في إسقاط طائرة أميركية كانت تحلق فوق المياه الدولية. وأوضحت أن المقاتلات الأميركية دمرت أنظمة دفاع جوي ومحطة تحكم أرضية وطائرتين مسيّرتين إيرانيتين، قالت إنهما كانتا تشكلان تهديداً مباشراً للملاحة البحرية في المنطقة.

ورغم أن طائرة "بريداتور" لم تعد تشكل العمود الفقري لأسطول الطائرات المسيّرة الأميركي بعد استبدالها تدريجياً بطائرات "إم كيو-9 ريبر" الأكثر تطوراً، فإنها لا تزال تُستخدم في بعض مهام الاستطلاع والمراقبة. وأكدت القيادة المركزية أن العمليات الأخيرة لم تسفر عن خسائر بشرية في صفوف القوات الأميركية.

في المقابل، أعلنت الكويت أن أنظمة الدفاع الجوي التابعة لها اعترضت أهدافاً جوية معادية خلال الساعات الأولى من صباح الاثنين. أما الحرس الثوري الإيراني فأكد أن القوات الأميركية استهدفت برج اتصالات على إحدى الجزر الإيرانية، معلناً تنفيذ عملية انتقامية رداً على الهجوم الأميركي، من دون الكشف عن موقعها بشكل مباشر. وقد فتح هذا الغموض الباب أمام تكهنات بأن الرد الإيراني استهدف منشآت مرتبطة بالوجود العسكري الأميركي في المنطقة أو مواقع قريبة من الأراضي الكويتية.

تكشف الضربات المتبادلة أن وقف إطلاق النار الحالي لا يرقى إلى مستوى اتفاق سلام حقيقي، بل يمثل إطاراً مؤقتاً لإدارة الصراع ومنع تحوله إلى حرب شاملة. فكل من واشنطن وطهران ما زالتا تنظران إلى الضغط العسكري باعتباره أداة تفاوضية لتحسين شروط أي اتفاق مستقبلي. ومن هذا المنطلق، تبدو العمليات العسكرية المحدودة جزءاً من قواعد الاشتباك الجديدة أكثر من كونها خرقاً كاملاً للهدنة. غير أن استمرار هذا النمط من المواجهة يرفع مخاطر سوء التقدير أو الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب، خصوصاً في ظل غياب تسوية سياسية شاملة تعالج الملفات الأمنية والنووية والإقليمية العالقة.

وتمثل التطورات الأخيرة اختباراً معقداً للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي عاد إلى البيت الأبيض متعهداً بتقليص الانخراط العسكري الأميركي في الشرق الأوسط وإنهاء الحروب المكلفة. إلا أن الواقع الميداني يضع إدارته أمام معادلة صعبة؛ فالتراجع عن الرد على التحركات الإيرانية قد يُفسر باعتباره ضعفاً في الردع، بينما يؤدي التصعيد المستمر إلى خطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع تتناقض مع الوعود الانتخابية. وبين هذين الخيارين، يجد ترمبنفسه مضطراً إلى إدارة أزمة تتطلب تحقيق توازن دقيق بين إظهار القوة وتجنب حرب جديدة قد تكون كلفتها السياسية والاستراتيجية باهظة.

ولا يزال مضيق هرمز يمثل العنصر الأكثر حساسية في الأزمة الحالية، إذ تدرك إيران أن قدرتها على التأثير في حركة الطاقة العالمية تمنحها نفوذاً يتجاوز إمكاناتها العسكرية التقليدية. ولذلك تستخدم طهران ملف الملاحة البحرية كورقة ضغط أساسية في أي مفاوضات مع واشنطن والغرب. غير أن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر متزايدة، لأنها تدفع القوى الدولية المستهلكة للطاقة إلى البحث عن بدائل استراتيجية طويلة الأمد تقلل من أهمية المضيق مستقبلاً. ولهذا بات مستقبل حرية الملاحة في هرمز مرتبطاً بصورة مباشرة بمصير المفاوضات الجارية بين الطرفين، وربما شكل احد اكثر المواضيع تعقيدا وحساسية.



فلسطين

الإثنين 01 يونيو 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

"أجنحة الأمل والنور" للأردنية رزان الرابي: إعادة صياغة الألم.. ونافذة لا تسمح بالنسيان



