اقتصاد

الإثنين 11 مايو 2026 10:17 صباحًا - بتوقيت القدس

قفزة حادة في أسعار النفط العالمية وسط توترات جيوسياسية وإغلاق مضيق هرمز

شهدت أسواق الطاقة العالمية قفزة ملحوظة في أسعار النفط خلال تعاملات اليوم الاثنين، مدفوعة بتصاعد المخاوف بشأن استقرار الإمدادات الدولية. وجاء هذا الارتفاع عقب تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصف فيها الرد الإيراني على المقترحات الأمريكية بأنه 'غير مقبول'، مما أعاد شبح التوتر السياسي إلى الواجهة وأثار قلق المستثمرين من تعطل تدفقات الخام.

على صعيد الأرقام، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 4.11% لتستقر عند مستوى 105.45 دولار للبرميل، محققة زيادة قدرها 4.16 دولار. وفي السياق ذاته، صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي ليصل إلى 99.80 دولار للبرميل، بزيادة بلغت 4.38 دولار أو ما يعادل 4.59%، ليعوض بذلك جزءاً كبيراً من الخسائر التي تكبدها في الأسبوع المنصرم.

ويرى محللون أن استمرار الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز يمثل العامل الأبرز في إبقاء المعروض النفطي محدوداً في السوق العالمية، وهو ما يجعل الأسعار حساسة لأي تطور سياسي. وأشارت مصادر اقتصادية إلى أن السوق كانت قد سجلت تراجعاً بنسبة 6% الأسبوع الماضي على أمل التوصل لتهدئة تنهي الصراع المستمر منذ عشرة أسابيع، إلا أن التعثر الأخير في المفاوضات أعاد حالة عدم اليقين.

وفي هذا الصدد، أوضحت كبيرة محللي السوق في 'فيليب نوفا'، بريانكا ساشديفا أن سوق النفط باتت تتحرك وفقاً للعناوين الجيوسياسية المتسارعة، حيث تتأثر الأسعار بشكل مباشر بالتحذيرات المتبادلة بين واشنطن وطهران. وأضافت أن التقلبات الحادة تعكس حالة الترقب لما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية المقبلة في ظل الأزمة الراهنة التي تعصف بممرات التجارة البحرية.

وتتجه أنظار المراقبين الآن نحو العاصمة الصينية بكين، حيث من المقرر أن يصل الرئيس ترامب يوم الأربعاء لإجراء مباحثات مع نظيره الصيني شي جين بينغ. ويسود أمل في الأوساط الاقتصادية بأن تنجح هذه الزيارة في دفع بكين لممارسة ضغوط على طهران للتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، وحل الاضطرابات التي تعيق حركة الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي.

فلسطين

الإثنين 11 مايو 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس

بمشاركة طلبة فلسطينيين: الرباط تحتضن غدا الدورة السادسة لمحاكاة القمة الدولية للطفولة من أجل القدس


تنطلق غدا الثلاثاء في العاصمة المغربية الرباط، فعاليات الدورة السادسة لمحاكاة القمة الدولية للطفولة من أجل القدس، بمشاركة أطفال يمثلون 24 جنسية من مختلف أنحاء العالم، من بينهم 6 طلبة فلسطينيين من مدارس مديرية التربية والتعليم في القدس، تتراوح أعمارهم بين 11 و16 عاما، وذلك في إطار مبادرة تربوية وإنسانية تستمر حتى 14 أيار/ مايو الجاري.
وتُنظم هذه الدورة بدعوة من وكالة بيت مال القدس الشريف، التابعة للجنة القدس، برئاسة الملك محمد السادس، وبدعم من وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، تحت شعار: "من أجل إعلام ينصف الطفولة الفلسطينية"، تزامنا مع اختيار الرباط عاصمة للإعلام العربي 2026، حيث تحاكي أعمالها قمة دولية لوزراء الإعلام بمشاركة الأطفال أنفسهم.
وعُقدت دورة السنة الماضية برئاسة ممثل تركيا، تحت شعار: "من أجل أطفال فلسطين.. لا بديل عن السلام"، أكد فيها المشاركون "الحاجة إلى مثل هذه اللقاءات بين الأطفال للتداول في المواضيع التي تشغلهم، مع ما كان يعتريهم من شعور بالألم لما يجري للأطفال في غزة، وباقي الأراضي الفلسطينية".
وتشهد التحضيرات لهذه الدورة، برنامجا متنوعا يشمل زيارات تربوية إلى عدد من أقسام وزارة الاتصال والمعهد العالي للصحافة المغربية (مؤسسة رسمية)، إلى جانب ورشات فنية وتثقيفية، يشرف عليها الفريق الفني المشرف على منصة "هيّا" للأطفال واليافعين، وهي منصة أطلقتها الوكالة العام الماضي، للتربية والتثقيف على قيم وفضائل بيت المقدس.
وتهدف الدورة الحالية إلى تمكين الطفل الفلسطيني من التعبير عن رؤيته تجاه الصورة التي تقدمها وسائل الإعلام عنه، ومدى احتـرامها لحقـوقه وخصـوصيته، انسجاما مع المبـادئ التـي نصـت عليها الاتفاقيـة الدوليـة لحقـوق الطـفل.
ومن المقرر أن تختتم أعمال الدورة بعقد جلسة عامة تحتضنها أكاديمية المملكة المغربية، بحضور وزراء وشخصيات دبلوماسية وممثلي منظمات دولية معتمدة لدى المغرب، وتتخللها مراسم تسليم رئاسة الدورة، وكلمات الوفود المشاركة، قبل إعلان البيان الختامي.

أقلام وأراء

الإثنين 11 مايو 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

مواصلة الحرب بأدوات أخرى


ما لم تتمكن الولايات المتحدة من أخذه من إيران، وما فُرض عليها خلال الحرب والقصف والتدمير والاغتيال، منذ 28 شباط فبراير 2026، طوال أربعين يوماً، لن تستطيع فرضه وأخذه عبر المفاوضات منذ 7 نيسان أبريل، طوال أربعين يوماً إلى الآن.
وما رفضته إيران تحت القصف الأميركي الإسرائيلي، وما خلفه القصف من دمار وقتل، لن تقبل تقديمه تحت ضغط الحصار، فالحرب بين الطرفين متواصلة، وإن تغيرت بالأشكال والأدوات، كانت تتم بالقصف العسكري المتبادل بالقنابل والطائرات المسيّرة، وإن كان غير متكافئ، فهو متواصل بالمفاوضات والاقتراحات والعناوين والقضايا المتداخلة.
وهنا تبرز التعقيدات، لأن طرفي الصراع والصدام والحرب، لم ينتصر أحدهما على الآخر، ولم يُهزم أحدهما لصالح الآخر، حيث أن إيران لم تُهزم، وأميركا مع المستعمرة لم تنتصر، وسيبقى الانشغال والاشتباك التفاوضي قائماً، كما هو على الأرض وفي الميدان، سيكون على طاولة المفاوضات، مما يتطلب تدخل طرف ثالث لعله يُفلح في تعديل نمط التفاوض، وتبديل موازين القوى وتوضيحها، وصنع معايير جديدة أكثر توازناً واستجابة لمواقف الطرفين.
الشعب الإيراني دفع ثمناً باهظاً، ولكنه توحد ضد العدو المتطفل المعتدي، بينما الشعب الأميركي يتململ رافضاً قطاعات منه علناً الحرب ودوافعها، بسبب غلاء الأسعار  وفقدان الشهية لما قدمته الحرب، ويدفع الثمن من عدم استقرار وضعه المالي المعيشي الطارئ، وهو مقبل على انتخابات مجلسي النواب والشيوخ، مما ستعطيه فرصة إعادة الاعتبار والاختيار بين ممثلي الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فقد منح الجمهوريين الثقة في المواقع الثلاثة: 1- رئاسة الجمهورية، 2- أغلبية في مجلس الشيوخ، 3- أغلبية في مجلس النواب، والانتخابات المعلنة في تشرين الثاني نوفمبر ستعطيه الفرصة في اعادة عملية الاختيار، والانحياز للسؤال: هل هو مع الحرب التي أشعلها ترامب الجمهوري، أم سيقف ضدها بالتراجع والانكفاء عن الأغلبية الجمهورية لصالح الديمقراطيين الرافضين لهذه الحرب.
إيران إضافة إلى صمودها، في مرحلتي: 1- الحرب العسكرية و2- الاشتباك التفاوضي، تلعب على عامل الوقت، لعلها تدفع بضغوط دولية على أميركا من أجل فك الحصار البحري الاقتصادي عنها، مقابل فك التعطيل لعمل مضيق هرمز، ووضع إدارة ترامب في خانة الفشل أميركياً كي يدفع الثمن داخلياً بالانتخابات المقبلة.
صراع وحرب وعدم استقرار، حينما ندقق في المقدمات والنتائج، نجد أن تحريض المستعمرة هو الأساس، وهو السبب لكل ما يجري في منطقتنا العربية، وهي تفعل ذلك مع الشعب الفلسطيني بداية، والتوسع على حساب اللبنانيين والسوريين، ووتمادى على كل من يقف ضد احتلالها وتوسعها وهيمنتها على شرقنا العربي.
حروب ظالمة متكررة، لا نهاية لها، لن تنتهي إلا بنهاية الاحتلال، واندحار المشروع الاستعماري التوسعي على أرض بلادنا العربية.



أقلام وأراء

الإثنين 11 مايو 2026 9:56 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة بين شعارات السلام وواقع القصف والجوع والتهجير


 غزة المنسية لم تعرف يوما اي هدوء رغم الحديث عن هدنة زائفة وخطة ترامب التي دخلت شهرها الثامن، لم تعرف غزة الهدوء الحقيقي، ولم يتوقف القصف ولا القتل ولا سياسة العقاب الجماعي، وكأن كل ما أُعلن لم يكن سوى غطاء سياسي لإدارة الحرب بطريقة مختلفة، لا لإنهائها.
ثمانية أشهر مرّت على الخطة الأمريكية التي قُدّمت باعتبارها مشروعًا للسلام والتهدئة، لكن القطاع ما زال يعيش واحدة من أكثر المراحل دموية وقسوة في تاريخه، الشهداء يسقطون يوميًا، والغارات لا تتوقف، والمناطق المدمرة تتوسع باستمرار، فيما يعيش السكان بين الخيام والركام والجوع والخوف في مساحة تضيق عليهم كل يوم، فمرة  يكون الخط الاصفر ومرة الخط البرتقالي، لكن لا نعرف اللون القادم للخط الجديد، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى عملية استنزاف شاملة تستهدف الإنسان الفلسطيني في حياته وكرامته ووجوده.
اللافت أن مفهوم "الهدنة" نفسه فقد معناه في غزة، ففي كل مرة يُعلن فيها عن وقف لإطلاق النار، يتبين أن القصف مستمر بأشكال مختلفة، وأن الحصار لا يزال قائمًا، وأن سياسة التجويع والمنع والإغلاق لم تتغير، لقد أصبحت الهدنة في الحالة الفلسطينية أقرب إلى إعادة تنظيم لإدارة الحرب، بحيث تمنح الاحتلال فرصة لترتيب أولوياته العسكرية والسياسية، بينما يبقى الفلسطيني تحت النار والحصار دون أي حماية حقيقية.
وفي قلب هذه المأساة، تبرز قضية النزوح القسري بوصفها واحدة من أخطر أدوات الحرب الحالية، مئات آلاف الفلسطينيين أُجبروا على مغادرة بيوتهم تحت القصف، ثم طُلب منهم العودة إلى مناطق تحولت إلى مدن أشباح، بلا بنية تحتية ولا خدمات ولا مساكن صالحة للحياة ، الناس يعودون إلى الركام لا لأن الظروف أصبحت آمنة، بل لأنهم لا يملكون خيارًا آخر، وهذا بحد ذاته شكل من أشكال الإكراه الإنساني الذي يدفع الإنسان للعيش داخل كارثة مفتوحة.
الأخطر من ذلك أن الاحتلال لا يكتفي بالتدمير، بل يستخدم الجوع كسلاح مباشر، فالمساعدات الإنسانية والطبية تخضع لحصار مشدد، والمعابر تُفتح وتُغلق وفق الحسابات السياسية والعسكرية، فيما تتفاقم معاناة المدنيين بصورة يومية، لم يعد الجوع نتيجة جانبية للحرب، بل تحول إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى إنهاك المجتمع ودفعه نحو الانهيار الكامل ، وحين يصبح الحصول على الخبز أو الدواء أو الماء معركة يومية، فإن الحرب تكون قد تجاوزت حدود المواجهة العسكرية إلى محاولة تحطيم إرادة شعب بأكمله.
ورغم كل الحديث الدولي عن القوانين الإنسانية وحقوق المدنيين، فإن العالم يبدو عاجزًا أو غير راغب في فرض أي التزام حقيقي على إسرائيل، الإدانات تتكرر، والتصريحات الدبلوماسية تتوالى، لكن شيئًا لا يتغير على الأرض، أما الولايات المتحدة، التي تقدم نفسها باعتبارها راعية للسلام، فقد بدت شريكًا سياسيًا في إدارة الأزمة أكثر من كونها طرفًا يسعى لوقفها، خصوصًا مع استمرار الدعم العسكري والسياسي للاحتلال، وغياب أي ضغط فعلي يجبره على وقف الحرب أو إنهاء الحصار.
ما يجري في غزة اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل محاولة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بالقوة؛ عبر التدمير والتجويع والتهجير وإنتاج بيئة غير قابلة للحياة، إنها حرب تستهدف الوعي والإرادة والوجود معًا، وتسعى لتحويل الفلسطيني إلى إنسان منهك يبحث فقط عن النجاة الفردية بعد أن تُسلب منه مقومات الحياة الجماعية والوطنية.
لكن، وبرغم كل هذا الخراب، ما زالت غزة تقاوم بطريقتها الخاصة، فبقاء الناس فوق أرضهم، وتمسكهم بالحياة وسط الجوع والقصف، ورفضهم مغادرة وطنهم رغم كل الضغوط، يكشف أن المشروع القائم على كسر الإنسان الفلسطيني لم ينجح بعد، وربما لهذا السبب تستمر الحرب؛ لأن الاحتلال، رغم كل القوة التي يمتلكها، لم يتمكن حتى الآن من انتزاع الهزيمة من داخل إرادة الناس أنفسهم.
في غزة، لم يعد الناس يحلمون بالنصر الكبير ولا بالحياة المرفهة، بل بحفنة خبز، بسقف لا يسقط فوق رؤوس أطفالهم، بليلة واحدة بلا قصف، وبصباح لا يبدؤون فيه بتفقد أسماء الشهداء، هناك أمهات يخبئن دموعهن كي لا ينهار ما تبقى من قلوب أطفالهن، وآباء يشعرون بالعجز لأنهم لا يستطيعون حماية عائلاتهم من الجوع والموت، وأطفال كبروا قبل أوانهم وهم يتعلمون معنى الفقد تحت النار، ومع ذلك، ما زال هذا الشعب المرهق يتمسك بالحياة بصورة تُربك العالم كله، فغزة، التي أرادوها مدينة منكوبة ومنكسرة، تحولت إلى قصة صمود موجعة، تُذكّر البشرية كل يوم بأن الإنسان يمكن أن يُحاصر ويُجوَّع ويُقصف، لكنه قد يظل متمسكًا بأرضه وكرامته حتى آخر نفس، ولهذا حين تنتهي هذه الحرب يومًا ما، لن يكون السؤال فقط كم بيتًا هُدم وكم إنسانًا استُشهد، بل كيف استطاع العالم أن ينام كل هذه الشهور بينما كانت غزة تُذبح وحدها تحت السماء.
================================

ما يجري في غزة اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل محاولة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بالقوة؛ عبر التدمير والتجويع والتهجير وإنتاج بيئة غير قابلة للحياة، إنها حرب تستهدف الوعي والإرادة والوجود معًا، وتسعى لتحويل الفلسطيني إلى إنسان منهك يبحث فقط عن النجاة الفردية

أقلام وأراء

الإثنين 11 مايو 2026 9:54 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤتمر فتح الثامن ورهانات المرحلة الفلسطينية


وسط حالة الجدل العام بين أعضاء ومناصري وقيادة حركة فتح، وفي ظل الواقع السياسي الداخلي والإقليمي والدولي، والمتغيرات التي تحدث داخليًا وخارجيًا، والاستهداف المباشر للمشروع الوطني الفلسطيني والكيانية الفلسطينية من خلال سياسات حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، تبرز الأسئلة الملحة حول قدرة مؤتمر فتح الثامن على إعادة ضبط الإيقاع الوطني العام، والقدرة على الخروج من المأزق وما تتعرض له القضية الفلسطينية وما يتهددها. فهل بوسع مؤتمر فتح خلق بيئة مغايرة للواقع في التعاطي مع الظرف الدولي والإقليمي والمحلي؟ وهل بوسع المؤتمر تجسيد وحدة فتح أولًا واتقاء شر الانقسامات والإقصاءات، خاصة بعد الذي شهدته العضوية وما رافقها من حرمان كادر كبير وقيادات وازنة في مختلف الساحات والمواقع، ترى أن لها كامل الحق في عضوية المؤتمر؟ إلا أن المؤتمر حسم أمره واكتفى بعدد الأعضاء الذي قارب 2580 أخًا وأختًا، حيث ستجري أعمال المؤتمر بين رام الله وغزة والقاهرة وبيروت، الأمر الذي سيسمح بالمشاركة بين الداخل والخارج، بعد أن تعثرت سبل وصول الأعضاء إلى مكان واحد بفعل إجراءات الاحتلال والحصار والعراقيل المستمرة التي يعاني منها شعبنا الفلسطيني في الوطن والشتات.
لعلنا اليوم قد تجاوزنا أمر العتب على العضوية وحق الفتحاويين، إلى مرحلة ما يمكن أن يخرج به هذا المؤتمر، الذي تتجه إليه كل الأعين نحو المخرجات والقرارات، وليس فقط تجديد الشرعيات والأسماء التي ستفوز بعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري باعتبارهما الهيئتين القياديتين الأوليين في الحركة. فعلى هذا المؤتمر رهان أكبر من الأسماء والمواقع، وعليه رسم السياسات التي من شأنها استنهاض الواقع الفلسطيني برمته، واستعادة مكانة وحضور القضية الفلسطينية في الساحة الدولية والإقليمية. فهذا المؤتمر ليس مؤتمر انتخابات وتجديد الشرعيات فحسب، بل مؤتمر النهوض بالحركة ومجابهة التحديات والأخطار التي تتهدد المشروع الوطني الفلسطيني.
إن القضية الفلسطينية تمر بلحظة تاريخية بفعل حرب الإبادة والاستيطان ومحاولات التهجير والتطهير العرقي والحصار، وهي لحظة شديدة التعقيد، الأمر الذي يجعل من مؤتمر فتح الثامن أكثر من محطة دورية حان موعد انعقادها، أو استحقاق تنظيمي دوري، بل أبعد من ذلك، فهذا المؤتمر يحمل على كاهله رؤية فتح الكاملة باعتبارها الفصيل الأهم في الساحة الفلسطينية، كما يحمل تقديم الحلول للخروج من المأزق الفتحاوي الداخلي والمأزق الفلسطيني العام. فالأول يأتي من خلال تجديد الشرعيات كضرورة تنظيمية لازمة وواجبة لكل حركات التحرر الوطني، تضمن توحيد الفتحاويين، والثاني يكون من خلال سياسات قادرة على مواجهة الاحتلال وإسقاط خطط اليمين المتطرف الذي يستهدف الوجود الفلسطيني، وذلك عبر تكامل في الرؤية بين سحب البساط الدولي والدعم والإنحياز الأمريكي، ومحاصرة الاحتلال في كل المحافل الدولية واستعادة قوة الفعل السياسي الدولي لصالح فلسطين.
بين الواقع الصعب سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وظروف دولية غاية في التعقيد يأتي انعاد مؤتمر فتح الثامن ليشكل حالة استنهاض عام، وضرورة من ضرورات الفعل الفلسطيني لمجابهة حكومة التطرف والإرهاب، ومواجهة سياسات الاحتلال والاستيطان والتهويد وشطب الهوية الوطنية الفلسطينية.
===================================
لعلنا اليوم قد تجاوزنا أمر العتب على العضوية وحق الفتحاويين، إلى مرحلة ما يمكن أن يخرج به هذا المؤتمر، الذي تتجه إليه كل الأعين نحو المخرجات والقرارات، وليس فقط تجديد الشرعيات والأسماء التي ستفوز بعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري باعتبارهما الهيئتين القياديتين الأوليين في الحركة


