عربي ودولي

الإثنين 11 مايو 2026 12:32 صباحًا - بتوقيت القدس

انفراجة دبلوماسية بين الجزائر وباريس: استئناف ملفات الذاكرة والتعاون الأمني

بدأت ملامح تحسن العلاقات بين الجزائر وباريس تتبلور بشكل عملي على أرض الواقع، وذلك عقب الزيارة الرسمية الثانية لمسؤول في الحكومة الفرنسية منذ مطلع العام الجاري. وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع عودة السفير الفرنسي إلى منصبه في العاصمة الجزائرية، مما يشير إلى رغبة مشتركة في تجاوز حالة الجمود التي سادت العلاقات الثنائية لفترة طويلة.

شكلت زيارة الوزيرة المنتدبة المكلفة بقدامى المحاربين، أليس روفو، محطة مفصلية في مسار التهدئة الحالي، حيث شاركت في مراسم إحياء ذكرى مجازر 8 ماي 1945. وتعتبر هذه المشاركة خطوة رمزية ثقيلة، خاصة مع اعتراف الرئاسة الفرنسية الصريح بحقيقة القمع الذي تعرضت له المظاهرات التاريخية في سطيف وقالمة وخراطة.

خلال استقبالها من قبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وصفت روفو المباحثات بأنها كانت بناءة للغاية وهدفت إلى إعادة بناء الثقة. وأكدت الوزيرة أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يسعى بجدية لإيجاد مسارات جديدة للتعاون تقوم على مبادئ الندية والاحترام المتبادل بين الدولتين، بعيداً عن توترات الماضي.

أثمرت اللقاءات عن قرار هام يقضي باستئناف أعمال اللجنة المشتركة للتاريخ والذاكرة دون أي تأخير إضافي، وهو الملف الذي ظل عالقاً لشهور. وتهدف هذه اللجنة إلى معالجة القضايا التاريخية الشائكة، بما في ذلك ملفات الأرشيف الوطني والمفقودين والتجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية.

على الصعيد الأمني، عقد الفريق أول السعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، جلسة مباحثات موسعة مع الوزيرة الفرنسية والوفد المرافق لها. وتناولت المباحثات سبل تعزيز التنسيق العسكري في ظل التحديات الأمنية المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي وحوض البحر الأبيض المتوسط.

شدد الفريق أول شنقريحة خلال اللقاء على ضرورة العمل المشترك لتجاوز مخلفات الماضي الاستعماري الأليم دون نسيانه أو القفز فوق حقائقه التاريخية. وأشار إلى أن التطلع نحو المستقبل يتطلب بناء علاقات متوازنة تخدم المصالح المشتركة للبلدين وتساهم في استقرار المنطقة التي تعاني من اضطرابات أمنية.

في ملف الهجرة، كشفت مصادر رسمية عن استئناف التعاون العملي بشكل ملحوظ، حيث أصدرت السلطات الجزائرية أكثر من 140 تصريح مرور قنصلي منذ بداية العام. وتعد هذه الوثائق أساسية لتنظيم عمليات ترحيل الأشخاص الموجودين في وضعية غير قانونية، وهو ملف كان يشكل نقطة خلاف جوهرية بين الطرفين.

لم تغب القضايا القضائية عن طاولة البحث، حيث تمت مناقشة وضعية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز المسجون في الجزائر بتهم تتعلق بالإرهاب. وأشارت التقارير إلى وجود بوادر لتسوية هذه القضية، خاصة بعد تخلي الصحافي عن الطعن في الحكم الصادر ضده، مما يفتح الباب أمام إمكانية صدور عفو رئاسي.

يرى مراقبون أن عودة السفير الفرنسي ستيفان روماتي إلى مهامه تمثل إشارة سياسية قوية على انتهاء مرحلة التصعيد الدبلوماسي الحاد. وكان السفير قد غادر الجزائر في وقت سابق وسط أزمة تفاقمت بسبب ملفات سياسية وإعلامية أثارت استياءً رسمياً واسعاً في الأوساط الجزائرية.

تتزامن هذه التحركات مع رغبة الإليزيه في إغلاق ملفات التوتر مع الجزائر قبل نهاية الولاية الرئاسية الحالية لماكرون. ويسعى الجانب الفرنسي إلى ضمان عدم تحول ملف الذاكرة إلى عائق دائم يمنع تطوير الشراكات الاقتصادية والأمنية الحيوية في القارة الإفريقية.

من جهتها، تصر الجزائر على أن أي تقارب مستقبلي يجب أن يحترم سيادتها الوطنية وقرارها المستقل، بعيداً عن أي محاولات للابتزاز السياسي. وتؤكد المصادر أن الجزائر الجديدة لم تعد تقبل بالوصاية التقليدية، بل تبحث عن شراكات قائمة على مبدأ رابح-رابح مع كافة القوى الدولية.

شملت المباحثات أيضاً ملفات إقليمية ساخنة، من بينها الوضع المتفجر في الشرق الأوسط وأمن الممرات المائية الدولية مثل مضيق هرمز. واعتبر الطرفان أن التحديات العالمية الراهنة تفرض إطلاق حوار معمق ومستمر لتنسيق المواقف في المحافل الدولية، خاصة وأن الجزائر تشغل مقعداً غير دائم في مجلس الأمن.

أوضح محللون سياسيون أن ما يحدث حالياً هو عملية 'تبريد' للأزمات المتراكمة وليس بالضرورة حلاً نهائياً لجميع الخلافات الجوهرية. فالبعد التاريخي يظل متداخلاً بشكل معقد مع الحسابات السياسية الداخلية في فرنسا، مما يجعل مسار بناء الثقة يحتاج إلى وقت وجهد مستمرين.

ستكون الأسابيع القادمة اختباراً حقيقياً لمدى جدية الالتزامات المتبادلة، خاصة فيما يتعلق بملف الذاكرة واستعادة الأرشيف. ويبقى الرهان على قدرة القيادتين في البلدين على عزل الملفات التقنية والأمنية عن التجاذبات السياسية التي غالباً ما تؤدي إلى انتكاسات في العلاقات الثنائية.

دلالات

شارك برأيك

انفراجة دبلوماسية بين الجزائر وباريس: استئناف ملفات الذاكرة والتعاون الأمني

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.