كان ذلك قبل أيام خَلَت عندما وصلتني رسالة من محرر جريدة الأيام الجزائرية الأخ المبدع خالد عز الدين يطلب مني كتابة قراءة نقدية لرواية "أجنحة الأمل والنور"، ظننت في البداية أنني سأتعامل مع نص أدبي آخر يمر عبر الذاكرة كغيره من النصوص، أقرأه بعين الناقد، وأغادره بهدوء بعد انتهاء القراءة؛ لكنني لم أكن أعلم أنّ تلك الرسالة الصغيرة ستفتح فجأة أبوابًا موصدة في القلب، وأنها ستوقظ في داخلي أرشيفًا كاملًا من الوجع النائم يستحضر وجوهًا غابت، وأصواتًا انطفأت، وذكريات ظننت طويلًا أنّ الزمن استطاع تهدئتها.
أذكر أنني بقيت للحظات أحدّق في عنوان الرواية، بينما كان شيء غامض يتسلل ببطء إلى أعماقي.
 كان العنوان وحده كافيًا ليربك قلبي "أجنحة الأمل والنور"… ويكأنّ الكلمات جاءت محمّلة بأرواح أولئك الذين مرّوا من هنا ذات ألم، ثم رحلوا تاركين خلفهم فراغًا لا يملؤه شيء.
كانت رسالته بسيطة في ظاهرها، لكنها لعمري ثقيلة في أثرها؛ إذ أخبرني برغبته في نشر قراءات نقدية لهذا العمل الروائي لما يحمله من أبعاد إنسانية عميقة تتناول مرضى السرطان ومعاناتهم النفسية والوجودية، وكيف يمكن للأمل أنْ يولد حتى من قلب الألم.
وما إنْ بدأت أتصفح الرواية حتى عاد شريط الذاكرة إلى الخلف دفعة واحدة…
عاد بي الزمن إلى صديقتي الراحلة الأخت الغالية مها أبو سرور، والتي اختطفها هذا المرض اللعين قبل أقل من شهر.
تذكرت ضحكتها، وشغفها بالحياة، وحضورها الإنساني النبيل، وكيف كانت تقاوم الألم بابتسامة تشبه الضوء.
كانت تحب الحياة بطريقة تجعل مَن حولها يؤمنون أنّ الروح الجميلة لا تهزم بسهولة حتى وهي تتآكل بصمت. ثم قفزت الذاكرة فجأة نحو وجوه أخرى رحلت بالطريقة ذاتها… وجوه أحببناها طويلًا، ثم اختطفها السرطان دون رحمة، تاركًا في القلب فراغات لا تُملأ. وفي مقدمة هؤلاء جميعًا حضرت أمي… حبيبة قلبي التي رحلت قبل أربع سنوات بعد رحلة موجعة مع المرض.
لقد عشت معها كل تفاصيل تلك الرحلة الثقيلة منذ لحظة اكتشاف المرض الأولى، مرورًا بجلسات العلاج الكيماوي، وتبدلات الجسد، وانطفاءات التعب، وحتى اللحظة الأخيرة التي ودعت فيها الحياة.
كنت أراقبها وهي تتشبث بالأمل كلّ يوم، وكيف كانت تحب الحياة بصورة مؤلمة، وكأنها تخشى أنْ تترك الأشياء التي أحبتها خلفها.
كانت تؤمن بالشفاء حتى في أشد اللحظات قسوة، وكانت تتحدث عن الأيام القادمة وكأنها قريبة جدًا، فيما كان المرض يسرقها منا ببطء موجع لا يُرى.
لهذا كله… أردت في البداية أنْ أعتذر عن كتابة هذه القراءة. شعرت أنّ الرواية لن تكون مجرد نص أدبي بالنسبة لي، إنما ستكون مواجهة مباشرة مع الذاكرة، ومع الفقد، ومع تلك الوجوه التي لم تغادر القلب يومًا.
لكنني بعد تردد طويل أدركت أنّ الكتابة عنها ستكون بمثابة شكل من أشكال الوفاء.
فكتبت… كتبت تخليدًا لذكرى أمي، ولروح الأخت الغالية مها أبو سرور، ولكل مَن عبروا هذا الألم بصبر ومحبة، ثم رحلوا تاركين في أرواحنا أثرًا لا يزول.
وكتبت أيضًا لأنّ هذه الرواية لا يقتصر حديثها عن المرض وحده، فهي تتحدّث عن الإنسان الذي يقف عاريًا أمام هشاشته، ثم يحاول رغم ذلك أنْ يحب الحياة، وأنْ يضيء عتمة الآخرين ولو كان قلبه مثقلًا بالأوجاع.
ومن هنا جاءت هذه القراءة ممزوجة بالذاكرة، والوجع، والوفاء، والإيمان العميق بأنّ الأدب الحقيقي هو ذاك الذي يجعلنا نرى أنفسنا داخل صفحاته.
تأتي رواية "أجنحة القلم والنور" للكاتبة رزان نواف حلمي الرابي عملًا إنسانيًا وجدانيًا يتكئ على الألم كمعبر نحو النور، ويجعل من معاناة مرضى السرطان مادة سردية نابضة بالحياة والوعي والرجاء.
تُعدّ الكاتبة رزان نواف حلمي الرابي من الأصوات الأدبية العربية الشابة التي بدأت تبرز في مجال الرواية الإنسانية والاجتماعية ذات الطابع النفسي الوجداني، وقد ارتبط اسمها مؤخرًا بصدور روايتها "أجنحة الأمل والنور" التي تناولت قضية مرضى السرطان، ومعاناتهم النفسية والإنسانية بلغة يغلب عليها الحس التأملي والبعد الروحي.
وبحسب المعلومات المتاحة فإنّ رزان الرابي تنتمي إلى الأردن، وتعمل كذلك في مجال تدريس اللغة العربية، الأمر الذي يفسر حضور اللغة الأدبية الوجدانية في نصوصها، واعتمادها على الصور البلاغية والتراكيب ذات النفس الشعري، كما يظهر من أسلوبها ميل واضح إلى الأدب الإنساني الذي يركز على الألم النفسي، والتحولات الداخلية للشخصيات، وأسئلة الحياة والموت، وقيمة الأمل في مواجهة الانكسار.
وقد وصفت روايتها "أجنحة الأمل والنور" بأنها تنتمي إلى الأدب الاجتماعي الإنساني المعاصر، إذ لا تنظر إلى السرطان كونه تجربة وجودية كاملة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وتدفعه إلى مراجعة معنى الحياة والعلاقات والوعي بالذات.
ومن خلال تتبع لغة الرواية وبنيتها يمكن ملاحظة سمات بارزة في تجربة رزان الرابي الأدبية أذكر منها:
-اعتمادها على السرد الشعوري أكثر من السرد الحدثي.
-توظيف ثنائية النور والعتمة بوصفها رمزًا للتحول النفسي.
-التركيز على البعد الإنساني العاطفي للشخصيات.
-استخدام لغة شفافة مشبعة بالمجازات الضوئية والوجدانية.
-الميل إلى الخطاب التحفيزي التأملي الذي يمنح النص طابعًا روحيًا.
كما تبدو الكاتبة مهتمة بإبراز دور الكتابة كوسيلة مقاومة وشفاء نفسي، وهو ما يظهر بوضوح في شخصية "سلمى" بطلة الرواية، والتي تتحول فيها الكتابة إلى فعل نجاة داخلي.
والرواية صدرت عن مبادرة السارة للطباعة والتوزيع، وجاءت في (174) صفحة ضمن الأدب الاجتماعي المعاصر.
ورغم حداثة حضورها في المشهد الروائي إلّا أنّ تجربة رزان الرابي تكشف عن حساسية إنسانية واضحة، واهتمام بالأدب الذي يلامس التجارب القاسية للإنسان خصوصًا تلك المرتبطة بالفقد والمرض والصمود النفسي، وهو ما يجعل كتابتها أقرب إلى "أدب المواساة الإنسانية" الذي يسعى إلى منح القارئ شعورًا بالأمل، والقدرة على الاستمرار رغم الألم.
والرواية، وإنْ بدت في ظاهرها حكاية مريضة سرطان، إلّا أنها في عمقها رواية عن الإنسان عندما يُدفع إلى حافة هشاشته، فيكتشف فجأة أنّ الحياة أكبر من الألم، وأنّ الروح قادرة على صناعة الضوء حتى في أكثر اللحظات عتمة.
تقوم رواية "أجنحة الأمل والنور" للكاتبة رزان نواف حلمي الرابي على بنية سردية إنسانية تتجاوز مفهوم الرواية العلاجية أو رواية المرض إلى فضاء أكثر اتساعًا وعمقًا، إذ تتحول التجربة المرضية داخل النص إلى معبر فلسفي وروحي يعيد مساءلة معنى الإنسان، وجدوى الألم، وقدرة الروح على ترميم ذاتها حتى في أكثر اللحظات هشاشة. ومن هنا فإنّ القيمة الحقيقية للرواية تكمن في الحدث الحكائي إلى جانب طاقتها الشعورية، وفي قدرتها على تحويل التجربة الفردية إلى سؤال إنساني عام يمسّ القارئ من الداخل.
ومنذ الوهلة الأولى التي تقع فيها العين على عنوان رواية "أجنحة الأمل والنور" يشعر القارئ أنه أمام نص يسرد الحكاية، ويسعى إلى بناء عالم رمزي كثيف تتحول فيه الكلمات إلى كائنات مضيئة، ويتحول الألم إلى مادة روحية تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، فالعنوان إلى جانب تأديته لوظيفة تعريفية فإنه يمثل البوابة التأويلية الكبرى التي يدخل منها القارئ إلى فضاء الرواية النفسي والإنساني.
إنّ الكاتبة رزان نواف حلمي الرابي لم تختر مفرداتها اعتباطًا، إنما بَنَت عنوانها على ثلاث ركائز رمزية متجاورة: "الأجنحة"، و"الأمل"، و"النور"، وهي ثلاثية تؤسس منذ البداية لفكرة التحليق الروحي، والانتصار الداخلي على هشاشة الجسد.
وفي زمن تتكثف فيه التجربة الإنسانية بين هشاشة الجسد وضغط الوعي تبرز رواية أجنحة الأمل والنور لتضع الإنسان في مواجهة عارية مع حدوده القصوى، فلا يعود المرض حدثًا طبيًا؛ لكنه يتحول إلى تجربة وجودية شاملة تعيد تفكيك علاقة الذات بذاتها وبالعالم.
فالرواية تنفتح منذ عتبتها الأولى على سؤال المعنى في لحظة الانكسار في الوقت الذي تتراجع فيه اليقينيات الكبرى لصالح قلق داخلي يتسرب إلى تفاصيل الإدراك اليومي، فيغدو الجسد مجالًا للتهديد، والزمن مساحة غير مستقرة، والهوية بِنية قابلة لإعادة التشكل المستمر.
وفي هذا السياق تتأسس الدلالة داخل العمق النفسي للشخصيات، ويتحول السرد إلى آلية لفهم الاضطراب الداخلي أكثر من كونه نقلًا للأحداث.
فالتجربة المرضية هنا تعمل محفزًا لانكشاف الذات، إذ تُجبر الشخصية على إعادة النظر في علاقتها بالألم، وبالموت، وبالآخر، وبالمستقبل، بما يجعل الرواية أقرب إلى دراسة أدبية في تشكل الوعي تحت الضغط الوجودي.
وتتجلى أهمية هذا النص في كونه يعيد صياغة مفهوم الأمل على أنّه بنية نفسية معقدة تتشكل داخل لحظة الانهيار فيظهر كآلية داخلية لإعادة تنظيم الفوضى النفسية ومنع التفكك الكامل للذات، كما يتداخل البعد العلاجي مع البعد الرمزي ما يعمل على تحويل اللغة والسرد والعلاقات الإنسانية إلى وسائل لإعادة بناء المعنى داخل عالم يتعرض للاهتزاز المستمر.
ومن هنا تكتسب المقاربة النفسية للنص أهميتها، إذ تسمح بكشف الطبقات العميقة للتجربة السردية، وفهم كيفية انتقال الشخصية من حالة الانكسار إلى حالة التكيف التدريجي عبر مسار يتداخل فيه القلق بالوعي، والألم بإعادة التفسير، والغياب بمحاولة استعادة الحضور.
بهذا المعنى تقدم الرواية تأملًا في الإنسان الذي يُجبر على إعادة اختراع ذاته داخل أقسى تجارب الوجود.
وترتكز رواية "أجنحة الأمل والنور" على بنية سردية يمكن قراءتها من منظور نفسي يشتغل على تفكيك العالم الداخلي لشخصية سلمى، وإعادة تشكيله في سياق تجربة مرضية حادة يتشكل فيها السرد ليتتبّع تحولات نفسية متراكبة تتداخل فيها الصدمة بالوعي، والانهيار بإعادة التوازن، والقلق بمحاولات التكيف.
تبدأ التجربة النفسية في لحظة اكتشاف المرض، إذْ تتجلى الصدمة التي باتت اختراقًا مفاجئًا للبنية النفسية المستقرة سابقًا، فتعمل اللحظة انهيارًا داخليًا يطال الإحساس بالسيطرة واليقين.
في هذا السياق يتفكك الشعور بالأمان الجسدي والنفسي، ويبدأ الوعي في الدخول إلى حالة من الاضطراب تتراوح بين الإنكار والذهول والارتباك.
ويمكن فهم هذه المرحلة في ضوء التصور النفسي للصدمة كلحظة يتجاوز فيها الحدث قدرة الجهاز النفسي على الاستيعاب، ما يفتح المجال أمام إعادة تنظيم جذرية للذات.
مع استمرار التجربة المرضية ينتقل السرد إلى مستوى أعمق من التحليل النفسي يتمثل في تشكل القلق الوجودي، فلا يعود الخوف مرتبطًا بالألم الجسدي بقدر ما يتسع ليشمل الخوف من الفقد وتغير الهوية وانكشاف محدودية الجسد.
هنا يتبدل إدراك الزمن، ويصبح المستقبل مصدر تهديد بدل من أن يكون مجالًا للامتداد، بينما يتكثف الحاضر على شكل لحظة مثقلة بالوعي والهشاشة.
هذا التحول يعكس إعادة تشكيل جذري للعلاقة بين الذات والزمن، ليصبح الزمن عنصرًا ضاغطًا يعيد إنتاج القلق باستمرار، كما يتبلور الأمل على شكل آلية دفاع نفسي معقدة أكثر من كونه حالة شعورية بسيطة.
فهو يعمل على إعادة تنظيم الفوضى الداخلية عبر تحويل التجربة المؤلمة إلى إمكانية للاستمرار، وقدرة على التعايش مع الألم، وإعادة تأويله داخل بنية نفسية تبحث عن التوازن على شكل سموّ نفسي يسمح للذات بالبقاء في مواجهة التهديد دون انهيار كامل.
وتتخذ شخصية سلمى مسارًا نفسيًا تدريجيًا يقوم على التذبذب بين الانكسار وإعادة البناء، فتمر عبر سلسلة من التحولات الانفعالية التي تتداخل فيها مشاعر الخوف والرفض والقبول والبحث عن معنى جديد للوجود.
هذا التدرج يعكس طبيعة التكيف النفسي مع الصدمات المزمنة التي يتحقق فيها التوازن عبر مسار طويل من إعادة التقييم الداخلي، فتتفكك الهوية السابقة تدريجيًا وتتشكل هوية أكثر وعيًا بهشاشتها، وأكثر قدرة على التكيف مع الواقع الجديد.
ويمثل المرض في الرواية عنصرًا كاشفًا للبنية النفسية العميقة للشخصية، فإحداث الألم يعيد تفكيك العلاقات الداخلية والخارجية للذات، ويتحول الجسد إلى موضوع للوعي بدل أنْ يكون امتدادًا طبيعيًا له، ما يخلق حالة من الاغتراب الجسدي، لتصبح الذات في موقع المراقبة المستمرة لجسدها، وهذا الانفصال بين الذات والجسد يعكس توترًا نفسيًا عميقًا يعيد تشكيل إدراك الشخصية لوجودها.
تؤدي العلاقات الإنسانية دورًا حاسمًا في إعادة التوازن النفسي داخل النص من خلال شخصية يوسف الذي يظهر على شكل عنصر دعم نفسي يساهم في تخفيف حدة القلق الداخلي دون أنْ يتحول إلى قوة إنقاذ خارجية، وتقوم العلاقة بينه وبين سلمى على المرافقة الوجدانية لا على الحلول المباشرة، ما يعكس طبيعة الدعم الاجتماعي الذي أضحى عاملًا أساسيًا في التكيف النفسي مع المرض، وهذا النمط من العلاقة يعيد إنتاج مفهوم الشفاء كعملية تشاركية لا فردية.
في المقابل تؤدي الشخصيات الثانوية دورًا رمزيًا في توسيع التجربة النفسية، فالطفلة ليلى تمثل نموذجًا للبراءة غير المشروطة بالوعي المرضي، ما يخلق تباينًا نفسيًا يبرز أثر التجربة المرضية في تشكيل الإدراك، أما شخصيات الدعم النفسي فتسهم في إبراز فكرة الشفاء الجماعي كمساحة يتقاطع فيها الألم الفردي مع التجربة الإنسانية المشتركة.
ويتجلى المرض في الرواية ليكون أداة لإعادة ترتيب الوعي، فهو يكشف حدود القوة الإنسانية، ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وجسده وزمنه، وهذا الكشف يؤدي إلى إعادة بناء بطيئة للذات يتحول من خلالها الألم إلى عنصر معرفي يساهم في إنتاج وعي جديد أكثر عمقًا بالهشاشة الإنسانية.
كذلك تظهر الكتابة داخل النص على أنها آلية نفسية لتنظيم التجربة الداخلية، فهي تعمل لإعادة صياغة الألم وتحويله إلى معنى يمكن التحكم فيه.
من هذا المنظور تصبح الكتابة شكلًا من أشكال العلاج الرمزي الذي يسمح بتخفيف التوتر النفسي وإعادة بناء السيطرة على الذات.
أما الزمن الروائي فيتخذ شكلًا نفسيًا غير خطي، ويقاس بكثافة التجربة الانفعالية، فيتسع الزمن أو ينكمش تبعًا للحالة النفسية، ما يعكس طبيعة الزمن الذاتي في علم النفس بحيث يصبح الإدراك الزمني تابعًا للحالة الشعورية لا للتسلسل الموضوعي.
في ضوء هذا التحليل يمكن النظر إلى الرواية بأنها تمثيل أدبي لعملية التكيف النفسي مع الصدمة المرضية، تتداخل فيها آليات الدفاع النفسي مع إعادة بناء الهوية لتعيد تشكيل علاقة الذات بالعالم.
ومن خلال هذا التحول يتكشف أنّ الأمل والعلاقات الإنسانية والكتابة هي آليات نفسية عميقة تساهم في استمرار الذات، وإعادة إنتاج معناها داخل تجربة تهدد هذا المعنى باستمرار.
وبعد هذا الامتداد الذي فرضته الذاكرة على القراءة غدت رواية أجنحة الأمل والنور نصًا يُقارب بعين الناقد من جهة، وهو مساحة تتقاطع فيها الكتابة مع التجربة الإنسانية في أكثر لحظاتها هشاشة وصدقًا من جهة أخرى.
فقد تراجعت المسافة بين القارئ والنص، ووجدتُ نفسي داخل حالة من الاستدعاء الهادئ لوجوه لم تغب عن القلب رغم غيابها، فالرواية أعادت فتح أبوابٍ ظننتُ أنها أُغلقت منذ زمن.
والعنوان كان بداية لارتباك داخلي خفيف يشبه رجفة الذاكرة التي تُستدعى فجأة، فبدت "أجنحة الأمل والنور" تحمل ما هو أبعد من الكلمات، لتشير إلى ذلك الخيط الخفي الذي يربط الإنسان بحياته عندما تضيق به الطرق، ويصبح البقاء فعل مقاومة صامتة لا يُرى.
ومع تقدم القراءة لم تعد الشخصية الروائية منفصلة عن الواقع، إذ بدأت ملامح سلمى تتداخل مع صورٍ أعرفها جيدًا، مع وجوه مرّت بتجربة الألم نفسها، ومع محطات فَقْد تركت أثرها في الداخل دون أنْ تخفت.
عند تلك النقطة أصبح المرض حالة إنسانية عامة تتكرر بأشكال مختلفة، لكنها تترك الأثر ذاته في الروح، هو ذلك التوتر بين الخوف من الانطفاء والرغبة في الاستمرار.
كان حضور الأمل في الرواية يتسلل بهدوء كحالة خفيفة تشبه الضوء الذي يمر على جدار متعب، لم يكن يرفع الألم، لكنه كان يغيّر طريقة النظر إليه، فالمعاناة نفسها يمكن أنْ تُرى من زاوية أخرى أكثر رحمة، وأقل قسوة.
وفي تلك اللحظة تحديدًا بدأ المعنى يتشكل خارج النص، وداخل التجربة الشخصية للقارئ، لتختلط القراءة بالذاكرة دون فاصل واضح بينهما.
ومع كل صفحة كان الزمن يبدو أكثر ليونة، وكانت الرواية تعيد ترتيب الإحساس بما حدث؛ لتتقاطع الأصوات بين الماضي والحاضر، وتظهر الوجوه التي غابت لتعود للحظة قصيرة، ولتذكّر بأنّ الحب لا ينتهي بالغياب، وأنّ الأثر الإنساني لا يُمحى حتى عندما يغادر أصحابه.
وفي اللحظة التي وصلت فيها القراءة إلى نهايتها بقي ذلك الصمت العميق الذي يلي المواجهة مع شيء أكبر من الكلمات.
لقد شعرت أنّ الرواية تركت نافذة صغيرة مفتوحة على الداخل، نافذة لا تسمح بالنسيان، لكنها تمنح قدرة خفيفة على الفهم، وعلى التعايش مع ما لا يُنسى.
لقد أصبحت الكتابة عن هذا النص شكلًا من أشكال الاستجابة الإنسانية لتجربة تمس جوهر الوجود، فبعض النصوص لا تنتهي عند آخر صفحة، إنما تستمر في الداخل بهدوء، وتعيد تشكيل طريقة النظر إلى الحياة دون أنْ تُعلن ذلك.
انتهت القراءة في مساء يوم السبت التاسع من أيار 2026- قرب نافذةٍ تُطِلّ على مدينةٍ صامتة تتنفس على مهل بين الضوء والظلال -أكتب توقيعي لألتقط لحظةً عابرة من الزمن قبل أنْ تنسحب بهدوء- أشعر بسكونٍ داخليّ دافئ يشبه الطمأنينة التي تأتي بعد طول تأمل؛ لتمنح القلب فرصة أنْ يسمع نفسه قبل أنْ يغادر.