أقلام وأراء

الإثنين 11 مايو 2026 9:53 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة في المؤتمر الثامن لحركة فتح.. الجرح الذي لا ينفصل عن فكرة الوطن


 غزة بالنسبة لحركة فتح ليست مجرد بقعة جغرافية منكوبة بالحرب، ولا ملفاً إغاثياً يُضاف إلى جدول النقاشات الثقيلة في المؤتمر الثامن؛ فغزة، في الوعي الفتحاوي، تمثل إحدى أكثر الساحات تعبيراً عن مأساة المشروع الوطني الفلسطيني، وعن حجم الاستهداف الذي تعرضت له الهوية السياسية الفلسطينية خلال العقود الأخيرة. ولهذا فإن أي مؤتمر لحركة فتح لا يضع غزة في قلب رؤيته الفكرية والتنظيمية والسياسية، إنما يبتعد عن جوهر القضية الفلسطينية نفسها.
غزة اليوم ليست فقط مدينة تحت الحصار، بل وطن تحت الاختبار.
هناك محاولة ممنهجة لتحويل القطاع من قضية تحرر وطني إلى أزمة إنسانية دائمة، ومن جزء أصيل من الجغرافيا السياسية الفلسطينية إلى “كيان معزول” يُدار بمنطق “الاحتواء الأمني” أو “الإغاثة الدولية”. وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة التي تواجهها حركة فتح في مؤتمرها الثامن؛ إذ لم يعد مطلوباً منها فقط الدفاع عن غزة، بل الدفاع عن معنى غزة في المشروع الوطني الفلسطيني.
لقد دفعت غزة أثماناً باهظة؛ حرباً ودماراً وتجويعاً واستنزافاً للبنية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، لكن الأخطر من كل ذلك كان استنزاف الفكرة الوطنية الجامعة، ومحاولة تكريس الانقسام بوصفه واقعاً دائماً.
ومن هنا فإن فتح، بوصفها الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، تجد نفسها أمام مسؤولية تاريخية لإعادة تعريف العلاقة مع غزة، ليس باعتبارها “ملف مصالحة” فقط، بل باعتبارها معركة استعادة للوحدة السياسية الفلسطينية وللهوية الوطنية الجامعة.
إن الفكر الفتحاوي تاريخياً لم يقم على فكرة “الكانتونات” ولا على إدارة الانقسام، بل على وحدة الأرض والشعب والقرار السياسي. وفي هذا الإطار، أضافت التجربة السياسية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة بُعداً آخر لهذا التمسك الوطني بغزة، تمثل في موقف الرئيس "محمود عباس" الثابت تجاه القطاع، باعتباره جزءاً لا ينفصل عن الجغرافيا الفلسطينية وعن المشروع الوطني الجامع. فرغم كل الضغوط السياسية ومحاولات تكريس الفصل بين غزة والضفة الغربية، بقي الخطاب الرسمي الفلسطيني يؤكد أن غزة ليست عبئاً سياسياً ولا ملفاً إنسانياً منفصلاً، بل ركيزة أساسية في معادلة الدولة الفلسطينية المنشودة. وقد تمسك السيد الرئيس بمسؤولياته الوطنية تجاه أبناء شعبنا في القطاع، سواء من خلال التأكيد المستمر على وحدة المؤسسات والقرار السياسي، أو عبر رفض أي مشاريع تهدف إلى فصل غزة عن الشرعية الفلسطينية أو تحويلها إلى كيان مستقل خارج إطار الهوية الوطنية الجامعة. وهذا الموقف لا يُقرأ فقط بوصفه موقفاً سياسياً، بل بوصفه دفاعاً عن فكرة فلسطين نفسها؛ فلسطين الواحدة التي لا تكتمل دون غزة، ولا تستقيم دون وحدة شعبها وأرضها ومؤسساتها.
ولذلك فإن أي رؤية فتحاوية حقيقية تجاه غزة يجب أن تنطلق من رفض تحويل القطاع إلى كيان سياسي منفصل، أو إلى ورقة تفاوض إقليمية، أو إلى ساحة تصفية حسابات دولية. غزة ليست بديلاً عن فلسطين، وليست مشروعاً قائماً بذاته، بل جزء عضوي من الدولة الفلسطينية المنشودة وعاصمتها القدس.
وفي هذا السياق، فإن المؤتمر الثامن لحركة فتح مطالب بإنتاج خطاب جديد تجاه غزة؛ خطاب يتجاوز اللغة التقليدية والشعارات العامة، ويتجه نحو مراجعة سياسية وتنظيمية عميقة.
فالمطلوب اليوم ليس فقط الحديث عن إعادة الإعمار، بل عن إعادة بناء الثقة الوطنية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الفلسطينية الجامعة، واستعادة حضور منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
إن غزة بحاجة إلى مشروع وطني لا إلى إدارة أزمة، وبحاجة إلى رؤية تحمي الإنسان الفلسطيني من الجوع والتهجير والانهيار النفسي والاجتماعي، وفي الوقت ذاته تحافظ على البعد السياسي للقضية الفلسطينية. فهناك محاولات دولية وإقليمية لدفع الفلسطيني نحو الاكتفاء بالمطالب الإنسانية والابتعاد عن حقوقه السياسية والتاريخية، وكأن المطلوب من الفلسطيني أن يتحول من صاحب قضية إلى مجرد متلقٍ للمساعدات.
ومن هنا فإن حركة فتح أمام امتحان فكري وأخلاقي كبير؛ هل تستطيع إعادة إنتاج خطاب وطني جامع قادر على احتواء الألم الفلسطيني في غزة؟ وهل تستطيع استعادة ثقة الشارع الفلسطيني الذي أنهكته الانقسامات والصراعات الداخلية؟
فالناس في غزة لم تعد تبحث فقط عن الشعارات، بل عن مشروع قادر على حماية الكرامة الوطنية والإنسانية معاً.
كما أن المؤتمر الثامن يجب أن يتعامل مع غزة بوصفها قضية أمن قومي فلسطيني، لا مجرد ملف تنظيمي. فاستمرار الانهيار في القطاع يعني فتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية، ومزيد من مشاريع إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني وفق أجندات لا تخدم المشروع الوطني. ولذلك فإن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والوحدة والديمقراطية لم تعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية.
أما على المستوى التنظيمي، فإن فتح مطالبة بإعادة تفعيل حضورها الشعبي في غزة، عبر خطاب قريب من الناس، وبرامج حقيقية تعالج هموم الشباب والنساء والأسر الفقيرة والجرحى والأسرى وعائلات الشهداء. فالحركة التي صنعت تاريخاً طويلاً من النضال لا يمكن أن تبقى أسيرة اللغة القديمة أو الأدوات التقليدية، بينما يعيش الفلسطيني تحولات اجتماعية وسياسية عميقة.
غزة اليوم تحتاج إلى فتح القوية؛ فتح الفكرة الوطنية الكبرى، فتح التي تؤمن أن فلسطين أكبر من الفصائل، وأن الوحدة الوطنية ليست خياراً تكتيكياً بل شرط بقاء.
وفي لحظة تبدو فيها المنطقة كلها قابلة لإعادة التشكل، يصبح المؤتمر الثامن لحركة فتح فرصة تاريخية لإعادة صياغة البوصلة الوطنية الفلسطينية. فإما أن تستعيد الحركة دورها بوصفها حاملة للمشروع الوطني الجامع، وإما أن تترك الفراغ مفتوحاً أمام مشاريع التفتيت والانهيار.
غزة ليست هامشاً في المؤتمر الثامن!
إنها السؤال الأصعب، والامتحان الأعمق، والمرآة التي ستكشف قدرة حركة فتح على تجديد ذاتها، واستعادة روحها الأولى، والعودة إلى فلسطين بوصفها قضية تحرر وطني لا قضية إدارة أزمات.

أقلام وأراء

الإثنين 11 مايو 2026 9:53 صباحًا - بتوقيت القدس

"الاستقرار أولاً" رسائل لبنانية مهمة


في ذروة الحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، كنت أتواصل مع أصدقاء وزملاء هناك، للاطمئنان عليهم وعلى عائلاتهم ولمشاركتهم قلقهم وترقبهم للأحداث يوماً بعد يوم.
كان بعضهم يتنقل بين النازحين من الجنوب، حاملاً معه بعض العون، وكنت أسمع منهم، في أحاديثناعن المرحلة المقبلة وأبعادها، أصواتاً متباينة. فريق يقول: "من واجبنا التضامن مع إخواننا الفلسطينيين". وفريق آخر يرد: "جزء من بلادنا لا يزال محتلاً". وآخر يضيف بسخرية موجعة: "والفلسطينيون في الضفة، لم يساندوا عن غزة؟ فلماذا نحن؟".
هذه الأحاديث، بتشعباتها، قادتنا إلى واقع لبنان السياسي المعقد. أحدهم قالها بصراحة: "لنجرب هذه المرة أمريكا. كنا مع إيران، فماذا جنينا؟".
هذه العبارة وحدها، في بساطتها، تشكل رسالة بالغة الأهمية، خصوصاً بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، وهي اليوم تأتي بالتزامن مع ظهور أصوات على مواقع التواصل تدعو إلى دفع عملية سلام مع إسرائيل.
يتغير الخطاب الشعبي في لبنان، ولو جزئياً. صحفيون ونشطاء يرفعون شعاراً جديداً: "بلدنا مرهق من الحرب". وليس ذلك غريباً، فاقتصاد لبنان منهك، وأزماته تتوالى بلا تنفس.
لا شك أن هذه الأصوات لا تمثل كل اللبنانيين، لكنها تمثل صوتاً مهماً داخل المجتمع والنظام السياسي اللبناني. وهذا التحول، رغم تاريخ لبنان في احتضان الفلسطينيين، سيؤثر حتماً على قضيتنا الفلسطينية وعلى حجم التعاطف العربي معها.
إن ظهور هذه الأصوات هي انعكاس لنتائج ما يجري في الشرق الأوسط، ونتاج واقع اقتصادي ومعيشي قاس. اللبنانيون، كغيرهم من شعوب العالم، باتوا ينظرون إلى السلام باعتباره فرصة تاريخية للاستقرار الاقتصادي، ولإنعاش السياحة في بلد غني بتراثه ومواقعه التاريخية والأثرية والثقافية.
يبدو أن منطقتنا العربية وشعوبها تتجه، ولو ضمنياً، نحو شعار "الاستقرار أولاً" كنوع من التحول الجديد. وهذا يثير سؤالاً مصيرياً: ماذا عن الفلسطينيين الذين لم يحصلوا بعد على أبسط حقوقهم، وهي قيام دولتهم المستقلة؟
علينا، إذاً، أن نعيد لقضيتنا نبضها العربي والعالمي، من خلال خطاب سياسي عقلاني، قادر على حشد الشعوب لصالحنا، لا أن ينفرها منا.

أقلام وأراء

الإثنين 11 مايو 2026 9:52 صباحًا - بتوقيت القدس

الأسرى الفلسطينيون... حين تُختبر العدالة في ظل القيد


ليست قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي ملفًا إنسانيًا عابرًا، بل هي أحد أكثر الاختبارات وضوحًا لمفهوم العدالة حين يُنزع من سياقه الأخلاقي ويُترك تحت هيمنة القوة.
فما يجري خلف الجدران لا يمكن قراءته كأرقام أو لوائح، بل كحياة بشرية تُدار خارج الحد الأدنى من شروط العدالة التي يُفترض أنها عالمية.
في جوهرها، قضية الأسرى تكشف أن الحرية ليست قيمة نظرية، بل ممارسة يومية تُختبر حين تُسلب، وأن العدالة ليست شعارًا يُرفع، بل معيار يُقاس بمدى حماية الإنسان حتى في لحظات ضعفه.
الاعتقال هنا لا يقتصر على سلب الجسد حريته، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة السيطرة على الزمن والوعي والذاكرة.
لكن التجربة الفلسطينية في الأسر، الممتدة عبر عقود، تُظهر أن هذا الهدف يبقى دائمًا غير مكتمل، لأن الإنسان، حتى حين يُحاصر بالكامل، لا يفقد قدرته على إنتاج المعنى.
فالأسير الفلسطيني لا يتحول إلى رقم، ولا إلى حالة صامتة داخل النظام، بل يبقى فعلًا مستمرًا للرفض، وشاهدًا على أن محاولات الإلغاء تصطدم دائمًا بحدود الوعي الإنساني.
الجدران قد تُغلق المساحة، لكنها لا تُغلق الفكرة.
وفي المقابل، لا تنفصل هذه التجربة عن الخارج.
فالعائلات الفلسطينية، وفي مقدمتها الأمهات، تعيش حالة امتداد دائم لهذا القيد، حيث يتحول الانتظار إلى شكل من أشكال الوجود اليومي، قائم على يقين بأن الغياب ليس نهاية، بل حالة مؤقتة مهما طال الزمن.
هذا البعد الإنساني يجعل قضية الأسرى تتجاوز بعدها القانوني والسياسي، لتصبح سؤالًا أوسع عن قدرة أي نظام على الادعاء بالعدالة، في ظل استمرار احتجاز آلاف البشر خارج شروطها الأساسية.
وفي النهاية، تطرح قضية الأسرى سؤالًا لا يمكن تجاهله:
كيف يمكن للحرية أن تُقيَّد إلى هذا الحد، ومع ذلك تبقى حاضرة كاحتمال لا يُلغى؟
إن استمرار هذا الواقع لا يعيد فقط إنتاج الألم، بل يعيد فتح سؤال العدالة نفسه، لا بوصفه نقاشًا نظريًا، بل بوصفه اختبارًا يوميًا لمعناه الحقيقي.

أقلام وأراء

الإثنين 11 مايو 2026 9:52 صباحًا - بتوقيت القدس

لقد هرمنا من الهدن… وحان وقت الاستقرار الحقيقي

في عالمٍ يزداد اضطرابًا يومًا بعد آخر، تبدو الشعوب التي عاشت سنوات طويلة من التوتر وعدم الاستقرار وكأنها استنفدت قدرتها على الاحتمال، لا بسبب حدثٍ واحد أو أزمةٍ عابرة، بل نتيجة تراكم طويل من الضغوط الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية التي أثّرت على تفاصيل الحياة اليومية للناس، وأعادت تشكيل أولوياتهم وطموحاتهم بصورة مختلفة عمّا كانت عليه في السابق.
   فبعد سنوات من الأزمات المتكررة، لم يعد الإنسان يبحث فقط عن حلول مؤقتة أو فترات هدوء محدودة الزمن، بل بات يتطلع إلى واقع أكثر استقرارًا يتيح له استعادة حياته الطبيعية، والعيش بأمان، والتفكير بالمستقبل بعيدًا عن حالة القلق المستمرة التي أصبحت جزءًا من يومياته.
   وفي هذا السياق، تتجدد الدعوات في مختلف الأوساط الإنسانية والاجتماعية إلى ضرورة الانتقال من منطق “إدارة الأزمات” إلى منطق “صناعة الاستقرار”، باعتبار أن الهدن المؤقتة، رغم أهميتها في الحد من التوتر وتخفيف المعاناة، لم تعد كافية وحدها لإعادة بناء المجتمعات أو معالجة الآثار العميقة التي خلّفتها سنوات طويلة من الاضطرابات.
   لقد أصبحت المجتمعات التي عاشت ظروفًا صعبة بحاجة إلى أكثر من مجرد توقف مؤقت للأزمات؛ فهي بحاجة إلى مساحات حقيقية للتعافي النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وإلى بيئة مستقرة تسمح بإعادة ترميم ما تضرر على مدار سنوات طويلة. فالإنسان الذي يعيش تحت ضغط مستمر يفقد تدريجيًا إحساسه بالأمان، وتصبح أبسط تفاصيل الحياة اليومية عبئًا إضافيًا يضاف إلى سلسلة طويلة من التحديات.
   ولم تعد آثار عدم الاستقرار تقتصر على الجوانب السياسية أو الاقتصادية فقط، بل امتدت بصورة واضحة إلى البنية الاجتماعية والنفسية داخل المجتمعات. فالكثير من العائلات باتت تواجه ضغوطًا معيشية متزايدة، في ظل ارتفاع تكاليف الحياة، وتراجع فرص العمل، وصعوبة التخطيط للمستقبل، إلى جانب الأثر النفسي الذي تتركه الأزمات المتكررة على مختلف الفئات العمرية، وخاصة الأطفال والشباب.
   كما أن استمرار حالة عدم اليقين لفترات طويلة ينعكس بشكل مباشر على حركة الاقتصاد والتنمية. فالأسواق تحتاج إلى الاستقرار كي تنمو، والاستثمارات تحتاج إلى بيئة آمنة كي تستمر، والمؤسسات تحتاج إلى وضوح ورؤية بعيدة المدى حتى تتمكن من التخطيط والإنتاج وتوفير فرص العمل. لذلك، فإن أي مجتمع يسعى للنهوض والتعافي لا يمكنه الاعتماد فقط على الحلول المؤقتة، بل يحتاج إلى رؤية أكثر شمولية واستدامة.
   أن السلام الحقيقي لا يُقاس فقط بغياب التوتر، بل بمدى قدرة الناس على عيش حياة طبيعية وكريمة، فالسلام الفعلي يعني أن يشعر المواطن بالأمان في يومه وغده، وأن يتمكن من العمل والتعليم وبناء أسرته ومستقبله دون خوف دائم من عودة الأزمات أو تجدد الضغوط.
   كما أن بناء الاستقرار المستدام يتطلب العمل على إعادة الثقة داخل المجتمعات، وتحسين الظروف الاقتصادية والخدمات الأساسية، وتعزيز فرص التنمية، لأن الإنسان عندما يشعر بأن حياته تسير نحو الأفضل يصبح أكثر قدرة على التمسك بالأمل والمشاركة الإيجابية في بناء مجتمعه.
   ومن هنا، فإن الحديث عن حلول مستدامة لم يعد ترفًا فكريًا أو شعارًا إعلاميًا، بل أصبح ضرورة إنسانية واجتماعية ملحّة. فالشعوب التي أنهكتها الأزمات تحتاج إلى فرصة حقيقية لإعادة ترتيب حياتها واستعادة توازنها، بعيدًا عن دوائر التوتر المتكررة التي تستنزف الإنسان نفسيًا واقتصاديًا ومعيشيًا.
   لقد هرم الناس من انتظار الانفراجات المؤقتة، ومن التكيّف المستمر مع الأزمات المتلاحقة، وأصبح الأمل معقودًا على مرحلة جديدة تقوم على الاستقرار الحقيقي، لا على الحلول المؤقتة قصيرة الأمد. مرحلة يكون فيها الإنسان محور الاهتمام الأول، وتكون فيها الحياة الكريمة والاستقرار النفسي والاجتماعي حقًا طبيعيًا للجميع.
   ورغم صعوبة الواقع وتعقيداته، إلا أن المجتمعات ما تزال تملك القدرة على النهوض متى توفرت الإرادة الحقيقية لبناء مستقبل أكثر هدوء واستقرارًا. فكل تجربة إنسانية مرت بظروف قاسية أثبتت أن التعافي ممكن، وأن إعادة البناء تبدأ دائمًا من الإيمان بحق الإنسان في أن يعيش بأمان، وأن يحلم بمستقبل أفضل.
   وفي النهاية، يبقى السلام المستدام أكثر من مجرد غياب للأزمات؛ إنه حالة من الطمأنينة المجتمعية، والاستقرار الاقتصادي، والتوازن الإنساني الذي يسمح للناس بأن يعيشوا حياتهم بصورة طبيعية. وبين تعب السنوات وثقل الضغوط اليومية، يبقى الأمل حاضرًا بأن تحمل المرحلة المقبلة خطوات عملية تفتح الطريق نحو واقع أكثر استقرارًا، وتمنح الإنسان أخيرًا فرصة حقيقية لالتقاط أنفاسه والعيش بكرامة وهدوء.


