أقلام وأراء

الجمعة 17 يوليو 2026 8:07 صباحًا - بتوقيت القدس

زيارة نتنياهو إلى واشنطن... هل يصطدم بمطالب ترمب بشأن جنوب لبنان؟

قبيل الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، يتصدر ملف جنوب لبنان جدول الأعمال السياسي والأمني، ليس فقط باعتباره أحد أبرز الملفات العالقة بين لبنان وإسرائيل، وإنما لأنه أصبح أيضًا عنوانًا لتباين واضح في الرؤى بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والحكومة الإسرائيلية.

فبينما تسعى واشنطن إلى تثبيت الاتفاق الإطاري الذي رعته، والدفع نحو تنفيذ ما يُعرف بـ"المناطق التجريبية" باعتبارها خطوة أولى نحو إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي وتعزيز حضور الجيش اللبناني في الجنوب، يبدو نتنياهو أكثر تمسكًا بالإبقاء على المنطقة العازلة التي أقامها الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، باعتبارها جزءًا من العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد الحرب الأخيرة.

الاختلاف بين الطرفين لا يتعلق فقط بالترتيبات العسكرية، بل يعكس اختلافًا في طبيعة الأهداف، فترمب الذي يسعى إلى تسويق نفسه كرجل صفقات قادر على إنهاء النزاعات، يرى في استقرار الجبهة اللبنانية فرصة لتسجيل إنجاز سياسي ودبلوماسي جديد، خاصة في ظل مساعيه لإعادة رسم خريطة التوازنات الإقليمية عبر اتفاقات أمنية وسياسية ترعاها الولايات المتحدة.

أما نتنياهو، فينظر إلى الملف من زاوية مختلفة تمامًا، فهو يدرك أن أي انسحاب غير مشروط من جنوب لبنان قد يُفسَّر داخل إسرائيل باعتباره تراجعًا أمام حزب الله، وقد يمنح خصومه السياسيين مادة جديدة للهجوم عليه في عام انتخابي حاسم، في وقت لا تزال فيه حكومته تواجه ضغوطًا داخلية كبيرة، لذلك يحاول الجمع بين القبول الشكلي بالمبادرة الأمريكية والحفاظ عمليًا على الوقائع التي فرضها الجيش الإسرائيلي على الأرض.

وتقوم فكرة "المناطق التجريبية" على انسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق محددة يتولى الجيش اللبناني مسؤولية الأمن فيها، مع مراقبة أمريكية للتنفيذ باعتبارها اختبارًا لإمكانية توسيع التجربة لاحقًا إلى مناطق أخرى، لكن هذه الآلية ما زالت تواجه عقبات عديدة، أبرزها الخلاف على طبيعة الانسحاب وحدوده، وإصرار إسرائيل على الاحتفاظ بحرية التحرك العسكري، وهو ما يثير مخاوف لبنانية من أن تتحول العملية إلى إعادة صياغة للاحتلال بدلًا من إنهائه. 

وفي المقابل، تتمسك الإدارة الأمريكية بضرورة إظهار تقدم ملموس قبل الانتقال إلى مراحل سياسية أوسع، لأن نجاح هذه التجربة سيعزز مكانة واشنطن كوسيط رئيسي في المنطقة، بينما سيعني فشلها اهتزاز الاتفاق الإطاري برمته، وربما العودة إلى دائرة التصعيد العسكري.

لكن التجربة التاريخية مع الحكومات الإسرائيلية تجعل كثيرين يتعاملون بحذر مع الوعود المتعلقة بالانسحاب، فمنذ عقود اعتمدت إسرائيل سياسة فرض الوقائع الميدانية ثم تحويلها إلى أوراق تفاوض، وهو ما يثير التساؤلات حول ما إذا كانت "المناطق التجريبية" تمثل بالفعل بداية انسحاب حقيقي، أم أنها مجرد وسيلة لتكريس ترتيبات أمنية جديدة تمنح إسرائيل نفوذًا طويل الأمد داخل الجنوب اللبناني.