أقلام وأراء

الإثنين 01 يونيو 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

ثلاث شرفات تطل على الوطن



عندما نكتب عن واقع ثقافي يتحرك وسط حقل ألغام من التحديات، نرى أنه من الضرورة بمكان أن نضيء على أهم معلم يعنى بالثقافة الوطنية، وأعني هنا وزارة الثقافة الفلسطينية التي ما فتئ طاقمها يجترح السبل لحفظ الذاكرة والسردية الوطنية المناقضة والمواجهة لسردية الاحتلال الزائفة والضلّيلة. ومما لا شك فيه أن المعركة الثقافية مع المحتل هي من أعقد المعارك المتواصلة بعد خسران البنادق وهجران الخنادق! إذ تعتبر الثقافة بكافة سماتها المكون الأساس للهوية الوطنية ووسيلة من وسائل الصراع والتحريض ونشر الوعي، وهي منظومة الأفكار والمعتقدات والإبداعات التي تصوغ وعي الجماعة باتجاه فعل تغيير الواقع، فمهمة ووظيفة الكلمة، الإسهام في فعل المقاومة والتغيير.
عانت الثقافة الفلسطينية من نكبات متلاحقة جراء الاحتلال الاسرائيلي والاستعمار البريطاني منذ بدايات القرن الماضي وليس انتهاءً بالعام 1967، وأدت تداعيات هذا الاحتلال إلى تدمير المنجز الثقافي والعديد من معالم الثقافة الوطنية.
وفي مبادرة تسجل لوزارة الثقافة ممثلة بالوزير السيد عماد حمدان، نظمت دائرة الآداب ممثلة بمديرها العام وطاقمها مؤتمرًا عقد على مدار أيام ثلاثة ضم نخبة من المثقفين حول أدب المقاومة ـ أدب السجون، وقد تكلل هذا الجهد وبالتوازي، مع زيارات نظمتها وزارة الثقافة لبعض المواقع المستهدفة من قِبل الاحتلال وقطعان مستوطنيه، في فعل يمكن وصفه بـ (الثقافة المشتبكة) التي لم تحدها المكاتب بل تركز على  الفعل المقاوم في مواجهة السياسات الاحتلالية والتحولات الملموسة على الأرض.
 تواجه المؤسسات الثقافية في فلسطين تحديات بنيوية غير نمطية؛ فالعمل الثقافي هنا لا يُقاس بمعايير الاستقرار والرفاهية، بل بمدى قدرته على حماية الهوية الوطنية والذاكرة الجمعية في ظل جغرافيا ممزقة وحصار يطول المكونات المادية واللامادية للتراث. وفي هذا السياق، خضع أداء وزارة الثقافة الفلسطينية مؤخراً لتقييم يبتعد عن دور الرعاية الإدارية التقليدية، واتجه نحو مأسسة السياسات الثقافية.

سبسطية عاصمة التاريخ المقاوم فوق تلال نابلس
لعل سائل يسأل هل مثل هذه المبادرات تأتي أُكُلها مقابل ما يقوم به جيش الاحتلال ومستوطنيه على الأرض؟  لقد كفلت الشرائع الدولية وشرعة حقوق الإنسان حق الشعوب الرازحة تحت الاحتلال بمقاومته بكافة السبل والوسائل، وبالتالي فإن ما قامت به وزارة الثقافة من زيارة لبلدة سبسطية والتي عمد الاحتلال فيها إلى نهب الذاكرة والتاريخ والآثار التي تعود لحقب تاريخية ضاربة في التاريخ في محاولة منه لطمس أي معلم يؤكد على وجود أهل الأرض.
تعد هذه البلدة من أكثر المواقع التي تتجلى فيها معركة السردية والموروث في فلسطين، وتكثّف بوضوح كيف يتحول التاريخ والأثر إلى ساحة مواجهة يومية.
على بعد قرابة 12 كيلومتراً شمال غرب مدينة نابلس، تتربع البلدة التاريخية كأحد أقدم الحواضر المأهولة في فلسطين، مشكّلةً متحفاً طبيعياً مفتوحاً يروي تعاقب الحضارات الإنسانية، وفي الوقت ذاته، نموذجاً حياً لسياسات السيطرة والاستهداف الإسرائيلي للموروث الثقافي الفلسطيني بل؛ يتجاوز الاستهداف الإسرائيلي لسبسطية فكرة السيطرة العسكرية، إلى محاولة "أسرلة الحيز" وإعادة صياغة هوية المكان.
ولعل الورقة الأقوى حالياً لحماية سبسطية تسجيلها على لائحة التراث العالمي لليونسكو، هذا على الصعيد الرسمي أما على الصعيد المحلي فإنني أميل للاعتقاد بأن السياحة المحلية  وتنظيم الفعاليات والزيارات المؤسسية وتثبيت الناس على الأرض هو ما يمنع التهويد الفعلي للمكان.
كان لتلك الزيارة وعلى أهميتها تفرعات في زيارة لمحافظة مدينة نابلس المحتلة ودار البلدية، وقد أفاض كل من المحافظ والسيدة رئيس البلدية في الإضاءة على ما تواجهه المدينة من تحديات تطال كل مناحي حياة المواطن من تضييق ومصادرات وحواجز احتلالية.

بلدة سنجل
في طريق العودة من بلدة التاريخ سبسطية، كان لا بد من أن نعرّج على موقع يعتبر نموذجًا حيًا وصارخًا لسياسة التغول والاستيطان التي تعيشها الضفة الفلسطينية المحتلة، بلدة سنجل، تلك البلدة الوادعة تعانق السحب وتعتلي تلال شمال رام الله المحتلة، وقد كان لطاقم دائرة الآداب في الوزارة لقاءٌ مع رئيس بلديتها، ولعل إدراج ذاك اللقاء في معرض حديثي عن مبادرات وزارة الثقافة يعود لأهمية البلدة من حيث الموقع واستهداف الاحتلال ومستوطنيه مصادرةً للأرض واعتداءً على المواطنين وســلبهم ممتلكاتهم وحتى ـ كما جرت العادة دون رادع ـ سلبهم مواشيهم وأغنامهم على مرآى ومسمع العالم. لقد تمكن رئيس البلدية وبمبادرة ذاتية من استنهاض مثلبة رائدة لدى مواطني البلدة وجمع التبرعات والتي فاقت أضعاف المطلوب، لتعويض أصحاب المواشي المنهوبة والعديد ممن طالتهم قوات المستوطنين المدججين بالسلاح والمحميين بجنود الاحتلال سلبًا وخرابًا وتدميرا ومصادرة، في خضم مواجهة وجودية شرسة ضد مخططات التوسع الاستيطاني والتي تحولت إلى هدف يومي لاعتداءات قوات الاحتلال ومستوطنيه، ضمن استراتيجية واضحة تهدف إلى خنق البلدة.  
أمام هذا التغول، برز دور بلدية سنجل ورئيسها كخط دفاع أول لمأسسة الصمود الميداني والتصدي وإنشاء صندوق التكافل والتعويض نظراً لفداحة الخسائر التي يتكبدها المزارعون والرعاة جراء سرقة مواشيهم وتدمير محاصيلهم، فأطلقت البلدية حملات واسعة لجمع التبرعات، الهدف منها ليس مجرد إغاثة، بل تقديم تعويضات مالية عاجلة للمتضررين وتعويضهم عما سرقه المستوطنون ولتمكينهم من شراء مواشي وإعادة استصلاح أراضيهم، كأداة مباشرة لكسر أهداف الاحتلال بإفراغ الأرض.
هنا لا بد من التأكيد على ضرورة تفعيل مثل هذه المبادرات وتعميمها على كافة مؤسسات السلطة الفلسطينية تحت الاحتلال لترسيخ وتثبيت فكرة الصمود ومواجهة الهجمة الاستيطانية المسعورة والشاملة على الفلسطيني في كل فلسطين.

الدبلوماسية الثقافية
 إن نجاح الوزارة في الانتقال بالثقافة الفلسطينية من موقع الدفاع والصمود إلى موقع التأثير يظل رهناً باستدامة التمويل وتوسيع دائرة الشراكة الحقيقية مع المبدعين والمؤسسات الأهلية، باعتبارهم صناعاً للمشهد وليسوا مجرد شهود عليه، كذلك تفعيل دورها على الساحتين المقدسية والغزية وما أحدثه العدوان الإسرائيلي من تدمير للمنجز الحضاري والثقافي في غزة المحتلة، كذلك تفعيل الحضور الفلسطيني في المنتديات الدولية والعربية، وبناء شراكات تهدف إلى تحويل التضامن الدولي إلى تحالفات ثقافية استراتيجية طويلة الأمد.

أقلام وأراء

الإثنين 01 يونيو 2026 9:40 صباحًا - بتوقيت القدس

عن الجدال بين "لبنان الصغير" و"سوريا الكبرى" في حديقة "نيويورك"!



ما أن أنجزت بلدية (نيويورك) بالتعاون مع إحدى الجمعيات الأمريكية إقامة نصب تذكاري تكريماً لشعراء المهجر العرب، وخاصة أعضاء (الرابطة القلمية)، ويحمل اسم ( القلم: شعراء في الحديقة ) حتى صدرت في الأيام القليلة الماضية العديد من الانتقادات التي وجهتها أصوات لبنانية إلى هذا المنجز الثقافي القيم وذلك احتجاجاً على ما ورد في هذا النصب من التعريف بكل من جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبي ماضي وآخرين على أنهم "كتّاب سوريون"، حيث قال المعترضون هؤلاء أن في الأمرخطأ تاريخياً يمس الهوية اللبنانية، في حين اعتبره لبنانيون آخرون والكثير من المثقفين العرب على أن هذا التعريف هو توصيف دقيق، ذلك أنه يعتبر انعكاساً للسياق الجغرافي العثماني الذي كان سائداً زمن هجرة هؤلاء الشعراء والأدباء.
وإذا تحرينا الموضوعية في هذا الجدال، فإنه يمكننا أن نتفهم امتعاض حسني النية من المعترضين الذين رأوا في إغفال انتماء بعض أدباء (الرابطة القلمية) ومنهم جبران ونعيمة إلى (جبل لبنان) في التعريف بهم هو إجحاف بحق هذه المنطقة، فهم أبناؤها حقاً، وكثيراً ما ترى في كتاباتهم ما يشير إلى انتمائهم إليها واعتزازهم بها، ومع ذلك فقد كانت أيضاً بعض الأصوات المعترضة التي تشي بما يتجاوز الإطار الثقافي في فهم ومتابعة هذا الأمر، ولا ضرورة للتفصيل.
أما الذين وقفوا في الجانب المقابل متوافقين مع مصممي هذا النصب بتوصيف هؤلاء الأدباء والتعريف بهم على أنهم "كتاب سوريون" فلم يكن موقفهم -كما أرى-  ناتجاً عن جهل، ولا منطلقاً من فراغ، ذلك أن (جبل لبنان) عندما سافر هؤلاء الأدباء كان ضمن (سورية العثمانية) ولم يكن (لبنان الكبير) قد تأسس بعد، فقد أعلن عن تأسيسه المفوّض السامي الفرنسي الاستعماري الجنرال غورو من على درج (قصر الصنوبر) في بيروت في الأول من أيلول عام ألف وتسعماية وعشرين للميلاد، أما الأدباء المهجريون فقد هاجروا إلى أمريكا قبل ذلك بسنوات، وقد كان المهاجرون من سورية بحدودها الحالية ولبنان وسائر بلاد الشام – سورية الكبرى- آنذاك يعرفون في أمريكا وغيرها بالسوريين، حتى أن الحي الذي سكنوه في نيويورك كان يدعى (سورية الصغيرة)، وهذا أمر معروف، ليس هذا فقط، بل إن هؤلاء الأدباء كانوا هم أنفسهم يشيرون إلى أنفسهم كسوريين بكل انتماء واعتزاز، وليس في ذلك أي تناقض مع اعتزازهم بلبنان، أعني لبنان الصغير –أي جبل لبنان- قبل تأسيس لبنان الكبير، فلبنان آنذاك كان بحكم القانون النافذ المعترف به (دولياً) جزءاً من الديار السورية، وهذا يعني من وجهة نظر المؤيدين للتعريف بهؤلاء كما ورد على النصب التذكاري هو أن التعريف بهم كلبنانيين نسبة إلى (دولة لبنان الكبير) كما يريد المعترضون هو كالتعريف بالشاعر أبي البقاء الرّندي الأندلسي على أنه شاعر إسباني ، وذلك على وجه التشبيه.
وعلى هذا، ومع إقرارنا بواقع الحال السياسي القائم اليوم باعتبار لبنان بحدوده الحالية دولة معترفاً بها دولياً، فإن الخيار الأمثل أمام لجنة إقامة هذا النصب التذكاري لتجاوز هذه الإشكالية هو التعريف بهؤلاء الأدباء على أنهم ينتمون إلى (جبل لبنان في سورية العثمانية)، وهو خيار منصف وموضوعي ولا يتعدى المنهج العلمي في أي اتجاه كان.