أقلام وأراء

الإثنين 11 مايو 2026 9:52 صباحًا - بتوقيت القدس

انتخاباتنا وانتخاباتهم… حالنا وحالهم



بعد أكثر من سبعين عاماً على قيام إسرائيل، تبدو هذه الدولة اليوم كما لم تبدُ من قبل؛ عارية من كثير من الادعاءات التي حاولت تسويقها للعالم طوال عقود. لم تعد صورة “الديمقراطية المتنورة” أو “الواحة المدنية” أو “حاملة النور في غابة الشرق” تقنع أحداً كما في السابق. إسرائيل اليوم جريحة، متهمة، منبوذة أخلاقياً في كثير من الساحات، وعدوانية أكثر من أي وقت مضى، وتحاول أن تعيد رسم صورتها من جديد بعدما اهتزت صورتها القديمة تحت ثقل الحروب والانقسامات والتطرف.
إسرائيل الآن تعيد تعريف ذاتها: هل هي دولة دينية أم دولة سياسية؟ هل يحكمها الحاخام أم السياسي المنتخب؟ هل هي دولة المؤسسات أم دولة العقائد والنبوءات؟ هل أصبحت مشيحانية وكاهانية أكثر مما هي دولة حديثة؟ هذه الأسئلة لم تعد تُطرح في الهامش، بل أصبحت في قلب النقاش الإسرائيلي ذاته.
بعد هذه العقود الطويلة تبدو إسرائيل منقسمة ومشحونة؛ بين العسكرتارية وأوهام القوة، بين الذعر القومي الجنوني وعقدة الجيتو القديمة، بين التماعات النبوءات التوراتية وبين حسابات السياسة والمصالح. إسرائيل اليوم تواجه احتمالات متعددة ومصائر متناقضة. فهي قوية عسكرياً، لكنها قلقة وجودياً. متفوقة تقنياً، لكنها مرتبكة أخلاقياً وسياسياً. تريد التوسع أكثر باتجاه “إسرائيل الكبرى”، وكأنها تستعيد أحلاماً قديمة، لكنها في الوقت نفسه تبدو وكأنها تنتظر نتائج قد لا تشبه ما خططت له.
إسرائيل اليوم ليست إسرائيل التي عرفها العالم قبل عقود، وربما مستقبلها أيضاً لن يكون شبيهاً بماضيها.
ومن جهتنا نحن أيضاً لسنا بخير. نحن كذلك نعيش انقساماً لا يبدو أن له نهاية قريبة، واتهامات متكررة بالإرهاب والفساد والعجز. نحن أيضاً في أسوأ أحوالنا السياسية والوطنية. الممول يفرض شروطه، والمحتل يفرض وقائعه، والقريب والبعيد يتعامل معنا بمنطق الوصاية أو الابتزاز أو الانتظار. الدولة ما تزال بعيدة، والمصير مفتوح على احتمالات ثقيلة؛ الضم، الفصل، الوصاية، وربما التهجير والتدمير أيضاً.
هم لديهم أزمتهم، ونحن لدينا أزمتنا.
انتخاباتهم اليوم ليست مجرد تنافس حزبي عادي، بل محاولة لإعادة إنتاج صورة جديدة لإسرائيل؛ يمين يبدو مقبولاً أمام الغرب، ومتطرف يحاول أن يرتدي ربطة عنق دبلوماسية كي يصبح قابلاً للتسويق أمام الليبراليات الغربية. هناك جهد واضح لصناعة واجهة إعلامية جديدة تخفف من صورة التطرف التي أحرجتهم أمام العالم.
أما نحن، فالانتخابات عندنا تحمل معنى مختلفاً. نحن نحاول من خلالها أن نقول للعالم إننا شعب قادر على التنظيم والحياة السياسية، وأننا نستحق الثقة والاعتراف. هناك من يرى في الانتخابات الفلسطينية جواز سفر نحو إعادة التأهيل السياسي، واستعادة الشرعية والثقة بعد سنوات طويلة من الإهمال والانقسام والنبذ. وكأننا نحاول أن نقنع العالم، وربما نقنع أنفسنا أيضاً، بأننا ما زلنا قادرين على الفعل.
لكن الحقيقة الأعمق أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كله يُعاد النظر فيه الآن؛ من طرفنا نحن، ومن طرف الإسرائيليين، ومن طرف الإقليم والعالم أيضاً. الجميع يعيد الحسابات والأسئلة والتوقعات.
بعد كل هذه السنوات، ما زلنا نحن والإسرائيليون ندور حول السؤال الأول نفسه: سؤال التسوية، سؤال السلام، سؤال الأمن والخوف، سؤال تحقيق الذات والبقاء والاعتراف. ما زلنا في ذروة السؤال، لا في نهايته. وكأن الزمن الطويل لم ينجح حتى الآن هو في إنتاج إجابة نهائية، بل زاد الأسئلة تعقيداً، وترك المنطقة كلها معلقة بين ماضٍ لم ينتهِ، ومستقبل لم يولد بعد.والامر في أوله وآخره:الاحتلال، لا يمكن المضي قدما فيما يواصل الاحتلال تجميل نفسه. لا أحد يتوقع ان تكون الحياة عادية ومستساغة تحت شرط الاحتلال. واذا أرادت حسرائيل حقا ان تعيد النظر في تجربتها بعد ٧٨ سنة فلتنظر إلى علاقتها بالشعب الفلسطيني وما فعلت به حتى الان.

أقلام وأراء

الإثنين 11 مايو 2026 9:52 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤتمر "فتح" أمام سؤال ما بعد أوسلو


التصريحات الإسرائيلية المتكررة حول تجاوز أو تفريغ اتفاق “أوسلو” ليست جديدة في جوهرها، لكنها اليوم تأخذ طابعاً أكثر وضوحاً وعلنية، في ظل حكومة يمينية متطرفة لا تؤمن أصلاً بمبدأ التسوية السياسية كما هي المعارضة الصهيونية ايضا، وتعمل على فرض وقائع استعمارية على الأرض في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
هذا يعني عملياً أن الاتفاقات الانتقالية التي تأسس عليها المسار السياسي لم تعد قائمة في مضمونها الحقيقي، سواء من حيث الالتزامات السياسية أو من حيث الوقائع الميدانية التي تم نسفها تدريجياً عبر الاستيطان، والحصار، وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية وعدوان الإبادة.
في هذا السياق، فإن حركة “فتح” أمام مسؤولية تاريخية في مؤتمرها الثامن، تتمثل في إعادة تقييم العلاقة مع هذا المسار برمته، ليس من باب رد الفعل، بل من باب إعادة صياغة الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية على ضوء هذا التحول الذي يقوم أساسا على ضرورة فهم الصراع مع مشروع استعماري لا احتلال عسكري.
المطلوب ليس الدخول في شعارات، بل في مراجعة سياسية عميقة تعيد تعريف أدوات المرحلة، وتضع إجابة واضحة على سؤال، ماذا بعد أوسلو فعلياً على الأرض؟
إن أي موقف مستقبلي يجب أن ينطلق من تثبيت الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، ورفض تحويل السلطة الوطنية إلى إطار إداري تحت سقف الاحتلال او مشروع إدارة سكانية، والعمل على إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أساس رؤية تحررية واضحة.
كما أن هذا التطور يفرض على “فتح” في مؤتمرها العام الثامن وبغض النظر عن الملاحظات العديدة التي رافقت إعداد قوائم عضوية المؤتمر بعيدا عن العدالة التنظيمية والتمثيلية أن تعيد التأكيد على دورها كحركة تحرر وطني، لا كإطار إداري ضمن واقع مفروض، وأن تبلور في مؤتمرها رؤية سياسية واضحة قادرة على التعامل مع انهيار فعلي للمسار السابق والذي قامت بموجبه سلطتنا الوطنية كمرحلة مفترضة وصولا الى الدولة، الامر الذي لم يتم حتى اليوم، وبناء بدائل سياسية ووطنية أكثر انسجاماً مع متطلبات المرحلة بالشراكة مع كل مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية.
بمعنى آخر، فان المؤتمر لا يجب ان يكون محطة انتخابية فقط على أهمية التغيير والتطوير وتجديد الادوات. فالتحدي ليس فقط في قراءة نهاية مرحلة، بل في القدرة على صياغة مرحلة جديدة تحفظ الثوابت الوطنية، بارادة سياسية جريئة وتعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني التحرري في مواجهة مشروع استعماري يسعى إلى فرض الوقائع بالقوة.

* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح" .

فلسطين

الإثنين 11 مايو 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

تصريحات روبيو.. ضغوط على إيران أم تمهيد لتصعيد جديد؟

د. سعد نمر: قد تكون محاولة لاستدراج رد دبلوماسي إيراني للإفصاح عن موقفها لكن طهران متمسكة بموقفها بدراسة المقترح دون ضغوط
خليل شاهين: تصريحاته تأتي في سياق الضغط على دوائر صنع القرار الإيرانية خصوصاً المحيطة بالمرشد لدفعها نحو مواقف أقرب للمطالب الأمريكية
د. تمارا حداد: تصريحات روبيو أقرب لإعلان دخول العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة ضغط متبادل جديدة أكثر من كونها إعلاناً نهائياً لفشل الدبلوماسية
د. حسين الديك: تعكس وصول المسار التفاوضي لطريق مسدود وقد تفتح الباب أمام خيارات أكثر تعقيداً وتشابكاً خلال الفترة المقبلة
د. سعيد شاهين: تصريحات روبيو تعكس حجم الإحباط داخل إدارة ترمب والمخاوف من استهداف إيران الأصول الأمريكية والقواعد العسكرية وإمكانية تفاقم الأزمة
محمد الرجوب: الحديث الأمريكي عن رفض إيران للاتفاق قد يكون تمهيداً لتبرير مرحلة تصعيد جديدة خصوصاً مع التحركات العسكرية المتزايدة في الخليج


رام الله - خاص بـ"القدس"-

تفتح تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الأخيرة التي يتم الحديث فيها عن رفض إيران للاتفاق المقترح، باباً واسعاً أمام تساؤلات حول دوافعها وتداعياتها، رغم تقديرات بأن طهران لم تحسم موقفها النهائي بعد، وتدرس المقترح الأمريكي مع رفض واضح للتعامل معه تحت الضغط.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث مع "القدس"، أن الحديث الأمريكي خاصة تصريحات روبيو تحمل أبعاداً تتجاوز توصيف الواقع التفاوضي، باتجاه محاولة دفع إيران للإفصاح عن موقفها أو تحميلها مسبقاً مسؤولية تعثر المسار الدبلوماسي، ورغبة واشنطن في زيادة الضغط على دوائر صنع القرار الإيراني.



طهران لم ترفض المقترح الأمريكي حتى الآن

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة  بيرزيت د.سعد نمر أن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بشأن رفض إيران للاتفاق لا يعكس الواقع الفعلي للمسار التفاوضي، مؤكداً أن طهران لم ترفض المقترح الأمريكي حتى الآن، وإنما ما زالت في مرحلة دراسة الورقة الأمريكية ولم تقدم رداً رسمياً بشأنها.
وأوضح نمر أن تأخر الرد الإيراني يرتبط برغبة طهران في تأكيد أنها لا تعمل تحت أي نوع من الضغوط الأمريكية، سواء كانت ضغوطاً سياسية أو عسكرية أو إعلامية، مشيراً إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب كان قد تحدث عن مهلة زمنية قصيرة لإيران للرد على المقترح الأمريكي، إلا أن القيادة الإيرانية اختارت أخذ مزيد من الوقت في دراسة الورقة، لإيصال رسالة بأنها لا تستجيب للإملاءات أو المهل الزمنية المفروضة عليها.
ويشير نمر إلى أن إيران ربطت أيضاً تأجيل ردها بحالة التصعيد العسكري الأخيرة، بعد تحريك الولايات المتحدة بعض المدمرات باتجاه مضيق هرمز، وما تبع ذلك من رد إيراني عبر قواتها البحرية، الأمر الذي اعتبرته طهران محاولة ضغط عسكري غير مقبولة دفعتها إلى تأجيل الرد وعدم الظهور بمظهر الطرف الذي يتفاوض تحت التهديد.
ويلفت نمر إلى احتمال أن تؤخر إيران تقديم موقفها النهائي إلى ما بعد اللقاء المرتقب بين ترمب والرئيس الصيني، على أمل أن تسهم بكين في الدفع نحو مواقف أو تفاهمات قد تساعد في معالجة بعض القضايا العالقة داخل الورقة الأمريكية.
ويعتبر نمر أن تصريحات روبيو حول "رفض إيران الاتفاق" قد تكون محاولة لاستدراج رد إيراني دبلوماسي أو دفع طهران للإفصاح عن موقفها، غير أن الإيرانيين تمسكوا بموقفهم المعلن القائم على مواصلة دراسة المقترح دون ضغوط قبل تقديم رد رسمي.

الموقف الأمريكي الداخلي

وفيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يستبعد نمر بدرجة كبيرة الذهاب نحو حرب أمريكية جديدة ضد إيران، مستنداً إلى جملة من العوامل الداخلية الأمريكية، من بينها ارتفاع الأسعار وتراجع التأييد الشعبي للحرب، مشيراً إلى أن استطلاعات الرأي تظهر معارضة أكثر من نصف الأمريكيين لأي تصعيد عسكري جديد.
ويلفت نمر إلى وجود اعتبارات سياسية ولوجستية إضافية، من بينها استعداد الولايات المتحدة لاستضافة أحداث دولية كبرى مثل كأس العالم، فضلاً عن القيود القانونية المرتبطة بالحاجة إلى موافقة الكونغرس في حال استمرار العمليات العسكرية لفترة أطول.

إسرائيل المستفيد الأكبر من أي تصعيد

وعلى المستوى العسكري، يرى نمر أن فرص نجاح أي محاولة أمريكية لفرض فتح مضيق هرمز بالقوة تبدو محدودة، بسبب تعقيدات ميدانية تتعلق بقدرات التنفيذ ونقص الذخائر والمخزون الصاروخي الأمريكي مقارنة بحجم المواجهة المحتملة.
ويشير نمر إلى أن المستفيد الأكبر من أي تصعيد عسكري جديد قد يكون إسرائيل، التي قد تستغل المواجهة لاستهداف مواقع ومنشآت إيرانية حيوية بهدف إضعاف النظام الإيراني وإرباك قدرته على إعادة بناء نفسه، وربما دفع الأوضاع الداخلية نحو الاحتجاج.
ويرى نمر أن احتمال الحرب لا يزال قائماً من الناحية النظرية، لكنه يبدو بعيداً في المرحلة الحالية، مع الإقرار بأن طبيعة قرارات ترمب تجعل استبعاد أي تحول مفاجئ أمراً غير ممكن بالكامل.

حرب استنزاف

يوضح الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن المشهد المتعلق بالأزمة المتصاعدة في مضيق هرمز والصراع الأمريكي–الإسرائيلي مع إيران لا يزال مفتوحاً على احتمالات متقاربة، في ظل صعوبة التنبؤ بمسار الأحداث، بين إمكانية إقدام الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على انعطافة سياسية تقود إلى اتفاق مع طهران، أو الذهاب نحو مزيد من التصعيد العسكري الذي قد يفتح الباب أمام حرب أوسع وأكثر تعقيداً في المنطقة.
ويشير شاهين إلى أن الوضع القائم بات يشبه إلى حد بعيد "حرب استنزاف" حذر منها كثيرون داخل الولايات المتحدة، لافتاً إلى أن ما يسمى "مشروع الحرية" الذي حاولت الإدارة الأمريكية استخدامه لفتح مضيق هرمز بالقوة بهدف الضغط على إيران، انتهى إلى فشل عميق نتيجة الجاهزية الإيرانية والرد القاسي الذي استهدف القوات البحرية الأمريكية خلال الأيام الماضية.

إدارة الأزمة بالضغوط

ويلفت شاهين إلى أن المرحلة الحالية لا تعكس حسم الصراع بقدر ما تعكس نمطاً من "إدارة الأزمة" عبر توليد المزيد من الضغوط السياسية والعسكرية على طهران، سواء من خلال التهديد بإعادة استخدام القوة لفتح مضيق هرمز بأساليب أكثر عنفاً، أو عبر استمرار الحصار البحري.
وبحسب شاهين، فإن هذه الضغوط لا تقتصر آثارها على إيران، بل ترتد أيضاً على الولايات المتحدة وأسواق الطاقة العالمية، مع ارتفاع أسعار الوقود واتساع حالة الإرباك الاقتصادي المرتبط بأمن إمدادات الطاقة.
ويلفت شاهين إلى وجود تقديرات أمنية إسرائيلية، خصوصاً داخل جهاز الموساد الإسرائيلي، تدفع باتجاه الخيار العسكري باعتباره الأكثر جدوى، عبر استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية الإيرانية بهدف إضعاف إيران على المدى الطويل وخلق ظروف داخلية قد تؤدي إلى اضطرابات سياسية واجتماعية تهدد استقرار النظام الإيراني.

منطق المصالح الأمريكية

ورغم ذلك، يرجّح شاهين أن يغلب ترمب في نهاية المطاف منطق المصالح الأمريكية، عبر البحث عن "اتفاق مرحلي" يمنحه مخرجاً سياسياً يمكن تسويقه داخلياً باعتباره إنجازاً. ووفق هذا السيناريو، كما يرى شاهين، قد يبدأ الاتفاق بإعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية ووقف إطلاق النار، يلي ذلك الدخول في مفاوضات تمتد لشهر أو أكثر بشأن الملفات الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها البرنامج النووي ومصير اليورانيوم المخصب، ضمن صيغة انتقالية تمنح الطرفين فرصة لتبريد الأزمة.
ويبيّن شاهين أن الإدارة الأمريكية تواجه أيضاً ضغوطاً زمنية وسياسية متزايدة، من بينها اقتراب لقاء ترمب المرتقب مع الرئيس الصيني، حيث لا ترغب واشنطن في الذهاب إلى هذا اللقاء بينما جبهة الخليج مشتعلة، خاصة أن الصين تعد المستورد الأكبر للطاقة الإيرانية وتتأثر مصالحها بشكل مباشر من أي حصار أو اضطراب في مضيق هرمز.

استضافة أمريكا كأس العالم

ويشير شاهين إلى أن اقتراب استضافة الولايات المتحدة فعالية كأس العالم، إضافة إلى التراجع المحتمل في شعبية الجمهوريين مع اقتراب الانتخابات النصفية، يمثل عوامل ضغط إضافية على ترمب، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الوقود وانعكاسات الحرب الاقتصادية على المواطن الأمريكي.
ويؤكد شاهين أن شخصية ترمب وطريقته في اتخاذ القرار تجعل من الصعب التنبؤ بسلوكه السياسي، إذ قد يوافق على اتفاق انتقالي مؤقت، لكنه قد يندفع أيضاً نحو تصعيد "جنوني" قائم على سياسة اللعب على حافة الهاوية عبر تكرار محاولات الضغط العسكري على إيران، الأمر الذي قد يؤدي إلى حرب شاملة تشمل استهدافاً إيرانياً لمصالح أمريكية وخليجية وإسرائيلية.

الضغط على دوائر صنع القرار الإيرانية

ويوضح شاهين أن بعض التصريحات الأمريكية، بما فيها تصريحات روبيو بشأن رفض إيران للاتفاق المحتمل، تأتي في سياق الضغط على دوائر صنع القرار الإيرانية، خصوصاً المحيطة بالمرشد الإيراني، لدفعها نحو مواقف أقرب للمطالب الأمريكية، في وقت تواجه فيه إيران صعوبة في القبول بشروط تعتبرها انتهاكاً لسيادتها، رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية والطاقة والاقتصاد الإيراني خلال الجولة السابقة من التصعيد.
ويشير شاهين إلى أن السيناريوهات المطروحة تتوزع بين اتفاق مرحلي يخفف التوتر، أو استمرار حالة "اللا حرب واللا سلم" بما يشبه حرب استنزاف طويلة، أو الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تحمل تداعيات خطيرة على الخليج والاقتصاد العالمي، مؤكداً أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة "عض الأصابع"، حيث سيكون الخاسر هو الطرف الذي يصرخ أولاً.

إمكانية تهيئة الرأي العام لمرحلة قد تكون أكثر توتراً

ترى الكاتبة والباحثة السياسية د.تمارا حداد أن تصريحات روبيو حول الرفض عبر الترويج بشأن رفض إيران للاتفاق تحمل في جوهرها مؤشرات على استمرار سياسة "أقصى الضغوط" الأمريكية تجاه طهران، إلى جانب محاولات لإعادة التموضع السياسي وتهيئة الرأي العام الداخلي والخارجي لمرحلة قد تكون أكثر توتراً في العلاقة بين الجانبين.
وبحسب حداد، فإن المنطقة تعيش حالياً حالة من "التهدئة التكتيكية الهشة وغير المعلنة" بين الولايات المتحدة وإيران، وهي تهدئة تتسم بدرجة عالية من الهشاشة وسط تشابك الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية والإقليمية، ما يجعل أي تطور سياسي أو ميداني قادراً على إعادة المشهد إلى دائرة التصعيد.
وتوضح حداد أن تصريحات روبيو بأن إيران رفضت الاتفاق تشير إلى سعي الإدارة الأمريكية لتحميل طهران مسؤولية تعثر المسار الدبلوماسي، خاصة بعد أسابيع شهدت حديثاً عن تهدئة مؤقتة ومحاولات لفتح قنوات تفاوض غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين ودوليين، سعوا إلى تقريب وجهات النظر ومحاولة التوصل إلى اتفاق إطاري بين الطرفين.

