أقلام وأراء

الإثنين 11 مايو 2026 9:56 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة بين شعارات السلام وواقع القصف والجوع والتهجير


 غزة المنسية لم تعرف يوما اي هدوء رغم الحديث عن هدنة زائفة وخطة ترامب التي دخلت شهرها الثامن، لم تعرف غزة الهدوء الحقيقي، ولم يتوقف القصف ولا القتل ولا سياسة العقاب الجماعي، وكأن كل ما أُعلن لم يكن سوى غطاء سياسي لإدارة الحرب بطريقة مختلفة، لا لإنهائها.
ثمانية أشهر مرّت على الخطة الأمريكية التي قُدّمت باعتبارها مشروعًا للسلام والتهدئة، لكن القطاع ما زال يعيش واحدة من أكثر المراحل دموية وقسوة في تاريخه، الشهداء يسقطون يوميًا، والغارات لا تتوقف، والمناطق المدمرة تتوسع باستمرار، فيما يعيش السكان بين الخيام والركام والجوع والخوف في مساحة تضيق عليهم كل يوم، فمرة  يكون الخط الاصفر ومرة الخط البرتقالي، لكن لا نعرف اللون القادم للخط الجديد، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى عملية استنزاف شاملة تستهدف الإنسان الفلسطيني في حياته وكرامته ووجوده.
اللافت أن مفهوم "الهدنة" نفسه فقد معناه في غزة، ففي كل مرة يُعلن فيها عن وقف لإطلاق النار، يتبين أن القصف مستمر بأشكال مختلفة، وأن الحصار لا يزال قائمًا، وأن سياسة التجويع والمنع والإغلاق لم تتغير، لقد أصبحت الهدنة في الحالة الفلسطينية أقرب إلى إعادة تنظيم لإدارة الحرب، بحيث تمنح الاحتلال فرصة لترتيب أولوياته العسكرية والسياسية، بينما يبقى الفلسطيني تحت النار والحصار دون أي حماية حقيقية.
وفي قلب هذه المأساة، تبرز قضية النزوح القسري بوصفها واحدة من أخطر أدوات الحرب الحالية، مئات آلاف الفلسطينيين أُجبروا على مغادرة بيوتهم تحت القصف، ثم طُلب منهم العودة إلى مناطق تحولت إلى مدن أشباح، بلا بنية تحتية ولا خدمات ولا مساكن صالحة للحياة ، الناس يعودون إلى الركام لا لأن الظروف أصبحت آمنة، بل لأنهم لا يملكون خيارًا آخر، وهذا بحد ذاته شكل من أشكال الإكراه الإنساني الذي يدفع الإنسان للعيش داخل كارثة مفتوحة.
الأخطر من ذلك أن الاحتلال لا يكتفي بالتدمير، بل يستخدم الجوع كسلاح مباشر، فالمساعدات الإنسانية والطبية تخضع لحصار مشدد، والمعابر تُفتح وتُغلق وفق الحسابات السياسية والعسكرية، فيما تتفاقم معاناة المدنيين بصورة يومية، لم يعد الجوع نتيجة جانبية للحرب، بل تحول إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى إنهاك المجتمع ودفعه نحو الانهيار الكامل ، وحين يصبح الحصول على الخبز أو الدواء أو الماء معركة يومية، فإن الحرب تكون قد تجاوزت حدود المواجهة العسكرية إلى محاولة تحطيم إرادة شعب بأكمله.
ورغم كل الحديث الدولي عن القوانين الإنسانية وحقوق المدنيين، فإن العالم يبدو عاجزًا أو غير راغب في فرض أي التزام حقيقي على إسرائيل، الإدانات تتكرر، والتصريحات الدبلوماسية تتوالى، لكن شيئًا لا يتغير على الأرض، أما الولايات المتحدة، التي تقدم نفسها باعتبارها راعية للسلام، فقد بدت شريكًا سياسيًا في إدارة الأزمة أكثر من كونها طرفًا يسعى لوقفها، خصوصًا مع استمرار الدعم العسكري والسياسي للاحتلال، وغياب أي ضغط فعلي يجبره على وقف الحرب أو إنهاء الحصار.
ما يجري في غزة اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل محاولة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بالقوة؛ عبر التدمير والتجويع والتهجير وإنتاج بيئة غير قابلة للحياة، إنها حرب تستهدف الوعي والإرادة والوجود معًا، وتسعى لتحويل الفلسطيني إلى إنسان منهك يبحث فقط عن النجاة الفردية بعد أن تُسلب منه مقومات الحياة الجماعية والوطنية.
لكن، وبرغم كل هذا الخراب، ما زالت غزة تقاوم بطريقتها الخاصة، فبقاء الناس فوق أرضهم، وتمسكهم بالحياة وسط الجوع والقصف، ورفضهم مغادرة وطنهم رغم كل الضغوط، يكشف أن المشروع القائم على كسر الإنسان الفلسطيني لم ينجح بعد، وربما لهذا السبب تستمر الحرب؛ لأن الاحتلال، رغم كل القوة التي يمتلكها، لم يتمكن حتى الآن من انتزاع الهزيمة من داخل إرادة الناس أنفسهم.
في غزة، لم يعد الناس يحلمون بالنصر الكبير ولا بالحياة المرفهة، بل بحفنة خبز، بسقف لا يسقط فوق رؤوس أطفالهم، بليلة واحدة بلا قصف، وبصباح لا يبدؤون فيه بتفقد أسماء الشهداء، هناك أمهات يخبئن دموعهن كي لا ينهار ما تبقى من قلوب أطفالهن، وآباء يشعرون بالعجز لأنهم لا يستطيعون حماية عائلاتهم من الجوع والموت، وأطفال كبروا قبل أوانهم وهم يتعلمون معنى الفقد تحت النار، ومع ذلك، ما زال هذا الشعب المرهق يتمسك بالحياة بصورة تُربك العالم كله، فغزة، التي أرادوها مدينة منكوبة ومنكسرة، تحولت إلى قصة صمود موجعة، تُذكّر البشرية كل يوم بأن الإنسان يمكن أن يُحاصر ويُجوَّع ويُقصف، لكنه قد يظل متمسكًا بأرضه وكرامته حتى آخر نفس، ولهذا حين تنتهي هذه الحرب يومًا ما، لن يكون السؤال فقط كم بيتًا هُدم وكم إنسانًا استُشهد، بل كيف استطاع العالم أن ينام كل هذه الشهور بينما كانت غزة تُذبح وحدها تحت السماء.
================================

ما يجري في غزة اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل محاولة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بالقوة؛ عبر التدمير والتجويع والتهجير وإنتاج بيئة غير قابلة للحياة، إنها حرب تستهدف الوعي والإرادة والوجود معًا، وتسعى لتحويل الفلسطيني إلى إنسان منهك يبحث فقط عن النجاة الفردية

دلالات

شارك برأيك

غزة بين شعارات السلام وواقع القصف والجوع والتهجير

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.