كما أن نتنياهو يدرك أن الاحتفاظ بمنطقة عازلة يمنحه ورقة ضغط دائمة على لبنان وحزب الله، ويؤسس لمعادلة أمنية تسمح لإسرائيل بالتدخل متى شاءت تحت عنوان "منع التهديدات"، وهو ما يتعارض مع الرؤية الأمريكية التي تفضل استقرارًا يخدم مصالحها الإقليمية ويخفف احتمالات اندلاع مواجهة جديدة.

وتكشف هذه التباينات أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي، رغم متانته، ليس خاليًا من الخلافات عندما يتعلق الأمر بتحديد أولويات كل طرف، فالولايات المتحدة تبحث عن إنجاز سياسي يعزز نفوذها الإقليمي، بينما تسعى إسرائيل إلى تثبيت مكاسبها العسكرية وعدم تقديم تنازلات قد تُفسَّر داخليًا على أنها هزيمة أو تراجع.

ويبقى مستقبل جنوب لبنان مرهونًا بقدرة واشنطن على ممارسة ضغط فعلي على حكومة نتنياهو لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وبقدرة لبنان على فرض سيادته الكاملة على أراضيه، أما إذا غلبت الحسابات الإسرائيلية الضيقة على الالتزامات السياسية، فإن "المناطق التجريبية" قد تتحول من بوابة للتهدئة إلى عنوان جديد لإدارة الصراع، لا لإنهائه، لتبقى المنطقة معلقة بين مشاريع التسوية ووقائع الاحتلال، وبين دبلوماسية واشنطن وعقيدة القوة التي لا تزال تحكم القرار الإسرائيلي.

في النهاية، لن يكون الخلاف بين ترمب ونتنياهو مجرد تباين في وجهات النظر حول آلية الانسحاب من جنوب لبنان، بل اختبارًا حقيقيًا لمن يملك القرار داخل التحالف الأمريكي الإسرائيلي، فإذا كانت واشنطن تسعى إلى فرض تسوية تكرس نفوذها وتقدمها بوصفها راعية للاستقرار كما تدعي، فإن حكومة نتنياهو تحاول تحويل أي اتفاق إلى غطاء يمنحها شرعية للإبقاء على الاحتلال بصيغة جديدة، تحت مسميات أمنية مختلفة.

ومن هنا، فإن زيارة نتنياهو إلى واشنطن لن تحدد فقط مستقبل "المناطق التجريبية"، بل قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة في العلاقة بين الإدارة الأمريكية وإسرائيل، فإذا عجز ترمب عن إلزام نتنياهو بتنفيذ التفاهمات التي رعتها بلاده، فسيتأكد مجددًا أن الحكومات الإسرائيلية لا تنظر إلى الاتفاقات إلا بقدر ما تخدم مصالحها، وأنها سرعان ما تتنصل منها عندما تتعارض مع مشروعها التوسعي، أما إذا نجحت واشنطن في فرض رؤيتها، فسيكون ذلك سابقة نادرة تكشف أن المصالح الأمريكية قد تتقدم، ولو مؤقتًا، على حسابات اليمين الإسرائيلي.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستكون "المناطق التجريبية" بداية لاستعادة السيادة اللبنانية، أم مجرد تجربة جديدة لإعادة إنتاج الاحتلال بأدوات مختلفة؟ فالتجارب السابقة تؤكد أن إسرائيل لا تتخلى عن الأرض إلا تحت ضغط حقيقي، ولا تمنح السلام مجانًا، بل تسعى دائمًا إلى تحويله إلى وسيلة لترسيخ تفوقها العسكري والسياسي، لا لإنهاء الصراع أو احترام سيادة الآخرين.


دلالات

شارك برأيك

زيارة نتنياهو إلى واشنطن... هل يصطدم بمطالب ترمب بشأن جنوب لبنان؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.