إعادة تشكيل الرواية السياسية

وتوضح حداد أن هذا النوع من التصريحات يُستخدم عادة لإعادة تشكيل الرواية السياسية أمام الداخل الأمريكي وحلفاء واشنطن الأوروبيين، بما يسمح للإدارة الأمريكية بإظهار نفسها كطرف منح الدبلوماسية فرصة، بينما تتحمل إيران مسؤولية إغلاق باب التفاهم.
وتشير حداد إلى أن رفض طهران لا يبدو نهائياً أو قاطعاً تجاه أي تسوية مستقبلية، بل قد يندرج ضمن محاولة لتحسين شروط التفاوض، لا سيما أن المقترح الأمريكي الأخير، الذي تضمن 14 نقطة، لا يلبي -بحسب التقديرات الإيرانية- الحد الأدنى من المطالب المتعلقة برفع العقوبات أو توفير ضمانات سياسية وأمنية تحول دون تراجع واشنطن عن أي اتفاق مستقبلي.
وتبيّن حداد أن التصعيد المتبادل في الخطاب السياسي يعكس تراجعاً ملحوظاً في مستوى الثقة بين الطرفين، وانتقال العلاقة تدريجياً من مرحلة "إدارة الاشتباك" إلى "إدارة التصعيد"، في ظل محاولات أمريكية للضغط على إيران ومنعها من كسب الوقت حتى الانتخابات النصفية الأمريكية، مقابل سعي طهران إلى إظهار أنها لا تزال تمتلك أوراق قوة تسمح لها بمقاومة الضغوط وعدم تقديم تنازلات استراتيجية.

معركة الردع النفسي والاستراتيجي

وتؤكد حداد أن الخطاب السياسي بات جزءاً من "معركة الردع النفسي والاستراتيجي"، في وقت تشهد فيه المنطقة مستويات توتر مرتفعة، ما يزيد من احتمالات الانزلاق نحو مواجهات أوسع.
وحول السيناريوهات المحتملة، ترجّح حداد استمرار "التصعيد المحدود" عبر ضربات متبادلة وعمليات أمنية أو عسكرية، مع استمرار التوتر في مضيق هرمز دون الوصول إلى حرب شاملة، معتبرة أن هذا السيناريو هو الأقرب، نظراً لإدراك الطرفين الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية الباهظة لأي مواجهة مفتوحة.
وتشير حداد إلى احتمال استمرار الهدنة الهشة الحالية مع بقاء قنوات التواصل غير المباشر، فيما يبقى السيناريو الأخطر متمثلاً في انهيار التهدئة بفعل حادث ميداني كبير قد يشعل جبهات متعددة تمتد تداعياتها إلى غزة ولبنان والعراق والملاحة الدولية.
وترى حداد أن تصريحات روبيو تبدو أقرب إلى إعلان دخول العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة من الضغط المتبادل، أكثر من كونها إعلاناً نهائياً لفشل الدبلوماسية، محذرة من أن تضاؤل هامش المناورة وارتفاع منسوب التوتر يضعان المنطقة فوق "أرض شديدة الاشتعال" قد تنفجر بفعل أي خطأ في الحسابات السياسية أو العسكرية.

ترجيح التصعيد على فرص التهدئة

يعتقد أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي والعلاقات الدولية د.حسين الديك أن تصريحات روبيو بشأن الرفض الإيران للاتفاق لم تكن مفاجئة، بل تأتي في سياق مؤشرات متراكمة كانت تدفع باتجاه ترجيح سيناريو التصعيد على حساب فرص التهدئة والتوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.
وبحسب الديك، فإن المشهد الحالي بات يبتعد تدريجياً عن احتمالات توقيع اتفاق سياسي، مقابل الاقتراب أكثر من خيار المواجهة العسكرية أو الدخول في "المنطقة الرمادية" التي تقوم على معادلة "لا حرب ولا سلم" بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

تيار قوي في إيران يرفض التنازلات

ويوضح الديك أن أحد أبرز أسباب تعثر الاتفاق يتمثل في وجود تيار قوي داخل إيران، تقوده قيادات في الحرس الثوري الإيراني، يرفض تقديم أي تنازلات جوهرية للولايات المتحدة.
وبحسب الديك، فإن هذا التيار ينظر بقلق إلى "اليوم التالي" لأي اتفاق محتمل، خشية أن يفتح الباب أمام مطالبات داخلية بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية جذرية، قد تدفع المواطنين الإيرانيين إلى الشارع للمطالبة بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإحداث تغييرات في طبيعة نظام الحكم القائم.
ويشير الديك إلى أن تصريحات روبيو تعكس وصول المسار التفاوضي إلى "طريق مسدود"، وقد تفتح الباب أمام خيارات أكثر تعقيداً وتشابكاً خلال الفترة المقبلة.

تنفيذ عمل عسكري محدود

ويرجح الديك أن يكون السيناريو الأقرب هو تنفيذ عمل عسكري محدود جرى التفاهم بشأنه بين القيادتين الأمريكية والإسرائيلية، مع وجود بنك أهداف واضح يشمل منشآت حيوية تتعلق بالبنية التحتية والطاقة والمنشآت الاقتصادية الإيرانية، بهدف شلّ مفاصل الاقتصاد الإيراني وتقليص نفوذ الحرس الثوري.
ويلفت الديك إلى أن هناك سيناريو آخر يتمثل في استمرار الحصار البحري الأمريكي والضغوط الاقتصادية لإجبار إيران على تقديم تنازلات، بالتوازي مع استمرار الوساطات، لكن فرص هذا السيناريو تبدو أضعف مقارنة بخيار الضربة المحدودة.

عملية أمريكية واسعة لفتح مضيق هرمز

ويطرح الديك احتمالاً ثالثاً يتمثل في تنفيذ الولايات المتحدة عملية عسكرية واسعة لفتح مضيق هرمز بالقوة والسيطرة على مواقع وجزر إيرانية استراتيجية في الخليج، في إطار ما يعرف بـ"عملية الحرية 2"، معتبراً أنه خيار قائم لكنه أقل ترجيحاً من سيناريو الضربة العسكرية المحدودة.
ويرى الديك أن واشنطن وتل أبيب تسعيان حالياً إلى كسر حالة الجمود السياسي والعسكري عبر ضربة "سريعة وحاسمة" تهدف إلى إحداث اختراق ميداني يجبر إيران على تقديم تنازلات، بما يعزز موقف التيار الإيراني المعتدل بقيادة الرئيس الإيراني، مقابل تقليص نفوذ المرشد والحرس الثوري.

صراع إرادات

ويرى الديك أن الأزمة الحالية باتت تمثل "صراع إرادات" على مستويين؛ داخلياً بين التيار المحافظ والتيار المعتدل في إيران، وخارجياً بين الإرادة الأمريكية–الإسرائيلية الساعية لفرض شروط اتفاق جديد، والموقف الإيراني الرافض لما يعتبره "اتفاق إذعان"، معتبراً أن الولايات المتحدة تتصرف باعتبارها قوة تسعى لفرض شروط المنتصر، فيما يبقى مسار الأحداث مرهوناً بنتائج أي مواجهة ميدانية محتملة قد تعيد رسم ملامح الاتفاق السياسي المقبل.

حجم الإحباط داخل إدارة ترمب

يرى أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الخليل، د. سعيد شاهين، أن حديث روبيو حول رفض إيران للمقترح الأمريكي الأخير يعكس حجم الإملاءات والشروط التي يتضمنها، معتبراً أن هذه الشروط تقترب من تحقيق الهدف الأمريكي–الإسرائيلي المتمثل في فرض ما يشبه "إعلان استسلام" على طهران، وهو أمر غير قابل للتحقق في ظل طبيعة الموقف الإيراني وتعقيدات الصراع القائم.
وبحسب شاهين، فإن الموقف الإيراني الحالي لا يمكن فصله عن التجارب السابقة في العلاقة مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن إيران سبق أن وقعت اتفاقاً مع واشنطن عام 2015، كما خاضت جولات تفاوض أخرى بعد انسحابها من الاتفاق النووي، وكانت على وشك التوصل إلى اتفاق جديد قبل ساعات من اندلاع الحرب، إلا أن ضغوط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دفعت باتجاه بدء جولة جديدة من التصعيد العسكري، أملاً في إسقاط النظام الإيراني وإنهاء قدراته العسكرية المرتبطة بالبرنامجين الصاروخي والنووي.
ويشير شاهين إلى أن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن رفض إيران للمقترح تعكس، في جانب منها، حجم الإحباط داخل إدارة ترمب، في ظل تزايد الضغوط الدولية والخليجية، والمخاوف المتصاعدة من احتمال إقدام إيران على استهداف الأصول الأمريكية والقواعد العسكرية المنتشرة في دول الخليج، وهو ما قد يفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية ويخلق حالة رفض داخل المجتمع الأمريكي للحرب، خاصة مع ارتفاع أسعار المحروقات وتداعياتها الاقتصادية.

إلقاء الكرة في ملعب طهران

ويعتبر شاهين أن تصريحات روبيو تحمل بعداً سياسياً يهدف إلى تحميل إيران مسؤولية أي تصعيد محتمل أو موجة قتال جديدة، عبر إلقاء الكرة في ملعب طهران وإظهارها كطرف يرفض الحلول المطروحة.
ورغم تقديره بأن ترمب لا يرغب حالياً في الذهاب نحو تصعيد عسكري واسع ويفضل الإبقاء على الضغوط الاقتصادية، وخاصة الحصار البحري المفروض على إيران، يحذّر شاهين من أن المنطقة تقف على "صفيح ساخن" قد يقود بالفعل إلى حرب إقليمية أوسع، معتبراً أن هذا السيناريو يتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية الساعية إلى استكمال ما تعتبره مهمة القضاء على النظام الإيراني وإعادة تشكيل شرق أوسط تهيمن عليه إسرائيل.
ويرى شاهين أن سياسة "الضغوط القصوى" التي تنتهجها إدارة ترمب، إلى جانب مساعي نتنياهو لاستئناف الحرب، تخلق بيئة سياسية وأمنية قد تدفع المنطقة نحو مزيد من الدمار وعدم الاستقرار، في حال فشل المساعي الرامية إلى احتواء التصعيد.

إمكانية الذهاب نحو مواجهة عسكرية مفتوحة

وبحسب شاهين، فإن رفض إيران للمقترح الأمريكي يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة، أولها الذهاب إلى مواجهة عسكرية مفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تستهدف ما تبقى من الصف الثاني للقيادة الإيرانية، إلى جانب إعادة استهداف مواقع أمنية وعسكرية ومنشآت نفطية.
ويشير شاهين إلى أن السيناريو الثاني يتمثل في انخراط أطراف أخرى إلى جانب واشنطن وتل أبيب، تحت مبرر الدفاع عن النفس في مواجهة هجمات إيرانية قد تطاول دول الخليج والقواعد الأمريكية المنتشرة فيها.
أما السيناريو الثالث، وفق شاهين، فيقوم على إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل، بالتوازي مع تشديد الحصار الأمريكي بهدف خنق الاقتصاد الإيراني والضغط على الشارع الإيراني للتحرك ضد النظام.

نحو حافة الانفجار المنضبط

يرى الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية، محمد الرجوب، أن تصريحات روبيو بشأن رفض إيران للاتفاق يؤشر إلى انتقال العلاقة بين الطرفين من مرحلة "إدارة التوتر" إلى مرحلة "حافة الانفجار المنضبط".
ويشير الرجوب إلى أن تصريحات روبيو تعكس تعثراً تفاوضياً جديداً، وتكشف عمق الأزمة البنيوية التي تحكم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، موضحاً أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالملف النووي الإيراني وحده، بل باتت تتصل بطبيعة المشروع الإيراني الإقليمي ككل، بما يشمله من نفوذ سياسي وعسكري وشبكات تحالف إقليمية.
ويوضح الرجوب أن التصريحات الأمريكية الأخيرة، سواء الصادرة عن روبيو أو الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، لم تأتِ في سياق تفاوضي طبيعي، بل تعكس بيئة سياسية وأمنية تتسم بتصاعد حدة الاشتباك العسكري غير المباشر، لا سيما في منطقة مضيق هرمز، وسط تهديدات متبادلة وارتفاع مستوى التوتر في الخليج، إلى جانب استمرار الخلافات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وشبكة النفوذ التي بنتها طهران خلال العقدين الماضيين.

تحول نوعي في المقاربة الأمريكية

وبحسب الرجوب، فإن تصريحات روبيو تكشف عن تحول نوعي في المقاربة الأمريكية، إذ لم تعد واشنطن تنظر إلى الملف النووي باعتباره قضية تقنية مرتبطة بمنع تخصيب اليورانيوم أو إنتاج سلاح نووي فحسب، بل باتت تعتبره جزءاً من مشروع قوة إقليمية متكامل.
ويشير الرجوب إلى أن الإدارة الأمريكية تربط أي اتفاق مستقبلي بملفات أخرى تشمل الصواريخ الباليستية، والنفوذ العسكري الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، فضلاً عن شبكة الحلفاء الإقليميين الذين تعتبرهم واشنطن أدوات ضغط إيرانية.
ويرى الرجوب أن هذا التحول يعني انتقال الولايات المتحدة من سياسة "احتواء البرنامج النووي" إلى سياسة "إعادة هندسة السلوك الإيراني"، عبر محاولة تقليص قدرة طهران على التأثير الإقليمي وإعادة ضبط مسارها السياسي والعسكري.

لهذه الأسباب يمكن أن ترفض إيران الاتفاق

في المقابل، تدرك إيران، وفق الرجوب، أن القبول بالشروط الأمريكية لا يعني مجرد تقديم تنازلات تقنية، بل قد يقود إلى تفكيك أدوات الردع التي بنت عليها مشروعها الإقليمي خلال سنوات، ما يفسر رفضها الاتفاق وإصرارها على الفصل بين ملفها النووي والتطورات العسكرية والسياسية الأخرى.
ويشير الرجوب إلى أن التصعيد الخطابي الأمريكي يعكس أيضاً وجود تيار نافذ داخل الإدارة الأمريكية يرى أن الضغط الاقتصادي والعسكري يمثل الوسيلة الوحيدة لدفع إيران نحو تنازلات استراتيجية.

تبرير مرحلة جديدة من التصعيد

ويعتبر الرجوب أن الحديث عن رفض الاتفاق قد يكون تمهيداً سياسياً وإعلامياً لتبرير مرحلة جديدة من التصعيد، خصوصاً في ظل استمرار العقوبات الأمريكية والتحركات العسكرية المتزايدة في الخليج، مع الإبقاء على نافذة تفاوض بشروط أمريكية مشددة.
ويعتبر الرجوب أن أخطر ما في المشهد الحالي يتمثل في دخول المنطقة في معادلة "الردع المتبادل الهش"، حيث تمتلك إيران قدرة على تهديد الملاحة والطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، بينما تمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها تفوقاً عسكرياً قادراً على إلحاق أضرار واسعة بالبنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، ما يجعل التوازن القائم أقرب إلى هدنة مؤقتة قابلة للانهيار في أية لحظة.

رسالة موجهة إلى المجتمع الدولي

ويوضح الرجوب أن تصريحات روبيو تحمل أيضاً رسالة موجهة إلى المجتمع الدولي، ولا سيما أوروبا ودول الخليج والرأي العام الأمريكي، بهدف تحميل إيران مسؤولية فشل المسار التفاوضي وإظهار واشنطن كطرف منح فرصة للحل الدبلوماسي، بينما رفضت طهران الاستجابة، الأمر الذي يوفر غطاءً سياسياً وأخلاقياً لأي تصعيد عسكري أو عقوبات إضافية محتملة.
ويشير الرجوب إلى أن المنطقة تبدو أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة، أولها العودة إلى مفاوضات غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين للتوصل إلى تفاهمات مؤقتة، وثانيها استمرار "الحرب الرمادية" عبر العقوبات والضربات المحدودة والهجمات البحرية، أما السيناريو الأخطر فيتمثل بانزلاق غير محسوب نحو مواجهة إقليمية واسعة نتيجة خطأ عسكري أو سوء تقدير استراتيجي.

اسرائيليات

الإثنين 11 مايو 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس

قلق في تل أبيب من "سيناريو كارثي": تفاهمات أمريكية إيرانية محتملة تثير هواجس الاحتلال

تتصاعد حدة المخاوف داخل المؤسسة الأمنية والسياسية للاحتلال الإسرائيلي، في ظل رصد تحركات دبلوماسية متسارعة تشير إلى إمكانية صياغة تفاهمات جديدة بين الولايات المتحدة وإيران. وترى التقديرات الإسرائيلية أن هذه التحركات قد تفضي إلى اتفاق جزئي يعيد رسم موازين القوى في المنطقة، مما يمنح طهران متنفساً اقتصادياً وسياسياً واسعاً.

وذكرت تقارير عبرية أن تل أبيب تترقب بحذر ثلاثة مسارات محتملة للعلاقة بين واشنطن وطهران، إلا أن المسار الذي يوصف بـ 'السيئ للغاية' هو التوصل إلى اتفاق منقوص. هذا النوع من الاتفاقات قد يرفع العقوبات جزئياً دون ضمان تفكيك البنية التحتية للمشروع النووي الإيراني أو وقف تطوير الصواريخ الباليستية.

واعتبرت مصادر إعلامية أن إعلان إيران مشاركتها في بطولة كأس العالم المقررة في الولايات المتحدة يتجاوز كونه حدثاً رياضياً عابراً. حيث يُنظر إلى هذه الخطوة في الأوساط السياسية كإشارة واضحة على رغبة متبادلة في خفض التصعيد، وربما تمهيد الطريق لإنهاء حالة التوتر القائمة قبل انطلاق المونديال.

وتشير التحليلات إلى أن موافقة واشنطن على استضافة المنتخب الإيراني جاءت نتيجة تفاهمات غير معلنة، ربما لعبت فيها وساطات دولية دوراً محورياً. ومن بين الأسماء المطروحة في هذا السياق رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، الذي يُعرف بعلاقته الوثيقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وتعكس هذه التطورات حالة من التردد في الإدارة الأمريكية الحالية بين خياري التصعيد والتهدئة، وهو ما يثير ريبة تل أبيب. إذ تخشى الحكومة الإسرائيلية أن تدفع الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية في واشنطن نحو إبرام صفقة سريعة لا تلبي المتطلبات الأمنية الجوهرية التي تطالب بها إسرائيل.

السيناريو الأسوأ بالنسبة للاحتلال يتمثل في تخفيف أدوات الضغط الدولية المفروضة على طهران مقابل تنازلات إيرانية شكلية. وترى الدوائر الأمنية أن أي تدفق مالي للنظام الإيراني في هذه المرحلة سيعزز من قدرته على دعم حلفائه في المنطقة وتطوير قدراته العسكرية التقليدية وغير التقليدية.

وتؤكد التقارير أن المخاوف الإسرائيلية تمتد لتشمل غياب الرقابة الصارمة على مستويات تخصيب اليورانيوم في أي اتفاق محتمل. كما أن بقاء ملف الصواريخ بعيدة المدى خارج إطار التفاوض يمثل تهديداً مباشراً للعمق الإسرائيلي لا يمكن التغاضي عنه في أي تسوية إقليمية.

علاوة على ذلك، تسعى طهران وفقاً للتقديرات الإسرائيلية إلى إقحام الملف اللبناني ودور حزب الله ضمن أي تفاهمات مع الإدارة الأمريكية. الهدف من ذلك هو تقليص حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية على الجبهة الشمالية، وفرض قواعد اشتباك جديدة تخدم مصالح المحور الذي تقوده إيران.

وعلى الصعيد الميداني، لا تزال الجبهة الشمالية تشهد حالة استنزاف مستمرة بين جيش الاحتلال وحزب الله دون حسم عسكري واضح. ورغم الاغتيالات التي تنفذها إسرائيل ضد قيادات في الحزب، إلا أن التقارير العبرية تقر بأن هذه العمليات لم تنجح في تغيير موازين القوى على الأرض بشكل جذري.