* رئيس جمعية منبر أدباء بلاد الشام في فلسطين.

أقلام وأراء

الإثنين 01 يونيو 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

المُوسيقى عاريةٌ في هذا المَرْقَص.. لا أعرفها!


غادِرْ هذي الغابةَ للنَّهرِ الأوّلِ، حيثُ الفَرَسُ تخوضُ لِتَخْرجَ نحوَ التلِّ، وتصهلُ  بالفِضَّةِ، أو تنشرُ ما ظَلَّ من البَرْقِ على الأحياءْ.
غبارٌ هذي الغابةُ، أو غَبَشٌ أسودُ..وأرى أنَّ  سَبيكَتَها انكسرتْ، أخَذَتها السّاحرةُ إلى بئرِ مغارتِها السوداءْ.
غادِرْ هذي المُتَصابِيةَ الرَّخْوةَ..مَنْ  تَضَعُ قِناعاً تلوَ قِناعٍ، وتُراقِصُ أشْباحَ الليلِ الغرباءَ، وتخفي سِحْنَتَها العجفاءْ.
أُتْرُكْ سُوقَ نِفاقِ الأخوةِ؛ مَن كانوا في الخندقِ أو في البَيْرقِ أو بين الأسدافِ.. وراحوا للسوقِ، اندفعوا مثلَ الثيرانِ الوحشيّةِ لمذاوِدِ ربِّ القُطْعانِ السائبةِ.. فَأُطْعمَهُم وَهْمَاً، وتّزَيّا فوقَ رِقابِ الخَلْقِ، وكانَ الآكِلَ والطاعِمَ والكاسيَ، والسّادرَ في السِّيركِ الوطنيِ المُغْلَقِ مِن كلِّ الأنحاءْ.
كلابٌ تنهشُ في لحمِ غزالتِنا اجتمعتْ، لترى ما في القَصْعةِ من مَرَقٍ، خَثّرهُ الجَمْرُ، لتملأَ جَوْفَ جنَّهمَ، وتنامَ على رِيشِ نعامَتِنا الخرقاءْ.
وأَمْعَنَ سيّدُهُم بالسَّلْخِ وبالطَّبْخِ، تَلَمَّظّ، وامتلأَ البطْنُ، وأيْقَنَ أنَّ
القُطْعانَ الموسومةَ تأتيهِ بلا تَعَبٍ، فَلْيَذْبَحْ ما شاءَ من الصُّوفِ، عدا الكبشِ المكحولِ.. فهذا مَن باعَ حظيرَتَه للذّئبِ، وصالَحَ غِربانَ البيداءْ.
 أُترُكْ هذا الطَقسَ الوثنيَّ، وأزلامَ المَعْبدِ، وعُكاظَ الخُطَبِ المكرورةِ، وقوافلَ  داحِسَ والغبراءْ.
لقد كذبوا! مِن أوَّلِهِم حتى آخرَ مَن تاجرَ بالنّارِ وبالأوجاعِ، وبالنسْوَةِ، حينَ  رَقَصْنَ بمنديلِ الأعراسِ المُذْهلةِ، وكَذَّبَ ثانيةً.. فَالكافِرُ مَن رَفَعَ البُهتانَ، وصدَّقَ ما قالَ  مُسيلمةُ الكذّابُ، وعادَ مع الصَّنَمِ المهدومِ، لأرضِ الرّومِ.. سأتْرُكُ مملكةَ الخَوفِ أو الزّيفِ، وأَهْجرُ هذي المنهوكةَ والمذبوحةَ، بسيوفِ  أشقائي الأعداءْ.
وأتْرُكُ هذي الكُثبانَ القاحِلةَ المَذْرورَةَ، مَن يختَبئُ بها الثعبانُ أو العقربُ، والغولُ، أو  المَمْسوخُ.. سأترُكُ هذا التصفيقَ الفجَّ، وصوتَ العتمةِ، والجدرانَ  المثقوبةَ.. لفضاءِ السِّجنِ، ومقصلةِ الأضواء، وقُبَّةِ صخرتِنا الشقراءْ.
أُترُكْ هذي الهاويةَ الفاغرةَ الأنيابِ، الشائخةَ الرّيحِ، العاجزةَ ببيتِ الضّبْعِ، وتبدو الضائعةَ الدَرْداءْ.
واترُكْ أنفاسَ المَوْتِ، ورَملَ الوَقْتِ، ولمْعةَ نيِشانِ الجنرالِ المهزومِ.. سأترُكُ هذه  الُلعبةَ؛ مَنْ أرْبَكَتِ الأطفالَ، وبدَّلَتِ الأحوالَ، وقالتْ ما قالَ القاتلُ..
سأغادرُ هذا السِّحرَ الأسودَ، والترقيصَ على الأحْبالِ، وعِطرَ الغانيةِ المأجورةِ، ورقابةَ أجهزةِ التسجيلِ، وخنجرَ أصحابِ التأويلِ، وخيطَ عناكِبنا المسمومةِ..سأغادِرُها، لدَمٍ يتفجّرُ في أوردةِ الحقلِ المنسيِّ، وفي الزَّهرِ الشتويِّ، وأتركُ هذي المهزلةَ الخاسرةَ، إلى قلبِ فلسطينَ! ففيها أوَّلُ ما خلقَ اللهُ، وآخرُ ما يبقى في الأرضِ من الحِنّاءْ.
سأترُكُ هذا المرْقصَ! فالإيقاعُ غريبٌ، والليلُ بهيمٌ، والموسيقى عاريةٌ، لا أعرفها، لا تعرفني.. غرباءٌ نحنُ بهذا المحْفلِ..ما عاد لنا ما نطرحُه، بِمَزادِ السيّدةِ العمياءْ.
سأترُكُ هذا الكأسَ، فيكفي ما فعلتْهُ الخمرُ الفوّاحةُ في الرّوحِ، ولا ينقُصها الدَّنَّ  النازفَ مِن أعصابِ الكَرْمَةِ، إذْ سَرقَوا العنقودَ، كما سرقَوا الكأسَ وكرسيَّ المشْرَبِ والثلجَ السائحَ في طَيَّاتِ الأضواءِ الحمراءْ.
انطلقوا مثلَ جَرادٍ جاءَ على الحقلِ، وغادرَ بعدَ الجَدْبِ، لأطْلالِ البُومِ وجُحْرِ الحَيَّاتِ الرّقطاءْ.
سأترُكُ هذا التسْطيحَ الساذجَ، والنوْءَ الهائجَ، والقُبْحَ الرائجَ، والتّيهَ الفالجَ، والصدأَ  الخارجَ مِن فُولاذِ الحَجَرِ إلى الأجراسِ، ونأتي دونَ حَمامٍ يَزْجلُ برسائلَ مَن ظلّوا  فوقَ التَلِّ على أُحُدٍ، وتساوى مَن ماتَ بِمَن جَمعَ غنائمَ معركةِ الثأرِ.. سواءً بسواءْ!
سأترُكُ هذا البحرَ المسجورَ. أنا لستُ بموسى كي أَملكَ منْسَأةً أضربُها في الموجِ، فيَنْشقُّ الماءُ. ولستُ بِيوشَعَ كي أقبضَ بالكَفِّ على الشمسِ. ولستُ بِمَن يجترحَ  المُعْجزةَ إذا جاءَ السّاحرُ، أو أبعثَ مَن راحَ إلى الغَيْبِ.. أنا الكَهْلُ المصلوبُ، وموسى المطرودُ، ويوسفُ إذ أَلْقُوهُ إلى الجُبِّ. فَيَا ربِّي ارحَمْني من إخوتيَ المفضوحينَ، بهذا الليلِ المُشْرعِ للأنواءْ.
سأترُكُ هذا المأتمَ دونَ دموعٍ للرّاحلِ، فالثورةُ في قلبِ التابوتِ.. ودون رثاء!
وهل غادَرْتُ لأحملَ باقةَ دمعٍ للشهداءِ؟
هنالكَ سادَ الصمتُ، وغابتْ ألسنةُ الشُّعراءْ.