ويعيش سكان المستوطنات والمدن في شمال إسرائيل، لا سيما في كريات شمونة، حالة من عدم الاستقرار المزمن نتيجة التدهور الأمني. وقد أدى هذا الوضع إلى موجات نزوح واسعة وتراجع حاد في الخدمات الأساسية، مما زاد من الضغوط الشعبية على الحكومة الإسرائيلية لاتخاذ إجراءات حاسمة.

وفي ظل هذه التحديات الخارجية، تواجه الحكومة الإسرائيلية انتقادات لاذعة بسبب انشغالها بملفات داخلية وصراعات قانونية مثيرة للجدل. ويرى مراقبون أن التركيز على التشريعات القضائية والخلافات الحزبية يشتت الجهود عن معالجة القضايا الاستراتيجية الملحة مثل الوضع في الشمال وتكاليف المعيشة.

كما برزت أزمة جديدة تتعلق بتعيين رئيس لجهاز الموساد، حيث تحول الملف إلى ساحة مواجهة بين الحكومة والمؤسسة القضائية. هذا الصراع حول الصلاحيات يثير تساؤلات جدية حول مدى جاهزية القيادة السياسية لإدارة ملفات الأمن القومي الحساسة في توقيت حرج تمر به المنطقة.

وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه تداعيات أحداث السابع من أكتوبر تلقي بظلالها على المشهد السياسي والعسكري في إسرائيل. حيث يطالب الشارع الإسرائيلي بوضوح في الرؤية الاستراتيجية، بعيداً عن المناكفات السياسية التي تضعف الموقف الإسرائيلي أمام التحديات الإقليمية المتزايدة.

ختاماً، تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة دبلوماسية وأمنية معقدة، حيث تخشى أن تجد نفسها وحيدة في مواجهة طموحات إيران الإقليمية. ومع اقتراب موعد الاستحقاقات الدولية، يبقى الترقب سيد الموقف لما ستسفر عنه الاتصالات السرية والعلنية بين واشنطن وطهران في المرحلة المقبلة.

عربي ودولي

الإثنين 11 مايو 2026 9:02 صباحًا - بتوقيت القدس

قمة مرتقبة في بكين: ترمب يبحث ملفات إيران والتجارة والذكاء الاصطناعي مع شي جين بينغ

أعلنت السلطات الصينية رسمياً عن استقبال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في زيارة دولة مرتقبة تمتد من الثالث عشر وحتى الخامس عشر من مايو الجاري. وتأتي هذه الزيارة تلبية لدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ، حيث من المتوقع أن تشهد العاصمة بكين مباحثات مكثفة تتناول قضايا جيوسياسية واقتصادية بالغة التعقيد.

وكان من المقرر إجراء هذه الزيارة في وقت سابق من فصل الربيع، إلا أن البيت الأبيض قرر تأجيلها لمنح الأولوية للتعامل مع تطورات الحرب الإيرانية. ويسعى الجانب الأمريكي من خلال هذه القمة إلى الضغط على بكين لتقليص دعمها الاقتصادي لطهران، خاصة في ظل اعتماد الصين الواسع على النفط الإيراني الرخيص.

وتشكل قضية الطاقة محوراً أساسياً في المباحثات، حيث تعد المصافي الصينية الخاصة، المعروفة بـ 'أباريق الشاي'، المشتري الرئيسي للخام الإيراني. وترى واشنطن أن استمرار هذه التدفقات المالية يضعف من فاعلية الضغوط الدولية المفروضة على النظام الإيراني في ظل الصراع الراهن بالشرق الأوسط.

من جانبها، أكدت الإدارة الأمريكية أن الهدف الاستراتيجي للزيارة هو إعادة التوازن إلى العلاقات الثنائية مع الصين. وصرحت مصادر في البيت الأبيض بأن الأولوية ستكون لمبدأ المعاملة بالمثل والإنصاف التجاري، لضمان استعادة الاستقلال الاقتصادي للولايات المتحدة وحماية مصالحها الحيوية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تتجه الأنظار نحو إمكانية تمديد الهدنة في الحرب التجارية التي اندلعت بين القطبين الكبيرين. ويشمل ذلك ضمان استمرار تدفق المعادن الأرضية النادرة من الصين إلى المصانع الأمريكية، وهو ملف حساس يرتبط بسلاسل التوريد العالمية للصناعات التكنولوجية المتقدمة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن المفاوضين يدرسون إنشاء مجالس متخصصة لتسهيل التجارة والاستثمار المتبادل بين البلدين. ومن المحتمل أن تعلن بكين خلال الزيارة عن صفقات ضخمة لشراء طائرات من شركة بوينغ الأمريكية، بالإضافة إلى تعهدات بزيادة استيراد المنتجات الزراعية ومواد الطاقة من الولايات المتحدة.

ولا تقتصر الأجندة على الاقتصاد التقليدي، بل تمتد لتشمل مخاطر الذكاء الاصطناعي ونماذجه المتقدمة التي تطورها الصين بوتيرة متسارعة. وتعبر واشنطن عن قلقها المتزايد من استخدامات هذه التقنية، وتسعى لفتح 'قناة اتصال' دائمة لتجنب أي نزاعات قد تنشأ عن سوء استخدام الذكاء الاصطناعي.

وفيما يخص الملف النووي، تحاول واشنطن منذ فترة طويلة جر بكين إلى طاولة المفاوضات لمناقشة ترسانتها المتنامية. ومع ذلك، تشير التقارير إلى أن الجانب الصيني لا يزال يبدي تردداً واضحاً، حيث أبلغت بكين مسؤولين أمريكيين بشكل غير رسمي عدم رغبتها في مناقشة الحد من التسلح في الوقت الراهن.

وتعد هذه الزيارة هي الأولى لرئيس أمريكي إلى الأراضي الصينية منذ عام 2017، مما يمنحها ثقلاً دبلوماسياً استثنائياً. وتأتي استكمالاً للقاء الذي جمع الزعيمين في كوريا الجنوبية خلال أكتوبر الماضي، والذي أفضى حينها إلى تهدئة مؤقتة في النزاعات الجمركية المتبادلة.

وتبقى قضية تايوان حاضرة بقوة على طاولة النقاش، حيث تصر بكين على أنها جزء لا يتجزأ من أراضيها، بينما تواصل واشنطن دعمها للجزيرة. ويمثل هذا الملف أحد أكثر النقاط سخونة في العلاقات الدولية، حيث يسعى الطرفان لإدارة الخلاف دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

ويرى مراقبون أن ترمب يهدف من هذه الزيارة إلى تحقيق مكاسب ملموسة يمكن تسويقها للداخل الأمريكي كنجاحات ديبلوماسية واقتصادية. فالتوقعات تشير إلى أن الرئيس الأمريكي لن يكتفي باللقاءات البروتوكولية، بل سيضغط لانتزاع تنازلات صينية في ملفات العجز التجاري وحماية الملكية الفكرية.

وفي سياق متصل، أوضح مسؤولون أمريكيون أن هناك عملاً يجري لتطوير آليات رسمية لمجلس التجارة والاستثمار، رغم أنها قد تحتاج لمزيد من الوقت قبل التنفيذ الفعلي. ويعكس هذا التوجه رغبة في مأسسة العلاقات الاقتصادية لتقليل حدة المفاجآت والقرارات الأحادية التي اتسمت بها المرحلة الماضية.

وعلى الرغم من التفاؤل الحذر بشأن تمديد اتفاقية المعادن الحيوية، إلا أن الغموض لا يزال يكتنف بعض التفاصيل الفنية. وأكدت مصادر مسؤولة ثقتها في الوصول إلى صيغة توافقية قبل انتهاء صلاحية الاتفاق الحالي، مشيرة إلى أن الإعلان الرسمي قد يتم خلال المؤتمر الصحفي الختامي للزيارة.

تأتي هذه التحركات في وقت يشهد فيه العالم استقطاباً حاداً، مما يجعل من التفاهمات بين واشنطن وبكين صمام أمان للاستقرار العالمي. وسيراقب المجتمع الدولي بدقة نتائج هذه القمة، وما إذا كانت ستؤدي إلى انفراجة حقيقية في الملفات العالقة أم ستكتفي بتأجيل الأزمات إلى وقت لاحق.

عربي ودولي

الإثنين 11 مايو 2026 8:02 صباحًا - بتوقيت القدس

خلفيات العدوان على لبنان: هل محاربة حزب الله مجرد ذريعة للتطبيع القسري؟

يشهد لبنان تصعيداً عسكرياً دامياً أسفر عن سقوط مئات الضحايا من المدنيين دون تمييز، وهو ما يكشف بوضوح أن العمليات العسكرية تتجاوز ذريعة محاربة حزب الله. تهدف هذه الضغوط المكثفة إلى كسر الإرادة السياسية للدولة اللبنانية ودفعها نحو قبول مشروع التطبيع الإسرائيلي قسراً، وذلك ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم الخرائط الإقليمية بما يخدم المصالح التوسعية للاحتلال في المنطقة.

وتشير المعطيات البحثية الصادرة عن مراكز دراسات إسرائيلية وأمريكية، مثل معهد دراسات الأمن القومي ومعهد كارنيجي، إلى أن الغالبية العظمى من الشعب اللبناني ترفض السياسات الإسرائيلية جملة وتفصيلاً. هذا الرفض الشعبي يمثل حائط صد منيع أمام محاولات الاختراق السياسي، مما يدفع الاحتلال لاستخدام القوة العسكرية المفرطة كوسيلة وحيدة لمحاولة تغيير هذا الواقع الصلب.

وبحسب نتائج استطلاع المؤشر العربي الصادر في فبراير 2025، فإن 89% من اللبنانيين يرفضون الاعتراف بإسرائيل أو الدخول في أي مسار تطبيعي معها. كما أظهرت الأرقام أن 97% من المستطلعين يرون في إسرائيل تهديداً مباشراً لأمن المنطقة برمتها، ويصنفونها كدولة استعمارية وعنصرية، مما يؤكد أن الموقف اللبناني الرسمي والشعبي ما زال متمسكاً بالثوابت تجاه القضية الفلسطينية رغم الأثمان الباهظة.

وفي مقابل هذه الأغلبية الساحقة، تبرز أصوات محدودة لا تتجاوز 9% تؤيد التوجه نحو التطبيع، وهي نسبة ضئيلة لا تعكس التوجه العام للدولة. ومع ذلك، يستغل الإعلام العبري هذه التعددية اللبنانية لمحاولة تسويق رواية مضللة تفصل بين استهداف المقاومة واستهداف الدولة، بينما تؤكد الوقائع على الأرض أن الهدف هو تقويض سيادة لبنان بالكامل وإخضاعه لمنطق القوة.

وعلى الصعيد الداخلي، يبرز نقاش حول دور الجيش اللبناني في حماية السيادة الوطنية ونزع السلاح بوسائل سياسية وتوافقية بعيداً عن الصدام المباشر. هذا الطرح، رغم قبوله المشروط من بعض الأطراف المحلية، يواجه رفضاً إسرائيلياً قاطعاً، حيث تقوم العقيدة الصهيونية على التوسع المستمر وعدم الثقة في أي ترتيبات أمنية لا تضمن التبعية الكاملة للاحتلال، كما هو الحال في الجولان المحتل والحدود الأخرى.

إن الصمود اللبناني الراهن يمثل معركة وجودية للحفاظ على وحدة الأرض والشعب في مواجهة مشروع 'إسرائيل الكبرى'. ويجد لبنان نفسه اليوم أمام خيارين تفرزهما السياسة الإسرائيلية المتطرفة: إما القبول بالتطبيع وفق الشروط الصهيونية أو مواجهة آلة الإفناء العسكرية، وهو ما يرفضه اللبنانيون رسمياً وشعبياً، مدركين الأبعاد المستقبلية لهذا الصراع على خارطة الشرق الأوسط الجديد.

تحليل

الإثنين 11 مايو 2026 6:14 صباحًا - بتوقيت القدس

بين هدنة هشة واستنزاف مفتوح: الخليج على حافة مواجهة أميركية–إيرانية طويلة

رسالة واشنطن




واشنطن - سعيد عريقات-11/5/2026


تحليل إخباري


رغم الهدنة الهشة التي تم التوصل إليها بوساطة باكستانية بين الولايات المتحدة وإيران، فإن مسار الأحداث في الخليج لا يعكس اتجاهاً نحو التهدئة بقدر ما يكشف انتقال الصراع إلى مرحلة استنزاف طويلة، تتداخل فيها أدوات الدبلوماسية مع الوقائع العسكرية والاقتصادية على الأرض. فالتصعيد البحري، والهجمات بالطائرات المسيّرة، والتوتر المستمر حول مضيق هرمز، جميعها تشير إلى أن المنطقة ما تزال عالقة في حالة مواجهة غير معلنة، تُدار بحدود دقيقة لكنها قابلة للانفجار في أي لحظة، في ظل غياب ثقة متبادلة بين واشنطن وطهران.


في هذا السياق، جاء الرد الإيراني على المقترح الأميركي الأخير عبر الوساطة الباكستانية دون إعلان تفاصيله، بعد أن كانت واشنطن قد طرحت تصوراً تفاوضياً يتضمن إطاراً لإعادة فتح مسار المحادثات حول البرنامج النووي، إلى جانب ترتيبات تتعلق بممرات الملاحة في مضيق هرمز. غير أن هذا المسار السياسي بدا منفصلاً عن الواقع الميداني الذي يتجه نحو مزيد من التعقيد، حيث تتواصل الحوادث الأمنية والاشتباكات غير المباشرة، ما يعكس فجوة متزايدة بين الدبلوماسية والواقع العسكري.


بدوره، تعامل الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرد الإيراني بحدة واضحة، معلناً رفضه له "رفضاً كاملاً" وفق تعبيره، معتبراً أن طهران لم تقدم ما يمكن البناء عليه في أي عملية تفاوضية جادة. هذا الموقف يعكس رؤية أميركية ترى أن إيران تحاول فرض وقائع ميدانية على الأرض قبل الدخول في أي تسوية سياسية، غير أن هذا التشدد في الخطاب لا يخفي في المقابل محدودية الخيارات الأميركية، في ظل إدراك أن أي تصعيد واسع قد يتحول إلى حرب إقليمية معقدة يصعب التحكم في مسارها أو نتائجها.


وفي موازاة ذلك، شهدت المنطقة سلسلة تطورات ميدانية عززت من هشاشة الهدنة القائمة. فقد تم اعتراض طائرات مسيّرة في أكثر من دولة خليجية، وتعرضت سفينة قرب السواحل القطرية لهجوم محدود، كما وقع استهداف في محيط أربيل مرتبط بجماعات معارضة إيرانية. هذه الأحداث، رغم محدوديتها، تعكس استمرار استخدام أدوات الضغط العسكري منخفض الحدة، بما يجعل وقف إطلاق النار الحالي أقرب إلى إدارة مؤقتة للتصعيد منه إلى تسوية فعلية.


ولم تتمكن الولايات المتحدة من فرض معادلة ردع جديدة عبر عملية "مشروع الحرية"، إذ اصطدمت العملية بعقبات إقليمية واضحة، أبرزها رفض المملكة العربية السعودية السماح باستخدام قواعدها أو أجوائها لدعم هذه المساعي في فتح وتأمين مضيق هرمز. هذا الرفض شكل مؤشراً مهماً على تزايد الحذر الإقليمي من الانخراط في مواجهة مفتوحة مع إيران، وعلى تحول في حسابات دول الخليج التي باتت أكثر ميلاً لتجنب الانجرار إلى حرب لا يمكن التنبؤ بنتائجها.


في المقابل، واصلت إيران تعزيز موقعها في معادلة الضغط عبر المضيق، حيث تسعى إلى تحويله إلى ورقة استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة. فطهران تتعامل مع هرمز ليس كممر ملاحي دولي فحسب، بل كأداة سيادية قادرة على التأثير المباشر في الاقتصاد العالمي، من خلال التحكم بحركة السفن وفرض ترتيبات ميدانية جديدة. هذا التطور، إلى جانب الإجراءات الأميركية الموازية لاعتراض السفن المتجهة إلى إيران، أدى إلى حالة ضغط مزدوجة انعكست على حركة التجارة والطاقة.


ولم يكن تراجع الملاحة في مضيق هرمز مجرد تطور تقني، بل تحول إلى أزمة اقتصادية عالمية صامتة، حيث ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين بشكل كبير، وتراجعت حركة ناقلات النفط، فيما بقيت مئات السفن عالقة داخل الخليج. هذا الوضع كشف مجدداً هشاشة النظام الاقتصادي العالمي واعتماده على ممرات بحرية محدودة يمكن أن تتحول بسهولة إلى نقاط اختناق استراتيجية في حال استمرار التصعيد.


في موازاة ذلك، يبقى الملف النووي الإيراني هو العقدة المركزية التي تعيد إنتاج الأزمة. فواشنطن تصر على وقف التخصيب وتفكيك مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، بينما تعتبر طهران أن هذا المخزون يمثل ضمانة استراتيجية لردع أي محاولة لفرض شروط سياسية عليها بالقوة. وهكذا يتحول الخلاف من مسألة تقنية إلى صراع على ميزان الردع الإقليمي، حيث يرتبط مستقبل التفاوض مباشرة بموازين القوة لا بالتفاهمات الفنية.


يشار إلى أن رئيس وزراء إسرائيل ، بنيامين نتنياهو، طالب الولايات المتحدة على برنامج "ستون دقيقة" على شبكة سي.بي.إس نيوز الأحد، باستخلاص اليورانيوم المخصب من إيران بالقوة عبر استخدام قواتها الخاصة. 


التقديرات داخل واشنطن تشير إلى وجود خطط عسكرية محتملة لاستهداف البنية النووية الإيرانية، إلا أن المؤسسة العسكرية تدرك أن أي عملية من هذا النوع قد تتطلب تدخلاً برياً واسعاً، مع احتمالات عالية لتوسع الحرب إلى العراق ولبنان والخليج. هذا الإدراك يفسر الحذر الأميركي في الانتقال من التهديد إلى التنفيذ، رغم استمرار الخطاب التصعيدي من جانب الإدارة.


على المستوى الإقليمي، امتدت تداعيات الأزمة إلى جبهات أخرى، خصوصاً لبنان، حيث استمرت التوترات رغم إعلان ترمب أن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل الساحة اللبنانية. غير أن استمرار الغارات الإسرائيلية يوضح أن الصراع لم يعد محصوراً في الخليج، بل بات شبكة مترابطة من الساحات القابلة للاشتعال المتزامن.


دولياً، بدأت بريطانيا وفرنسا تحركات لتعزيز حماية الملاحة في الخليج، في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الأزمة قد يهدد الاقتصاد العالمي. غير أن هذه التحركات تبقى محدودة، لأنها تعالج الأعراض أكثر مما تعالج جذور الصراع.


في المحصلة، تبدو المنطقة أمام مرحلة استنزاف طويلة، حيث لا تسوية قريبة ولا حسم عسكري واضح، بل إدارة صراع منخفض الحدة قد يطول أمده. وبينما تراهن واشنطن على الضغط، وتراهن طهران على الصمود، تبقى المنطقة كلها في حالة توازن هش قابل للانهيار في أي لحظة.


وتكشف الأزمة الحالية أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد خلافاً حول البرنامج النووي فقط، بل تحول إلى مواجهة شاملة على شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فإيران تسعى إلى تثبيت معادلة ردع تقوم على التحكم بالممرات البحرية ورفع كلفة أي مواجهة عسكرية ضدها، بينما تحاول واشنطن منع هذا التحول لأنه يهدد أسس نفوذها التقليدي في الخليج. هذا التداخل بين الجغرافيا والسياسة يجعل أي تسوية تقنية غير كافية ما لم تُعالج مسألة توزيع القوة في الإقليم بشكل أعمق.


ويعكس رفض المملكة العربية السعودية استخدام قواعدها في عملية "مشروع الحرية" يعكس تحولاً مهماً في الحسابات الإقليمية، حيث باتت دول الخليج أكثر ميلاً لتجنب الانخراط المباشر في صراعات كبرى لا يمكن ضبط نتائجها. هذا التغير لا يعني ابتعاداً عن التحالفات التقليدية، لكنه يعكس إعادة تقييم لمخاطر التصعيد، خصوصاً في ظل إدراك أن أي مواجهة واسعة في الخليج قد تتحول سريعاً إلى تهديد مباشر للاستقرار الاقتصادي والأمني الداخلي للدول الخليجية نفسها، وليس فقط ساحة لصراع القوى الكبرى.


ولعل أخطر ما في المرحلة الحالية هو أن جميع الأطراف تتحرك على أساس افتراض القدرة على ضبط التصعيد ومنع الانفجار الشامل، بينما تشير التجارب التاريخية إلى أن الحروب الكبرى غالباً ما تبدأ من حوادث محدودة وسوء تقدير متبادل. فالتوتر حول مضيق هرمز، والاشتباكات غير المباشرة، والتصريحات التصعيدية، كلها عناصر ترفع احتمالات الخطأ في الحسابات. ومع غياب قناة تفاوض مستقرة وفعالة، يصبح احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائماً، حتى دون قرار سياسي مباشر من أي طرف.

اسرائيليات

الإثنين 11 مايو 2026 5:17 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو يطمح لإنهاء الاعتماد العسكري على واشنطن خلال عقد من الزمن

كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن رؤية استراتيجية جديدة تهدف إلى فك ارتباط المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بالتمويل الأمريكي المباشر. وأوضح نتنياهو في مقابلة إعلامية حديثة أنه يطمح للوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي عسكرياً في غضون عشر سنوات من الآن.

وشدد نتنياهو خلال حديثه لبرنامج '60 دقيقة' على ضرورة تقليص المكون المالي للتعاون العسكري مع واشنطن بشكل تدريجي حتى يصل إلى الصفر. وأشار إلى أن الوقت الراهن يعد مثالياً للبدء في إعادة هيكلة هذه العلاقة المالية التي استمرت لعقود طويلة بين الطرفين.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتلقى فيه إسرائيل دعماً عسكرياً سنوياً ضخماً يقدر بنحو 3.8 مليار دولار، وفقاً لبيانات رسمية. وتستند هذه المبالغ إلى اتفاقية إطارية تم توقيعها سابقاً تضمن تدفق 38 مليار دولار من المساعدات خلال الفترة الممتدة بين عامي 2018 و2028.

وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه لا يرغب في تأجيل هذا الملف أو انتظار تشكيل الكونغرس القادم لاتخاذ خطوات فعلية. وأبدى إصراراً على البدء الفوري في إجراءات التحول المالي، رغم التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها إسرائيل في المرحلة الراهنة.

وتواجه المساعدات العسكرية الإسرائيلية ضغوطاً غير مسبوقة داخل الأوساط السياسية الأمريكية، خاصة بعد تصاعد العدوان على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023. وقد بدأ التوافق التقليدي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول هذا الدعم يشهد تصدعات واضحة في الآونة الأخيرة.

وفي تطور لافت داخل أروقة صنع القرار في واشنطن، شهد مجلس الشيوخ محاولات جدية لعرقلة صفقات أسلحة كانت متجهة إلى إسرائيل. ورغم فشل هذه المحاولات في أبريل الماضي، إلا أنها كشفت عن حجم القلق المتزايد داخل الحزب الديمقراطي تجاه السياسات الإسرائيلية.

وسجلت جلسات التصويت الأخيرة موقفاً تاريخياً، حيث صوت 40 عضواً في مجلس الشيوخ ضد تزويد إسرائيل بالأسلحة. وتعكس هذه الأرقام تحولاً جوهرياً في نظرة المشرعين الأمريكيين لجدوى الاستمرار في تقديم دعم عسكري غير مشروط في ظل استمرار العمليات العسكرية.

ويقود السيناتور بيرني ساندرز جبهة معارضة قوية داخل التيار التقدمي، منتقداً بشدة الهجمات الواسعة التي تستهدف المناطق المدنية في قطاع غزة. ويرى ساندرز أن الحصار المفروض على السكان ومنع وصول الإمدادات الطبية والغذائية يستوجب مراجعة شاملة لسياسة التسليح الأمريكية.

وحذر مراقبون من أن استمرار السياسة الحالية قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد في المنطقة، في ظل غياب شروط واضحة لاستخدام الأسلحة الأمريكية. وتأتي رغبة نتنياهو في الاستغناء عن الدعم كخطوة استباقية محتملة لمواجهة أي قيود مستقبلية قد يفرضها المشرعون في واشنطن.

عربي ودولي

الإثنين 11 مايو 2026 5:17 صباحًا - بتوقيت القدس

كواليس الاختراق: كيف استغلت إسرائيل جغرافيا العراق لإقامة قاعدة عسكرية سرية؟

نجحت قوات الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ اختراق أمني وجغرافي لافت عبر إقامة قاعدة عسكرية سرية ومؤقتة في قلب الصحراء الغربية للعراق. وتهدف هذه الخطوة الاستراتيجية إلى توفير إسناد لوجستي وعملياتي متقدم لسلاح الجو، مما يقلص المسافات الشاسعة التي تتجاوز ألف ميل للوصول إلى الأهداف الحيوية في العمق الإيراني.

وتشير المعطيات إلى أن اختيار الموقع لم يكن عشوائياً، حيث تم استغلال الطبيعة الجغرافية لمحافظة الأنبار وامتداداتها نحو نينوى والنجف وكربلاء. وتُقدر مساحة هذه المنطقة بنحو 240 ألف كيلومتر مربع، ما يجعلها بيئة نائية وقليلة السكان تمنح القوات المعتدية قدرة عالية على التخفي والمناورة بعيداً عن أعين الرقابة التقليدية.

لعب التنسيق مع الولايات المتحدة دوراً محورياً في تأمين الغطاء اللازم لهذه العملية، حيث أفادت مصادر بأن التحرك تم بعلم مسبق من واشنطن. هذا الدعم وفر حماية سياسية وعسكرية حالت دون وقوع اعتراضات دولية أو إقليمية فورية، وسمح للاحتلال بتثبيت معداته في منطقة استراتيجية حساسة دون عوائق تذكر في المراحل الأولى.

ميدانياً، فرضت طائرات الاحتلال ما يشبه الحظر الجوي فوق منطقة القاعدة، حيث نفذت غارات استهدفت وحدات من الجيش العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب. وجاءت هذه الضربات لمنع القوات العراقية من الاقتراب لاستطلاع الموقع بعد وصول بلاغات من رعاة محليين، مما أدى إلى عرقلة أي محاولة لكشف تفاصيل النشاط العسكري في وقت مبكر.

كشفت الحادثة عن فجوات استخباراتية واضحة داخل المنظومة الأمنية، فرغم رصد أحد الرعاة لتحركات غريبة وإبلاغه السلطات، إلا أن هوية القوة ظلت مجهولة لفترة طويلة. هذا الغموض وشح المعلومات الدقيقة تسببا في حالة من التردد الرسمي في التعامل مع الموقف، مما منح قوات الاحتلال وقتاً إضافياً لتنفيذ مهامها المخطط لها.

وفي سياق متصل، أظهر الاختراق ضعفاً في منظومات الدفاع الجوي العراقية التي عانت من قصور في رصد الطائرات والصواريخ الأجنبية التي تنتهك السيادة الوطنية. هذا الانكشاف الجوي مكن طيران الاحتلال من تنفيذ عمليات الإنزال والإمداد بحرية تامة، مستغلاً غياب التغطية الرادارية الفعالة في المناطق الصحراوية المترامية الأطراف.

من جانب آخر، نفى مسؤول أمني رفيع المستوى في تصريحات صحفية صحة الأنباء التي تتحدث عن إنشاء موقع عسكري دائم للاحتلال في الصحراء. ومع ذلك، أقر المسؤول بأن القوات العراقية تصدت في شهر مارس الماضي لعملية إنزال جوي وصفت بـ 'الغامضة' في منطقة صحراء النخيب، مؤكداً أنه تم التعامل مع الموقف في حينه دون الكشف عن هوية الجهة المنفذة.

GENERAL

الإثنين 11 مايو 2026 4:32 صباحًا - بتوقيت القدس

تمويل أوروبي يثير الجدل حول تعديلات قانون الأحوال الشخصية في مصر

أثار ظهور شعار الاتحاد الأوروبي في حلقات نقاشية نظمها المجلس القومي لحقوق الإنسان حول قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر تساؤلات واسعة. وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع إحالة مجلس النواب لمشروع القانون إلى اللجان المتخصصة، وسط سجال مجتمعي حول بنود تمس استقرار الأسرة المصرية.

وشارك في النقاشات أعضاء من مجلسي النواب والشيوخ وممثلو منظمات مجتمع مدني، حيث تركزت المداولات حول صياغة تشريع يهدف لتعزيز الروابط الأسرية. ومع ذلك، لم توضح الجهات المنظمة طبيعة الشراكة الفنية والمالية مع الجانب الأوروبي في صياغة قانون يخص أكثر من 120 مليون مواطن.

وتضمنت المقترحات المطروحة بنوداً وصفت بالمثيرة للجدل، من بينها مقترح النائبة أمل سلامة باستحداث 'نفقة عشرة السنين' كتعويض إضافي للمطلقة. ويرى مراقبون أن هذه المقترحات قد تزيد من الأعباء المالية على الزوج وتفاقم الأزمات الاجتماعية بدلاً من حلها.

ويربط محللون بين هذه التحركات وبرنامج 'تمكين' الذي أطلقه الاتحاد الأوروبي في يونيو 2024 بمنحة تصل إلى 10 ملايين يورو. ويهدف البرنامج المعلن إلى تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً على مدار ثلاث سنوات متتالية.

وتشير وثائق الشراكة بين القاهرة والمفوضية الأوروبية، الموقعة بقيمة 7.4 مليار يورو، إلى بنود تتعلق بالحوكمة وحقوق الإنسان. وتلزم هذه الاتفاقيات الدولة المضيفة بمواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية، وهو ما يفسره البعض بالضغط لتطبيق اتفاقية 'سيداو'.

وكانت مصر قد وقعت على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) منذ عام 1981، لكنها تمسكت بتحفظات جوهرية. وتتعلق هذه التحفظات بالمواد التي تتعارض صراحة مع أحكام الشريعة الإسلامية، وهو الموقف الذي يدعمه الأزهر الشريف بقوة.

وانتقدت الباحثة فاطمة عبد الرؤوف العلاقة المالية بين الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الحقوقية المحلية، واصفة إياها بالمعلنة والموجهة. وأكدت أن الحزم المالية الضخمة ترتبط بتوجهات فكرية وقيمية يسعى المانحون لفرضها ضمن منظومتهم الخاصة، خاصة في قضايا المرأة والأسرة.

وشهدت الندوات الأخيرة تصريحات لممثلي جمعيات نسوية دعت صراحة إلى عدم الالتفات للمرجعيات الفقهية التاريخية في التشريع. وطالب البعض بتبني قوانين مدنية تشبه المعايير الأوروبية، بدعوى أن الدولة يجب أن تكون مدنية في تشريعاتها الأسرية بعيداً عن التراث الديني.

من جانبه، حذر الأكاديمي محمد أحمد عزب من استهداف كيان الأسرة الذي يمثل الدعامة الأساسية للمجتمع الإسلامي. وأوضح أن القوى الدولية تدرك أن الأسرة والتعليم هما مكامن القوة، لذا تسعى لإضعاف أثرهما التربوي عبر تغيير القوانين المنظمة للعلاقات الزوجية.

وأشار عزب إلى أن بعض المنظمات الدولية تُستخدم كأدوات ضغط لاستبدال القوانين الشرعية بأخرى تمنح حقوقاً للعلاقات غير الرسمية. واعتبر أن استغلال حاجة الدول للدعم المالي لفرض تغييرات تشريعية يمثل تهديداً للهوية الثقافية والاجتماعية للبلاد.

وفي سياق متصل، كشفت شهادات لمتطوعين سابقين في مبادرات صحية واجتماعية عن طلب جهات مانحة لبيانات تفصيلية عن الأسر في القرى. وأثارت هذه الطلبات شكوكاً حول محاولات التدخل في المنظومة السكانية والاجتماعية تحت غطاء المساعدات الإنسانية والتنموية.

بدورها، أكدت الدكتورة كاميليا حلمي طولون، رئيسة لجنة الأسرة بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن تمويلات 'تمكين المرأة' تهدف أحياناً لاستقوائها على الرجل. وحذرت من أن بعض المواثيق الأممية تسعى لتفكيك الأسرة عبر التضييق على الزواج الشرعي وتشجيع أنماط بديلة.

وتتضمن مسودة القانون الجديد مواداً تحظر الطلاق الشفوي وتضع قيوداً مشددة على التعدد، مع منح الزوجة حق فسخ العقد قضائياً. كما تشمل البنود استمرار الحضانة للأم حتى في حال زواجها من أجنبي، وهو ما يراه منتقدون مخالفة صريحة للأعراف الفقهية المستقرة.

ويبقى الجدل قائماً في الأوساط المصرية حول مدى قدرة البرلمان على موازنة الضغوط الدولية والتمويلات الخارجية مع الثوابت الدينية. ويطالب قانونيون بضرورة الشفافية في مصادر تمويل الندوات التشريعية لضمان استقلال القرار الوطني بعيداً عن الأجندات العابرة للحدود.

فلسطين

الإثنين 11 مايو 2026 3:20 صباحًا - بتوقيت القدس

إسراء جعابيص ترد على 'نيويورك بوست': لست إرهابية وتشويه ملامحي يشبه تشويه الرواية الفلسطينية

بملامح تختزل سنوات من القهر والألم الجسدي، أطلت الأسيرة الفلسطينية المحررة إسراء جعابيص في رسالة مصورة وجهتها إلى طلاب جامعة بيركلي في الولايات المتحدة الأمريكية. حاولت جعابيص من خلال كلماتها الهادئة أن تنقل صوتاً فلسطينياً يؤمن بالعدالة والإنسانية، بعيداً عن لغة الوجع التي التصقت بجسدها منذ إصابتها بحروق بالغة سبقت سنوات اعتقالها الطويلة في سجون الاحتلال.

لم تمضِ ساعات على رسالة الامتنان التي وجهتها للمتضامنين مع القضية الفلسطينية، حتى شنت صحيفة 'نيويورك بوست' الأمريكية هجوماً حاداً عليها، واصفة إياها بـ 'الانتحارية الفاشلة'. هذا الوصف أثار موجة عارمة من الغضب والانتقادات، معتبرين أن الصحيفة تمارس تضليلاً إعلامياً يفتقر لأدنى معايير المهنية والإنسانية تجاه امرأة عانت الويلات خلف القضبان.

وفي تصريحات لمصادر إعلامية، عبرت جعابيص عن مرارتها من اختزال قصتها الإنسانية في عناوين صحفية قاسية ومجردة من الحقيقة. وأكدت أن ما نشرته الصحيفة الأمريكية يفتقر للمصداقية، مشيرة إلى أن الرواية الفلسطينية تتعرض للتغييب المتعمد والممنهج، تماماً كما غُيبت معاناة آلاف الفلسطينيين خلف الروايات الدولية المنحازة للاحتلال.

وشددت جعابيص على أن الجهات التي تهاجمها اليوم تتجاهل الطرف الأساسي المتسبب في كل هذا الضرر الجسدي والنفسي الذي لحق بها. ورفضت بشكل قاطع وصفها بـ 'الإرهابية'، مؤكدة أنها صاحبة حق وقضية عادلة، وأن ما تعرضت له من تشويه في ملامحها الجسدية ما هو إلا انعكاس لما تتعرض له فلسطين بأكملها من محاولات طمس للهوية وتزوير للحقائق.

واعتبرت الأسيرة المحررة أن الحروق التي غيرت ملامح وجهها تشبه إلى حد كبير ما يحاول الإعلام المنحاز فعله بالرواية الفلسطينية. وقالت بلهجة واثقة: 'كما شوهوا معالمي، حاولوا تشويه الرواية الفلسطينية أيضاً'، في إشارة إلى أن الدفاع عن صورتها الشخصية هو جزء لا يتجزأ من الدفاع عن صورة الشعب الفلسطيني أمام العالم.

ورغم قسوة الهجوم الإعلامي، رأت جعابيص في الحراك الطلابي داخل الجامعات الأمريكية بصيص أمل لاستعادة الحقوق المسلوبة. وأعربت عن تأثرها البالغ بحجم التفاعل الذي لاقته رسالتها، مؤكدة أن هذا التضامن العالمي أعاد إليها الإيمان بأن الضمير الإنساني بدأ يستيقظ، وأن هناك جيلاً جديداً بات يرى الحقيقة بعيداً عن القوالب الجاهزة.

ودعت جعابيص وسائل الإعلام العالمية والإسرائيلية إلى تحري الدقة والمصداقية قبل إطلاق الأحكام الجائرة على الضحايا. وتساءلت بمرارة: 'عندما تصف شخصاً بالإرهابي، هل بحثت فعلاً في قصته؟ هل عرفت إن كان ظالماً أم مظلوماً؟'، مشيرة إلى أن عصر التعتيم قد انتهى وأن العالم بات اليوم أكثر قدرة على رؤية الجرائم المرتكبة في فلسطين بوضوح.

ختمت جعابيص حديثها بالتأكيد على انتصارها الشخصي المتمثل في قدرتها على الوقوف مجدداً واستعادة قوتها بعد سنوات من السجن والعلاج المرير. وأكدت أنها ستواصل حياتها حاملة ندوبها كأوسمة فخر، ممتنة لكل من ساهم في إيصال صوتها وصوت قضيتها إلى المحافل الدولية، قائلة إن 'اللي ما كان شايف، صار شايف اليوم'.

فلسطين

الإثنين 11 مايو 2026 3:19 صباحًا - بتوقيت القدس

خطة أممية لتدوير 60 مليون طن من ركام غزة لفتح الطرق المدمرة

تتصاعد الجهود الدولية الرامية إلى معالجة الآثار الكارثية التي خلفتها الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، حيث كشف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن مساعٍ حثيثة لإعادة تدوير نحو 60 مليون طن من الركام. وتهدف هذه المبادرة إلى تحويل مخلفات المنازل والمنشآت المدمرة إلى موارد أولية تُستخدم في رصف الشوارع المتهالكة وتسهيل حركة القوافل الإغاثية. وأكدت مصادر أممية أن هذه الخطوة تعد ضرورة ملحة لضمان استمرارية العمل الإنساني في ظل الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية.

وأوضح أليساندرو مراكيتش، مدير مكتب البرنامج الإنمائي أن الخطة تعتمد على تشغيل كسارات ضخمة في خمسة مواقع استراتيجية موزعة على مناطق القطاع لمعالجة كميات الركام الهائلة. وتستهدف هذه العملية في مرحلتها الأولى فتح الممرات الحيوية التي أغلقها الركام، مما يمهد الطريق أمام عمليات إعادة الإعمار المستقبلية. وتأتي هذه التحركات في وقت تعاني فيه غزة من شلل شبه كامل في حركة التنقل نتيجة تراكم الأنقاض في الشوارع الرئيسية والفرعية.

من جانبها، أشارت مصادر في بلدية غزة إلى أن حجم الدمار الذي لحق بشبكة الطرق غير مسبوق، حيث دمر الاحتلال الإسرائيلي ما يزيد عن 830 كيلومتراً من الطرقات بشكل كلي. وأوضحت المصادر أن عمليات التسوية المبدئية التي تجري حالياً هي محاولة لربط الأحياء المنكوبة ببعضها البعض، إلا أن غياب المعدات الثقيلة المتطورة يحد من سرعة الإنجاز. وتواجه هذه الجهود تحديات لوجستية كبيرة بسبب القيود المفروضة على دخول الآليات اللازمة عبر المعابر.

ورغم هذه المساعي الإنسانية، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي وضع العراقيل أمام طواقم العمل، بالتزامن مع استمرار القصف المتقطع الذي يهدد حياة العاملين في الميدان. وأفادت مصادر ميدانية بأن إزالة الركام تتطلب بيئة آمنة ومعدات تخصصية يمنع الاحتلال دخولها بذريعة الاستخدام المزدوج. هذا التعنت يؤدي إلى إبطاء وتيرة العمل ويزيد من معاناة مئات الآلاف من النازحين الذين ينتظرون العودة إلى مناطقهم وتفقد منازلهم المدمرة.

وعلى الصعيد الميداني، لم تتوقف الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، حيث استهدفت غارة جوية مؤخراً منزلاً سكنياً في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة. وأسفر الهجوم عن إصابة تسعة مواطنين بجروح متفاوتة، بالإضافة إلى إلحاق أضرار جسيمة بنحو 32 منزلاً مجاوراً. وتؤكد هذه الاعتداءات هشاشة الوضع الأمني واستمرار استهداف المدنيين وممتلكاتهم رغم التفاهمات الدولية المعلنة لوقف العدوان.

وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الصحة في غزة عن ارتفاع حصيلة الشهداء نتيجة الخروقات الإسرائيلية منذ بدء سريان الاتفاق إلى 850 شهيداً، بعد انتشال جثامين جديدة من تحت الأنقاض. ومع هذه الأرقام الجديدة، قفز إجمالي عدد ضحايا حرب الإبادة الجماعية منذ أكتوبر 2023 إلى 72 ألفاً و736 شهيداً. وتعكس هذه الإحصائيات المروعة حجم المأساة الإنسانية المستمرة، في ظل وجود آلاف المفقودين الذين لا تزال جثامينهم عالقة تحت أطنان الركام التي تسعى الأمم المتحدة لإزالتها.

فلسطين

الإثنين 11 مايو 2026 3:18 صباحًا - بتوقيت القدس

"بأي ذنب هدمت؟".. إصدار جديد يوثق مأساة عائلة فلسطينية أُبيدت في غزة

في إصدار أدبي وتوثيقي جديد يحمل عنوان 'بأي ذنب هدمت؟'، تفتح الكاتبة والأخصائية الاجتماعية هنادي طه سكيك جراحاً غائرة لم تندمل بعد، مسجلةً شهادتها كواحدة من الناجيات من حرب الإبادة في قطاع غزة. الكتاب ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو محاولة لتفكيك نفسية الحرب من قلب الفاجعة التي أفقدت الكاتبة 22 فرداً من عائلتها، بينهم زوجها وابنها وأحفادها ووالدتها.

تتنقل سكيك في نصها بين دور الراوي والشاهد، حيث انتشلت من تحت الركام بأعجوبة لتبدأ رحلة البحث عن إجابات لـ 70 سؤالاً جوهرياً حول الفقد والنجاة. الكتاب يدمج بين أدب السيرة الذاتية والأرشيف الإنساني الواسع، موثقاً تفاصيل القصف والنزوح والمجازر التي تعرضت لها عائلتها وسكان القطاع بشكل عام.

بدأت فصول المأساة الشخصية للكاتبة في التاسع من أكتوبر 2023، حين دمر الاحتلال منزلها الأول، لتبدأ رحلة نزوح قادتها إلى بيت ابنها ثم منزل والدها. وفي الثالث عشر من نوفمبر، وقعت الفاجعة الكبرى بقصف المنزل الذي كان يضم 50 شخصاً، مما أدى لإبادة عائلتها بالكامل ولم يتبقَّ سواها وأحد إخوتها.

تصف الكاتبة لحظات مكوثها في مستشفى المعمداني وهي في حالة ذهول بين الوعي والغيبوبة، قبل أن تضطر للإخلاء قسراً تحت تهديد القصف. هذه التجربة القاسية دفعتها في يناير 2024 للبدء في تدوين الكتاب، ليس بهدف البكاء فحسب، بل لتوثيق الوجع صوتاً واسماً وإعادة المأساة حية في ذاكرة العالم.

يطرح الكتاب تساؤلات فلسفية ونفسية عميقة، من بينها 'هل يشعر البيت بالخوف قبل قصفه؟'، في محاولة لسبر أغوار العلاقة بين الإنسان والمكان. وتجيب سكيك بأن الروح تمر بمراحل من الإنكار والغضب وصولاً إلى الحزن الذي يحول كل تفصيل صغير في المنزل إلى شاهد موجع على الغياب.

من منظور تخصصها كأخصائية اجتماعية، تحلل سكيك الآثار النفسية المركبة للحرب، مشيرة إلى اضطرابات ما بعد الصدمة والقلق المزمن الذي يفتك بالأمهات والأطفال. وتؤكد أن الضغط النفسي المستمر ولد 'سلوكيات بقاء' قاسية وحالة من اللامبالاة الناتجة عن اليأس العام وفقدان الشغف بالمستقبل.

يتطرق الكتاب أيضاً إلى الانهيار الكامل للبنية التحتية والنسيج المجتمعي، محذراً من كوارث بيئية وصحية نتيجة تراكم الأنقاض وتلوث المياه. وتوضح الكاتبة أن الاعتماد الكلي على المساعدات في ظل البطالة والفقر المدقع خلق واقعاً اقتصادياً مأساوياً لم يشهده القطاع من قبل.

وفي فصل نقدي هام، تفكك سكيك الدعاية الإعلامية للاحتلال، وكيفية استخدام مصطلحات لتلطيف الجرائم مثل 'الممر الآمن' و'الإخلاء الأمني'. وترى أن هذه اللغة تهدف إلى تبرير التهجير القسري وجعل تدمير المدنيين يبدو كعمليات عسكرية مشروعة في نظر المجتمع الدولي.

يوثق الكتاب كذلك معاناة الأسرى داخل سجون الاحتلال، ناقلاً شهادات حول العزلة المطلقة وحملات التنكيل الجسدي والنفسي الممنهجة. ويشير النص إلى أن سياسة التجويع أصبحت أداة أساسية لكسر كرامة الأسرى وسلبهم أبسط حقوقهم الإنسانية خلال فترة اعتقالهم.

لم يغفل الكتاب الجانب الإحصائي، حيث استندت سكيك إلى بيانات رسمية توثق حصيلة الضحايا حتى مطلع أبريل 2024، مشيرة إلى ارتقاء عشرات الآلاف من الشهداء. وتبرز الأرقام أن الأطفال دفعوا الثمن الأكبر، حيث سُجل استشهاد أكثر من 21 ألف طفل وإصابة الآلاف بجروح وبتر للأطراف.

وعلى صعيد الخسائر المادية، رصد الكتاب تضرر نحو 410 آلاف وحدة سكنية، ما يعني فقدان مئات الآلاف من العائلات لمأواهم الوحيد. كما وثقت الكاتبة استهداف المعالم الدينية، حيث دمر الاحتلال أكثر من ألف مسجد بشكل كلي، في إطار تدمير الهوية الثقافية والدينية للمكان.

تعتبر سكيك أن تدوين هذه الحقائق هو واجب أخلاقي تجاه الشهداء الذين لا تزال جثامين بعضهم، ومنهم زوجها ونجلها، تحت أنقاض منزلهم المدمر. وتؤكد أن الكتابة هي الوسيلة الوحيدة لترميم شتات النفس ومواصلة الحياة رغم ثقل الفقد الذي لا يمكن وصفه بالكلمات.

يختتم الكتاب بطرح أسئلة أخلاقية كبرى حول مفهوم العدالة الدولية ومعنى النجاة في زمن الإبادة الجماعية. ويبقى النص صرخة إنسانية تطالب العالم بالنظر إلى الضحايا كبشر لهم أحلام وعائلات، وليس مجرد أرقام في تقارير إخبارية عابرة.

إن 'بأي ذنب هدمت؟' يمثل أرشيفاً حياً للألم الفلسطيني، يمزج بين التحليل العلمي والشهادة العاطفية الصادقة. وهو دعوة لكل قارئ لاستيعاب حجم المأساة التي يعيشها سكان غزة، وكيف يعيد الإنسان تشكيل نفسه من وسط الركام والرماد.

فلسطين

الإثنين 11 مايو 2026 3:18 صباحًا - بتوقيت القدس

مستوطنون يجبرون عائلة فلسطينية على نبش قبر فقيدها جنوب جنين تحت تهديد السلاح

تعرضت بلدة العصاعصة الواقعة إلى الجنوب من محافظة جنين لحادثة مأساوية هزت الشارع الفلسطيني، حيث أقدمت مجموعات من المستوطنين على إجبار عائلة فلسطينية على نبش قبر فقيدها المسن حسين عصاعصة، البالغ من العمر 85 عاماً. وجاءت هذه الخطوة القسرية بعد ساعات قليلة من مواراة الجثمان الثرى، في مشهد يعكس تصاعد الانتهاكات التي تستهدف الوجود الفلسطيني حتى في المقابر.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الاعتداء بدأ حينما هاجم مستوطنون من مستوطنة 'صنور' موكب التشييع بوابل من الحجارة، مما أدى إلى تحطيم عدد من مركبات المشيعين. ورغم تواجد قوات جيش الاحتلال في المكان، إلا أنها لم تحرك ساكناً لوقف الهجوم، بل وفرت الغطاء للمستوطنين الذين شرعوا لاحقاً في تهديد العائلة بنبش القبر وإلقاء الجثمان بشكل مهين إذا لم يتم نقله فوراً.

وأمام التهديدات المباشرة ومنع جنود الاحتلال للأهالي من الدفاع عن حرمة القبر، اضطر سبعة من شبان العائلة المكلومة إلى نبش القبر بأيديهم واستخراج جثمان الفقيد. وتم نقل الجثمان في ظروف قاسية لإعادة دفنه في مقبرة قرية الفندقومية المجاورة، وذلك بذريعة قرب المقبرة الأصلية من بؤرة 'ترسلة' الاستيطانية التي أعيد بناؤها مؤخراً.

من جانبه، وصف رئيس مكتب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين، أجيث سونغاي، الواقعة بأنها 'مروعة' وتكشف عن مستوى غير مسبوق من سلب الإنسانية. وأوضح سونغاي أن العائلة كانت قد حصلت على كافة التصاريح الرسمية اللازمة للدفن في تلك المقبرة، التي لا تبعد سوى 300 متر عن المستوطنة، مما يفند ادعاءات الاحتلال بشأن عدم قانونية الدفن.

وفي سياق الردود السياسية، شبه النائب أحمد الطيبي هذه الممارسات بما كان يقترفه النازيون في القرن الماضي، مؤكداً أن الهدف من هذه الجرائم هو كسر الروح المعنوية للفلسطينيين الأحياء عبر تدنيس كرامة موتاهم. وأشار الطيبي إلى أن التنسيق المسبق مع سلطات الاحتلال لم يحمِ القبر من التدنيس، مما يثبت زيف ادعاءات الجيش حول الالتزام بالقيم الأخلاقية.

وعلى الصعيد الإعلامي، حاولت القناة الثانية عشرة العبرية تصوير الحادثة كخروج عن النص، ناقلةً تصريحات عن جيش الاحتلال يدعي فيها إدانته للمساس بحرمة الموتى. إلا أن شهادات العيان والتقارير الميدانية أكدت أن الجنود كانوا شركاء فعليين في الجريمة عبر منع العائلة من حماية القبر وتوفير الحماية للمستوطنين أثناء تنفيذ اعتداءاتهم.

وعبر الكاتب أحمد نزال عن حالة القهر التي تعيشها العائلات الفلسطينية في ظل تمدد المستوطنات، مشيراً إلى أن 'الراحة الأخيرة' لم تعد مضمونة للفلسطيني في أرضه. وأكد نزال أن إجبار عائلة على انتشال جثمان فقيدها بيديها يمثل مأساة تفوق وجع الفقد، وتكشف عن الوجه الحقيقي للاحتلال الذي يطارد الفلسطينيين حتى بعد رحيلهم عن الحياة.

فلسطين

الإثنين 11 مايو 2026 3:17 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي دامٍ جنوب لبنان: 6 شهداء وسلسلة غارات تخرق التهدئة

شهدت مناطق جنوب لبنان ليلة دموية جديدة إثر سلسلة من الغارات الجوية والقصف المدفعي الإسرائيلي المكثف، مما أسفر عن ارتقاء ستة شهداء بينهم مسعفان متطوعان. وتأتي هذه التطورات الميدانية في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق التهدئة الذي دخل حيز التنفيذ في نيسان الماضي، حيث طالت الاستهدافات تجمعات سكنية ومرافق حيوية.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الطيران الحربي شن غارة عنيفة على بلدة كفرا التابعة لقضاء بنت جبيل، بالتزامن مع استهداف قرية سجد بغارة أخرى تسببت في تضرر شبكة الطاقة. وقد أدى هذا القصف إلى انقطاع كامل للتيار الكهربائي عن منطقة جبل الريحان، مما زاد من معاناة الأهالي في تلك المناطق الجبلية.

وفي قضاء مرجعيون، تعرضت بلدة مجدل سلم لقصف مدفعي مركز، فيما طالت الغارات بلدة صريفا ومنطقة الصليب الواقعة بين بلدتي عيتيت وقانا في قضاء صور. وتوزعت الهجمات الجوية لتشمل بلدات حاريص ودير الزهراني، حيث نفذت الطائرات خمس غارات متتالية على الأخيرة، سقط في إحداها صاروخ لم ينفجر.

وامتدت رقعة العدوان لتصل إلى قضاء النبطية، حيث أكدت مصادر محلية وقوع غارة إسرائيلية استهدفت بلدة حبوش، مما أحدث دماراً واسعاً في الممتلكات. وتزامن ذلك مع تحليق مكثف للطيران الاستطلاعي والمسير في أجواء الجنوب، وسط مخاوف من توسع رقعة الاستهدافات لتشمل مراكز حضرية أكثر عمقاً.

من جانبه، أعلن حزب الله عن تنفيذ سلسلة من العمليات العسكرية النوعية رداً على الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة بحق المدنيين. وأوضح الحزب في بيانات متلاحقة أنه استهدف تجمعاً لجنود الاحتلال في بلدة الخيام الحدودية باستخدام سرب من المسيّرات الانقضاضية التي أصابت أهدافها بدقة.

كما شملت عمليات الرد استهداف تجمع آخر لقوات الاحتلال عند منطقة خلة راج في بلدة دير سريان بمسيّرة انقضاضية أخرى. وأكدت المصادر العسكرية التابعة للحزب أن هذه العمليات تأتي في إطار الدفاع عن الأراضي اللبنانية ومواجهة محاولات التوغل البري التي تنفذها وحدات جيش الاحتلال.

وفي تطور ميداني بارز، كشف الحزب عن تدمير دبابة من طراز ميركافا في بلدة البياضة بعد استهدافها بمحلقة انقضاضية، بالإضافة إلى قصف مقر قيادي مستحدث للاحتلال في ذات البلدة بصلية صاروخية. وتعكس هذه العمليات قدرة المقاومة على رصد وتحييد التحركات الإسرائيلية في المناطق الحدودية المتوترة.

ولم تتوقف العمليات عند هذا الحد، بل شملت استهداف موقع بلاط المستحدث وتجمعاً للجنود قرب مرفأ الناقورة باستخدام أسراب من المسيّرات. وتؤكد هذه الضربات المكثفة على استراتيجية استنزاف القوات الإسرائيلية المتمركزة في النقاط الحساسة والمواقع المستحدثة التي أنشأها الجيش مؤخراً.

وتشير المعطيات الرسمية اللبنانية إلى أن العدوان الموسع المستمر منذ مارس الماضي قد تسبب في كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث نزح أكثر من 1.6 مليون شخص من ديارهم. ويمثل هذا الرقم نحو خمس سكان لبنان، الذين يعانون من ظروف معيشية صعبة في ظل تدمير البنية التحتية والمساكن في عشرات القرى.

وعلى الرغم من إعلان هدنة مؤقتة في 17 أبريل الماضي وتمديدها لاحقاً، إلا أن الواقع الميداني يثبت عدم التزام الجانب الإسرائيلي ببنودها. وتواصل قوات الاحتلال عمليات التفجير الممنهج للمنازل والتوغل لمسافات تصل إلى 10 كيلومترات داخل الحدود، مما يهدد بانهيار كامل لأي مساعٍ دبلوماسية للتهدئة.

فلسطين

الإثنين 11 مايو 2026 2:03 صباحًا - بتوقيت القدس

الرئيس الكولومبي يهاجم نتنياهو ويشبهه بـ 'سفاح' الاستعمار الإسباني هيرنان كورتيس

شن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو هجوماً دبلوماسياً جديداً على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث وضعه في سياق تاريخي مع شخصيات ارتكبت مجازر كبرى. واعتبر بيترو في تدوينة له أن نتنياهو يمثل نموذجاً معاصراً للإبادة الجماعية، مشبهاً إياه بالمستكشف الإسباني هيرنان كورتيس الذي قاد الغزو الإسباني للأميركيتين.

وأوضح الرئيس الكولومبي أن السجل التاريخي لضحايا القتل الممنهج الذين سقطوا على يد الزعيم النازي أدولف هتلر وهيرنان كورتيس يقدر بالملايين، وهو ما يجعلهما في مرتبة واحدة من حيث الجرم. وتأتي هذه التصريحات في إطار الموقف المتصلب الذي تتخذه كولومبيا تجاه السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خاصة منذ اندلاع الحرب الأخيرة.

جاءت هذه الردود تعقيباً على سجال سياسي اندلع بين المكسيك وإسبانيا، بعد أن دافعت رئيسة منطقة مدريد، إيزابيل دياز أيوسو، عن إرث الغزو الإسباني وشخصية كورتيس. وقد استغل بيترو هذا الجدل ليسلط الضوء على ما وصفه بـ'جرائم الإبادة' التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، رابطاً بين العقلية الاستعمارية القديمة والواقع الحالي.

وتشير المعطيات التاريخية إلى أن منطقة أميركا الوسطى شهدت كارثة ديموغرافية عقب وصول كورتيس عام 1519، حيث تراجع عدد السكان الأصليين من نحو 30 مليون نسمة إلى أقل من مليوني نسمة فقط. وتعزو المصادر التاريخية هذا الانهيار إلى سلسلة من المجازر الوحشية والأوبئة التي رافقت 'الكونكويستا' أو الغزو الإسباني، وهو ما استحضره بيترو في مقارنته.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، لا تزال تداعيات الماضي الاستعماري تلقي بظلالها على العلاقات بين مدريد ودول أمريكا اللاتينية، رغم محاولات رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لتطبيع العلاقات. وكان الرئيس المكسيكي السابق أندريس مانويل لوبيز أوبرادور قد طالب صراحة باعتذار ملكي إسباني عن انتهاكات الغزو، وهو الطلب الذي قوبل بالرفض والصمت من جانب القصر الملكي.

وفي السياق الفلسطيني، ربطت التقارير بين هذه التصريحات السياسية والواقع الميداني في قطاع غزة، حيث تواصل قوات الاحتلال شن حرب مدمرة منذ أكتوبر 2023. وقد أسفرت هذه العمليات العسكرية المستمرة عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد عن 172 ألفاً آخرين، في حصيلة تظهر حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة.

وتؤكد الإحصائيات الميدانية أن العدوان الإسرائيلي لم يكتفِ بالخسائر البشرية، بل امتد ليشمل تدميراً ممنهجاً للبنية التحتية المدنية بنسبة وصلت إلى 90%. وتعتبر دول مثل كولومبيا أن هذه الممارسات ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب والإبادة الجماعية، مما دفعها لاتخاذ مواقف دولية حادة تطالب بمحاسبة قادة الاحتلال أمام المحاكم الدولية.

عربي ودولي

الإثنين 11 مايو 2026 1:32 صباحًا - بتوقيت القدس

إعادة هيكلة في دمشق: الشرع يزيح شقيقه من أمانة الرئاسة ويضخ دماءً شابة في الحكومة والمحافظات

أطلق الرئيس السوري أحمد الشرع قطار التغييرات الحكومية والإدارية عبر سلسلة من المراسيم التي طالت مناصب سيادية وحساسة في الدولة السورية. وقد أحدثت هذه الخطوة حالة من الارتياح الأولي في الشارع السوري، الذي يترقب تحسينات ملموسة في الملفات المعيشية والاجتماعية الضاغطة.

تضمنت المراسيم تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى، البالغ من العمر 39 عاماً، في منصب أمين عام رئاسة الجمهورية، ليحل محل ماهر الشرع، شقيق الرئيس السوري. ويعد الأعمى من الكفاءات التي برزت في إدارة محافظة حمص، كما شغل سابقاً حقيبة التنمية والشؤون الإنسانية في حكومة الإنقاذ.

وعلى الصعيد الوزاري، شمل التعديل حقيبتي الإعلام والزراعة، حيث تم تعيين خالد فواز زعرور وزيراً للإعلام. ويحمل زعرور، وهو في السادسة والثلاثين من عمره، شهادة الدكتوراه في الإعلام الرقمي، وكان يشغل منصب عميد كلية الإعلام بجامعة دمشق.

وفي قطاع الزراعة المرتبط بالأمن الغذائي، عُين باسل حافظ السويدان وزيراً جديداً خلفاً لأمجد بدر. السويدان الذي يبلغ من العمر 42 عاماً، كان يشغل منصب معاون الوزير ومدير قطاع الزراعة في الصندوق السيادي، ويُعرف بدوره في لجان مكافحة الكسب غير المشروع.