فلسطين

الإثنين 01 يونيو 2026 9:38 صباحًا - بتوقيت القدس

الدراجة الهوائية شاهد على تاريخ ونضال مرتبطين بمسيرة نضالية ومهنية لشي جي بينغ


الرموز هي "لغة بصرية" تختصر تاريخاً طويلاً من النضال، الثقافة، والهوية، هي لا تمثل فقط الماضي، بل تعمل كجسر يربط الفرد بجماعته ويمنح الأمة صوتاً مسموعاً أمام العالم، حيث تتحول هذه الأدوات والرموز إلى أيقونات عالمية.
كوفية الزعيم الرمز ياسر عرفات تجاوزت كونها قطعة قماش لتمثل "هوية نضالية"، وأسلوب ارتداء عرفات لها (الذي كان يشكل خريطة فلسطين أحياناً) جعلها رمزاً عالمياً للتحرر، حتى أن شباباً في قارات بعيدة ارتدوها كإعلان عن التضامن مع قضايا العدالة، حتى دون الخوض في التفاصيل السياسية.
سور الصين العظيم: في الصين، يمثل السور "العمود الفقري" للأمة، هو ليس مجرد بناء دفاعي، بل رمز للمثابرة، الوحدة، والقدرة على مواجهة الصعاب،  بالنسبة للـ 56 قومية صينية، يمثل السور والرموز التراثية الأخرى (مثل التنين أو زهرة اللوتس) مظلة "الوحدة في التنوع"، حيث تساهم كل قومية برمزها الخاص (كالملابس التقليدية أو الآلات الموسيقية) في تشكيل الهوية الصينية الكبرى.
ومن النماذج العالمية الاخرى (مغزل غاندي)  الذي كان يرمز للمقاومة السلمية والاعتماد على الذات في وجه الاستعمار البريطاني، و قبعة "اليوشانكا" الروسية، التي ارتبطت بالصمود في وجه البرد والحروب، و نسر بونتشو المكسيكي، الذي يربط الدولة بجذورها من حضارة الأزتيك.
هذه الرموز تتحول بمرور الوقت إلى "قوة ناعمة"؛ فهي تمنح الشعوب شعوراً بالفخر والانتماء، وتسهّل على العالم الخارجي التعرف على قضاياهم بلمحة بصرية واحدة.
وخلال زيارتي الأخيرة إلى الصين في شهر نيسان المنصرم، وخلال اللقاءات مع السياسيين وكوادر الحزب الشيوعي الصيني، والزيارات الميدانية والندوات التي شاركت فيها ضمن وفد استطلاع إعلامي عربي، بدعوة من إدارة غرب آسيا وشمال إفريقيا بدائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، قرأت علينا إحدى الفتيات الصينيات خلال الندوة الدولية للشباب قصة بسيطة عن الدراجة الهوائية التي كان يستخدمها الأمين العام شي جينغ بينغ خلال مسيرته السياسية المبكرة في آذار عام 1982، وقد لفت انتباهي هذا الاعتراز والنبرة القوية في سرد القصة من قبل  الفتاة "سامية "، وهو الاسم العربي الذي استخدمته، وذلك لكي تسهل علينا حفظ اسمها، والذي يصعب علينا حفظه بالصينية.
 تقول سامية باللغة العربية التي أجادتها، مثل حال الكثير من الصينيين الذين يتقنون لغات العالم المختلفة، ويسهلون بذلك آلية  التواصل مع الشعوب، خاصة الإعلاميين منهم، أن الأمين العام  شي جين بينج، وعندما كان شاباً، تخلى عن معيشة كريمة في العاصمة بكين، للتفاني في خدمة شعبه  في فترة عمله في مقاطعة خبي في أوائل الثمانينيات، وهذا الانخراط والعمل والتفاني والانجاز يعد من مبادئ الحزب الشيوعي الصيني.
وأضافت: "تنازل الأمين العام شي جين بينغ عن سيارته ليستخدمها الكوادر المسنين، مفضلا استخدم دراجته القديمة ذات إطار ب 28 بوصة بانتظام للتنقل بين القرى للقيام بأبحاث ميدانية وزيارة المزارعين، وكان يرتدي زياً عسكرياً بالياً وحذاء عسكرياً قماشياً، ويحمل حقيبة خضراء على كتفه، ويركب الدراجة عبر ضفتي النهر ليتفقد حصاد الحبوب في الحقول، ويتحدث مع المزارعين عن حياتهم لمعرفة دخلهم وأحوالهم المعيشية، وهمومهم اليومية، ومقترحاتهم بشأن تنمية المحافظة، لإيجاد حلول لشكاواهم بجدية، وخلال ثلاث سنوات، ترك أثره في خمسة وعشرين كمونة شعبية، وأكثر من مائتين وعشرين فرقة الإنتاج ريفية، حيث سهل ركوب الدراجة طريق الوصول إلى المناطق الريفية لإجراء زيارة ميدانية والبحث عن الواقع المحلي، بينما ازدادت معرفة الأمين العام شي عن المحافظة والأرياف، وقربًا وألفة بين الشعب، ما ترك انطباعاً عميقاً للجماهير.
بالإضافة إلى ذلك، كان يجلس في الشوارع على الطاولة لتجاذب أطراف الحديث مع الجماهير من أجل معرفة معيشتهم واستطلاع آرائهم، ووزع أول استبيانات الرأي العام في المحافظة، وكان باب مكتبه دائما مفتوحا لاستقبال الجماهير.
توضح سامية في قصتها الحقيقية والمشوقة أن ركوب السيارات الفاخرة بأنف شامخ دون الوصول إلى الجماهير لا يؤدي إلا إلى الابتعاد عنهم، أما الاستفسار عن شكاوى الجماهير بركوب الدراجات البسيطة، فيمكن تلمس همومهم وأقوالهم والتقارب مع قلوبهم، وتكرر مقولة من مقولات الأمين العام شي جينغ بينغ أن يجب لأمين لجنة الحزب بالمحافظة أن يزور جميع القرى ويجب لأمين لجنة الحزب بالمدينة أن يزور جميع المحافظات والقرى، ويجب لأمين لجنة الحزب بمقاطعة أن يزور جميع المدن والمحافظات والقرى.
إن البحث العميق من الواقع أرسى أساسا متينا للأمين العام شي في ممارسة السلطة لاحقا بكل اقتدار وخبرة وشفافية، مما انعكس باهتمامه الدائم بمعيشة الشعب، وسعيه وراء خدمة الشعب وإسعاده.
إن  قصة "الدراجة" كرمز دلالي هام في مسيرة الأمين العام شي جين بينغ ابرزت المعاني السامية  التي تحملها هذه القصة من اهمها العمل الجاد في فترة الشباب حيث  تُشير الدراجة إلى الأيام التي قضاها شي جين بينغ في العمل بالريف (فترة "الشباب المثقف")، حيث كانت وسيلة نقل أساسية وتجسيداً للتجربة الواقعية والعمل الميداني الشاق في القواعد الشعبية.
كذلك الارتباط بمعيشة الشعب، حيث لا تمثل الدراجة مجرد أداة تنقل، بل ترمز إلى قربه من حياة الناس البسيطة، وفهمه العميق لاحتياجاتهم ومعاناتهم اليومية، مما شكل أساساً لاهتمامه الدائم بتحسين معيشة الشعب.
وتُستخدم هذه القصة لتأكيد فلسفة الحكم لدى شي جين بينغ، التي تضع "خدمة الشعب" وسعادته في مقدمة الأولويات، وتعكس أسلوب عمل "واقعي وملموس" بعيداً عن التنظير، وتاتي في اطار تعزيز "التاريخ الحزبي" وإبراز القدوة للقيادة الصينية، بربط مسيرة القائد الشخصية بتاريخ الحزب ونضاله من أجل الشعب.
إذن، الدراجة الهوائية التي استخدمها الأمين العام لم تكن مجرد وسيلة تنقل بسيطة، بل رمز ثقافي وسياسي يحمل دلالات عميقة، تمثل التواضع والتقرب من الشعب، وترمز الدراجة إلى رفضه البروتوكولات المعقدة، وحرصه على النزول إلى الميدان (الجذور والقواعد) والتفاعل المباشر مع المزارعين والبسطاء، وفهم معاناة الناس، حيث إن ركوب الدراجة في طرق ريفية وعرة مكّنه من فهم التحديات اليومية التي يواجهها الناس، وهو ما صقل خبرته الإدارية والسياسية في بداية حياته المهنية، كما وضع أساس لفلسفة "الحكم للشعب"، فهذا الارتباط المبكر بحياة الناس البسيطة شكل الأساس لسياساته اللاحقة، مثل "تخفيف حدة الفقر الشاملة" والتركيز على "الرخاء المشترك"، حيث يشدد دائماً على أن الهدف النهائي هو تحسين معيشة الشعب الصيني، لذلك لم تكن الدراجة مجرد "أداة نقل"، بل هي جزء من سردية سياسية تهدف إلى إظهار القائد كواحد من عامة الشعب، يفهم احتياجاتهم ويعمل من أجلهم.

أقلام وأراء

الإثنين 01 يونيو 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس

الشوارع في الضفة الغربية



في عيد هذا العام، سافرت إلى يعبد في رحلة يفترض أن تستغرق ما بين ساعة وساعة ونصف تقريبًا. لكن الزمن في الضفة الغربية المحتلة لا يُقاس بالمسافات وحدها، بل بالحواجز العسكرية والبوابات والسواتر والإغلاقات التي تحوّل الطريق القصير إلى رحلة طويلة ومعقدة ومليئة بالتوتر. وما إن يبدأ المرء السفر حتى يكتشف أن الشارع هنا ليس مجرد وسيلة للانتقال بين مكان وآخر، بل جزء من واقع سياسي وجغرافي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية.
خلال رحلتي رأيت كل أنواع الشوارع: شوارع التفافية واسعة، وشوارع هامشية ضيقة، وطرقًا محطمة، وأخرى مضاءة بعناية، وشوارع مستقيمة تمتد لمسافات طويلة، وأخرى ملتوية تتعرج بين التلال والقرى. غير أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو أنها نتاج هندسة خاصة فرضتها ظروف الاحتلال. فهندسة الشوارع في الضفة الغربية ليست مجرد عملية تخطيط عمراني، بل هي، في كثير من الأحيان، أداة لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان.
أداة سيطرة وتحكم مصممة بطريقة بالغة الدقة.
في الأماكن الطبيعية تكون الطرق جزءًا من حياة الناس؛ ترى على جوانبها حقولًا ومزارعين، أكشاكًا للبطيخ والبندورة، قطعانًا من الأغنام، وعائلات تتنزه تحت الأشجار. أما في كثير من شوارع الضفة الغربية فإن هذه المشاهد تتراجع لصالح فضاء جامد ومراقب، صُمم ليكون ممرًا للحركة أكثر منه مساحة للحياة. يصبح الطريق حادًا وغريبًا، وتتحول تجربة السفر إلى حالة من الترقب والحذر بدل أن تكون فرصة للتواصل مع المكان واكتشافه.
هذه الشوارع لا تؤثر فقط في حركة الأفراد، بل في الاقتصاد والتنمية والعلاقة بالأرض أيضًا. فهي تعيد رسم المسافات بين المدن والقرى، وتفرض مسارات محددة للحركة، وتؤثر في فرص الاستثمار والعمل والسياحة. ومع الوقت، يصبح التحكم بالشارع شكلًا من أشكال التحكم بالمجال العام وبالقدرة على التخطيط للمستقبل. فالطريق لا يصل بين الأمكنة فحسب، بل يحدد أيضًا طبيعة العلاقة بينها.
ومن هنا تبدو شبكة الطرق في الضفة الغربية أكثر من مجرد بنية تحتية. إنها وسيلة لإعادة توزيع السكان، وتعميق العزل بين المناطق، وخلق مزيد من الاعتماد على مسارات محددة تخضع للمراقبة والتحكم. ولهذا يشعر كثير من المسافرين بأن الطريق ليس فضاءً محايدًا، بل تجربة تذكرهم باستمرار بالقيود المفروضة على حركتهم وحياتهم اليومية.
إن السفر في الضفة الغربية يبقى تجربة محفوفة بالاحتمالات غير المتوقعة؛ فالحاجز قد يغلق فجأة، والبوابة قد تعطل الرحلة، والطريق قد يتغير مساره في أي لحظة. لذلك لا تبدو الشوارع هنا مجرد خطوط على الخريطة، بل تعبيرًا عن واقع معقد يترك أثره في الإنسان والمكان معًا. ولهذا فإن أي نقاش حول الطرق في الضفة الغربية لا يمكن أن يقتصر على الهندسة والمواصلات فقط، بل يجب أن يتناول أيضًا أثرها الاجتماعي والاقتصادي والإنساني، ودورها في تشكيل العلاقة بين الناس وأرضهم ومستقبلهم.شبكة الطرق في الضفة الغربية المحتلة رؤية سياسية وتخطيط اقتصادي وخطة امنية،والمعضلة هنا أن هذه الشبكة بهذه الأهداف لن تؤدي إلى المأمول منها، ما لم يحله السلاح لن تحله الشوارع.

أقلام وأراء

الإثنين 01 يونيو 2026 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس

الحرب لمصلحة المستعمرة


يُصر الرئيس الأميركي ترامب على ربط الهجوم وحربه على إيران بدوافع دعم المستعمرة الإسرائيلية، وتقويتها وإعطائها الأولوية، والتأكيد على أن ما فعله ضد إيران يعود إلى دوافع إسرائيلية وخدمتها، حتى لو تعارضت مع مصالح الولايات المتحدة، مع أن ما فعله ضد إيران لم يتعارض مع التطلعات الأميركية في البقاء في موقع الدولة الأكثر تأثيراً ونفوذاً مقارنة مع دوافع صدامها أو تعارضها أو هيمنتها على العالم، في مواجهة الأطراف الثلاثة: الصين وروسيا وأوروبا، فالأطراف الثلاثة وإن اختلفت أو اتسعت أو تقلصت مظاهر الخلاف بينها وبين المصالح الأميركية، ولكنها تسعى للتخلص من النفوذ والسيطرة والهيمنة الأميركية وسياساتها الأحادية على العالم، بعد أن سادت العقلية الضيقة التي طبعت السياسات الأميركية في عهد الرئيس ترامب.
لقد تطور الموقف الأميركي نحو إيران ماراً بعدة محطات:
1- الهجوم الأميركي على إيران في شهر حزيران 2025.
2- الهجوم العسكري الأميركي الإسرائيلي المشترك على إيران بدءاً من 28 شباط، حتى 7 نيسان 2026.
3- بدء المفاوضات الأميركية الإيرانية برعاية باكستانية منذ توقف الحرب ولا زالت.
4- على الرغم من التفوق الأميركي مقارنة مع قدرات إيران، ورغم القصف والأذى الذي تعرضت له إيران، ولكنها صمدت أمام الهجوم الأميركي متعدد الألوان والأشكال العسكرية جواً وبحراً.
5- لم تُهزم إيران، بدلالة فشل البرنامج الأميركي الذي هدف إلى: إسقاط النظام، وبقي النظام الإيراني صامداً، رغم ما تعرض له من وجع وتدمير، واغتيال للقيادات  السياسية والعسكرية والأمنية، كما لم تتمكن الولايات المتحدة من فرض شروطها، ولم تُذعن إيران لهذه الشروط، وهذا ما يُفسر عدم التوصل إلى اتفاقات نهائية عبر المفاوضات المتعثرة إلى اليوم.
6- لم تنتصر إيران، ولم تتمكن من هزيمة الولايات المتحدة، وانتزاع ما تسعى إليه عبر المفاوضات.
الولايات المتحدة، اضطرت بعد: 1- هجومها العسكري على إيران، 2- وبعد معركة الحصار البحري مقابل إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، كي يستعمل كل منهما قدراته السياسية والتفاوضية، ولا زالت معركة المفاوضات مستمرة انعكاساً للوضع العسكري الذي لم يحسم لصالح طرف على حساب الطرف الآخر.
اضطرار الولايات المتحدة لقبول وقف إطلاق النار يعود إلى عدة أسباب:
أولها ارتفاع أسعار السلع على المواطن الأميركي بسبب ارتفاع أسعار النفط، حيث لم يكن المواطن الأميركي العادي الذي لا يهتم بالسياسة، لم يعرف أن بلاده في حالة حرب إلا بعد أن ارتفعت أسعار السلع عليه.
ثانيها أن لدى الولايات المتحدة مباريات كأس العالم التي تبدأ بعد أيام.
ثالثاً أن لديها انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب في شهر تشرين الثاني نوفمبر المقبل، وسيدفع الحزب الجمهوري والرئيس ترامب فشل وإخفاق معركته ضد إيران.
الرئيس ترامب ربط وقف إطلاق النار بالابتزاز الأميركي نحو بعض الدول العربية المتضررة من هذه الحرب، بمطالبته أولاً دفع تعويضات مالية لإيران مقابل ما تعرضت له من أضرار، وثانياً تطبيع العلاقات مع المستعمرة الإسرائيلية على قاعدة ما يسمى تلفيقاً الاتفاقات الإبراهيمية، وبذلك ربط الحرب ودوافعها لمصلحة المستعمرة الإسرائيلية بداية ونهاية، وبالتالي لم يضع في حساباته مصالح العرب الوطنية والقومية وفي طليعتها القضية الفلسطينية وعدالة تطلعاتها المشروعة القانونية،  بل حملهم المسؤولية انه قام بهذه الحرب خدمة لمصالح بعض البلدان العربية وحمايتها.



أقلام وأراء

الإثنين 01 يونيو 2026 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس

منظمة التحرير الفلسطينية بين استعادة الدور واستنهاض المشروع الوطني



في الذكرى الثانية والستين لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية التي صادفت يوم ٢٨ أيار، لا تبدو المناسبة مجرد استعادة لمحطة تاريخية في مسيرة شعبنا الفلسطيني، بل لحظة مراجعة نقدية وطنية عميقة تتعلق بمصير المشروع الوطني الفلسطيني التحرري نفسه، في ظل أخطر مرحلة يمر بها شعبنا منذ جريمة النكبة المستمرة حتى اليوم بأشكال متعددة.
ففي الوقت الذي ما زالت تتعرض فيه غزة لحرب إبادة مفتوحة وتقسيم فعلي، وتتصاعد عمليات الضم والاستيطان والتفكيك الممنهج في الضفة الغربية بما فيها القدس وإقرار تشريعات استعمارية مثل قانون تسوية الأراضي، وما يتعرض له الأسرى كما وشعبنا بالداخل من سياسات الفوقية اليهودية والتمييز العنصري، وتُستهدف فيه مخيمات اللجوء والوجود الفلسطيني في الشتات بأشكال مختلفة، يعود السؤال الجوهري أمامنا، أين تقف منظمة التحرير اليوم؟ وهل ما تزال قادرة على أداء وظيفتها التحررية والتمثيلية كبيت معنوي جامع للكل الفلسطيني منذ ان تأسست من أجل ذلك بمدينة القدس عام ١٩٦٤؟
لقد شكّلت المنظمة، منذ انطلاقتها، الإنجاز السياسي والمعنوي الأهم في تاريخ شعبنا الفلسطيني المعاصر، باعتبارها الإطار الجامع المعبر عن الهوية والكيان المعنوي الذي وحّد الفلسطينيين في الوطن والشتات تحت راية مشروع تحرري، وقاد معركة تثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية على المستويين العربي والدولي. فلم يكن الإعتراف العربي والدولي بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني مجرد قرار سياسي، بل نتيجة تراكم كفاحي وتضحيات هائلة قدمها شعبنا وحركته الوطنية منذ بدايات ثورة عام ١٩٣٦.
غير أن التحولات السياسية التي أعقبت اتفاق أوسلو وملحقاته، وما نتج عنها من انتقال مركز الثقل من المنظمة إلى السلطة الفلسطينية، أدّت تدريجياً إلى تهميش مؤسسات المنظمة وإضعاف دورها السياسي والوطني، حتى باتت في كثير من الأحيان أقرب إلى إطار رمزي منه إلى قيادة فعلية للمشروع الوطني التحرري في وقت لم تتوقف فيه محاولات شطبها السياسي وخلق بدائل لها افشلها شعبنا بتضحياته.
والأخطر من حالة الجمود التي أصابت مؤسسات منظمة التحرير، هو الانتقال تدريجياً إلى التعامل معها وكأنها مجرد إطار تابع للسلطة الفلسطينية كمشروع حكم ذاتي مؤقت، لا مرجعية وطنية عليا لها. وقد تجلى ذلك في الجدل القانوني والسياسي الذي أثارته بعض القرارات المتعلقة بإخضاع مؤسسات المنظمة لولاية السلطة، بما اعتبرته مؤسسات وطنية وحقوقية وقانونية مساساً بمكانة المنظمة كشخصية قانونية دولية، وبطبيعة العلاقة الأصلية التي يفترض أن تكون فيها السلطة إحدى أدوات المنظمة لا بديلاً عنها أو مرجعية فوقها.
اليوم، وفي ظل مشاريع التصفية التي تعود بأشكال مختلفة للمنطقة بعد مسلسل المتغيرات والتحولات، لم يعد ممكناً التعامل مع أزمة منظمة التحرير بوصفها أزمة إدارية أو تنظيمية فقط، بل باعتبارها أزمة تتعلق بمستقبل التمثيل الوطني الفلسطيني ذاته. فالمشروع الإسرائيلي ـ الأمريكي لم يعد يكتفي بمحاصرة شعبنا ميدانياً، بل يسعى إلى تفكيك وحدة تمثيله السياسي، عبر الإبقاء على الانقسام والتقسيم والفصل الجغرافي والسياسي، وتحويل القضية الفلسطينية إلى ملفات إنسانية وإدارية منفصلة، والتعامل مع غزة باعتبارها مساراً خاصاً منفصلاً عن مرجعية المنظمة واستبدال ذلك بما يسمى "بلجنة أدارة غزة" بإشراف مجلس ترامب للسلام، ومع الضفة باعتبارها مناطق معازل جغرافية وحكم إداري وأمني منزوع السيادة، فيما يُراد للقدس واللاجئين أن يتحولا إلى قضايا مؤجلة ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
كما أن إعادة طرح مشاريع توسيع اتفاقات التطبيع الإقليمي والتي يتحدث عنها ترامب اليوم في سياق المفاوضات الايرانية الأمريكية، تعكس استمرار الرؤية ذاتها التي قامت عليها "صفقة القرن" الأولى، والقائمة على دمج إسرائيل في المنطقة على حساب تجاوز جوهر القضية الفلسطينية ومحاولة إعادة تعريفها كأزمة أدارة سكانية معيشية أو أمنية قابلة للإدارة، لا كقضية تحرر وطني لشعب واقع تحت الاحتلال، من خلال محاولات فرض الرؤية الصهيونية التوراتية المزعومة حول أرض إسرائيل الكبرى.
في مواجهة ذلك، لا يكفي التمسك الرمزي بمنظمة التحرير، بل المطلوب استعادة دورها ووظيفتها التاريخية السياسية عبر عملية تجديد واستنهاض، وخطة إنقاذ وطني شاملة، تعيد بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية وتمثيلية حقيقية، تبدأ بعقد مجلس وطني فلسطيني جديد مُنتخب يضم الكل الفلسطيني في الوطن والشتات بعيدا عن التعيين والمحاصصة التي فقدت جزء من معانيها وادواتها، بما يضمن مشاركة القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والمستقلين، وتمثيل الشباب والمرأة والطاقات الوطنية الحية التي تقود اليوم أشكال الصمود والمواجهة المختلفة وذلك وفق النتائج التي ستفرزها الإنتخابات الديمقراطية المقررة لهذا المجلس في شهر نوفمبر القادم.
كما يتطلب الأمر إعادة صياغة العلاقة بين المنظمة والسلطة الفلسطينية، بحيث تعود المنظمة إلى موقعها الطبيعي كمرجعية عليا فاعلة ومنتخبة الهيئات للمشروع الوطني التحرري، لا أن تبقى خاضعة لوظائف السلطة والتزاماتها السياسية والأمنية والاقتصادية. فالسلطة، مهما كانت أهميتها الإدارية في شان أدارة الخدمات المعيشية، لا يمكن أن تكون بديلاً عن المشروع التحرري الوطني ولا عن الإطار الجامع للشعب الفلسطيني المتمثل بالمنظمة، بل مكملاً له وإداة في خدمته.
إن استعادة منظمة التحرير فعليا وعمليا لا تعني العودة إلى الماضي أو إعادة إنتاج الأشكال والادوات القديمة، بل إعادة بنائها كإطار وطني جبهوي عصري تتجدد به الحركة الوطنية الفلسطينية وتخرج به من أزمتها البنيوية، يكون قادر على الجمع بين المقاومة الشعبية والسياسية والدبلوماسية والقانونية والتعامل مع التحولات الجارية بالنظام الإقليمي والدولي على أساس وحدة الأرض والشعب والقضية الوطنية، واستنهاض الطاقات الفلسطينية في كل أماكن وجود الشعب الفلسطيني ضمن استراتيجية وإرادة سياسية وطنية موحدة تستند إلى حق شعبنا في الحرية وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال أولاً، وحل قضية اللاجئين في اطار الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف سنداً للقرارات الأممية.
فمنظمة التحرير لم تكن يوماً مجرد مؤسسة إدارية، بل كانت فكرة وطنية كفاحية جامعة، وتجسيداً لإرادة شعب قرر أن يقاوم ويبقى حياً، وأن يواصل نضاله من أجل الحرية والاستقلال الوطني مهما أشتدت التحديات في مواجهة تداعيات المشروع الاستعماري الصهيوني المستمر على حساب حقوقنا التاريخية والسياسية والقانونية.

* عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح".