امتدت التغييرات لتشمل الإدارة المحلية في أربع محافظات رئيسية هي حمص واللاذقية ودير الزور والقنيطرة. وقد تميزت هذه التعيينات باختيار شخصيات من الفئة الشابة، حيث تراوحت أعمار المحافظين الجدد بين 36 و48 عاماً، في إشارة إلى رغبة القيادة في ضخ دماء جديدة.

في محافظة حمص، تم تعيين العميد مرهف خالد النعسان محافظاً جديداً، وهو الذي كان يشغل منصب قائد الأمن الداخلي في المدينة. ويُنظر إلى النعسان كأحد المساهمين في استقرار المحافظة وتراجع معدلات الجريمة، فضلاً عن كونه مطلعاً على سياسات سلفه الأعمى.

أما في دير الزور، فقد تسلم زياد فواز العايش مهام المحافظ، وهو الذي برز اسمه كمبعوث رئاسي لمتابعة الاتفاقات مع 'قوات سوريا الديمقراطية'. ويمتلك العايش خبرة واسعة في صياغة اتفاقيات التسوية وتنظيم استلام المؤسسات المدنية في المناطق الشرقية.

وفي القنيطرة، تم تعيين غسان إلياس السيد أحمد محافظاً، بعد أن كان يشغل ذات المنصب في دير الزور منذ مطلع عام 2025. ويحمل السيد أحمد خلفية قانونية قوية، حيث يحمل الماجستير في القانون الدولي ودبلوماً في العلوم الجنائية.

يرى مراقبون أن هذه التعديلات ليست مجرد تغيير في الأسماء، بل هي رسالة سياسية تهدف إلى تصحيح الأداء الحكومي واختبار آليات التغيير في المرحلة الانتقالية. كما تعكس الاهتمام بملفات حساسة مثل الخطاب الإعلامي والأمن الغذائي والإدارة المحلية.

أكدت مصادر مطلعة أن استبدال شقيق الرئيس في أمانة الرئاسة يهدف إلى تخفيف الحساسية الشعبية تجاه الروابط العائلية في مراكز القرار. وتأتي هذه الخطوة استجابة لبعض الإشارات النقدية التي تطالب ببناء شرعية المرحلة على أساس الكفاءة والرموز الوطنية.

لقيت تجربة الإدارة في حمص إشادة واسعة، حيث نجح الفريق الإداري السابق في تجنيب المحافظة شبح الانفجار الطائفي وإعادة إطلاق المؤسسات الخدمية. ويُعتقد أن ترقية محافظ حمص السابق إلى أمانة الرئاسة تهدف إلى تعميم هذه التجربة الناجحة على مستوى الدولة.

أشارت مصادر من مدينة حمص إلى أن الأسلوب المتبع اعتمد على الانفتاح على كافة المكونات الطائفية والاجتماعية دون إقصاء. وقد ساهم هذا النهج في تعزيز التعايش السلمي وإعادة دمج العائدين من الشمال السوري مع السكان الذين بقوا في المدينة.

لا تزال التوقعات تشير إلى أن هذه التعديلات قد تكون مقدمة لإعادة هيكلة أشمل تشمل حقائب الاقتصاد والمالية والطاقة. فالضغط الشعبي المستمر يطالب بتحسين المؤشرات المعيشية، وهو ما قد يدفع القيادة السورية نحو مزيد من التغييرات في المستقبل القريب.

تزامن صدور هذه المراسيم مع استعداد مجلس الشعب لعقد جلساته الافتتاحية، مما يضع الحكومة الجديدة تحت مجهر الرقابة التشريعية. ومن المتوقع أن يولد هذا المسار ضغطاً مؤسسياً يفرض على المسؤولين الجدد تحقيق نتائج سريعة وملموسة على الأرض.

عربي ودولي

الإثنين 11 مايو 2026 12:32 صباحًا - بتوقيت القدس

انفراجة دبلوماسية بين الجزائر وباريس: استئناف ملفات الذاكرة والتعاون الأمني

بدأت ملامح تحسن العلاقات بين الجزائر وباريس تتبلور بشكل عملي على أرض الواقع، وذلك عقب الزيارة الرسمية الثانية لمسؤول في الحكومة الفرنسية منذ مطلع العام الجاري. وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع عودة السفير الفرنسي إلى منصبه في العاصمة الجزائرية، مما يشير إلى رغبة مشتركة في تجاوز حالة الجمود التي سادت العلاقات الثنائية لفترة طويلة.

شكلت زيارة الوزيرة المنتدبة المكلفة بقدامى المحاربين، أليس روفو، محطة مفصلية في مسار التهدئة الحالي، حيث شاركت في مراسم إحياء ذكرى مجازر 8 ماي 1945. وتعتبر هذه المشاركة خطوة رمزية ثقيلة، خاصة مع اعتراف الرئاسة الفرنسية الصريح بحقيقة القمع الذي تعرضت له المظاهرات التاريخية في سطيف وقالمة وخراطة.

خلال استقبالها من قبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وصفت روفو المباحثات بأنها كانت بناءة للغاية وهدفت إلى إعادة بناء الثقة. وأكدت الوزيرة أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يسعى بجدية لإيجاد مسارات جديدة للتعاون تقوم على مبادئ الندية والاحترام المتبادل بين الدولتين، بعيداً عن توترات الماضي.

أثمرت اللقاءات عن قرار هام يقضي باستئناف أعمال اللجنة المشتركة للتاريخ والذاكرة دون أي تأخير إضافي، وهو الملف الذي ظل عالقاً لشهور. وتهدف هذه اللجنة إلى معالجة القضايا التاريخية الشائكة، بما في ذلك ملفات الأرشيف الوطني والمفقودين والتجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية.

على الصعيد الأمني، عقد الفريق أول السعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، جلسة مباحثات موسعة مع الوزيرة الفرنسية والوفد المرافق لها. وتناولت المباحثات سبل تعزيز التنسيق العسكري في ظل التحديات الأمنية المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي وحوض البحر الأبيض المتوسط.

شدد الفريق أول شنقريحة خلال اللقاء على ضرورة العمل المشترك لتجاوز مخلفات الماضي الاستعماري الأليم دون نسيانه أو القفز فوق حقائقه التاريخية. وأشار إلى أن التطلع نحو المستقبل يتطلب بناء علاقات متوازنة تخدم المصالح المشتركة للبلدين وتساهم في استقرار المنطقة التي تعاني من اضطرابات أمنية.

في ملف الهجرة، كشفت مصادر رسمية عن استئناف التعاون العملي بشكل ملحوظ، حيث أصدرت السلطات الجزائرية أكثر من 140 تصريح مرور قنصلي منذ بداية العام. وتعد هذه الوثائق أساسية لتنظيم عمليات ترحيل الأشخاص الموجودين في وضعية غير قانونية، وهو ملف كان يشكل نقطة خلاف جوهرية بين الطرفين.

لم تغب القضايا القضائية عن طاولة البحث، حيث تمت مناقشة وضعية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز المسجون في الجزائر بتهم تتعلق بالإرهاب. وأشارت التقارير إلى وجود بوادر لتسوية هذه القضية، خاصة بعد تخلي الصحافي عن الطعن في الحكم الصادر ضده، مما يفتح الباب أمام إمكانية صدور عفو رئاسي.

يرى مراقبون أن عودة السفير الفرنسي ستيفان روماتي إلى مهامه تمثل إشارة سياسية قوية على انتهاء مرحلة التصعيد الدبلوماسي الحاد. وكان السفير قد غادر الجزائر في وقت سابق وسط أزمة تفاقمت بسبب ملفات سياسية وإعلامية أثارت استياءً رسمياً واسعاً في الأوساط الجزائرية.

تتزامن هذه التحركات مع رغبة الإليزيه في إغلاق ملفات التوتر مع الجزائر قبل نهاية الولاية الرئاسية الحالية لماكرون. ويسعى الجانب الفرنسي إلى ضمان عدم تحول ملف الذاكرة إلى عائق دائم يمنع تطوير الشراكات الاقتصادية والأمنية الحيوية في القارة الإفريقية.

من جهتها، تصر الجزائر على أن أي تقارب مستقبلي يجب أن يحترم سيادتها الوطنية وقرارها المستقل، بعيداً عن أي محاولات للابتزاز السياسي. وتؤكد المصادر أن الجزائر الجديدة لم تعد تقبل بالوصاية التقليدية، بل تبحث عن شراكات قائمة على مبدأ رابح-رابح مع كافة القوى الدولية.

شملت المباحثات أيضاً ملفات إقليمية ساخنة، من بينها الوضع المتفجر في الشرق الأوسط وأمن الممرات المائية الدولية مثل مضيق هرمز. واعتبر الطرفان أن التحديات العالمية الراهنة تفرض إطلاق حوار معمق ومستمر لتنسيق المواقف في المحافل الدولية، خاصة وأن الجزائر تشغل مقعداً غير دائم في مجلس الأمن.

أوضح محللون سياسيون أن ما يحدث حالياً هو عملية 'تبريد' للأزمات المتراكمة وليس بالضرورة حلاً نهائياً لجميع الخلافات الجوهرية. فالبعد التاريخي يظل متداخلاً بشكل معقد مع الحسابات السياسية الداخلية في فرنسا، مما يجعل مسار بناء الثقة يحتاج إلى وقت وجهد مستمرين.

ستكون الأسابيع القادمة اختباراً حقيقياً لمدى جدية الالتزامات المتبادلة، خاصة فيما يتعلق بملف الذاكرة واستعادة الأرشيف. ويبقى الرهان على قدرة القيادتين في البلدين على عزل الملفات التقنية والأمنية عن التجاذبات السياسية التي غالباً ما تؤدي إلى انتكاسات في العلاقات الثنائية.

عربي ودولي

الإثنين 11 مايو 2026 12:18 صباحًا - بتوقيت القدس

تغييرات سيادية في سوريا: الشرع يعفي شقيقه من رئاسة الجمهورية ويعين وزراء ومحافظين جدد

أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع، يوم السبت، تعديلات واسعة في بنية الإدارة السورية شملت مناصب وزارية وأمنية وحساسة. وبموجب المرسوم رقم 98، عُين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية، ليحل مكان ماهر الشرع، شقيق رئيس الجمهورية، في خطوة لافتة ضمن إعادة ترتيب مؤسسة الرئاسة. ويحمل الأعمى خبرة إدارية سابقة كمحافظ لحمص ووزير في حكومة الإنقاذ.

وعلى الصعيد الوزاري، شملت المراسيم تعيين الأكاديمي المتخصص في الإعلام الرقمي، خالد فواز زعرور، وزيراً للإعلام خلفاً لحمزة المصطفى، فيما تسلم باسل حافظ السويدان حقيبة وزارة الزراعة. ويأتي السويدان من خلفية اقتصادية وإدارية مرتبطة بالقطاع الزراعي، حيث شغل سابقاً منصب معاون وزير ومدير لشركات استثمارية في محافظة إدلب.

وفيما يخص الإدارة المحلية، تضمنت القرارات تعيين غسان إلياس السيد أحمد محافظاً للقنيطرة، ومرهف خالد النعسان محافظاً لحمص، وأحمد علي مصطفى محافظاً للاذقية. كما كُلف زياد فواز العايش بمهام محافظ دير الزور، وهو الذي كان يشغل منصب معاون وزير الداخلية للشؤون المدنية ومسؤولاً عن ملفات التفاوض مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

وتعكس هذه التحركات الإدارية والأمنية المكثفة مساعي القيادة السورية الحالية لإعادة تشكيل مفاصل الدولة خلال المرحلة الانتقالية، عبر الدفع بوجوه جديدة تمتلك خلفيات متنوعة بين العمل الأكاديمي، والميداني، والسياسي المرتبط بمراحل التحول التي شهدتها البلاد.

عربي ودولي

الإثنين 11 مايو 2026 12:18 صباحًا - بتوقيت القدس

المغرب: العثور على جثة جندي أمريكي مفقود واستمرار البحث عن آخر

أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية رسمياً عن العثور على جثة جندي من قواتها كان قد فُقد قبل أيام خلال مشاركته في تدريبات عسكرية مشتركة فوق الأراضي المغربية. وأوضحت مصادر عسكرية أن فرق البحث والإنقاذ المغربية تمكنت من تحديد موقع الجثمان يوم السبت في عرض البحر، وذلك بعد عمليات تمشيط واسعة النطاق شملت المنطقة الساحلية القريبة من موقع الحادث.

وبحسب البيانات الصادرة عن الجيش الأمريكي، فإن الجندي المتوفى هو اللفتنانت أول كندريك لامونت كي جونيور، الذي كان يشغل منصب قائد فصيلة في إحدى وحدات المدفعية المشاركة في المناورات. وقد فُقد أثره في الثاني من مايو الجاري بالقرب من منحدر صخري وعر في منطقة 'كاب درعة'، وهي المنطقة التي تشهد تدريبات مكثفة ضمن تمرينات 'الأسد الأفريقي' السنوية.

وأشارت المصادر إلى أن الجثمان وُجد طافياً في المياه على مسافة تقدر بنحو ميل واحد من نقطة الاختفاء الأصلية، مما استدعى تدخل مروحية عسكرية لنقله بشكل عاجل. وجرى إيداع الجثة في مستودع الأموات بالمستشفى العسكري مولاي الحسن بمدينة كلميم، تمهيداً لإتمام الإجراءات القانونية والطبية اللازمة قبل البدء في ترتيبات ترحيله إلى الولايات المتحدة.

وفي سياق متصل، أكدت التقارير العسكرية أن عمليات البحث لا تزال جارية وبشكل مكثف للعثور على جندي أمريكي ثانٍ فُقد في الظروف ذاتها وفي نفس الموقع الجغرافي. وتعمل الفرق المغربية والأمريكية بالتنسيق المشترك لتغطية مساحات أوسع من الجرف الصخري والمناطق البحرية المحيطة، وسط آمال بالعثور على أي خيط يقود إلى مكانه.

وتأتي هذه الحادثة المأساوية في وقت تنخرط فيه القوات الأمريكية والمغربية في مناورات 'الأسد الأفريقي'، التي تُصنف كأضخم تدريبات عسكرية مشتركة تقودها واشنطن في القارة السمراء. ويشارك في نسخة هذا العام ما يقارب 5000 عسكري يمثلون أكثر من 40 دولة، بالإضافة إلى مراقبين من حلف شمال الأطلسي ودول شريكة أخرى.

وتهدف هذه المناورات، التي يتركز ثقلها الأكبر في المملكة المغربية، إلى تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة وتطوير مهارات التنسيق الميداني بين الجيوش المشاركة في مواجهة التحديات الأمنية. ورغم الحادثة، تستمر الأنشطة التدريبية المبرمجة، مع تشديد الإجراءات الأمنية والوقائية لضمان سلامة الأفراد المشاركين في المناطق التضاريسية الصعبة.

GENERAL

الإثنين 11 مايو 2026 12:17 صباحًا - بتوقيت القدس

الصحة النفسية في شهر التوعية: مواجهة الوصمة وبناء جسور الوقاية

يطل شهر أيار/ مايو من كل عام كمناسبة دولية مخصصة لرفع الوعي بالصحة النفسية، في وقت تزداد فيه الحاجة لإدماج المعافاة النفسية كركيزة أساسية في استقرار المجتمعات. وتأتي هذه المناسبة لتؤكد أن جودة الحياة لا تكتمل دون توازن نفسي يحمي الأفراد من تداعيات التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.

إن الجهود المبذولة في هذا الإطار تسعى إلى تحويل الصحة النفسية من موضوع هامشي إلى أولوية وطنية، تهدف للحد من الضغوط والاضطرابات عبر برامج وقائية وعلاجية متكاملة. ويبرز هذا الشهر كدعوة ملحة لتعزيز ثقافة الإصغاء وتوفير بيئات داعمة للأفراد الذين يواجهون صراعات داخلية صامتة.

ورغم التقدم المعرفي، لا تزال الفجوة كبيرة بين الوعي والممارسة، وهو ما تجسد في حوادث مؤلمة هزت الرأي العام، مثل مأساة سيدة الإسكندرية التي أنهت حياتها في بث مباشر. هذه الوقائع تعيد التذكير بأن غياب الدعم والصمت المحيط بالمعاناة قد يكون أكثر فتكاً من المرض النفسي ذاته.

المجتمعات التي تتجاهل قضايا الصحة النفسية تترك أفرادها عرضة للوصمة والابتزاز والوحدة القاتلة، مما يجعل مراجعة التعامل مع النفس البشرية ضرورة حتمية. فالصحة النفسية لم تعد ترفاً، بل أصبحت جزءاً أصيلاً من معادلة البقاء في عالم يزداد تعقيداً وضغطاً يوماً بعد يوم.

ويعد اضطراب القلق نموذجاً دالاً على التحديات النفسية الشائعة، لقدرته الفائقة على التسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية دون ملاحظة واضحة. فهو يتحول من مجرد توتر عابر إلى خوف مستمر يعطل القدرة على اتخاذ القرار ويشوش التركيز ويؤثر بشكل مباشر على الوظائف الجسدية.

وتشير التقديرات العالمية إلى أن نحو 4.4% من سكان العالم يعانون من اضطرابات القلق، حيث وصل عدد المصابين في عام 2021 إلى نحو 359 مليون شخص. هذه الأرقام الضخمة تعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشها الملايين خلف أبواب الصمت، بعيداً عن أعين الرعاية الصحية.

ومما يزيد المشهد تعقيداً أن شخصاً واحداً فقط من بين كل أربعة مصابين يحصل على العلاج الفعلي، نتيجة عوامل متداخلة تشمل نقص الوعي وارتفاع التكاليف. كما تلعب الوصمة الاجتماعية دوراً محورياً في دفع الكثيرين لإخفاء آلامهم بدلاً من طلب المساعدة المهنية المتخصصة.

في المجتمعات العربية، تتضاعف هذه التحديات حيث لا يزال الحديث عن الصحة النفسية محاطاً بالتحفظ والشكوك الاجتماعية. ويُنظر أحياناً إلى طلب العلاج النفسي كعلامة ضعف، مما يوسع الفجوة بين حجم المشكلة الحقيقي وحجم الاستجابة المؤسساتية والمجتمعية لها.

وتظهر الإحصاءات أن النساء والفتيات هن الأكثر عرضة للإصابة باضطرابات القلق مقارنة بالرجال، نتيجة التوقعات الاجتماعية والضغوط المرتبطة بالصورة الذهنية. هذه العوامل تجعل المرأة أكثر هشاشة في مواجهة الانهيار إذا لم تجد مساحة آمنة للبوح والدعم النفسي المتخصص.

ولا يمكن فصل القلق عن اضطرابات أخرى مثل الاكتئاب، حيث يترافقان غالباً مع فقدان الشغف والشعور بالعجز التام. هذا التقاطع الخطير يرفع من احتمالات اللجوء إلى سلوكيات مدمرة مثل الإدمان، كنوع من الهروب المؤقت من ألم نفسي لم يجد صاحبه من يسانده.

إن الارتفاع المتسارع في معدلات الانتحار عالمياً يجعل من الحديث عن الصحة النفسية ضرورة قصوى لا تقبل التأجيل أو المماطلة. فكل حالة انتحار تمثل خسارة مجتمعية فادحة، وهي نتيجة مباشرة لغياب الوعي الكافي بمنظومات الدعم النفسي والوقاية الأولية.

ويقع على عاتق الإعلام دور كبير في تجاوز 'إعلام الفضفضة' نحو تقديم محتوى مهني يفكك المفاهيم الخاطئة ويقدم معرفة علمية رصينة. فالإعلام الجاد يساهم في بناء وعي جمعي يشجع الأفراد على طلب المساعدة دون خوف، ويفتح نقاشات حقيقية حول مسارات العلاج.

تتطلب حماية الإنسان من العتمة النفسية تكاملاً بين السياسات العامة والمؤسسات الصحية والبيئات التعليمية المختلفة. فحين يتعامل المجتمع مع الألم النفسي كشأن إنساني طبيعي، يصبح الطريق نحو التعافي أكثر وضوحاً، ويجد الفرد سنده قبل الوصول إلى حافة الانهيار.

في الختام، يجب أن تتحول رسائل شهر التوعية من شعارات موسمية إلى التزام مستدام يضمن الوصول العادل لخدمات الصحة النفسية. إن الصحة النفسية ليست خياراً أو ترفاً، بل هي حق أصيل من حقوق الإنسان يجب حمايته لضمان بناء مجتمعات قوية ومتماسكة.