أقلام وأراء

الإثنين 01 يونيو 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس

جدتي كانت تعرف ما ننساه اليوم

لم أرَها قط. كنت في عامي الأول حين رحلت، وكل ما بقي منها في حياتي هو  البوم صور يجمعني بها وتلك الحكايات التي كان أبي يرويها بصوت تتغير نبرته حين يذكرها، وكأن ذكرها وحده يُعيد إليه شيئاً ضاع منذ زمن بعيد. أعمامي أيضاً كانوا يتحدثون عنها بطريقة من يصف شخصاً أكبر من أن تحتويه الكلمات. من هذه الحكايات المتناثرة، رسمت في ذهني صورة لامرأة لم تقرأ ولم تكتب، لكنها كانت تحمل إيماناً بالعلم يفوق كثيراً من المتعلمين. كانت أمية بكل ما تعنيه الكلمة، لكنها كانت تصر، بعناد غريب ومدهش، على أن يتعلم أبي. كانت توقظه في الفجر البارد، تجهز له كسرة خبز، وتدفعه نحو المدرسة التي تبعد أميالاً، وكأنها تدفعه نحو طوق نجاة وحيد في بحر هائج. هذا الإصرار  كان فعل وعي استثنائي في زمن قاس لا يرحم الضعفاء.
ما يستوقفني في هذه الصورة التي رسمتها من الحكايات هو أنني لم أحتج أن أراها لأتأثر بها. الجدة التي لم أعرفها تركت أثرها في حياتي عبر ما رواه عنها أبي وأعمامي، وهذا وحده يقول شيئاً عميقاً عن قوة الأثر الإنساني حين يكون حقيقياً. وحين أتأمل اليوم في حالنا، نحن الذين نغرق في بحر من الشاشات المضيئة والأجهزة الذكية والفرص المتاحة بضغطة زر، أجدني أقف أمام مفارقة موجعة جيلها، الذي لم يملك شيئاً، كان يملك إيماناً صلباً بالعلم، وجيلنا، الذي يملك كل شيء، يبدو أحياناً وكأنه فقد البوصلة، أو ربما فقد الرغبة ذاتها.
جدتي التي لم أعرفها لم تكن  شخصية في حكايات العائلة. كانت، بالنسبة لي، رمزا للإرادة التعليمية في أنقى صورها وأكثرها تجرداً. الأمية لم تمنعها من إدراك قيمة المعرفة. كانت تفهم، بغريزة الأمومة وذكاء الفطرة الصافية، أن التعليم هو طريق النجاة الوحيد، وهو الباب الذي يُفتح على الكرامة الإنسانية. في تلك الأيام الخوالي التي يصفها أبي، كانت المدرسة تعني القسوة، وقلة الموارد، والكتب المهترئة التي تتوارثها الأجيال طالباً بعد طالب، ومع ذلك، كان هناك توق حقيقي، جوع حقيقي للتعلم. كانوا يمشون حفاة أحياناً، تحت شمس حارقة أو مطر غزير، ليصلوا إلى المعرفة. أما اليوم، فالمعرفة هي التي تمشي إلينا، تطرق أبوابنا، وتتسلل إلى جيوبنا عبر هواتفنا الذكية، ومع ذلك، نجد أنفسنا نتثاءب أمامها بملل.
لماذا ضعفت الرغبة اليوم؟ هل المشكلة في قلة الوسائل؟ قطعاً لا. المشكلة، ربما، تكمن في الراحة المفرطة. الراحة التي قد تُنتج، دون أن نشعر، خمولاً معرفياً يتسلل إلى عقولنا ببطء. التوافر الدائم للأجهزة، والملخصات الجاهزة التي تُعد في ثوانٍ، والنسخ السريعة بـ “نسخ ولصق”، يعطينا وهماً لذيذاً بأننا نمتلك المعرفة، بينما نحن في الحقيقة لا نمتلك سوى “الوصول” إليها. سهولة الوصول إلى المعلومة لا تعني بالضرورة عمقاً في الفهم. حين تحصل على الإجابة في ثانية واحدة عبر محرك بحث، فإنك تفقد متعة البحث، وتفقد ذلك الجهد العقلي الذي يحفر المعلومة في تلافيف الدماغ ويجعلها جزءاً من تكوينك.
وهنا، أجد نفسي أعود إلى تفصيل صغير، تفصيل يبدو تقنياً  لكنه في صميمه تربوي وإنساني عميق الكتابة باليد. في عصرنا هذا، أصبحت الكتابة باليد تبدو وكأنها عادة قديمة، طقس من طقوس الماضي الذي نتخلى عنه تدريجياً لصالح لوحات المفاتيح السريعة والشاشات اللمسية. لكن العلم الحديث، ويا للمفارقة العجيبة، يعود ليؤكد ما كانت تعرفه الأجيال السابقة بالفطرة. الدراسات العصبية الحديثة، مثل تلك التي أجراها باحثون في جامعة برينستون وجامعة كاليفورنيا، تشير بوضوح إلى أن الكتابة باليد ليست فقط حركة عضلية ميكانيكية بسيطة. إنها تنشط مناطق أوسع بكثير في الدماغ مقارنة بالطباعة. حين تمسك القلم، وتجبر يدك على تشكيل الحروف بانحناءاتها وزواياها، فإنك تبطئ إيقاع عقلك قليلاً، وتجبره على معالجة المعلومات، وفهمها، وإعادة صياغتها قبل تدوينها. هذا الجهد، هذا التباطؤ المتعمد، هو الذي يثبت المعلومة ويخلق الفهم العميق. الجهد هنا ليس عائقاً للتعلم، بل هو جزء أصيل من بنائه وهندسته.
ما الذي يعنيه هذا تربوياً؟ يعنيه الكثير جداً. إنه يضعنا أمام أسئلة قاسية لا مفر من مواجهتها هل نحن نربي الطالب اليوم على الفهم العميق أم على النسخ السريع؟ هل نجعل التعلم تجربة ذهنية وجسدية متكاملة، أم نحوله إلى مجرد ضغط أزرار باردة لا روح فيها؟ العودة إلى الورقة والقلم، خاصة في المراحل التعليمية الأولى، ليست ارتداداً إلى الماضي أو رفضاً للتقدم، بل هي حماية لمستقبل العقل البشري. إنها محاولة جادة لإنقاذ التعلم من سطحية السرعة التي تبتلع كل شيء جميل.
الرسالة الأوسع التي يجب أن نلتقطها اليوم هي أننا لا نحتاج إلى المزيد من الوسائل التقنية ، بل نحتاج، وبشكل ملح، إلى إحياء قيمة “الجهد”. الماضي لم يكن مثالياً، كانت فيه قسوة وحرمان وألم، لكنه كان حاملاً لدرس مهم نسيناه في زحمة التكنولوجيا الإنسان يتعلم حقاً حين يتعب قليلاً من أجل المعرفة. الطريق الأبطأ، الطريق الذي يتطلب ورقة وقلماً وتركيزاً وانتباهاً، قد يكون هو الأرسخ أثراً والأبقى في الذاكرة على المدى الطويل.
كانت الأمية عند جدتي شكلاً من أشكال الحرمان القسري، لكن الوعي لم يكن غائباً عنها لحظة واحدة، هكذا كان يقول أبي حين يذكرها. أما اليوم، فقد يكون الامتلاك المادي كاملاً، الشاشات تضيء في كل زاوية من زوايا بيوتنا ومدارسنا، لكن الوعي هو الذي يضعف ويتلاشى وسط هذا الزحام. هل نحن نمتلك الأدوات الكثيرة أم نملك الإصرار الذي يجعلها مفيدة حقاً؟ جدتي التي لم أعرفها، ولم تكتب ولم تقرأ كتاباً في حياتها، تركت في من جاء بعدها درساً لم يُكتب في أي مقرر: العلم لا يُهدى في علبة أنيقة، بل يُطلب بالجهد، ويُحفر في العقل بالتعب.

أقلام وأراء

الإثنين 01 يونيو 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

“عايز حقي”…


يرسم الكاتب طارق عبد الجليل في قصته "عايز حقي”، (والتي تحولت إلى فيلم سينمائي) صورة دقيقة ومؤلمة لحال الناس، وخاصة الشباب، نتيجة العوز والفقر والحاجة التي أصابت المجتمع وأضعفت أركانه.
ثم تجلت دقة المعالجة عند الكاتب عندما جسدها من خلال معرفة المواطن "الغلبان" المحتاج (صابر)،  أن في الدستور مادة تتحدث عن الملكية العامة وحق كل مواطن فيها، فيقرر هذا المواطن العمل على حل ضائقته المالية عن طريق "بيع حقه" في تلك الملكية.
إن الناظر لحال أمتنا اليوم، من مشرقها إلى مغربها، يجد أن جل أبنائها يعيشون في فقر وعوز مدقع. وقد انعكس هذا الحال سلبًا على كل مناحي وجوانب حياة الناس، ولا سيما فئة الشباب، أمل هذه الأمة ومستقبلها. هذا العنصر الحيوي من الأمة  الذي ما زال يملك الطاقة والحيوية، يدفع ثمنًا غاليًا من أجل تأمين حاجاته وخاصة سني عمره، مما جعل هذه الفئة الهامة تائهة وغير قادرة على تحقيق أبسط متطلباتها.
الحقيقة الدامغة هي أن بلادنا ليست فقيرة، وليست جدباء أو عقيمة في ثرواتها، بل الحقيقة الثابتة أن من يرعى شؤون هذه البلاد هم من أوجدوا واقع العوز والفقر بنهب الثروات، وإعطاء الامتيازات للدول الاستعمارية لترضى عنهم. فكان الطرف الذي يدفع الثمن هم أهل البلد. فأمتنا تكتوي بنار الفقر، وتتلظى على جمر الحرمان، وهي تملك من النعم ما يجعلها في قمة رغد العيش.
 إذاً، الناس في بلادنا يُحرَمون من نعم بلادهم بفعل فاعل وسياسة مقصودة، ولو أخذوا حقهم في الملكية العامة وحدها لكفتهم، ولأخرجت الناس من هذه الحالة المظلمة إلى حالة اليسر والاستقرار.
ولما كان فقرنا وعوزنا وحالنا المأساوي المزري ليس نتاج "جنحة طارئة"، بل هو نتاج سياسات تهدف لإبقاء الناس يركضون خلف رغيف الخبز ولا يفكرون بسواه، وجب على الناس التحرك لانتزاع حقهم المسلوب انتزاعًا، والتحرر تحررًا كليًا يعيد السلطان للمبدأ والسيادة للأمة، لتعيش في أرقى درجات العيش الهانئ والرغيد.

أقلام وأراء

الإثنين 01 يونيو 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

فيصل الحسيني أمير القدس الذي لم يغادرها


ثمة رجال يرحلون فتبتلعهم السنوات، وثمة رجال يعبرون إلى الغياب لكنهم يبقون عصيين على الرحيل.
يبقون في الذاكرة، وفي اللغة، وفي الأمكنة التي أحبوها حتى صاروا جزءًا منها.
وكان فيصل الحسيني واحدًا من هؤلاء.
في ذكرى رحيله، لا نستعيد رجلًا بقدر ما نستعيد معنى. ولا نتذكر سيرة شخصية بقدر ما نستحضر مرحلة كاملة من التاريخ الفلسطيني، كان فيها الانتماء التزامًا أخلاقيًا، وكانت القدس بوصلة لا تحيد، وكانت الوطنية فعلًا يوميًا من الصبر والكرامة لا مادة للاستهلاك السياسي.
وحين يُذكر اسم فيصل الحسيني، تحضر القدس تلقائيًا. لا بوصفها مدينة فحسب، بل بوصفها قدرًا.
فقد كانت العلاقة بين الرجل والمدينة أعمق من علاقة سياسي بقضية، أو قائد بعاصمة وطنه المحتلة. كانت علاقة نادرة بين روحين تشبه إحداهما الأخرى؛ كلتاهما مثقلة بالجراح، وكلتاهما عصية على الانكسار.
بعض المدن تُنجب أبناءها. أما القدس، فكانت كلما ضاقت بها المحن تنجب رجالًا يشبهون حجارتها؛ صامتين في الظاهر، راسخين في العمق، وعنيدين في مواجهة الزمن.
وكان فيصل الحسيني واحدًا من أكثر أبنائها شبهًا بها. لم يكن أمير القدس لأن أحدًا منحه لقبًا. فالقدس لا توزع ألقابها، ولا تمنح مكانتها إلا لمن يدفع ثمن الانتماء كاملًا. وقد دفع الرجل عمره كله في هذا الطريق. لم يحمل القدس كشعار، بل كمسؤولية. ولم يتحدث عنها كقضية عامة، بل كجزء من كيانه الشخصي.
ولهذا بقي اسمه ملتصقًا بها حتى بدا، في الوعي الفلسطيني، وكأن أحدهما لا يُذكر إلا ويستدعي الآخر. كان يدرك أن الاحتلال لا يستهدف الأرض وحدها. فالأرض قد تُصادر، والبيوت قد تُهدم، والأسوار قد تُحاصر. أما الخطر الأكبر فيكمن في استهداف الذاكرة؛ في محاولة اقتلاع شعب من روايته، ومدينة من حقيقتها، وتاريخ من جذوره.
لهذا، كانت معركته دفاعًا عن المعنى قبل أن تكون دفاعًا عن المكان. دفاعًا عن حق الفلسطيني في أن يروي حكايته بنفسه، وعن حق القدس في أن تبقى حاضرة في الوعي كما هي حاضرة في التاريخ.
لم يكن الأعلى صوتًا في زمن الضجيج، لكنه كان من أولئك الذين يمنحون الكلمات وزنها، والمواقف قيمتها، والحضور معناه، وكان يدرك أن الأوطان لا تحتاج دائمًا إلى من يتحدث باسمها، بقدر ما تحتاج إلى من يحملها بأمانة، لذلك بدا مختلفًا. لا لأن زمنه خلا من الرجال، بل لأنه كان من ذلك الطراز النادر الذي يزداد وضوحًا كلما ابتعدت به المسافة عن زمنه. فالأيام لا تصنع قيمة الكبار.
إنها تكشفها فقط.
ولهذا تتراجع أسماء كثيرة كانت تملأ المشهد صخبًا، بينما تبقى أسماء أخرى تنمو بهدوء داخل الذاكرة الوطنية حتى تتحول إلى جزء من وجدان شعب كامل.
وكان فيصل الحسيني من هؤلاء. بعض الرجال يتركون خلفهم مناصب وسيرًا ذاتية وصورًا مؤطرة على الجدران. أما الرجال الكبار حقًا، فيتركون أثرًا. والأثر هو الشكل الأرقى للخلود. لهذا لا يبدو الحديث عن فيصل الحسيني اليوم حديثًا عن الماضي.
فثمة أشخاص يتحولون، بعد رحيلهم، إلى قيمة أخلاقية ومعيار وطني يُقاس به ما بعده.
وحين نفتقدهم، لا نفتقد حضورهم الشخصي فقط، بل نفتقد تلك الطمأنينة التي كانت تمنحها معرفتنا بأن بينهم وبين القدس عهدًا لا ينكسر.
سلام على روحك يا أمير القدس.
سلام على قلبٍ ظلّ وفيًا لها حتى آخر نبضة.
وسلام على اسمٍ لم تحفظه الوثائق الرسمية بقدر ما حفظته محبة الناس.
تمر الأعوام، وتتبدل الوجوه والخطابات والرايات، لكن أسماء قليلة فقط تنجو من قسوة الزمن.
أسماء لا تعيش في الأرشيف، بل في الضمير.
وكان فيصل الحسيني واحدًا منها.
لم يكن أمير القدس لأنه عاش فيها.
بل لأنه عاش لها.
وحين رحل، لم تأخذه القدس إلى ذاكرتها فحسب، بل إلى روحها. وهناك، في ذلك المقام الذي لا تصل إليه قوة احتلال
ولا تطوله خرائط الطامعين، ما زال يقيم.





أقلام وأراء

الإثنين 01 يونيو 2026 9:31 صباحًا - بتوقيت القدس

فيصل الحسيني.. رجل المدينة الباقي


يبدو لي أنني أمام اختبار صعب، حين أكتب عن رجلٍ بات مع الأيام جزءًا من جغرافيا المعنى.
ولأن بعض الراحلين يتركون خلفهم سيرة. وبعضهم يتركون ظلًا. أما فيصل الحسيني فترك شيئًا أشد التباسًا وأبعد غورًا، فقد ترك أثرًا يشبه ذلك العطر الذي يبقى في البيت بعد أن يغادر أصحابه بسنوات طويلة، فلا يُرى ولا يُلمس، لكنه يواصل حضوره في الذاكرة.
يمرّ عبق الرحيل، فتخطر القدس على البال قبل أن يخطر هو. وكأن الرجل الذي سكن المدينة، كانت المدينة تسكنه حتى قبل ولادته.
كان يمشي في أزقتها القديمة كما يقرأ العارف في كتابه المفضل. يعرف مواضع الضوء على الحجارة قبيل الضحى، ويعرف كيف تتغير رائحة الأسواق حين تهبّ الريح من الجهات الست. يسمع صمت القباب حين يخلو المكان من الضجيج، ويدركُ الحزن الذي تخفيه النوافذ العتيقة خلف خشبها المتعب.
كانت القدس بالنسبة له أشمل من قضية سياسية بالمعنى الذي تعرفه القاعات المغلقة والبيانات الرسمية، إذ إنها كانت حالًا  مستمرًا، ومقامًا للنجوى و تحولت إلى امتحانٍ يوميّ للوفاء.
لهذا ظلّ متعلقًا بها كما يتعلق المتصوف باسم الله، لم يطلب مكسبًا، ولا جزاءً لانتظار، لأن محبة القدس نفسها صارت قدرًا لا فكاك منه.
في الأزمنة التي كانت فيها الكلمات تكثر وتقلّ المعاني، اختار الحسيني الطريق الأصعب، طريق العمل الصامت الذي يشبه جريان الدم في الأوردة. لا يُرى دائمًا، لكنه يبقى ليصنع أثره في نبض القلب.
وفي حركة فتح، كان حثيث البحث عن موطئ قدم لفلسطين في عالم يتسع للقوة أكثر مما يتسع للحق. فهو يعرف أن السياسة، حين تنفصل عن الناس، تتحول إلى حوار معتل بالبرودة.
 لذلك ظلّ منحازًا إلى دفء البشر، ووجوه المقدسيين البسطاء، وأصحاب الدكاكين الصغيرة، وخروب المدينة وكعكها المنغمس بالحليب النقي، كما كان ملتصقًا بأولئك الذين كانوا يرون في القدس أكثر مما تراه الخرائط.
ولعل سرّه الحقيقي أنه لم يتعامل مع الحجارة بوصفها إرثًا تاريخيًا، عايشها وكأنها كائن حيّ يبكي ويضحك ويثور.
كان يصغي إليها، كأنها حديث الجدّة وهذه موهبة نادرة.
فالمدن، مثل البشر، لا تبوح بأسرارها إلا لمن يحبها بما يكفي. وحين رحل، بدا الأمر لكثيرين كأن بابًا من أبواب الأقصى قد أغلق،  ذلك لأن الرجال لا يُعوَّضون، حيث أن بعض الأرواح تمتلك بصمتها الخاصة التي لا تتكرر.
ومع ذلك، لم ينقطع حضوره. ثمة رجال يواصلون حياتهم بعد الموت بطرقٍ أخرى.
يتحولون من أشخاص في الذاكرة إلى ذاكرة بحد ذاتها. ثم من ذاكرة إلى معنى.
ومن معنى إلى جزء من السردية الكبرى التي تسردها الشعوب عن نفسها.
وفي رحاب المسجد الأقصى، حيث يرقد جسده إلى جانب والده، تنهض البداية لسيرة لم تكتمل بعد.
 هناك، تحت سماء القدس التي أحبها حتى ذاب فيها، يستريح الرجل الذي أمضى عمره كله كأنه يحرس شعلةً من الريح.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في ذكراه أنه حارس القدس الذي أحبها.
والحراسة يمكن تفرضها الواجبات. لكن المحبة فلا  يمكن فرضها. إنها اصطفاء الروح. ولهذا بقي اسمه عالقًا في ذاكرة المدينة كما تعلق نواقيس المساء في الهواء بعد انقضاء الرنين.
تمر الأعوام تتعاقب الفصول على حجارة القدس. يتبدل القادمون والراحلون، لكن بعض الرجال يظلون هناك، في مكان لا تطاله الشيخوخة ولا الغياب.
يقبعون في طبقات المعنى العميقة، حيث يقيم الذين منحوا أعمارهم لما هو أكبر من أعمارهم.
وهناك، في تلك المسافة بين التراب والذكرى، ما زال فيصل الحسيني حاضرًا، كأن القدس كلما نادت أبناءها المخلصين، جاء صوته من بعيد، هادئًا وواثقًا، مثل بوح مؤذنٍ يعرف دربه للعروج إلى السماء.

أقلام وأراء

الإثنين 01 يونيو 2026 9:30 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب.. من الفاشل إلى التلاعب في المنطقة


أثار طلب الرئيس الأمريكي، في المكالمة الجماعية مع زعماء دول عربية وإسلامية، الانخراط في اتفاقات إبراهيم ردود فعل واضحة من قبل المملكة العربية السعودية والباكستان بعدم الربط في أي اتفاق بتعلق بالحرب الإيرانية الإسرائيلية- الإيرانية، بل الارتباط الممكن هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة عام 1967 أو وجود مسار موثوق لإقامة الدولة الفلسطينية، أي التركيز على لُب الصراع في المنطقة المتعلقة بالأساس في الاحتلال الإسرائيلي.
كما أشار هذا الطلب إلى أن ترمب ما زال متعلقا بتحقيق نصر سياسي لنتنياهو من أجل القبول بالمعادلة الجديدة التي ترسمها الولايات المتحدة لمصالحها في المنطقة، وربما إعادة العلاقة مع إيران.
ويبدو أن القراءة الخاطئة للإدارة الامريكية التي بدأت حرباً دون النظر إلى مصالح الدول العربية في الخليج العربي، ألحقت الضرر بمجمل دول الخليج العربي من الناحية الأمنية؛ بسبب استهداف إيران لأراضيها ومنشأتها الاقتصادية خاصة النفطية، وإغلاق مضيق هرمز، ما أثر بشكل كبير على المصالح الاقتصادية لهذه الدول بسبب منع التدفق الحر للتجارة بما فيها تصدر النفط الخليجي إلى دول العالم.
يرتبط طلب ترمب، المذكور أعلاه، بمسألتين الأولى؛ توظيف هذه الحرب للقول إنه حقق السلام في الشرق الأوسط كإنجاز له- أي لترمب- على طريق توسيع اتفاقيات إبراهيم بتوظيف القوة العسكرية الأمريكية لإخضاع المنطقة، وهي إحدى شعاراته السياسية. والثانية؛ محاولة كسب دعم اللوبي الصهيوني في الولايات الأمريكية لصالح مرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني المقبل؛ وذلك بسبب فشله في إخضاع كلي لإيران عبر الحرب أو القوة المسلحة.
في ظني، أن أركان الإدارة الأمريكية تدرك تماماً أن إحداث تغيير في منطقة الشرق الأوسط يتطلب إعادة تموضع لمصالح القوى الإقليمية فيها؛ وبخاصة ما يتعلق بأطماع إسرائيل في المنطقة ووقف عدوانها على دول وشعوب المنطقة نحو تحقيق السلام الشامل المبني على الحقوق وفي مقدمتها حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، لتعزيز الاستقرار والأمن والازدهار في المنطقة.
لكن حتى الآن الرئيس الأمريكي ترمب لم يدرك جوهر العلاقات المتشابكة والمتداخلة في منطقة الشرق الأوسط القائمة على التاريخ والهوية والحقوق والجغرافيا والدين والاقتصاد؛ فالعيش المشترك لا يرتبط بالاقتصاد والازدهار وحده، بل الاعتراف بالمكانة دون إهدار لأي من العوامل المتداخلة الكامنة في المنطقة واعتبارات كل طرف من الأطراف.




أقلام وأراء

الإثنين 01 يونيو 2026 9:29 صباحًا - بتوقيت القدس

"الشهداء يعودون إلى رام الله" ... الفن الفلسطيني في معركة الرواية والوعي


في سجن جلبوع عام 2021، لم يخرج النص من خلف القضبان بوصفه عملاً أدبياً فقط، بل خرج كفعل مقاومة حيّ، وكجزء من معركة الفلسطيني على الرواية والذاكرة والوعي. نص وليد دقة “الشهداء يعودون إلى رام الله” لم يكن مجرد كتابة مسرحية، بل شهادة وطنية وإنسانية تؤكد أن الفلسطيني، حتى وهو في الزنزانة، قادر على تحويل الألم إلى معنى، والقيد إلى صوت، والغياب إلى حضور.
هذا العمل يعيد إلى الواجهة واقع الأسرى، والأسرى الشهداء، والشهداء المحتجزة جثامينهم؛ أولئك الذين يحاول الاحتلال حتى بعد استشهادهم أن يواصل السيطرة على أجسادهم وذاكرتهم ورمزيتهم السياسية. لكن الفن الفلسطيني المقاوم يكسر هذا الاحتجاز الرمزي، ويعيدهم إلى الحياة الوطنية والوجدان الجمعي. فالمسرح هنا لا يقدم قصة فقط، بل يعيد بناء الوعي، ويحفظ الذاكرة من التآكل والنسيان.
القضية الفلسطينية لم تكن يوماً صراعاً على الأرض وحدها، بل أيضاً صراع على الرواية: من يروي الحكاية؟ وكيف تُقدَّم للعالم؟ ومن هنا تأتي أهمية الفن المقاوم باعتباره أحد أهم أدوات الدبلوماسية العامة الفلسطينية. فالمسرح، والسينما، والشعر، والرواية، والأغنية، والإخراج ليست أدوات ترفيه فقط، بل أدوات نضال وصناعة إدراك وتأثير. إنها تخاطب القلوب والعقول معاً، وتتجاوز الحدود السياسية واللغوية لتصل مباشرة إلى الإنسان.
في عالم اليوم، لم تعد الدبلوماسية محصورة في قاعات التفاوض والبيانات الرسمية. القوة الناعمة أصبحت جزءاً أساسياً من معارك القرن الحادي والعشرين، والفلسطيني أدرك مبكراً أن الكلمة والصورة والمشهد المسرحي يمكن أن تكون أدوات مقاومة لا تقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال النضال المشروع.
من مسرح الحرية في جنين، إلى مسرح عشتار، إلى القصبة، تشكلت عبر العقود جبهة ثقافية فلسطينية مقاومة، آمنت أن حماية الرواية الوطنية جزء من معركة التحرر. هذه المسارح لم تكن مجرد منصات فنية، بل مساحات وطنية حافظت على الصوت الفلسطيني حياً رغم الحصار والقمع والاستهداف.
مسرح الحرية حمل صوت المخيم والأسرى والشهداء إلى العالم، وعشتار قدّم المسرح التفاعلي كأداة وعي ومساءلة مجتمعية، بينما حافظ القصبة على دوره كمؤسسة ثقافية وطنية تربط الفن بالهوية والصمود، وقدّم نموذجاً متجذراً في الأرض والذاكرة الشعبية والإنسان. هذه المؤسسات الثقافية لعبت وما زالت تلعب دوراً مركزياً في معركة الوعي الفلسطيني، لأنها لا تقدم الفلسطيني كضحية فقط، بل كإنسان يمتلك رواية وهوية وحقاً وصوتاً وقدرة على الإبداع والحياة. وهذه هي جوهر الدبلوماسية العامة الحقيقية: التأثير بالرواية الإنسانية والرمز الثقافي، لا بالشعارات فقط.
إن أخطر ما يواجه الشعوب الواقعة تحت الاستعمار ليس فقط القمع المادي، بل محاولات محو الذاكرة وصهر الوعي وتجريد الإنسان من قصته. لذلك تصبح القصيدة موقفاً سياسياً، والمسرحية شكلاً من أشكال المقاومة، والكاميرا شاهداً، والأغنية ذاكرة جماعية تحفظ ما يحاول الاحتلال طمسه.
"الشهداء يعودون إلى رام الله" ليس مجرد عمل فني؛ إنه تذكير بأن المقاومة بكل السبل يجب أن تبقى حيّة. فالرواية التي لا تُروى تُسرق، والذاكرة التي لا تُحمى تُمحى. لذلك يواصل الفلسطيني نضاله بالكلمة، وبالمسرح، وبالفيلم، وبالقصيدة، وبكل أدوات الثقافة والفن، لأن معركة الحرية ليست فقط معركة حدود وسياسة، بل معركة وعي وإنسانية وحق في الوجود.
وشعب يناضل من أجل الحرية، لا يملك رفاهية الصمت.